الميزان في تفسير القرآن الجزء ١١

الميزان في تفسير القرآن9%

الميزان في تفسير القرآن مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 431

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 431 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 85023 / تحميل: 6661
الحجم الحجم الحجم
الميزان في تفسير القرآن

الميزان في تفسير القرآن الجزء ١١

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

قال (عليه السلام): و كان يوسف من أجمل أهل زمانه فلمّا راهق يوسف راودته امرأة الملك عن نفسه فقال: معاذ الله إنّا أهل بيت لا يزنون فغلّقت الأبواب عليها و عليه و قالت: لا تخف و ألقت نفسها عليه فأفلت منها هاربا إلى الباب ففتحه فلحقته فجذبت قميصه من خلفه فأخرجته منه فأفلت يوسف منها في ثيابه فألفيا سيّدها لدى الباب قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءاً إلّا أن يسجن أو عذاب أليم.

قال: فهمّ الملك بيوسف ليعذّبه فقال له يوسف: ما أردت بأهلك سوءاً بل هي راودتني عن نفسي فسل هذا الصبيّ أيّنا راود صاحبه عن نفسه؟ قال: كان عندها من أهلها صبيّ زائر لها فأنطق الله الصبيّ لفصل القضاء فقال: أيّها الملك انظر إلى قميص يوسف فإن كان مقدوداً من قدّامه فهو الّذي راودها، و إن كان مقدوداً من خلفه فهي الّتي راودته.

فلمّا سمع الملك كلام الصبيّ و ما اقتصّه أفزعه ذلك فزعاً شديداً فجي‏ء بالقميص فنظر إليه فلمّا رآه مقدوداً من خلفه قال لها: إنّه من كيدكنّ إنّ كيدكنّ عظيم. و قال ليوسف: أعرض عن هذا و لا يسمعه منك أحد و اكتمه.

قال: فلم يكتمه يوسف و أذاعه في المدينة حتّى قلن نسوة منهنّ: امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه فبلغها ذلك فأرسلت إليهنّ، و هيّأت لهن طعاماً و مجلساً ثمّ أتتهنّ باُترنج و آتت كلّ واحدة منهنّ سكّينا ثمّ قالت ليوسف: اُخرج عليهنّ فلمّا رأينه أكبرنه و قطّعن أيديهنّ و قلن ما قلن يعني النساء فقالت لهنّ: هذا الّذي لمتنّني فيه تعني في حبّه. و خرجن النسوة من تحتها فأرسلت كلّ واحدة منهنّ إلى يوسف سرّا من صاحبتها تسأله الزيارة فأبى عليهنّ و قال: إلّا تصرف عنّي كيدهنّ أصب إليهنّ و أكن من الجاهلين و صرف الله عنه كيدهنّ.

فلمّا شاع أمر يوسف و امرأة العزيز و النسوة في مصر بدا للملك بعد ما سمع قول الصبيّ ليسجننّ يوسف فسجنه في السجن و دخل السجن مع يوسف فتيان، و كان من قصّتهما و قصّة يوسف ما قصّه الله في الكتاب. قال أبوحمزة: ثمّ انقطع حديث عليّ بن الحسين (عليه السلام).

١٨١

أقول: و روى ما في معناه العيّاشيّ في تفسيره عن أبي حمزة عنه (عليه السلام) باختلاف يسير، و قوله (عليه السلام):( قال معاذ الله إنّا أهل بيت لا يزنون) تفسير بقرينة المحاذاة لقوله في الآية:( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) إلخ و هو يؤيّد ما قدّمناه في بيان الآية أنّ الضمير إلى الله سبحانه لا إلى عزيز مصر كما ذهب إليه أكثر المفسّرين فافهم ذلك.

و قوله: فأبى عليهنّ و قال:( إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي ) إلخ ظاهر في أنّه (عليه السلام) لم يأخذ قوله:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) جزءاً من الدعاء فيوافق ما قدّمناه في بيان الآية أنّه ليس بدعاء.

