الميزان في تفسير القرآن الجزء ١

الميزان في تفسير القرآن8%

الميزان في تفسير القرآن مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 459

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 459 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 172488 / تحميل: 9035
الحجم الحجم الحجم
الميزان في تفسير القرآن

الميزان في تفسير القرآن الجزء ١

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

والمقام مقام الدعاء بالبيان الّذي تقدّم - لا يراد به إلّا عدّة معدودة ممّن آمن بالنبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وكذا قوله: كنتم خير اُمّة خرجت للناس وهو في مقام الامتنان وتعظيم القدر وترفيع الشأن لا يشمل جميع الاُمّة، وكيف يشمل فراعنة هذه الاُمّة دجاجلتها الّذين لم يجدوا للّدين أثراً إلّا عفوه ومحوه، ولا لأوليائه عظماً إلّا كسروه وسيجئ تمام البيان في الآية إنشاء الله فهو من قبيل قوله تعالى لبني إسرائيل :( وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ ) البقرة - ٤٧، فإنّ منهم قارون ولا يشمله الآية قطعاً، كما أنّ قوله تعالى:( وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ) الفرقان - ٣٠، لا يعمّ جميع هذه الاُمّة وفيهم أولياء القرآن ورجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله تعالى.

وأمّا قوله تعالى:( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ) البقرة - ١٣٤، فالخطاب فيه متوجّة إلى جميع الاُمّة ممّن آمن بالنبيّ، أو من بعث إليه.

( بحث علمي)

إذا رجعنا إلى قصّة إبراهيمعليه‌السلام وسيره بولده وحرمته إلى أرض مكّة، وإسكانهما هناك، وما جرى عليهما من الأمر، حتّى آل الأمر، إلى ذبح إسماعيل وفدائه من جانب الله وبنائهما البيت، وجدنا القصّة دورة كاملة من السير العبودي الّذي يسير به العبد من موطن نفسه إلى قرب ربّه، ومن أرض البعد إلى حظيرة القرب بالإعراض عن زخارف الدنيا، وملاذّها، وأمانيّها من جاه، ومال، ونساء وأولاد، والانقلاع والتخلّص عن وساوس الشياطين، وتكديرهم صفو الإخلاص والإقبال والتوجّه إلى مقام الربّ ودار الكبرياء.

فها هي وقائع متفرّقة مترتّبة تسلسلت وتألّفت قصّة تاريخيّة تحكي عن سير عبوديّ من العبد إلى الله سبحانه وتشمل من أدب السير والطلب والحضور ورسوم الحبّ والوله والإخلاص على ما كلّما زدت في تدبّره إمعاناً زادك استنارة ولمعانا.

٣٠١

ثمّ: إنّ الله سبحانه أمر خليله إبراهيم: أن يشرع للناس عمل الحجّ، كما قال:( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) إلى آخر الآيات الحجّ - ٢٧، وما شرعهعليه‌السلام وإن لم يكن معلوما لنا بجميع خصوصيّاته، لكنّه كان شعاراً دينيّاً عند العرب في الجاهليّة إلى أن بعث الله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وشرع فيه ما شرع ولم يخالف فيه ما شرعه إبراهيم إلّا بالتكميل كما يدلّ عليه قوله تعالى:( قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ) الانعام - ١٦١، وقوله تعالى:( شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ) الشورى - ١٣.

وكيف كان فما شرعه النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) من نسك الحجّ المشتمل على الإحرام والوقوف بعرفات ومبيت المشعر والتضحية ورمى الجمرات والسعى بين الصفا والمروة والطواف والصلاة بالمقام تحكي قصّة إبراهيم، وتمثل مواقفه ومواقف أهله ومشاهدهم ويا لها من مواقف طاهرة إلهيّة القائد إليها جذبة الربوبيّة والسائق نحوها ذلّة العبوديّة.

والعبادات المشروعة - على مشرّعيها أفضل السلام - صور لمواقف الكمّلين من الأنبياء من ربّهم، وتماثيل تحكي عن مواردهم ومصادرهم في مسيرهم إلى مقام القرب والزلفى، كما قال تعالى:( لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) الاحزاب - ٢١، وهذا أصل.

وفي الأخبار المبيّنة لحكم العبادات وأسرار جعلها وتشريعها شواهد كثيرة على هذا المعنى، يعثر عليها المتتبّع البصير.

٣٠٢

( سورة البقرة الآيات ١٣٠ - ١٣٤)

وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ  وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا  وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ( ١٣٠ ) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ  قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ( ١٣١ ) وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ( ١٣٢ ) أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٣ ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ  لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ  وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٣٤ )

( بيان)

قوله تعالى: ( وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ ) ، الرغبة، إذا عدّيت بعن أفادت: معنى الإعراض والنفرة، وإذا عدّيت بفي أفادت: معنى الشوق والميل، وسفه يأتي متعدّيا ولازماً، ولذلك ذكر بعضهم أنّ قوله: نفسه مفعول لقوله: سفه، وذكر آخرون أنّه تمييز لا مفعول، والمعنى على أيّ حال: أنّ الإعراض عن ملّة إبراهيم من حماقة النفس، وعدم تمييزها ما ينفعها ممّا يضرّها ومن هذه الآية يستفاد معنى ما ورد في الحديث: أنّ العقل ما عبد به الرحمن.

قوله تعالى: ( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا ) ، الاصطفاء أخذ صفوة الشئ وتمييزه عن غيره إذا اختلطا، وينطبق هذا المعنى بالنظر إلى مقامات الولاية على خلوص العبوديّة وهو أن يجري العبد في جميع شؤونه على ما يقتضيه مملوكيّته وعبوديّته من التسليم الصرف لربّه، وهو التحقّق بالدين في جميع الشؤون فإنّ الدين لا يشتمل إلّا على مواد العبوديّة في اُمور الدنيا والآخرة وتسليم ما يرضاه الله لعبده في جميع اُموره كما قال

٣٠٣

الله تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران - ١٩، فظهر: أنّ مقام الاصطفاء هو مقام الإسلام بعينه ويشهد بذلك قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) الآية فإنّ الظاهر أن الظرف متعلّق بقوله: اصطفيناه، فيكون المعنى أنّ إصطفائه إنّما كان حين قال له ربّه: أسلم، فأسلم لله ربّ العالمين فقوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) ، بمنزله التفسير لقوله: اصطفيناه.

وفي الكلام التفات من التكلّم إلى الغيبة في قوله: إذ قال له ربّه أسلم، ولم يقل إذ قلنا له أسلم، والتفات آخر من الخطاب إلى الغيبة في المحكيّ من قول إبراهيم: قال أسلمت لربّ العالمين، ولم يقل: قال أسلمت لك امّاالأوّل ، فالنكتة فيه: الإشارة إلى أنّه كان سرّا استسرّ به ربّه إذ أسرّه إليه فيما خلى به معه فإنّ للسامع المخاطب اتّصالاً بالمتكلّم فإذا غاب المتكلّم عن صفة حضوره انقطع المخاطب عن مقامه وكان بينه وبين ما للمتكلّم من الشأن والقصّة ستر مضروب، فأفاد: أنّ القصّة من مسامرات الأنس وخصائص الخلوة.

وأمّاالثاني: فلأنّ قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ ) ، يفيد معنى الاختصاص باللطف والاسترسال في المسارّة لكن أدب الحضور كان يقتضى من إبراهيم وهو عبد عليه طابع الذلّة والتواضع أن لا يسترسل، ولا يعدّ نفسه مختصّا بكرامة القرب متشرّفا بحظيرة الأنس، بل يراها واحداً من العبيد الأذلّاء المربوبين، فيسلم لربّ يستكين إليه جميع العالمين فيقول: أسلمت لربّ العالمين.

الإسلام والتسليم والاستسلام بمعنى واحد، من السلّم، وأحد الشيئين إذا كان بالنسبة إلى الآخر بحال لا يعصيه ولا يدفعه فقد أسلم وسلّم واستسلم له، قال تعالى:( بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ ) البقرة - ١١٢، وقال تعالى:( إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ) الانعام - ٧٩، ووجه الشئ ما يواجهك به، وهو بالنسبة إليه تعالى تمام وجود الشئ فإسلام الإنسان له تعالى هو وصف الانقياد والقبول منه لما يرد عليه من الله سبحانه من حكم تكوينيّ، من قدر وقضاء، أو تشريعيّ من أمر أو نهى أو غير ذلك، ومن هنا كان له مراتب بحسب ترتّب الواردات بمراتبها.

الاولى: من مراتب الإسلام، القبول لظواهر الأوامر والنواهي بتلقّي

٣٠٤

الشهادتين لساناً، سواء وافقه القلب، أو خالفه، قال تعالى:( قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ ) الحجرات - ١٤، ويتّعقب الإسلام بهذا المعنى أوّل مراتب الإيمان وهو الإذعان القلبّي بمضمون الشهادتين إجمالاً ويلزمه العمل في غالب الفروع.

الثانيه: مايلي الإيمان بالمرتبة الاُولى، وهو التسليم والانقياد القلبّي لجلّ الاعتقادات الحقّة التفصيليّة وما يتبعها من الأعمال الصالحة وإن أمكن التخطّي في بعض الموارد. قال الله تعالى في وصف المتّقين:( الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ ) الزخرف - ٦٩، وقال أيضاً:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً ) البقرة - ٢٠٨، فمن الإسلام ما يتأخّر عن الإيمان محقّقاً فهو غير المرتبة الاُولى من الإسلام ويتعقّب هذا الإسلام المرتبة الثانية من الإيمان وهو الاعتقاد التفصيليّ بالحقائق الدينيّة. قال تعالى:( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الحجرات - ١٥، وقال أيضاً:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ) الصّف - ١١، وفيه إرشاد المؤمنين إلى الإيمان، فالإيمان غير الإيمان.

الثالثه: مايلي الإيمان بالمرتبة الثانية فإنّ النفس إذا أنست بالإيمان المذكور وتخلّقت بأخلاقه تمكّنت منها وانقادت لها سائر القوى البهيميّة والسُبعيّة، وبالجملة القوى المائلة إلى هوسات الدنيا وزخارفها الفانية الداثرة، وصار الإنسان يعبدالله كأنّه يراه فإن لم يكن يراه فإنّ الله يراه، ولم يجد في باطنه وسرّه ما لا ينقاد إلى أمره ونهيه أو يسخط من قضائه وقدره، قال الله سبحانه:( فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) النساء - ٦٥، ويتعقّب هذه المرتبة من الإسلام المرتبة الثالثة من الإيمان، قال الله تعالى:( قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ) إلى أن قال:( وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ) المؤمنون - ٣، ومنه قوله تعالى:( إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ) إلى غير ذلك، وربّما عدّت المرتبتان

٣٠٥

الثانية والثالثة مرتبة واحدة.

والأخلاق الفاضلة من الرضاء والتسليم، والحسبة والصّبر في الله، وتمام الزهد والورع، والحبّ والبغض في الله من لوازم هذه مرتبة.

الرابعة مايلي، المرتبة الثالثة من الإيمان فإنّ حال الإنسان وهو في المرتبة السابقة مع ربّه حال العبد المملوك مع مولاه، إذ كان قائماً بوظيفة عبوديّته حقّ القيام، وهو التسليم الصرف لما يريده المولى أو يحبّه ويرتضيه، والأمر في ملك ربّ العالمين لخلقة أعظم من ذلك وأعظم وإنّه حقيقة الملك الّذي لا استقلال دونه لشئ من الأشياء لا ذاتاً ولا صفة، ولا فعلاً على ما يليق بكبريائه جلّت كبريائه.