و في العيون، بإسناده عن حمدان عن عليّ بن محمد بن الجهم قال: حضرت مجلس المأمون و عنده الرضا عليّ بن موسى فقال له المأمون: يا ابن رسول الله أ ليس من قولك: أنّ الأنبياء معصومون؟ قال: بلى- و ذكر الحديث إلى أن قال فيه:( قال ظ) : فأخبرني عن قول الله تعالى:( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى‏ بُرْهانَ رَبِّهِ ) فقال الرضا (عليه السلام): لقد همّت به و لو لا أن رآي برهان ربّه لهمّ بها لكنّه كان معصوما، و المعصوم لا يهمّ بذنب و لا يأتيه.

و لقد حدّثني أبي عن أبيه الصادق (عليه السلام) أنّه قال: همّت بأن تفعل و همّ بأن لا يفعل فقال المأمون: لله درّك يا أباالحسن.

أقول: تقدّم أنّ ابن الجهم هذا لا يخلو عن شي‏ء لكنّ صدر الحديث أعني جواب الرضا (عليه السلام) يوافق ما قدّمناه في بيان الآية و أمّا ما نقله عن جدّه الصادق (عليه السلام)( أنّها همّت بأن تفعل و همّ بأن لا يفعل) فلعلّ المراد به ما ذكره الرضا (عليه السلام) من الجواب لقبوله الانطباق عليه و لعلّ المراد به همّه بقتلها كما يؤيّده الحديث الآتي فينطبق على بعض الاحتمالات المتقدّمة في بيان الآية.

و فيه، بإسناده عن أبي الصلت الهرويّ قال: لمّا جمع المأمون لعليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) أهل المقالات من أهل الإسلام و من الديانات من اليهود و النصارى و المجوس و الصابئين و سائر أهل المقالات فلم يقم أحد إلّا و قد ألزمه حجّته كأنّه

١٨٢

اُلقم حجرا.

قام إليه عليّ بن محمد بن الجهم فقال: يا ابن رسول الله أ تقول بعصمة الأنبياء؟ فقال: نعم. فقال له: فما تقول في قوله عزّوجلّ في يوسف:( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها ) ؟ فقال له: أمّا قوله تعالى في يوسف:( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها ) فإنّها همّت بالمعصية و همّ يوسف بقتلها إن أجبرته لعظيم ما تداخله فصرف الله عنه قتلها و الفاحشة. و هو قوله عزّوجلّ:( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَ الْفَحْشاءَ ) و السوء القتل و الفحشاء الزنا.

و في الدرّ المنثور، أخرج أبونعيم في الحلية عن عليّ بن أبي طالب: في قوله:( وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها ) قال: طمعت فيه و طمع فيها، و كان من الطمع أن همّ بحلّ التكّة فقامت إلى صنم مكلّل بالدرّ و الياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها و بينه فقال: أي شي‏ء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة- فقال يوسف (عليه السلام): تستحين من صنم لا يأكل و لا يشرب، و لا أستحيي أنا من إلهي الّذي هو قائم على كلّ نفس بما كسبت؟ ثمّ قال: لا تنالينها منّي أبدا. و هو البرهان الّذي رأى.

أقول: و الرواية من الموضوعات كيف؟ و كلامه و كلام سائر أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مشحون بذكر عصمة الأنبياء و مذهبهم في ذلك مشهور.

على أنّ سترها الصنم و انتقاله من ذلك إلى ما ذكّره لها من الحجّة لا يعدّ من رؤية البرهان، و قد ورد هذا المعنى في عدّة روايات من طرق أهل البيت (عليهم السلام) لكنّها آحاد لا تعويل عليها. نعم لا يبعد أن تقوم المرأة إلى ستر صنم كان هناك فتنزع نفس يوسف (عليه السلام) إلى مشاهدة آية التوحيد عند ذلك فيرتفع الحجاب بينه و بين ساحة الكبرياء فيرى ما يصرفه عن كلّ سوء و فحشاء كما كان له ذلك من قبل، و قد قال تعالى في حقّه:( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) . فإن صحّ شي‏ء من هذه الروايات فليكن هذا معناه.