فالإنسان - وهو في المرتبة السابقة من التسليم - ربّما أخذته العناية الربّانيّة فأشهدت له أنّ الملك لله وحده لا يملك شئ سواه لنفسه شيئاً إلّا به لا ربّ سواه، وهذا معنى وهبيّ، وإفاضة إلهيّة لا تأثير لإرادة الإنسان فيه، ولعلّ قوله تعالى: ربّنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرّيّتنا اُمّة مسلمة لك، وأرنا مناسكنا، الآية، إشارة إلى هذه المرتبة من الإسلام فإنّ قوله تعالى: إذ قال له ربّه أسلم، قال أسلمت لربّ العالمين الآية ظاهره أنّه أمر تشريعي لا تكوينيّ، فإبراهيم كان مسلماً باختياره، إجابة لدعوة ربّه وامتثالا لأمره، وقد كان هذا من الأوامر المتوجّهة إليهعليه‌السلام في مبادئ حاله: فسؤاله في أواخر عمره مع ابنه إسماعيل الإسلام وإرائة المناسك سؤال لأمر ليس زمامه بيده أو سؤال لثبات على أمر ليس بيده فالإسلام المسئول في الآية هو هذه المرتبة من الإسلام ويتعقّب الإسلام بهذا المعنى المرتبة الرابعة من الإيمان وهو استيعاب هذا الحال لجميع الأحوال والأفعال، قال تعالى:( أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ) يونس - ٦٢، فإنّ هؤلاء المؤمنين المذكورين في الآية يجب أن يكونوا على يقين من أن لا استقلال لشئ دون الله، ولا تأثير لسبب إلّا بإذن الله حتّى لا يحزنوا من مكروه واقع، ولا يخافوا محذورا محتملا، وإلّا فلا معنى لكونهم بحيث، لا يخوّفهم شئ ولا يحزنهم أمر، فهذا النوع من الإيمان بعد الإسلام المذكور فافهم.

قوله تعالى: ( وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) ، الصلاح، وهو اللّياقة بوجه

٣٠٦

ربّما نسب في كلامه إلى عمل الإنسان وربّما نسب إلى نفسه وذاته، قال تعالى:( فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ) الكهف - ١١٠، وقال تعالى:( وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) النّور - ٣٢.

وصلاح العمل وإن لم يرد به تفسير بيّن من كلامه تعالى غير أنّه نسب إليه من الآثار ما يتّضح به معناه.

فمنها: أنّه صالح لوجه الله. قال تعالى:( صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) الرعد - ٢٢، وقال تعالى:( وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ ) البقرة - ٢٧٢.

ومنها: أنّه صالح لأن يثاب عليه. قال تعالى:( ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ) القصص - ٨٠.

ومنها: أنّه يرفع الكلم الطيّب الصاعد إلى الله سبحانه قال تعالى:( إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ) فاطر - ١٠، فيستفاد من هذه الآثار المنسوبة إليه: أنّ صلاح العمل معنى تهيّؤه ولياقته لأن يلبس لباس الكرامة ويكون عوناً وممدّاً لصعود الكلام الطيّب إليه تعالى. قال تعالى:( وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ) الحج - ٣٧، وقال تعالى:( كُلًّا نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا ) الاسراء - ٢٠، فعطاؤه تعالى بمنزلة الصورة، وصلاح العمل بمنزله المادّة.

وأمّا صلاح النفس والذات فقد قال تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النّساء - ٦٩، وقال تعالى:( وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ ) الأنبياء - ٨٦، وقال تعالى حكاية عن سليمان:( وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ) النمل - ١٩، وقال تعالى:( وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا - إلى قوله- وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٥، وليس المراد الصلاح لمطلق الرحمة العامّة الإلهيّة الواسعة لكلّ شئ ولا الخاصّة بالمؤمنين على ما يفيده قوله تعالى:( وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ) الأعراف - ١٥٦، إذ هؤلاء القوم وهم الصالحون، طائفة خاصّة من المؤمنين المتّقين، ومن الرحمة ما يختصّ ببعض دون بعض، قال تعالى

٣٠٧

( يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ) البقرة - ١٠٥، وليس المراد أيضاً مطلق كرامة الولاية، وهو تولّي الحقّ سبحانه أمر عبده، فإنّ الصالحين وإن شرّفوا بذلك وكانوا من الأولياء المكرّمين على ما بيّناه سابقاً في قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) فاتحة الكتاب - ٦ وسيجئ في تفسير الآية لكنّ هذه أعني الولاية صفة مشتركة بينهم وبين النبيّين، والصدّيقين، والشهداء فلا يستقيم إذن عدّهم طائفة خاصّة في قبالهم.

نعم الأثر الخاصّ بالصلاح هو الإدخال في الرحمة، وهو الأمن العامّ من العذاب كما ورد المعنيان معاً في الجنّة، قال تعالى:( فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ) الجاثية - ٣٠، أي في الجنّة، وقال تعالى:( يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ ) الدخان - ٥٥، أي في الجنّة.

وأنت إذا تدبّرت قوله تعالى:( وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا ) الأنبياء - ٧٥، وقوله:( وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٢ - حيث نسب الفعل إلى نفسه تعالى لا إلى العبد - ثمّ تأمّلت أنّه تعالى قصّر الأجر والشكر على ما بحذاء العمل والسعي قضيت بأنّ الصلاح الذّاتيّ كرامة ليست بحذاء العمل والإرادة وربّما تبيّن به معنى قوله تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا ) - وهو ما بالعمل - وقوله:( وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ ) - وهو أمر غير ما بالعمل على ما سيجئ بيانه إنشاء الله في تفسير قوله تعالى:( لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا ) ق - ٣٥-.

ثمّ إنك إذا تأمّلت حال إبراهيم ومكانته في أنّه كان نبيّاً مرسلاً وأحد اُولي العزم من الأنبياء، وأنّه إمام، وأنّه مقتدى عدّة ممّن بعده من الأنبياء والمرسلين وأنّه من الصالحين بنصّ قوله تعالى:( وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ ) الأنبياء - ٧٢، الظاهر في الصلاح المعجل على أنّ من هو دونه في الفضل من الأنبياء أكرم بهذا الصلاح المعجّل وهوعليه‌السلام مع ذلك كلّه يسأل اللّحوق بالصالحين الظاهر في أنّ هناك قوماً من الصالحين سبقوه وهو يسأل اللّحوق بهم فيما سبقوه إليه، واُجيب بذلك في الآخرة كما يحكيه الله تعالى في ثلاثة مواضع من كلامه حيث قال تعالى:( وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) البقره - ١٣٠، وقال تعالى:( وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) العنكبوت - ٢٧، وقال تعالى:( وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ

٣٠٨

الصَّالِحِينَ ) النّحل - ١٢٢، فإذا تأمّلت ذلك حقّ التأمّل قضيت بأنّ الصلاح ذو مراتب بعضها فوق بعض ولم تستبعد لو قرع سمعك أنّ إبراهيمعليه‌السلام سأل اللّحوق بمحمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وآله الطاهرينعليه‌السلام فاُجيب إلى ذلك في الآخرة لا في الدنيا فإنّهعليه‌السلام يسأل اللّحوق بالصالحين ومحمّد (صلّي الله عليه وآله وسلّم) يدعيه لنفسه. قال تعالى:( إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ) الأعراف - ١٩٦ فإنّ ظاهر الآية أنّ رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) يدّعي لنفسه الولاية فالظاهر منه أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو المتحقّق بالصلاح الّذي يدّعيه بموجب الآية لنفسه وإبراهيم كان يسأل الله اللّحوق بعدّة من الصالحين يسبقونه في الصّلاح فهو هو.

قوله تعالى: ( وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ ) ، إي وصّى بالملّة.

قوله تعالى: ( فَلَا تَمُوتُنَّ ) ، النّهي عن الموت وهو أمر غير اختياريّ للإنسان، والتكليف إنّما يتعلّق بأمر اختياريّ إنّما هو لرجوعه إلى أمر يتعلّق بالاختيار، والتّقدير احذروا أن يغتالكم الموت في غير حال الإسلام، أي داوموا وألزموا الإسلام لئلّا يقع موتكم إلّا في هذا الحال، وفي الآية إشارة إلى أنّ الدين هو الإسلام كما قال تعالى:( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ ) آل عمران - ١٩.

قوله تعالى: ( وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ ) ، في الكلام إطلاق لفظ الأب على الجدّ والعمّ والوالد من غير مصحّح للتغليب، وحجّة فيما سيأتي إنشاء الله تعالى في خطاب إبراهيم لآزر بالأب.

قوله تعالى: ( إِلَهًا وَاحِدًا ) ، في هذا الإيجاز بعد الإطناب بقوله: إلهك وإله آبائك إلخ دفع لإمكان إيهام اللّفظ أن يكون إلهه غير إله آبائه على نحو ما يتّخذه الوثنيّون من الآلهة الكثيرة.

قوله تعالى: ( وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ) ، بيان للعبادة وأنّها ليست عبادة كيفما اتّفقت بل عبادة على نهج الإسلام وفي الكلام جملة أنّ دين إبراهيم هو الإسلام والموروث منه في بني إبراهيم كإسحق ويعقوب وإسماعيل، وفي بني إسرائيل، وفي بني إسماعيل من آل إبراهيم جميعاً هو الإسلام لا غير، وهو الّذي أتى به إبراهيم من ربّه فلا حجّة لأحد في تركه والدّعوة إلى غيره.

٣٠٩

( بحث روائي)

في الكافي عن سماعة عن الصادقعليه‌السلام الإيمان من الإسلام بمنزلة الكعبة الحرام من الحرم قد يكون في الحرم ولا يكون في الكعبة ولا يكون في الكعبة حتّى يكون في الحرم.

وفيه عن سماعة أيضاً عن الصادقعليه‌السلام قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلّا الله والتصديق برسول الله، به حقنت الدماء وعليه جرت المناكح والمواريث وعلى ظاهره جماعة الناس، والإيمان الهدى وما يثبت في القلوب من صفة الإسلام.

أقول: وفي هذا المضمون روايات اُخر وهي تدلّ على ما مرّ بيانه من المرتبة الاُولى من الإسلام والإيمان.

وفيه عن البرقيّ عن عليّعليه‌السلام : قال الإسلام هو التسليم والتسليم هو اليقين.

وفيه عن كاهل عن الصادق لو أنّ قوماً عبدوا الله - وحده لا شريك له - وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وحجّوا البيت، وصاموا شهر رمضان ثمّ قالوا لشئ صنعه الله أو صنعه رسول الله ألّا صنع بخلاف الّذي صنع أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين الحديث.

أقول: والحديثان يشيران إلى المرتبة الثالثة من الإسلام والإيمان.

وفي البحار عن إرشاد الديلميّ - وذكر سندين لهذا الحديث، وهو من أحاديث المعراج - وفيه: قال الله سبحانه: يا أحمد هل تدري أيّ عيش أهني وأيّ حياة أبقي ؟ قال: اللّهمّ لا، قال: أمّا العيش الهنئ فهو الّذي لا يفتر صاحبه عن ذكري ولا ينسى نعمتي، ولا يجهل حقّي، يطلب رضائي في ليله ونهاره، وأمّا الحياة الباقية، فهي الّتى يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا، وتصغر في عينه، وتعظم الآخرة عنده، ويؤثر هواي على هواه ويبتغي مرضاتي، ويعظّم حقّ نعمتي، ويذكر عملي به، ويراقبني باللّيل والنهار عند كلّ سيّئة أو معصية، وينقّي قلبه عن كلّ ما أكره، ويبغض الشيطان ووساوسه، ولا يجعل لإبليس على قلبه سلطاناً وسبيلاً، فإذا فعل ذلك أسكنت قلبه حبّاً حتّى أجعل قلبه وفراغه واشتغاله وهمّه وحديثه من النعمة الّتي أنعمت بها على أهل محبّتي من خلقي وأفتح عين قلبه وسمعه، حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي، و

٣١٠

أضيّق عليه الدنيا، واُبغّض إليه ما فيها من اللّذات، واُحذّره من الدنيا وما فيها كما يحذّر الراعى على غنمه مراتع الهلكة، فإذا كان هكذا يفرّ من الناس فرارا، وينقل من دار الفناء إلى دار البقاء، ومن دار الشيطان إلى دار الرحمن، يا أحمد ولاُزيّننّه بالهيبة والعظمة فهذا هو العيش الهنئ والحياة الباقية، وهذا مقام الراضين فمن عمل برضاي ألزمة ثلاث خصال أعرّفه شكراً لا يخالطه الجهل، وذكراً لا يخالطه النسيان، ومحبّة لا يؤثر على محبّتي محبّة المخلوقين، فإذا أحبّني أحببته وأفتح عين قلبه إلى جلالي، ولا اُخفى عليه خاصّة خلقي واُناجيه في ظُلَم اللّيل ونور النهار، حتّى ينقطع حديثه مع المخلوقين، ومجالسته معهم، واُسمعه كلامي وكلام ملائكتي وأعرّفه السرّ الّذي سترته عن خلقي، واُلبسه الحياء، حتّى يستحيي منه الخلق كلّهم، ويمشي على الأرض مغفوراً له، واجعل قلبه واعياً وبصيراً ولا اُخفي عليه شيئاً من جنّة ولا نار، واُعرّفه ما يمرّ على الناس في القيامة من الهول والشدّة وما اُحاسب به الأغنياء والفقراء والجهّال والعلماء، واُنوّمه في قبره، واُنزل عليه منكراً ونكيراً حتّى يسألاه، ولا يرى غمّ الموت، وظلمة القبر واللّحد، وهول المطّلع، ثمّ أنصب له ميزانه، وأنشر ديوانه، ثمّ أضع كتابه في يمينه فيقرؤه منشوراً، ثمّ لا أجعل بيني وبينه وترجماناً فهذه صفات المحبّين، يا أحمد اجعل همّك همّا واحداً واجعل لسانك لساناً واحداً واجعل بدنك حيّاً لا يغفل أبداً من يغفل عنّي لم اُبال في أيّ واد هلك.