و فيه،: أخرج أبوالشيخ عن ابن عبّاس قال: عثر يوسف (عليه السلام) ثلاث عثرات:

١٨٣

حين همّ بها فسجن، و حين قال:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) فلبث في السجن بضع سنين فأنساه الشيطان ذكر ربّه. و حين قال:( إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) قالوا: إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.

أقول: و الرواية تخالف صريح كلامه تعالى حيث يذكر أنّ الله اجتباه و أخلصه لنفسه و أنّ الشيطان لا سبيل له إلى من أخلصه الله لنفسه و كيف يستقيم لمن همّ على أفحش معصية و أنساه الشيطان ذكر ربّه ثمّ كذب في مقاله فعاقبه الله بالسجن ثمّ بلبثه فيه بضع سنين و جبّه بالسرقة أن يعدّه الله صدّيقاً من عباده المخلصين و المحسنين، و يذكر أنّه آتاه الحكم و العلم و اجتباه و أتمّ عليه نعمته، و على هذا السبيل روايات جمّة رواها في الدرّ المنثور، و قد تقدّم نقل شطر منها عند بيان الآيات، و لا تعويل على شي‏ء منها.

و فيه، أخرج أحمد و ابن جرير و البيهقيّ في الدلائل عن ابن عبّاس عن النبيّ (صلّي الله عليه وآله وسلّم) قال: تكلّم أربعة و هم صغار: ابن ماشطة بنت فرعون، و شاهد يوسف، و صاحب جريح، و عيسى بن مريم.

و في تفسير القمّيّ قال: و في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله:( قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) يقول: قد حجبها حبّه عن الناس فلا تعقل غيره، و الحجاب هو الشغاف، و الشغاف هو حجاب القلب.

و فيه، في حديث جمعها النسوة و تقطيعهنّ أيديهنّ قال: فما أمسى يوسف (عليه السلام) في ذلك اليوم حتّى بعثت إليه كلّ امرأة رأته تدعوه إلى نفسها فضجر يوسف في ذلك اليوم فقال:( رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَ إِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَ أَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ ) .الحديث.

١٨٤

( سورة يوسف الآيات ٣٥ - ٤٢)

ثُمّ بَدَا لَهُمْ مِن بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنّهُ حَتّى‏ حِينٍ( ٣٥) وَدَخَلَ مَعَهُ السّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الْأَخَرُ إِنّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطّيْرُ مِنْهُ نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ( ٣٦) قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلّا نَبّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا ذلِكُمَا مِمّا عَلّمَنِي رَبّي إِنّي تَرَكْتُ مِلّةَ قَوْمٍ لاّ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَهُم بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ( ٣٧) وَاتّبَعْتُ مِلّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْ‏ءٍ ذلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ( ٣٨) يَا صَاحِبَيِ السّجْنِ ءَأَرْبَابٌ مّتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللّهُ الْوَاحِدُ الْقَهّارُ( ٣٩) مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلّا أَسْماءً سَمّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مّا أَنزَلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلّا للّهِ‏ِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلّا إِيّاهُ ذلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ( ٤٠) يَاصَاحِبَيِ السّجْنِ أَمّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبّهُ خَمْراً وَأَمّا الْأَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطّيْرُ مِن رّأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ( ٤١) وَقَالَ لِلّذِي ظَنّ أَنّهُ نَاجٍ مّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبّكَ فَأَنسَاهُ الشّيْطَانُ ذِكْرَ رَبّهِ فَلَبِثَ فِي السّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ( ٤٢)

١٨٥

( بيان)

تتضمّن الآيات شطراً من قصّته (عليه السلام) و هو دخوله السجن و مكثه فيه بضع سنين و هو مقدّمة تقرّبه التامّ عند الملك و نيله عزّة مصر، و فيه دعوته في السجن إلى دين التوحيد، و قد جاء ببيان عجيب، و إظهاره لأوّل مرّة أنّه من اُسرة إبراهيم و إسحاق و يعقوب.