وفي البحار عن الكافي و المعاني ونوادر الرّاوندي بأسانيد مختلفة عن الصادق والكاظمعليه‌السلام - و اللّفظ المنقول هيهنا للكافي - قال: استقبل رسول الله: حارثة بن مالك بن النعمان الانصاريّ فقال له: كيف أنت يا حارثة بن مالك النعمانيّ ؟ فقال: يا رسول الله مؤمن حقّاً، فقال له رسول الله: لكلّ شئ حقيقة فما حقيقة قولك ؟ فقال يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي، وأظمأت هواجرى، وكأنّي أنظر إلى عرش ربّي وقد وضع للحساب، وكأنّي أنظر إلى اهل الجنّة يتزاورون في الجنّة وكأنّي أسمع عواء أهل النار في النار، فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : عبد نوّر الله قلبه أبصرت فاثبت.

أقول: والروايتان تحومان حوم المرتبة الرابعة من الإسلام والإيمان

٣١١

المذكورتين وفي خصوصيّات معناهما روايات كثيرة متفرّقة سنورد جملة منها في تضاعيف الكتاب إنشاء الله تعالى والآيات تؤيّدها على ما سيجئ بيانها، واعلم أنّ لكلّ مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان معنى من الكفر والشرك يقابله. ومن المعلوم أيضاً أنّ الإسلام والإيمان كلّما دقّ معناهما ولطف مسلكهما، صعب التخلّص ممّا يقابلهما من معنى الكفر أو الشرك. ومن المعلوم أيضاً أنّ كلّ مرتبة من مراتب الإسلام والإيمان الدانية، لا ينافي الكفر أو الشرك من المرتبة العالية، وظهور آثارهما فيها. وهذان أصلان.

ويتفرّع عليهما: أن للآيات القرآنيّة بواطن تنطبق على موارد لا تنطبق عليها ظواهرها وليكن هذا عندك على إجماله حتّى يأتيك تفصيله.

وفي تفسير القمّيّ في قوله تعالى: ولدينا مزيد. قالعليه‌السلام النظر إلى رحمة الله.

وفي المجمع عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم): يقول الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا اُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

أقول: والروايتان قد اتّضح معناهما عند بيان معنى الصلاح، والله الهادي.

وفي تفسير العيّاشيّ في قوله تعالى: أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت الآية، عن الباقرعليه‌السلام أنّها جرت في القائم.

أقول: قال في الصافي: لعلّ مراده أنّها في قائم آل محمّد فكلّ قائم منهم يقول: ذلك حين موته لبنيه، ويجيبونه بما أجابوا به.

٣١٢

( سورة البقرة الآيات ١٣٥ - ١٤١)

وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا  قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا  وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ١٣٥ ) قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ( ١٣٦ ) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا  وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ  فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ  وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ( ١٣٧ ) صِبْغَةَ اللهِ  وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً  وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ( ١٣٨ ) قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ ( ١٣٩ ) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ  قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ  وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ  وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ١٤٠ ) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ  لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ  وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ( ١٤١ )

( بيان)

قوله تعالى: ( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ) ، لما بيّن تعالى أنّ الدين الحقّ الّذي كان عليه أولاد إبراهيم من إسماعيل وإسحاق ويعقوب وأولاده كان هو الإسلام الّذي كان عليه إبراهيم حنيفا، استنتج من ذلك أنّ الإختلافات والانشعابات الّتي يدعو إليها فرق المنتحلين من اليهود والنصارى، أمور إخترعتها هوساتهم، ولعبت بها أيديهم لكونهم في شقاق، فتقطّعوا بذلك طوائف وأحزاباً دينيّة، وصبغوا دين الله سبحانه وهو دين التوحيد ودين الوحدة، بصبغة الأهواء والأغراض والمطامع، مع أنّ الدّين

٣١٣

واحد كما أنّ الإله المعبود بالدين واحد وهو دين إبراهيم. وبه فليتمسّك المسلمون وليتركوا شقاق أهل الكتاب.

فإنّ من طبيعة هذه الحياة الأرضيّة الدنيويّة التغيّر والتحوّل في عين الجرى والاستمرار كنفس الطبيعة الّتي هي كالمادّة لها ويوجب ذلك أن تتغيّر الرسوم والآداب والشعائر القوميّة بين طوائف الملل وشعباتها، وربّما يوجب ذلك تغييراً وانحرافاً في المراسم الدينيّة، وربّما يوجب دخول ما ليس من الدين في الدين، أو خروج ما هو منه والأغراض والغايات الدنيويّة ربّما تحلّ محلّ الأغراض الدينيّة الإلهيّة (وهي بليّة الدين)، وعند ذلك ينصبغ الدين بصبغة القوميّة فيدعو إلى هدف دون هدفه الأصليّ ويؤدّب الناس غير أدبه الحقيقيّ، فلا يلبث حتّى يعود المنكر (وهو ما ليس من الدين) معروفاً يتعصّب له الناس لموافقته هوساتهم وشهواتهم والمعروف منكراً ليس له حامٍ يحميه ولا واقٍ يقيه ويؤل الأمر إلى ما نشاهده اليوم من...

وبالجملة فقوله تعالى:( وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) ، إجمال تفصيل معناه وقالت اليهود كونوا هوداً تهتد، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا، كلّ ذلك لتشعّبهم وشقاقهم.

قوله تعالى: ( قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) ، جواب عن قولهم أي قل، بل نتّبع ملّة إبراهيم حنيفاً فإنّها الملّة الواحدة الّتي كان عليها جميع أنبيائكم، إبراهيم، فمن دونه، وما كان صاحب هذه الملّة وهو إبراهيم من المشركين ولو كان في ملّته هذه الانشعابات، وهي الضمائم الّتي ضمّها إليها المبتدعون، من الإختلافات لكان مشركاً بذلك، فإنّ ما ليس من دين الله لا يدعو إلى الله سبحانه، بل إلى غيره وهو الشرك، فهذا دين التوحيد الّذي لا يشتمل على ما ليس من عند الله تعالى.

قوله تعالى: ( قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا ) ، لما حكى ما يأمره به اليهود والنصارى من اتّباع مذهبهم، ذكر ما هو عنده من الحقّ (والحقّ يقول) وهو الشهادة على الإيمان بالله والإيمان بما عند الأنبياء، من غير فرق بينهم، وهو الإسلام وخصّ

٣١٤

الإيمان بالله بالذكر وقدّمه وأخرجه من بين ما أنزل على الأنبياء لأنّ الإيمان الله فطريّ، لا يحتاج إلى بيّنة النبوّة، ودليل الرسالة.

ثمّ ذكر سبحانه ما أنزل إلينا وهو القرآن أو المعارف القرآنيّة وما اُنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، ثمّ ذكر ما أوتي موسى وعيسى وخصّهما بالذكر لأنّ المخاطبة مع اليهود والنصارى وهم يدعون إليهما فقط ثمّ ذكر ما أوتي النبيّون من ربّهم، ليشمل الشهادة جميع الأنبياء فيستقيم قوله بعد ذلك: لا نفرّق بين أحد منهم.

وإختلاف التعبير في الكلام، حيث عبّر عمّا عندنا وعند إبراهيم وإسحاق ويعقوب بالإنزال وعمّا عند موسى وعيسى والنبيّين بالإيتاء وهو الإعطاء، لعلّ الوجه فيه أنّ الأصل في التعبير هو الإيتاء، كما قال تعالى بعد ذكر إبراهيم، ومن بعده ومن قبله من الأنبياء في سورة الأنعام:( أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الانعام - ٨٩، لكن لفظ الإيتاء ليس بصريح في الوحي والإنزال كما قال تعالى:( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ ) لقمان - ١٢، وقال:( وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ) الجاثية - ١٦، ولما كان كلّ من اليهود والنصارى يعدّون إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من أهل ملّتهم، فاليهود من اليهود، والنصاري من النصارى، واعتقادهم أن الملّة الحقّ من النصرانيّة، أو اليهوديّة، هي ما أوتيه موسى وعيسى، فلو كان قيل: وما اُوتي إبراهيم وإسماعيل لم يكن بصريح في كونهم بأشخاصهم صاحب ملّة بالوحي والإنزال وإحتمل أن يكون ما أوتوه، هو الّذي أوتيه موسى وعيسىعليهم‌السلام نسب إليهم بحكم التبعيّة كما نسب إيتاؤه إلى بني إسرائيل، فلذلك خصّ إبراهيم ومن عطف عليه باستعمال لفظ الإنزال وأما النبيّون قبل إبراهيم فليس لهم فيهم كلام حتّى يوهم قوله: وما أوتي النبيّون شيئاً يجب دفعه.

قوله تعالى: ( وَالْأَسْبَاطِ ) ، الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل والسبط كالقبيلة الجماعة يجتمعون على أب واحد، وقد كانوا اثنتي عشرة أسباطاً اُمماً وكلّ واحدة منهم تنتهي إلى واحد من أولاد يعقوب وكانوا اثنى عشر، فخلف كلّ واحد منهم اُمّة من الناس.

٣١٥

فإن كان المراد بالأسباط الاُمم والأقوام فنسبة الإنزال إليهم لاشتمالهم على أنبياء من سبطهم، وإن كان المراد بالأسباط الأشخاص كانوا أنبياء أنزل إليهم الوحي وليسوا بإخوة يوسف لعدم كونهم أنبياء، ونظير الآية قوله تعالى:( وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ ) النساء - ١٦٣.

قوله تعالى: ( فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا ) ، الإتيان بلفظ المثل مع كون أصل المعنى، فإن آمنوا بما آمنتم به، لقطع عرق الخصام والجدال، فإنّه لو قيل لهم أن آمنوا بما آمنّا به أمكن أن يقولوا كما قالوا، بل نؤمن بما اُنزل علينا ونكفر بما ورائه، لكن لو قيل لهم، إنّا آمنّا بما لا يشتمل إلّا على الحقّ فآمنوا أنتم بما يشتمل على الحقّ مثله، لم يجدوا طريقاً للمراء والمكابرة، فإنّ الّذي بيدهم لا يشتمل على صفوة الحقّ.

قوله تعالى: ( فِي شِقَاقٍ ) ، الشقاق النفاق والمنازعة والمشاجرة والافتراق.

قوله تعالى: ( فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ ) ، وعدٌ لرسول الله بالنصرة عليهم، وقد أنجز وعده وسيتمّ هذه النعمة للاُمّة الإسلاميّة إذا شاء، واعلم: أنّ الآية معترضة بين الآيتين السابقة واللاحقة.

قوله تعالى: ( صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً ) ، الصبغة بناء نوع من الصبغ أي هذا الإيمان المذكور صبغة إلهيّة لنا، وهي أحسن الصبغ لا صبغة اليهوديّة والنصرانيّة بالتفرّق في الدين، وعدم إقامته.

قوله تعالى: ( وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ) ، في موضع الحال، وهو كبيان العلّة لقوله: صبغة الله ومن أحسن.