قوله تعالى: ( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِينٍ ) البداء هو ظهور رأي بعد ما لم يكن يقال: بدا لي في أمر كذا أي ظهر لي فيه رأي جديد، و الضمير في قوله:( لَهُمْ ) إلى العزيز و امرأته و من يتلوهما من أهل الاختصاص و أعوان الملك و العزّة.

و المراد بالآيات الشواهد و الأدلّة الدالّة على براءة يوسف (عليه السلام) و طهارة ذيله ممّا اتّهموه به كشهادة الصبيّ و قدّ القميص من خلفه و استباقهما الباب معا، و لعلّ منها تقطيع النسوة أيديهنّ برؤيته و استعصامه عن مراودتهنّ إيّاه عن نفسه و اعتراف امرأة العزيز لهنّ أنّها راودته عن نفسه فاستعصم.

و قوله:( لَيَسْجُنُنَّهُ ) اللّام فيه للقسم أي أقسموا و عزموا ليسجننّه البتّة، و هو تفسير للرأي الّذي بدا لهم، و يتعلّق به قوله:( حتّى حِينٍ ) و لا يخلو من معنى الانتظار بالنظر إلى قطع حين عن الإضافة و المعنى على هذا ليسجننّه حتّى ينقطع حديث المراودة الشائع في المدينة و ينساه الناس.

و معنى الآية: ثمّ ظهر للعزيز و من يتلوه من امرأته و سائر مشاوريه رأي جديد في يوسف من بعد ما رأوا هذه الآيات الدالّة على براءته و عصمته و هو أن يسجنوه حينا من الزمان حتّى ينسى حديث المراودة الّذي يجلب لهم العار و الشين و أقسموا على ذلك.

و يظهر بذلك أنّهم إنّما عزموا على ذلك لمصلحة بيت العزيز و صوناً لاُسرته

١٨٦

عن هوان التهمة و العار، و لعلّ من غرضهم أن يتحفّظوا على أمن المدينة العامّ و لا يخلوا الناس و خاصّة النساء أن يفتتنوا به فإنّ هذا الحسن الّذي أوله امرأة العزيز و السيّدات من شرفاء المدينة و فعل بهم ما فعل من طبعه أن لا يلبث دون أن يقيم في المدينة بلوى.

لكن الّذي يظهر من قوله في السجن لرسول الملك:( ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) إلى آخر ما قال ثمّ قول الملك لهنّ:( ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) ، و قولهن:( حاشَ لله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) ثم قول امرأة العزيز:( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) ، كلّ ذلك يدلّ على أنّ المرأة ألبست الأمر بعد على زوجها و أرابته في براءة يوسف (عليه السلام) فاعتقد خلاف ما دلّت عليه الآيات أو شكّ في ذلك، و لم يكن ذلك إلّا عن سلطة تامّة منها عليه و تمكّن كامل من قلبه و رأيه.

و على هذا فقد كان سجنه بتوسّل أو بأمر منها لتدفع بذلك تهمة الناس عن نفسها و تؤدّب يوسف لعلّه ينقاد لها و يرجع إلى طاعتها فيما كانت تأمره به كما هدّدته به بمحضر من النسوة بقولها:( وَ لَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَ لَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .

قوله تعالى: ( وَ دَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ) إلى آخر الآية الفتى العبد و سياق الآيات يدلّ على أنّهما كانا عبدين من عبيد الملك، و قد وردت به الروايات كما سيأتي إن شاء الله تعالى.