قوله تعالى: ( قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللهِ ) ، إنكار، لمحاجّة أهل الكتاب، المسلمين في الله سبحانه وقد بيّن وجه الإنكار، وكون محاجّتهم لغواً وباطلاً، بقوله وهو ربّنا وربّكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون، وبيانه: أنّ محاجّة كلّ تابعين في متبوعهما ومخاصمتهما فيه إنّما تكون لأحد أمور ثلاث: إمّا لاختصاص كلّ من التابعين بمتبوع دون متبوع الآخر، فيريدان بالمحاجّة كلّ تفضيل متبوعه وربّه على

٣١٦

الآخر، كالمحاجّة بين وثنيّ ومسلم، وإمّا لكون كلّ واحد منهما أو أحدهما يريد مزيد الاختصاص به، وإبطال نسبة رفيقه، أو قربه أو ما يشبه ذلك، بعد كون المتبوع واحداً، وإمّا لكون أحدهما ذا خصائص وخصال لا ينبغي أن ينتسب إلى هذا المتبوع وفعاله ذاك الفعال، وخصاله تلك الخصال لكونه موجباً، لهتكه أو سقوطه أو غير ذلك، فهذه علل المحاجّة والمخاصمة بين كلّ تابعين، والمسلمون وأهل الكتاب إنّما يعبدون إلهاً واحداً، وأعمال كلّ من الطائفتين لا تزاحم الاُخرى شيئاً والمسلمون مخلصون في دينهم لله، فلا سبب يمكن أن يتشبّث به أهل الكتاب في محاجّتهم، ولذلك أنكر عليهم محاجّتهم أوّلاً ثمّ نفى واحداً واحداً من أسبابها الثلاثة، ثانياً.

قوله تعالى: ( أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ) ، وهو قولّ كل من الفريقين، إنّ إبراهيم ومن ذكر بعده منهم، ولازم ذلك كونهم هوداً أو نصارى أو قولهم صريحاً إنّهم كانوا هوداً أو نصارى، كما يفيده ظاهر قوله تعالى:( يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ) آل عمران - ٦٥.

قوله تعالى: ( قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ ) ، فإنّ الله أخبرنا وأخبركم في الكتاب أنّ موسى وعيسى وكتابيهما بعد إبراهيم ومن ذكر معه.

قوله تعالى: ( وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ ) ، أي كتم ما تحمّل شهادة أنّ الله أخبر بكون تشريع اليهوديّة أو النصرانيّة بعد إبراهيم ومن ذكر معه، فالشهادة المذكورة في الآية شهادة تحمّل، أو المعنى كتم شهادة الله على كون هؤلاء قبل التوراة والإنجيل، فالشهادة شهادة أداء، المتعيّن هو المعنى الأوّل.

قوله تعالى: ( تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ) ، أي إنّ الغور في الأشخاص وأنّهم ممّن كانوا لا ينفع حالكم، ولا يضرّكم السكوت عن المحاجّة والمجادلة فيهم، والواجب عليكم الاشتغال بما تسألون غداً عنه، وتكرار الآية مرّتين لكونهم يفرطون في هذه المحاجّة الّتى لا تنفع لحالهم شيئاً، وخصوصاً مع علمهم بأنّ إبراهيم كان قبل اليهوديّة والنصرانيّة، وإلّا فالبحث عن حال الأنبياء، والرسل بما ينفع البحث فيه كمزايا رسالاتهم وفضائل نفوسهم الشريفة ممّا ندب إليه القرآن حيث يقصّ قصصهم ويأمر بالتدبّر فيها.

٣١٧

( بحث روائي)

في تفسير العيّاشيّ في قوله تعالى قل: بل ملّة إبراهيم حنيفاً الآية، عن الصادقعليه‌السلام قال إنّ الحنيفيّة في الإسلام.

وعن الباقرعليه‌السلام ما أبقت الحنيفيّة شيئاً، حتّى أنّ منها قصّ الشارب وقلم الأظفار والختان.

وفي تفسير القمّيّ، أنزل الله على إبراهيم الحنيفيّة، وهي الطهارة، وهي عشرة: خمسة في الرأس وخمسة في البدن، فأمّا الّتي في الرأس فأخذ الشارب وإعفاء اللحى وطمّ الشعر والسواك والخلال، وأمّا الّتي في البدن فأخذ الشعر من البدن والختان وقلم الأظفار والغسل من الجنابة، والطهور بالماء وهي الحنيفيّة الطاهرة الّتي جاء بها إبراهيم فلم تنسخ ولا تنسخ إلى يوم القيامة.

أقول: طمّ الشعر، جزّه، وتوفيره وفي معنى الرواية أو ما يقرب منه أحاديث كثيرة جدّاً روتها الفريقان في كتبهم.

وفي الكافي وتفسير العيّاشيّ عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى: قولوا آمنّا بالله الآية، قال إنّما عنى بها عليّاً وفاطمة والحسن والحسين وجرت بعدهم في الأئمّة الحديث.

أقول: ويستفاد ذلك من وقوع الخطاب في ذيل دعوة إبراهيم ومن ذرّيّتنا أمّة مسلمة لك الآية ولا ينافي ذلك توجيه الخطاب إلى عامّة المسلمين وكونهم مكلّفين بذلك، فإنّ لهذه الخطابات عموماً وخصوصاً بحسب مراتب معناها على ما مرّ في الكلام على الإسلام والإيمان ومراتبهما.

وفي تفسير القمّيّ عن أحدهما، وفي المعاني عن الصادقعليه‌السلام : في قوله تعالى: صبغة الله الآية، قال الصبغة هي الإسلام.

أقول: وهو الظاهر من سياق الآيات.

وفي الكافي والمعاني عن الصادقعليه‌السلام قال صبغ المؤمنين بالولاية في الميثاق.

أقول: وهو من باطن الآية على ما سنبيّن معناه ونبيّن أيضاً معنى الولاية ومعنى الميثاق إن شاء الله العزيز.

٣١٨

( سورة البقرة الآيات ١٤٢ - ١٥١)

سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا  قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ  يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ( ١٤٢ ) وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا  وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ  وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ  وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ  إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ( ١٤٣ ) قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ  فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا  فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ  وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ  وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ( ١٤٤ ) وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ  وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ  وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ  وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ  إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ( ١٤٥ ) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ  وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( ١٤٦ ) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ  فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( ١٤٧ ) وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا  فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ  أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللهُ جَمِيعًا  إِنَّ اللهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ١٤٨ ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ  وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( ١٤٩ ) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ

٣١٩

عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ( ١٥٠) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ( ١٥١)

( بيان)

الآيات مترتّبة متّسقة منتظمةٌ في سياقها على ما يعطيه التدبّر فيها وهي تنبئي عن جعل الكعبة قبلة للمسلمين فلا يصغى إلى قول من يقول إنّ فيها تقدّماً وتأخّراً أو أنّ فيها ناسخاً ومنسوخاً، وربّما رووا فيها شيئاً من الروايات، ولا يعبأ بشئ منها بعد مخالفتها لظاهر الآيات.

قوله تعالى: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا ) ، هذا تمهيد ثانياً لما سيأمر تعالى به من اتّخاذ الكعبة قبلة وتعليم للجواب عمّا سيعترض به السفهاء من الناس وهم اليهود تعصّباً لقبلتهم الّتي هي بيت المقدّس ومشركوا العرب الراصدون لكلّ أمرٍ جديد يحتمل الجدال والخصام، وقد مهّد لذلك أوّلاً بما ذكره الله تعالى من قصص إبراهيم وأنواع كرامته على الله سبحانه وكرامة ابنه إسماعيل ودعوتهما للكعبة ومكّة وللنبيّ والاُمّة المسلمة وبنائهما البيت والأمر بتطهيره للعبادة، ومن المعلوم أنّ تحويل القبلة من بيت المقدّس إلى الكعبة من اعظم الحوادث الدينيّة وأهمّ التشريعات الّتي قوبل به الناس بعد هجرة النبيّ إلى المدينة وأخذ الإسلام في تحقيق اُصوله ونشر معارفه وبثّ حقائقه، فما كانت اليهود وغيرهم تسكت وتستريح في مقابل هذا التشريع، لأنّهم كانوا يرون أنّه يبطل واحداً من اعظم مفاخرهم الدينيّة وهو القبلة واتّباع غيرهم لهم فيها وتقدّمهم على من دونهم في هذا الشعار الدينيّ، على أنّ ذلك تقدّم باهر في دين المسلمين، لجمعه وجوههم في عباداتهم ومناسكهم الدينيّة إلى نقطة واحدة يخلّصهم من تفرّق الوجوه في الظاهر وشتات الكلمة في الباطن واستقبال الكعبة أشدّ تأثيراً وأقوى من أمثال الطهارة والدعاء وغيرهما في نفوس المسلمين، عند

٣٢٠

اليهود ومشركي العرب وخاصّة عند اليهود كما يشهد به قصصهم المقتصّة في القرآن، فقد كانوا اُمّة لا يرون لغير المحسوس من عالم الطبيعة أصالة ولا لغير الحسّ وقعاً، إذا جائهم حكم من أحكام الله معنويّ قبلوه من غير تكلّم عليه وإذا جاءهم أمر من ربّهم صوريّ متعلّق بالمحسوس من الطبيعة كالقتال والهجرة والسجدة وخضوع القول وغيرها قابلوه بالإنكار وقاوموا عليه ودونه أشدّ المقاومة.

وبالجملة فقد أخبر الله سبحانه عمّا سيعترضون به على تحويل القبلة وعلّم رسوله ما ينبغي أن يجابوا ويقطع به قولهم.

أمّا اعتراضهم: فهو أنّ التحوّل عن قبلة شرعها الله سبحانه للماضين من أنبيائه إلى بيت، ما كان به شئ من هذا الشرف الذاتيّ ما وجهه ؟ فإن كان بأمر من الله فإنّ الله هو الّذي جعل بيت المقدّس قبلة فكيف ينقض حكمه وينسخ مشرعه، واليهود ما كانت تعتقد النسخ (كما تقدّم في آية النسخ) وإن كان بغير أمر الله ففيه الانحراف عن مستقيم الصراط والخروج من الهداية إلى الضلال وهو تعالى وإن لم يذكر في كلامه هذا الاعتراض، إلّا أنّ ما أجاب به يلوّح ذلك.

وأمّا الجواب: فهو أنّ جعل بيت من البيوت كالكعبة، أو بناء من الأبنية أو الأجسام كبيت المقدّس، أو الحجر الواقع فيه قبلةً ليس لاقتضاء ذاتيّ منه يستحيل التعدّي عنه أو عدم إجابة اقتضائه حتّى يكون البيت المقدّس في كونه قبلةً لا يتغيّر حكمه ولا يجوز إلغاؤه، بل جميع الأجسام والأبنية وجميع الجهات الّتي يمكن أن يتوجّه إليه الإنسان في أنّها لا تقتضي حكماً ولا يستوجب تشريعاً على السواء وكلّها لله يحكم فيها ما يشاء وكيف يشاء ومتى يشاء، وما حكم به من حكم فهو لهداية الناس على حسب ما يريد من صلاحهم وكمالهم الفرديّ والنوعيّ، فلا يحكم إلّا ليهدى به ولا يهدي إلّا إلى ما هو صراط مستقيم إلى كمال القوم وصلاحهم.

قوله تعالى: ( سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ ) ، أراد بهم اليهود والمشركين من العرب ولذلك عبّر عنهم بالناس وإنّما سفّههم لعدم استقامة فطرتهم وثقوب رأيهم في أمر التشريع. والسفاهة عدم استقامة العقل وتزلزل الرأي.

٣٢١

قوله تعالى: ( مَا وَلَّاهُمْ ) ، تولية الشئ أو المكان جعله قدّام الوجه وأمامه كالاستقبال. قال تعالى فلنولّينّك قبلة ترضيها الآية، والتولية عن الشئ صرف الوجه عنه كالاستدبار ونحوه، والمعنى ما الّذي صرفهم أو صرف وجههم عن القبلة الّتي كانوا عليها وهو بيت المقدّس الّذي كان يصلّي إليه النبيّ والمسلمون أيّام إقامته بمكّة وعدّة شهور بعد هجرته إلى المدينة وإنّما نسبوا القبلة إلى المسلمين مع أنّ اليهود أقدم في الصلاة إليها ليكون أوقع في إيجاد التعجّب وأوجب للاعتراض، وإنّما قيل ما ولّيهم عن قبلتهم ولم يقل ما ولّى النبيّ والمسلمين لما ذكرنا من الوجه، فلو قيل ما ولّى النبيّ والمسلمين عن قبلة اليهود لم يكن التعجّب واقعاً موقعه وكان الجواب عنه ظاهراً لكلّ سامع بأدنى تنبّه.

قوله تعالى: ( قُل لِّلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ) ، اقتصر من بين الجهات بهاتين لكونهما هما المعنيّتين لسائر الجهات الأصليّه والفرعيّة كالشمال والجنوب وما بين كلّ جهتين من الجهات الأربعة الأصليّه، والمشرق والمغرب جهتان إضافيّتان تتعيّنان بشروق الشمس أو النجوم وغروبهما، يعمّان جميع نقاط الأرض غير نقطتين موهومتين هُما نقطتا الشمال والجنوب الحقيقيّتان، ولعلّ هذا هو الوجه في وضع المشرق والمغرب موضع الجهات.

قوله تعالى: ( يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ، تنكير الصراط لأنّ الصراط يختلف بإختلاف الاُمم في استعداداتها للهداية إلى الكمال والسعادة.

قوله تعالى: ( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) ، الظاهر أنّ المراد كما سنحوّل القبلة لكم لنهديكم إلى صراط مستقيم كذلك جعلناكم اُمّة وسطاً (هو كما ترى)، وأمّا المراد بكونهم اُمّة وسطاً شهداء على الناس فالوسط هو المتخلّل بين الطرفين لا إلى هذا الطرف ولا إلى ذاك الطرف، وهذ الاُمّة بالنسبة إلى الناس - وهم أهل الكتاب والمشركون - على هذا الوصف فإنّ بعضهم - وهم المشركون والوثنيّون - إلى تقوية جانب الجسم محضاً لا يريدون إلّا الحياة الدنيا والاستكمال بملاذّها وزخارفها وزينتها، لا يرجون بعثاً ولا نشوراً، ولا يعباؤن بشئٍ من الفضائل المعنويّة والروحيّة، وبعضهم كالنصارى إلى تقوية جانب الروح لا يدعون

٣٢٢

إلّا إلى الرهبانيّة ورفض الكمالات الجسميّة الّتي أظهرها الله تعالى في مظاهر هذه النشأة المادّيّة لتكون ذريعة كاملة إلى نيل ما خلق لأجله الإنسان، فهؤلاء أصحاب الروح أبطلوا النتيجة بإبطال سببها واُؤلئك أصحاب الجسم أبطلوا النّتيجة بالوقوف على سببها والجمود عليها، لكنّ الله سبحانه جعل هذه الاُمّة وسطاً بأن جعل لهم ديناً يهدي منتحليه إلى سواء الطريق وسط الطرفين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء بل يقوّي كلّاً من الجانبين - جانب الجسم وجانب الروح - على ما يليق به ويندب إلى جمع الفضيلتين فإنّ الإنسان مجموع الروح والجسم لا روح محضاً ولا جسم محضاً، ومحتاج في حياته السعيدة إلى جمع كلا الكمالين والسعادتين المادّيّة والمعنويّة، فهذه الاُمّة هي الوسط العدل الّذي به يقاس ويوزن كلّ من طرفي الإفراط والتفريط فهي الشهيدة على سائر الناس الواقعة في الأطراف والنبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) وهو المثال الأكمل من هذه الاُمّة - هو شهيد على نفس الاُمّة فهو (صلّي الله عليه وآله وسلّم) ميزان يوزن به حال الآحاد من الاُمّة، والاُمّة ميزان يوزن به حال الناس ومرجع يرجع إليه طرفا الإفراط والتفريط، هذا ما قرّره بعض المفسرين في معنى الآية وهو في نفسه معنى صحيح لا يخلو عن دقّة إلّا أنّه غير منطبق على لفظ الآية فإنّ كون الاُمّة وسطاً إنّما يصحّح كونها مرجعاً يرجع إليه الطرفان، وميزاناً يوزن به الجانبان لا كونها شاهدة تشهد على الطرفين، أو يشاهد الطرفين، فلا تناسب بين الوسطيّة بذاك المعنى والشهادة وهو ظاهر، على أنّه لا وجه حينئذ للتعرّض بكون رسول الله شهيداً على الاُمّة إذ لا يترتّب شهادة الرسول على الاُمّة على جعل الاُمّة وسطاً، كما يترتّب الغاية على المغيّى والغرض على ذيه.

على أنّ هذه الشهادة المذكورة في الآية، حقيقة من الحقائق القرآنيّة تكرّر ذكرها في كلامه سبحانه، واللائح من موارد ذكرها معنى غير هذا المعنى، قال تعالى:( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ) النساء - ٤١، وقال تعالى:( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) النحل - ٨٤، وقال تعالى:( وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) الزمر - ٦٩، والشهادة فيها مطلقة وظاهر الجميع على إطلاقها هو الشهادة على اعمال الاُمم، وعلى تبليغ الرسل أيضاً، كما

٣٢٣

يومي إليه قوله تعالى:( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ) الأعراف - ٦، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة يوم القيامة لكن تحمّلها في الدنيا على ما يعطيه قوله تعالى - حكاية عن عيسىعليه‌السلام -( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المائدة - ١١٧، وقوله تعالى:( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) النساء - ١٥٩. ومن الواضح أن هذه الحواسّ العاديّة الّتي فينا، والقوى المتعلّقة بها منّا لا تتحمّل إلّا صور الأفعال والأعمال فقط، وذلك التحمّل أيضاً، إنّما يكون في شئ يكون موجوداً حاضراً عند الحسّ لا معدوماً ولا غائباً عنه وأمّا حقائق الأعمال والمعاني النفسانيّة من الكفر والإيمان والفوز والخسران، وبالجملة كلّ خفيّ عن الحسّ ومستبطن عند الإنسان - وهي الّتي تكسب القلوب، وعليه يدور حساب ربّ العالمين يوم تبلى السرائر كما قال تعالى:( وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) البقرة - ٢٢٥ - فهي ممّا ليس في وسع الإنسان إحصاؤها والإحاطة بها وتشخيصها من الحاضرين فضلاً عن الغائبين إلّا رجل يتولّى الله أمره ويكشف ذلك له بيده. ويمكن أن يستفاد ذلك من قوله تعالى:( وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) الزخرف - ٨٦، فإنّ عيسى داخل في المستثنى في هذه الآية قطعاً - وقد شهد الله تعالى في حقّه بأنّه من الشهداء - كما مرّ في الآيتين السابقتين، فهو شهيد بالحقّ وعالم بالحقيقة.

والحاصل أنّ هذه الشهادة ليست هي كون الاُمّة على دين جامع للكمال الجسمانيّ والروحانيّ فإنّ ذلك على أنّه ليس معنى الشهادة خلاف ظاهر الآيات الشريفة.

بل هي تحمّل حقائق أعمال الناس في الدنيا من سعادة أو شقاء، وردّ وقبول، وانقياد وتمرّد، وأداء ذلك في الآخرة يوم يستشهد الله من كلّ شئ، حتّى من أعضاء الإنسان، يوم يقول الرسول يا ربّ إنّ قومي اتّخذوا هذا القرآن مهجوراً.

ومن المعلوم أنّ هذه الكرامة ليست ينالها جميع الاُمّة، إذ ليست إلّا كرامة خاصّة للأولياء الطاهرين منهم، وأمّا من دونهم من المتوسّطين في السعادة، والعدول من أهل

٣٢٤

الإيمان فليس لهم ذلك، فضلاً عن الأجلاف الجافية، والفراعنة، الطاغية من الاُمّة، وستعرف في قوله تعالى:( وَمَن يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ) النساء - ٦٩، أنّ أقلّ ما يتّصف به الشهداء - وهم شهداء الأعمال - أنّهم تحت ولاية الله ونعمته وأصحاب الصراط المستقيم، وقد مرّ إجمالاً في قوله تعالى:( صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ ) فاتحة الكتاب - ٧.

فالمراد بكون الاُمّة شهيدة أنّ هذه الشهادة فيهم، كما أنّ المراد بكون بني إسرائيل فضلّوا على العالمين، أنّ هذه الفضيلة فيهم من غير أن يتّصف به كلّ واحدٍ منهم، بل نسب وصف البعض إلى الكلّ لكون البعض فيه ومنه، فكون الاُمّة شهيدة هو أنّ فيهم من يشهد على الناس ويشهد الرسول عليهم.

فإن قلت: قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ ) الحديد - ١٩، يدلّ على كون عامّة المؤمنين شهداء.

قلت: قوله( عِندَ رَبِّهِمْ ِمْ ِمْ ِمْ ) ، يدلّ على أنّه تعالى سيلحقهم بالشهداء يوم القيامة، ولم ينالوه في الدنيا، نظير ذلك قوله تعالى:( وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ ) الطور - ٢١، على أنّ الآية مطلقة تدلّ على كون جميع المؤمنين من جميع الاُمم شهداء عند الله من غير اختصاص بهذه الاُمّة فلا ينفع المستدلّ شيئاً(١) .

فإن قلت: جعل هذه الاُمّة اُمّة وسطاً بهذا المعنى لا يستتبع كونهم أو كون بعضهم شهداء على الأعمال ولا كون الرسول شهيداً على هؤلاء الشهداء فالإشكال وارد على هذا التقريب كما كان واردا على التقريب السابق.

قلت: معنى الشهادة غاية متفرّعة في الآية على جعل الاُمّة وسطاً فلا محالة تكون الوسطيّة معنى يستتبع الشهادة والشهداء، وقد قال الله تعالى:( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا

____________________

(١) ولو كان المراد بالّذين آمنوا السابقون الأوّلون من المؤمنين لم ينفع في كون جميع الاُمة شهداء أيضاً منه

٣٢٥

بِاللهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) الحجّ - ٧٨، جعل تعالى كون الرسول شهيداً عليهم وكونهم شهداء على الناس غاية متفرّعة على الاجتباء ونفي الحرج عنهم في الدين ثمّ عرّف الدين بأنّه هو الملّة الّتي كانت لأبيكم إبراهيم الّذي هو سمّيكم المسلمين من قبل، وذلك حين دعا لكم ربّه وقال:( وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ) فاستجاب الله دعوته وجعلكم مسلمين، تسلمون له الحكم والأمر من غير عصيان واستنكاف، ولذلك ارتفع الحرج عنكم في الدين، فلا يشقّ عليكم شئ منه ولا يحرج، فأنتم المجتبون المهديّون إلى الصراط، المسلمون لربّهم الحكم والأمر، وقد جعلناكم كذلك ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس، أي تتوسّطوا بين الرسول وبين الناس فتّتصلوا من جهة إليهم، وعند ذلك يتحقّق مصداق دعائهعليه‌السلام فيكم وفي الرسول حيث قال:( رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ) البقرة - ١٢٩، فتكونون أمّة مسلمة أودع الرسول في قلوبكم علم الكتاب والحكمة، ومزكّين بتزكيته، والتزكية التطهير من قذرات القلوب، وتخليصها للعبوديّة، وهو معنى الإسلام كما مرّ بيانه، فتكونون مسلمين خالصين في عبوديّتكم، وللرسول في ذلك القدم الأوّل والهداية والتربية، فله التقدّم على الجميع، ولكم التوسّط باللحوق به، والناس في جانب وفي أوّل الآية وآخرها قرائن تدلّ على المعنى الّذي استفدناه منها غير خفيّة على المتدبّر فيها سنبيّنها في محلّه إنشاء الله.

فقد تبيّن بما قدّمناه:أوّلا: أنّ كون الاُمّة وسطاً مستتبع للغايتين جميعاً، وأنّ قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيداً الآية جميعاً لازم كونهم وسطاً.

وثانياً: أنّ كون الاُمّة وسطاً إنّما هو بتخلّلها بين الرسول وبين الناس، لا بتخلّلها بين طرفي الإفراط والتفريط، وجانبي تقوية الروح وتقوية الجسم في الناس.

وثالثاً: أنّ الآية بحسب المعنى مرتبطة بآيات دعوة إبراهيمعليه‌السلام وأنّ الشهادة من شئون الاُمّة المسلمة.

واعلم: أنّ الشهادة على الأعمال على ما يفيده كلامه تعالى لا يختصّ بالشهداء

٣٢٦

من الناس، بل كلّ ما له تعلّق ما بالعمل كالملائكة والزمان والمكان والدين والكتاب والجوارح والحواسّ والقلب فله فيه شهادة.

ويستفاد منها أنّ الّذي يحضر منها يوم القيامة هو الّذي في هذه النشأة الدنيويّة وأنّ لها نحواً من الحياة الشاعرة بها، تتحمّل بها خصوصيّات الأعمال، وترتسم هي فيها، وليس من اللّازم أن تكون الحياة الّتي في كلّ شئ، سنخاً واحداً كحياة جنس الحيوان، ذات خواصّ وآثار كخواصّها وآثارها، حتّى تدفعه الضرورة فلا دليل على انحصار أنحاء الحياة في نحو واحد. هذا إجمال القول في هذا المقام وأمّا تفصيل القول في كلّ واحد واحد منها فموكول إلى محلّه اللّائق به.

قوله تعالى: ( وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ) ، المراد بقوله لنعلم: إمّا علم الرسل والأنبياء مثلاً، لأنّ العظماء يتكلّمون عنهم وعن أتباعهم، كقول الأمير، قتلنا فلاناً وسجنّا فلاناً، وإنّما قتله وسجنه أتباعه لانفسه، وإمّا العلم العينيّ الفعليّ منه تعالى الحاصل مع الخلقة والإيجاد، دون العلم قبل الإيجاد.

والانقلاب على العقبين كناية عن الإعراض، فإنّ الإنسان - وهو منتصب على عقبيه - إذا انقلب من جهة إلى جهة، انقلب على عقبيه، فجعل كناية عن الإعراض نظير قوله:( وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ) الأنفال - ١٦، وظاهر الآية أنّه دفع لما يختلج في صدور المؤمنين: من تغيير القبلة ونسخها، ومن جهة الصلوات الّتي صلّوها إلى القبلة، ما شأنها ؟

ويظهر من ذلك أنّ المراد بالقبلة الّتي كان رسول الله عليها، هو بيت المقدّس دون الكعبة، فلا دليل على جعل بيت المقدّس قبلة مرّتين، وجعل الكعبة قبلة مرّتين، إذ لو كان المراد من القبلة في الآية الكعبة كان لازم ذلك ما ذكر.

وبالجملة كان من المترقّب أن يختلج في صدور المؤمنين:أولا: أنّه لما كان من المقدّر أن يستقرّ القبلة بالآخرة على الكعبة فما هو السبب، أوّلاً: في جعل بيت المقدّس قبلة ؟ فبيّن سبحانه أنّ هذه الأحكام والتشريعات ليست إلّا لأجل مصالح تعود إلى

٣٢٧

تربية الناس وتكميلهم، وتمحيص المؤمنين من غيرهم، وتمييز المطيعين من العاصين، والمنقادين من المتمردين، والسبب الداعي إلى جعل القبلة السابقة في حقّكم أيضاً هذا السّبب بعينه، فالمراد بقوله إلّا لنعلم من يتّبع الرسول: إلّا لنميّز من يتّبعك، والعدول من لفظ الخطاب إلى الغيبة لدخالة صفة الرّسالة في هذا التميّز، والمراد بجعل القبلة السابقة: جعلها في حقّ المسلمين، وإن كان المراد أصل جعل بيت المقدّس قبلة فالمراد مطلق الرسول، والكلام على رسله من غير التفاتٍ، غير أنّه بعيد من الكلام بعض البعد.

وثانياً: أنّ الصلوات الّتي كان المسلمون صلّوها إلى بيت المقدّس كيف حالها، وقد صلّيت إلى غير القبلة ؟ والجواب: أنّ القبلة قبله ما لم تنسخ، وأنّ الله سبحانه إذا نسخ حكماً رفعه من حين النسخ، لا من أصله، لرأفته ورحمته بالمؤمنين، وهذا ما أشار إليه بقوله: وما كان الله ليضيع اعمالكم، إنّ الله بالناس لرؤوف رحيم. والفرق بين الرأفة والرحمة، بعد اشتراكهما في أصل المعنى، أنّ الرأفة يختصّ بالمبتلى المفتاق، والرحمة أعمّ.

قوله تعالى: ( قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا ) ، الآية تدلّ على أنّ رسول الله قبل نزول آية القبلة - وهي هذه الآية - كان يقلّب وجهه في آفاق السماء، وأنّ ذلك كان انتظاراً منه، أو توقّعاً لنزول الوحي في أمر القبلة، لما كان يحبّ أن يكرمه الله تعالى بقبلة تختصّ به، لا أنّه كان لا يرتضى بيت المقدّس قبلة، وحاشاً رسول الله من ذلك، كما قال تعالى: فلنولّينّك قبلة ترضيها، فإنّ الرضا بشئ لا يوجب السخط بخلافه بل اليهود على ما في الروايات الواردة في شأن نزول الآية كانوا يعيّرون المسلمين في تبعيّة قبلتهم، ويتفاخرون بذلك عليهم، فحزن رسول الله ذلك، فخرج في سواد اللّيل يقلّب وجهه إلى السماء ينتظر الوحي من الله سبحانه، وكشف همّه فنزلت الآية، ولو نزلت على البقاء بالقبلة السابقة لكانت حجّة له (صلّي الله عليه وآله وسلّم) على اليهود، وليس ولم يكن لرسول الله ولا للمسلمين عارفي استقبال قبلتهم، إذ ليس للعبد إلّا الإطاعة والقبول، لكن نزلت بقبلة جديدة، فقطع تعييرهم وتفاخرهم، مضافاً إلى تعيين التكليف، فكانت حجّة ورضى.

٣٢٨

قوله تعالى: ( فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) . الشطر البعض، وشطر المسجد الحرام هو الكعبة، وفي قوله تعالى شطر المسجد الحرام دون أن يقال: فولّ وجهك الكعبة، أو يقال: فولّ وجهك البيت الحرام، محاذاة للحكم في القبلة السابقة فإنّها كانت شطر المسجد الأقصى، وهي الصخرة المعروفة هناك، فبدّلت من شطر المسجد الحرام - وهي الكعبة - على أنّ اضافة الشطر إلى المسجد وتوصيف المسجد، بالحرام يعطي مزاياً للحكم تفوت لو قيل: الكعبة أو البيت الحرام.

وتخصيص رسول الله بالحكم أوّلاً بقوله فولّ وجهك، ثمّ تعميم الحكم له ولغيره من المؤمنين بقوله وحيث ما كنتم يؤيّد أنّ القبلة حوّلت، ورسول الله قائم يصلّي في المسجد - والمسلمون معه - فاختصّ الأمر به، أوّلاً في شخص صلاته ثمّ عقب الحكم العامّ الشامل له ولغيره، ولجميع الأوقات والأمكنة.

قوله تعالى: ( وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ) ، وذلك لاشتمال كتابهم على صدق نبوّة رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم)، أو كون قبلة هذا النبيّ الصادق هو شطر المسجد الحرام، وأيّاماً كان فقوله: اوتوا الكتاب، يدلّ على اشتمال كتابهم على حقّيّة هذا التشريع، إمّا مطابقة أو تضمّناً، وما الله بغافل عمّا يعملون من كتمان الحقّ، واحتكار ما عندهم من العلم.

قوله تعالى: ( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ ) ، تقريع لهم بالعناد واللجاج، وأنّ إباؤهم عن القبول ليس لخفاء الحقّ عليهم، وعدم تبيّنه لهم، فإنّهم عالمون بأنّه حقّ علماً لا يخالطه شكّ، بل الباعث لهم على بثّ الاعتراض وإثارة الفتنة عنادهم في الدين وجحودهم للحقّ، فلا ينفعهم حجّة، ولا يقطع إنكارهم آية فلو أتيتهم بكلّ آية ما تبعوا قبلتك لعنادهم وجحودهم، وما أنت بتابع قبلتهم، لأنّك على بيّنة من ربّك ويمكن أن يكون قوله: وما أنت نهياً في صورة خبر، وما بعضهم بتابع قبلة بعض، وهم اليهود يستقبلون صخرة بيت المقدّس أينما كانوا، والنصارى يستقبلون المشرق أينما كانوا، فلا هذا البعض يقبل قبلة ذاك البعض، ولا ذاك يقبل قبلة هذا اتّباعاً للهوى.

٣٢٩

قوله تعالى: ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ) ، تهديد للنبيّ، والمعنى متوجّه إلى اُمّته، وإشارة إلى أنّهم في هذا التمرّد إنّما يتّبعون أهوائهم وأنّهم بذلك ظالمون.

قوله تعالى: ( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ ) ، الضمير في قوله يعرفونه، راجع إلى رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) دون الكتاب، والدليل عليه تشبيه هذه المعرفة بمعرفة الأبناء، فإنّ ذلك إنّما يحسن في الإنسان، ولا يقال في الكتاب، إنّ فلاناً يعرفه أو يعلمه، كما يعرف ابنه، على أنّ سياق الكلام - وهو في رسول الله، وما أوحي إليه من أمر القبلة، اجنبيّ عن موضوع الكتاب الّذي اُوتيه أهل الكتاب، فالمعنى أنّ أهل الكتاب يعرفون رسول الله بما عندهم من بشارات الكتب كما يعرفون أبنائهم، وأنّ فريقاً منهم ليكتمون الحقّ وهم يعلمون.

وعلي هذا ففي الكلام التفات من الحضور إلى الغيبة في قوله يعرفونه، فقد أخذ رسول الله غائباً، ووجه الخطاب إلى المؤمنين بعد ما كان (صلّي الله عليه وآله وسلّم) حاضراً، والخطاب معه، وذلك لتوضيح: أنّ أمره (صلّي الله عليه وآله وسلّم) واضح ظاهر عند أهل الكتاب، ومثل هذا النظم كمثل كلام من يكلّم جماعة لكنّه يخصّ واحداً منهم بالمخاطبة إظهاراً لفضله، فيخاطبه ويسمع غيره، فإذا بلغ إلى ما يخصّ شخص المخاطب من الفضل والكرامة، عدل عن خطابه إلى مخاطبة الجماعة، ثمّ بعد الفراغ عن بيان فضله عدل ثانياً إلى ما كان فيه أوّلاً من توجيه الخطاب إليه وبهذا يظهر نكتة الالتفات.

قوله تعالى: ( الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) ، تأكيد للبيان السابق وتشديد في النهى عن الامتراء، وهو الشكّ والارتياب، وظاهر الخطاب لرسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) ومعناه للاُمّة.

قوله تعالى: ( وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ) ، الوجهة ما يتوجّه إليه كالقبلة، و هذارجوع إلى تلخيص البيان السابق، وتبديل له من بيان آخر يهدي الناس إلى ترك تعقيب أمر القبله، والإكثار من الكلام فيه، والمعنى أنّ كلّ قوم فلهم قبلة مشرّعة على حسب ما يقتضيه مصالحهم وليس حكماً تكوينيّاً ذاتيّاً لا يقبل التغيير

٣٣٠

والتحويل، فلا يهمّ لكم البحث والمشاجرة فيه، فاتركوا ذلك واستبقوا الخيرات وسارعوا إليها بالاستباق، فإنّ الله سيجمعكم إلى يوم لا ريب فيه، وأينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إنّ الله على كلّ شئ قدير.

واعلم أنّ الآية كما أنّها قابلة الانطباق على أمر القبلة لوقوعها بين آياتها كذلك تقبل الانطباق على أمر التكوين، وفيها إشارة إلى القدر والقضاء، وجعل الأحكام والآداب لتحقيقها وسيجئ تمام بيانه فيما يخصّ به من المقام إنشاء الله.

قوله تعالى: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) ، ذكر بعض المفسّرين أنّ المعنى ومن أيّ مكان خرجت، وفي أيّ بقعة حللت فولّ وجهك وذكر بعضهم أنّ المعنى ومن حيث خرجت من البلاد، ويمكن أن يكون المراد بقوله ومن حيث خرجت، مكّة، الّتي خرج رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم) منها كما قال تعالى:( من قريتك الّتي أخرجتك ) محمّد - ١٣، ويكون المعنى أنّ استقبال البيت حكم ثابت لك في مكّة وغيرها من البلاد والبقاع وفي قوله وأنّه للحقّ من ربّك وما الله بغافل عمّا تعملون تأكيد و تشديد.

قوله تعالى: ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) ، تكرار الجملة الاُولى بلفظها لعلّه للدلالة على ثبوت حكمها على أيّ حال، فهو كقول القائل، اتّق الله إذا قمت واتّق الله إذا قعدت، واتّق الله إذا نطقت، واتّق الله إذا سكتّ، يريد: التزم التقوى عند كلّ واحدة من هذه الأحوال ولتكن معك، ولو قيل اتّق الله إذا قمت وإذا قعدت وإذا نطقت وإذا سكّت فاتت هذه النكتة، والمعنى استقبل شطر المسجد الحرام من الّتي خرجت منها وحيث ما كنتم من الأرض فولّوا وجوهكم شطره.

قوله تعالى: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي ) ، بيان لفوائد ثلاث في هذا الحكم الّذي فيه أشدّ التأكيد على ملازمة الامتثال والتحذّر عن الخلاف:

أحداها: أنّ اليهود كانوا يعلمون من كتبهم أنّ النبيّ الموعود تكون قبلته الكعبة

٣٣١

دون بيت المقدّس، كما قال تعالى: وإنّ الّذين اُوتوا الكتاب ليعلمون أنّه الحقّ من ربّهم الآية، وفي ترك هذا الحكم الحجّة لليهود على المسلمين بأنّ النبيّ ليس هو النبيّ الموعود لكن التزام هذا الحكم والعمل به يقطع حجّتهم إلّا الّذين ظلموا منهم، وهو استثناء منقطع، أي لكنّ الّذين ظلموا منهم باتّباع الأهواء لا ينقطعون بذلك فلا تخشوهم لأنّهم ظالمون باتّباع الأهواء، والله لا يهدي القوم الظالمين و اخشوني.

وثانيتها: أن ملازمة هذا الحكم يسوق المسلمين إلى تمام النعمة عليهم بكمال دينهم، وسنبيّن معنى تمام النعمة في الكلام على قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ) المائدة - ٣.

وثالثتها: رجاء الاهتداء إلى الصراط المستقيم، وقد مرّ معنى الاهتداء في الكلام على معنى قوله تعالى:( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) فاتحة الكتاب - ٦.

وذكر بعض المفسّرين أن اشتمال هذه الآية - وهي آية تحويل القبلة - على قوله وليتمّ نعمته عليكم ولعلّكم تهتدون، مع اشتمال قوله تعالى في سورة الفتح في ذكر فتح مكّة على هاتين الجملتين، إذ قال تعالى:( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) الفتح - ٢ يدلّ على كونها مشتملة على البشارة بفتح مكّة.

بيان ذلك أنّ الكعبة كانت مشغولة في صدر الإسلام بأصنام المشركين وأوثانهم وكان السلطان معهم، والإسلام لم يقو بعد بحيث يظهر قهره وقدرته، فهدى الله رسوله إلى استقبال بيت المقدّس، لكونه قبلة لليهود، الّذين هم أقرب في دينهم من المشركين إلى الإسلام، ثمّ لما ظهر أمر الإسلام بهجرة رسول الله إلى المدينة، وقرب زمان الفتح وتوقّع تطهيرالبيت من أرجاس الأصنام جاء الأمر بتحويل القبلة وهي النعمة العظيمة الّتي اختصّ به المسلمون، ووعد في آية التحويل إتمام النعمة والهداية وهو خلوص الكعبة من أدناس الأوثان، وتعيّنها لأن تكون قبله يعبدالله إليها، ويكون المسلمون هم المختصّون بها، وهي المختصّة بهم، فهي بشارة بفتح مكّة. ثمّ لما ذكر فتح مكّة حين فتحت أشار إلى ما وعدهم به من إتمام النعمة والبشارة بقوله ويتمّ نعمته عليك ويهديك صراطاً مستقيماً الآية.

٣٣٢

وهذا الكلام وإن كان بظاهره وجيها لكنّه خال عن التدبّر، فإنّ ظاهر الآيات لا يساعد عليه، إذ الدالّ على وعد إتمام النعمة في هذه الآية: ولأتمّ نعمتي عليكم ولعلّكم تهتدون، الآية إنّما هو لام الغاية، وآية سورة الفتح الّتي أخذها أنجازً لهذا الوعد ومصداقً لهذه البشارة أعني قوله تعالى:( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ) ، مشتملة على هذه اللّام بعينها، فالآيتان جميعاً مشتملتان على الوعد الجميل بإتمام النعمة، على أنّ آية الحجّ مشتملة على وعد إتمام النعمة لجميع المسلمين، وآية الفتح على ذلك لرسول الله خاصّة فالسياق في الآيتين مختلف.

ولو كان هناك آية تحكي عن أنجاز الوعد الّذي تشتمل عليه الآيتان لكان هو قوله تعالى:( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا ) المائدة - ٣، وسيجئ الكلام في معنى النعمة و تشخيص هذه النعمة الّتي يمتنّ بها الله سبحانه في الآية.

ونظير هاتين الآيتين في الاشتمال على عدة إتمام النعمة قوله تعالى:( وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) المائدة - ٦، وقوله تعالى:( كَذَٰلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ ) النحل - ٨١، وسيجئ إنشاء الله شئ من الكلام المناسب لهذا المقام في ذيل هذه الآيات.

قوله تعالى: ( كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ ) ، ظاهر الآية أنّ الكاف للتشبيه وما مصدريّة، فالمعنى: أنعمنا عليكم بأن جعلنا لكم البيت الّذي بناه إبراهيم ودعا له بما دعا من الخيرات والبركات قبلة كما أرسلنا فيكم رسولً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويعلّمكم الكتاب والحكمة ويزكّيكم مستجيبين لدعوة إبراهيم، إذ قال هو وابنه إسماعيل ربّنا وابعث فيهم رسولً منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلّمهم الكتاب والحكمة ويزكّيهم، وفيهم امتنانٌ عليهم بالأرسال كالامتنان بجعل الكعبة قبلة. ومن هنا يظهر أنّ المخاطب بقوله فيكم رسولً منكم، هو الُمّة المسلمة، وهو أولياء الدين من الُمّة خاصّة بحسب الحقيقة، والمسلمون جميعاً من آل إسماعيل، - وهم عرب مضر - بحسب الظاهر، وجميع العرب بل جميع المسلمين بحسب الحكم.

٣٣٣

قوله تعالى: ( يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا ) ، ظاهرة آيات القرآن لمكان قوله يتلوا، فإنّ العناية في التلاوة إلى اللفظ دون المعنى. والتزكية هي التطهير، وهو إزالة الأدناس والقذارات، فيشمل إزالة الاعتقادات الفاسدة كالشرك والكفر، وإزالة الملكات الرذيلة من الأخلاق كالكبر والشحّ، وإزالة الأعمال والأفعال الشنيعة كالقتل والزنا وشرب الخمر وتعليم الكتاب والحكمة وتعليم مالم يكونوا يعلمونه يشمل جميع المعارف الأصليّه والفرعيّة.

واعلم: أنّ الآيات الشّريفة تشتمل على موارد من الالتفات، فيه تعالى بالغيبة ولتكلّم وحده ومع الغير، وفي غيره تعالى أيضاً بالغيبة والخطاب والتكلّم، والنكتة فيها غير خفيّة على المتدبّر البصير.

( بحث روائي)

في المجمع عن القمّيّ في تفسيره في قوله تعالى سيقول السفهاء الآية، عن الصادقعليه‌السلام قال تحوّلت القبلة إلى الكعبة، بعد ما صلّى النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) بمكّة ثلث عشرة سنة إلى بيت المقدّس، وبعد مهاجرته إلى المدينة صلّى إلى بيت المقدّس سبعة أشهر، قال ثمّ وجهه الله إلى مكّة، وذلك أنّ اليهود كانوا يعيرون على رسول الله يقولون أنت تابع لنا تصلّي إلى قبلتنا، فاغتمّ رسول الله من ذلك غمّاً شديداً، وخرج في جوف الليل ينظر إلى آفاق السماء، ينتظر من الله في ذلك أمراً، فلمّا أصبح وحضر وقت صلاة الظهر كان في مسجد بنى سالم، وقد صلّى من الظهر ركعتين فنزل جبرئيل فأخذ بعضديه وحوله إلى الكعبة وأنزل عليه:( قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ) فكان قد صلّى ركعتين إلى بيت المقدّس وركعتين إلى الكعبة، فقالت اليهود والسفهاء ما ولّاهم عن قبلتهم الّتي كانوا عليها ؟

أقول: والروايات الواردة من طرق العامّة والخاصّة كثيرة مودعة في جوامع الحديث قريبة المضامين، وقد اختلف في تاريخ الواقعة، وأكثرها - وهو الأصحّ - أنّها كانت في رجب السنة الثانية من الهجرة الشهر السابع عشر منها وسيجئ بعض ما يتعلّق بالمقام في بحث على حدة إنشاالله.

٣٣٤

وعن طرق أهل السنّة والجماعة في شهادة هذه الاُمّة على الناس، وشهادة النبيّ عليهم أنّ الاُمم يوم القيامة يجحدون تبليغ الأنبياء فيطالب الله الأنبياء بالبيّنة على أنّهم قد بلّغوا - وهو أعلم - فيؤتي بأمّة محمّد، فيشهدون، فتقول الاُمم من أين عرفتم ؟ فيقولون عرفنا ذلك بإخبار الله تعالى في كتابه الناطق على لسان نبيّه الصادق، فيؤتى بمحمّد، ويسأل عن حال أمّته، فيزكّيهم ويشهد بعدالتهم، وذلك قوله تعالى فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد.

أقول: ما يشتمل عليه هذا الخبر - وهو مؤيّد بأخبار اُخر نقلها السيوطيّ في الدرّ المنثور وغيره - من تزكية رسول الله لاُمّته، وتعديله إيّاهم، لعلّه يراد به تعديله لبعضهم دون جميعهم، وإلّا فهو مدفوع بالضرورة الثابتة من الكتاب والسنّة، وكيف تصحّح أو تصوّب هذه الفجائع الّتي لا تكاد توجد، ولا أنموذجة منها في واحدة من الاُمم الماضية ؟ وكيف يزكّى ويعدّل فراعنة هذه الاُمّة وطواغيتها ؟ فهل ذلك إلّا طعن في الدين الحنيف ولعب بحقائق هذه الملّة البيضاء، على أنّ الحديث مشتمل على إمضاء الشهادة النظريّة دون شهادة التحمّل.

وفي المناقب في هذا المعنى عن الباقرعليه‌السلام ولا يكون شهداء على الناس إلّا الأئمّة والرسل، وأمّا الاُمّة فغير جايز أن يستشهدها الله وفيهم من لا تجوز شهادته على حزمة بقل.

وفي تفسير العيّاشيّ عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى: لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً الآية، فإن ظننت أنّ الله عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين أفترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمرّ يطلب الله شهادته يوم القيامة، ويقبلها منه بحضرة جميع الاُمم الماضية ؟ كلّا ! لم يعن الله مثل هذا من خلقة، يعني الاُمّة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم كنتم: خير أمّة أخرجت للناس وهم الاُمّة الوسطى وهم خير اُمّة أخرجت للناس.

أقول: وقد مرّ بيان ذلك في ذيل الآية بالاستفادة من الكتاب.

وفي قرب الأسناد عن الصادقعليه‌السلام عن أبيه عن النبيّ قال ممّا أعطى الله أمّتي و

٣٣٥

فضلهم على سائر الاُمم أعطاهم ثلاث خصال لم يعطها إلّا نبيّ - إلى أن قال - وكان إذا بعث نبيّاً جعله شهيداً على قومه، وإنّ الله تبارك وتعالى جعل اُمّتي شهيداً على الخلق، حيث يقول ليكون الرسول شهيداً عليكم وتكونوا شهداء على الناس الحديث.

أقول: والحديث لا ينافي ما مرّ، فإنّ المراد بالاُمّة الاُمّة المسلمة الّتي وجبت لها دعوة إبراهيم.

وفي تفسير العيّاشيّ عن أميرالمؤمنينعليه‌السلام : في حديث يصف فيه يوم القيامة، قالعليه‌السلام يجتمعون في موطن يستنطق فيه جميع الخلق، فلا يتكلّم أحد إلّا من أذن له الرحمن وقال صواباً، فيقام الرسول فيسأل فذلك قوله لمحمّد فكيف إذا جئنا من كلّ اُمّة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، وهو الشهيد على الشهداء، والشهداء هم الرسل.

وفي التهذيب عن أبي بصير عن أحدهماعليهم‌السلام ، قال قلت له أمره أن يصلّي إلى بيت المقدّس ؟ قال نعم ألا ترى أنّ الله تبارك وتعالى يقول وما جعلنا القبلة الّتي كنت عليها إلّا لنعلم من يتّبع الرسول ممّن ينقلب على عقبيه الآية؟

أقول: مقتضى الحديث كون قوله تعالى الّتي كنت عليها وصفاً للقبلة، والمراد بها بيت المقدّس، وأنّه القبلة الّتي كان رسول الله عليها، وهو الّذي يؤيّده سياق الآيات كما تقدّم.

ومن هنا يتأيّد ما في بعض الأخبار عن العسكريّعليه‌السلام : أنّ هوى أهل مكّة كان في الكعبة فأراد الله أن يبيّن متّبع محمّد من مخالفيه باتّباع القبلة الّتي كرهها، ومحمّد يأمر بها، ولما كان هوى أهل المدينة في بيت المقدّس أمرهم بمخالفتها والتوجّه إلى الكعبة ليبيّن من يتّبع محمّداً فيما يكرهه - فهو مصدّقه وموافقه الحديث، وبه يتّضح أيضاً فساد ما قيل: إنّ قوله تعالى الّتي كنت عليها مفعول ثانٍ لجعلنا، والمعنى: وما جعلنا القبلة، هي الكعبة الّتي كنت عليها قبل بيت المقدّس، واستدلّ عليها بقوله تعالى إلّا لنعلم من يتّبع الرسول، وهو فاسد، ظهر فساده ممّا تقدّم.

وفي تفسير العيّاشيّ عن الزبيريّ عن الصادقعليه‌السلام قال: قلت له ألا تخبرني عن الإيمان، أقولٌ هو وعمل أم قولٌ بلا عمل ؟ فقال الإيمان عمل كلّه والقول بعض ذلك العمل، مفروض من الله، مبيّن في كتابه، واضح نوره ثابت حجّته، يشهد له بها الكتاب ويدعو إليه.

٣٣٦

ولمّا أن صرف الله نبيّه إلى الكعبة عن بيت المقدّس قال المسلمون: للنبيّ أرأيت صلاتنا الّتي كنّا نصلّي إلى بيت المقدّس، ما حالنا فيها وما حال من مضى من أمواتنا، وهم كانوا يصلّون إلى بيت المقدّس ؟ فأنزل الله وما كان الله ليضيع إيمانكم إنّ الله بالناس لرؤوفٌ رحيمٌ، فسمّى الصّلاة إيماناً، فمن اتّقى الله حافظاً لجوارحه موفياً كلّ جارحةٍ من جوارحه بما فرض الله عليه لقي الله مستكملاً لإيمانه من أهل الجنّة، ومن خان في شئ منها أو تعدّى ما أمر الله فيها لقي الله ناقص الإيمان.

أقول: ورواه الكلينيّ أيضاً، واشتماله على نزول قوله وما كان الله ليضيع إيمانكم الآية، بعد تغيير القبلة لا ينافي ما تقدّم من البيان.

وفي الفقيه أنّ النبيّ صلّى إلى بيت المقدّس ثلاث عشرة سنة بمكّة وتسعة عشر شهراً بالمدينة، ثمّ عيّرته اليهود فقالوا إنّك تابع لقبلتنا، فاغتمّ لذلك غمّاً شديداً، فلمّا كان في بعض الليل خرج يقلّب وجهه في آفاق السماء، فلمّا أصبح صلّى الغداة، فلمّا صلّى من الظهر ركعتين جاء جبرئيل فقال له قد نرى تقلّب وجهك في السماء فلنولّينّك قبلة ترضاها فولّ وجهك شطر المسجد الحرام الآية، ثمّ أخذ بيد النبيّ فحولّ وجهه إلى الكعبة، وحوّل من خلفه وجوههم حتّى قام الرجال مقام النساء والنساء مقام الرجال، فكان أوّل صلاتة إلى بيت المقدّس وآخرها إلى الكعبة فبلغ الخبر مسجداً بالمدينة وقد صلّى أهله من العصر ركعتين فحوّلوا نحو القبله، فكان أوّل صلاتهم إلى بيت المقدّس وآخرها إلى الكعبة فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.

أقول: وروى القمّيّ نحواً من ذلك، وأن النبيّ كان في مسجد بني سالم.

وفي تفسير العيّاشيّ عن الباقرعليه‌السلام في قوله تعالى فولّ وجهك شطر المسجد الحرام الآية، قال استقبل القبلة، ولا تقلّب وجهك عن القبلة فتفسد صلاتك، فإنّ الله يقول لنبيّه في الفريضة فولّ وجّهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره.

أقول: والأخبار في نزول الآية في الفريضة واختصاصها بها كثيرة مستفيضة.

وفي تفسير القمّيّ عن الصادقعليه‌السلام في قوله تعالى الّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه

٣٣٧

الآية، قال: نزلت هذه الآية في اليهود والنصارى، يقول الله تبارك وتعالى: والّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه يعني يعرفون رسول الله كما يعرفون أبنائهم لأنّ الله عزّوجلّ قد أنزل عليهم في التوراة والإنجيل والزبور صفة محمّد وصفة أصحابه ومهاجرته، وهو قوله تعالى: محمّد رسول الله والّذين معه أشدّاء على الكفّار رحماء بينهم تريهم ركّعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل، وهذه صفة رسول الله في التوراة وصفة أصحابه، فلمّا بعثه الله عزّوجلّ عرفه أهل الكتاب كما قال جلّ جلاله: فلمّا جائهم ما عرفوا كفروا به.

أقول: وروى نحوا منه في الكافي عن عليّعليه‌السلام .

وفي أخبار كثيرة من طرق الشيعة أنّ قوله تعالى: أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً الآية في أصحاب القائم، وفي بعضها أنّه من التطبيق والجرى.

وفي الحديث من طرق العامّة في قوله تعالى: ولاُتمّ نعمتي عليكم، عن عليّ تمام النعمة الموت على الإسلام.

وفي الحديث من طرقهم أيضاً تمام النعمة دخول الجنّة.

( بحث علمي)

تشريع القبلة في الإسلام، واعتبار الاستقبال في الصلاة - وهى عبادة عامّة بين المسلمين - وكذا في الذبائح، وغير ذلك ممّا يبتلى به عموم الناس أحوج الناس إلى البحث عن جهة القبلة وتعيينها وقد كان ذلك منهم في أوّل الأمر بالظنّ والحسبان ونوع من التخمين، ثمّ استنهض الحاجة العموميّة الرياضيّين من علمائهم أن يقرّبوه من التحقيق، فاستفادوا من الجداول الموضوعة في الزيجات لبيان عرض البلاد وطولها، واستخرجوا انحراف مكّة عن نقطة الجنوب في البلد، أي انحراف الخطّ الموصول بين البلد ومكّة عن الخطّ الموصول بين البلد ونقطة الجنوب (خطّ نصف النهار) بحساب الجيوب والمثلّثات ثمّ عيّنوا ذلك في كلّ بلدة من بلاد الإسلام، بالدائرة الهنديّة المعروفة المعيّنة لخطّ نصف النهار، ثمّ درجات الانحراف وخطّ القبلة.

٣٣٨

ثم استعملوا لتسريع العمل وسهولته الآلة المغناطيسيّة المعروفة بالحكّ، فإنّها بعقربتها تعيّن جهة الشمال والجنوب، فتنوب عن الدائرة الهنديّة في تعيين نقطة الجنوب وبالعلم بدرجة انحراف البلد يمكن للمستعمل أن يشخّص جهة القبلة.

لكن هذا السعي منهم - شكر الله تعالى سعيهم - لم يخل من النقص والاشتباه من الجهتين جميعاً. أمّا من جهة الاُولى: فإنّ المتأخّرين من الرياضيّين عثروا على أنّ المتقدّمين اشتبه عليهم الأمر في تشخيص الطول، واختلّ بذلك حساب الانحراف فتشخيص جهة الكعبة، وذلك أنّ طريقهم إلى تشخيص عرض البلاد - وهو ضبط ارتفاع القطب الشماليّ - كان اقرب إلى التحقيق، بخلاف الطريق إلى تشخيص الطول، وهو ضبط المسافة بين النقطتين المشتركتين في حادثةٍ سماويّة مشتركة كالخسوف بمقدار سير الشّمس حسّاً عندهم، وهو التقدير بالساعة، فقد كان هذا بالوسائل القديمة عسيراً وعلى غير دقّة لكن توفّر الوسائل وقرب الروابط اليوم سهّل الأمر كلّ التسهيل، فلم تزل الحاجة قائمة على ساق، حتّى قام الشيخ الفاضل البارع الشهير، بالسردار الكابلي، - رحمة الله عليه - في هذه الأواخر بهذا الشأن فاستخرج الانحراف القبليّ بالأصول الحديثة، وعمل فيه رسالته المعروفة، بتحفة الأجلّة في معرفة القبلة، وهي رسالة ظريفة بين فيها طريق عمل استخراج القبلة بالبيان الرياضيّ، ووضع فيها جداول لتعيين قبلة البلاد.

ومن ألطف ما وفّق له في سعيه - شكر الله سعيه - ما أظهر به كرامة باهرة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في محرابه المحفوظ في مسجد النبيّ بالمدينة ٢٥. ٧٥. ٢٠

وذلك: أنّ المدينة على ما حاسبه القدماء كانت ذات عرض ٢٥ درجة وطول ٧٥ درجة ٢٠ دقيقة، وكانت لا توافقه قبلة محراب النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) في مسجده، لذلك كان العلماء لا يزالون باحثين في أمر قبله المحراب وربّما ذكروا في انحرافه وجوهاً لا تصدّقها حقيقة الأمر لكنّه - رحمه الله - أوضح أنّ المدينة على عرض ٢٤ درجة ٥٧ دقيقة وطول ٣٩ درجة ٥٩ دقيقة وانحراف. درجة ٤٥ دقيقة تقريباً. وانطبق على ذلك قبلة المحراب أحسن الانطباق وبدت بذلك كرامة باهرة للنبيّ في قبلته الّتي وجّه وجهه إليها وهو في الصلاة، وذكر أنّ جبرئيل أخذ بيده وحوّل وجهه إلى الكعبة، صدق الله ورسوله.

٣٣٩

ثمّ استخرج بعده المهندس الفاضل الزعيم عبد الرزّاق البغائريّ رحمة الله عليه قبلة أكثر بقاع الأرض ونشر فيها رسالة في معرفة القبلة، وهي جداول يذكر فيها ألف وخمسمأة بقعة من بقاع الأرض وبذلك تمّت النعمة في تشخيص القبلة.

وأمّا الجهة الثانية: وهي الجهة المغناطيسيّة، فإنّهم وجدوا أنّ القطبين المغناطيسيّين في الكرة الأرضيّة، غير منطبقين على القطبين الجغرافيّين منها، فإنّ القطب المغناطيسيّ الشماليّ مثلاً على أنّه متغيّر بمرور الزمان، بينه وبين القطب الجغرافيائيّ الشماليّ ما يقرب من ألف ميل، وعلى هذا فالحكّ لا يشخّص القطب الجنوبيّ الجغرافيّ بعينه، بل ربّما بلغ التفاوت إلى ما لا يتسامح فيه، وقد أنهض هذا المهندس الرياضيّ الفاضل الزعيم حسين عليّ رزم آرا في هذه الأيّام وهي سنة ١٣٣٢ هجريّة شمسيّة على حلّ هذه المعضلة، واستخراج مقدار التفاوت بين القطبين الجغرافيّ والمغناطيسيّ بحسب النقاط المختلفة، وتشخيص انحراف القبلة من القطب المغناطيسيّ فيما يقرب من ألف بقعة من بقاع الأرض، واختراع حكّ يتضمّن التقريب القريب من التحقيق في تشخيص القبلة، وها هو اليوم دائر معمول - شكّر الله سعيه -.

( بحث اجتماعي)

لمتأمّل في شئون الاجتماع الإنسانيّ، والناظر في الخواصّ والآثار الّتي يتعقّبها هذا الأمر المسمّى بالاجتماع من جهة أنّه اجتماع لا يشكّ في أنّ هذا الاجتماع إنّما كونّته ثمّ شعبّته وبسطته إلى شعبه وأطرافه الطّبيعة الإنسانيّة، لما استشعرت بإلهام من الله سبحانه بجهات حاجتها في البقاء والاستكمال إلى أفعال اجتماعيّة فتلتجئ إلى الاجتماع وتلزمها لتوفّق إلى أفعالها وحركاتها وسكناتها في مهد تربية الاجتماع وبمعونته. ثمّ استشعرت واُلهمت بعلومٍ (صور ذهنيّة) وإدراكات توقعها على المادّة وعلى حوائجها فيها وعلى أفعالها، وجهات أفعالها تكون هي الوصلة والرابطة بينها وبين أفعالها وحوائجها كاعتقاد الحسن والقبح، وما يجب، وما ينبغي، وسائر الاُصول الاجتماعيّة، من الرئاسة والمرؤسيّة والملك والاختصاص، والمعاملات المشتركة والمختصّة، وسائر القواعد والنواميس العموميّة والآداب والرسوم القوميّة الّتي لا تخلو عن التحوّل والإختلاف

٣٤٠

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459