و قوله:( قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) فصل قوله:( قالَ أَحَدُهُما ) للدلالة على الفصل بين حكاية الرؤيا و بين الدخول كما يشعر به ما في السياق من قوله:( أَرانِي ) و خطابه له بصاحب السجن.

و قوله:( أَرانِي ) لحكاية الحال الماضية كما قيل، و قوله:( أَعْصِرُ خَمْراً ) أي أعصر عنبا كما يعصر ليتّخذ خمراً فقد سمّي العنب خمراً باعتبار ما يؤول إليه.

و المعنى أصبح أحدهما و قال ليوسف (عليه السلام) إنّي رأيت فيما يرى النائم أنّي

١٨٧

أعصر عنبا للخمر.

و قوله:( وَ قالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) أي تنهشه و هي رؤيا اُخرى ذكرها صاحبه. و قوله:( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) أي قالا نبّئنا بتأويله فاكتفى عن ذكر الفعل بقوله:( قال ) ( و قال ) و هذا من لطائف تفنّن القرآن، و الضمير في قوله:( بِتَأْوِيلِهِ ) راجع إلى ما يراه المدلول عليه بالسياق، و في قوله:( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) تعليل لسؤالهما التأويل و( نَراكَ ) أي نعتقدك من المحسنين لما نشاهد فيك من سيماهم، و إنّما أقبلا عليه في تأويل رؤياهما لإحسانه، لما يعتقد عامّة الناس أنّ المحسنين الأبرار ذوو قلوب طاهرة و نفوس زاكية فهم ينتقلون إلى روابط الاُمور و جريان الحوادث انتقالاً أحسن و أقرب إلى الرشد من انتقال غيرهم.

و المعنى: قال أحدهما ليوسف: إنّي رأيت فيما يرى النائم كذا و قال الآخر: إنّي رأيت كذا، و قالا له: أخبرنا بتأويل ما رآه كلّ منّا لأنّا نعتقد أنّك من المحسنين، و لا يخفى لهم أمثال هذه الاُمور الخفيّة لزكاء نفوسهم و صفاء قلوبهم.

قوله تعالى: ( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) لمّا أقبل صاحبا السجن على يوسف (عليه السلام) في سؤاله عن تأويل رؤيا رأياها عن حسن ظنّ به من جهة ما كانا يشاهدان منه سيماء المحسنين اغتنم (عليه السلام) الفرصة في بثّ ما عنده من أسرار التوحيد و الدعوة إلى ربّه سبحانه الّذي علّمه ذلك فأخبرهما أنّه عليم بذلك بتعليم من ربّه خبير بتأويل الأحاديث و توسّل بذلك إلى الكشف عن سرّ التوحيد و نفي الشركاء ثمّ أوّل رؤياهما.

فقال أوّلا: لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ - و أنتما في السجن - إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ - أي بتأويل ذاكما الطعام و حقيقته و ما يؤول إليه أمره - فأنا خبير بذلك فليكن آية لصدقي فيما أدعوكما إليه من دين التوحيد.

هذا على تقدير عود الضمير في قوله:( بِتَأْوِيلِهِ ) إلى الطعام، و يكون عليه إظهاراً منه (عليه السلام) لآية نبوّته نظير قول المسيح (عليه السلام) لبني إسرائيل:( وَ أُنَبِّؤُكُمْ

١٨٨

بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) آل عمران: ٤٩، و يؤيّد هذا المعنى بعض الروايات الواردة من طرق أهل البيت (عليه السلام) كما سيأتي في بحث روائيّ إن شاء الله تعالى.

و أمّا على تقدير عود ضمير( بِتَأْوِيلِهِ ) إلى ما رأياه من الرؤيا فقوله:( لا يَأْتِيكُما طَعامٌ ) إلخ، وعد منه لهما تأويل رؤياهما و وعد بتسريعه غير أنّ هذا المعنى لا يخلو من بعد بالنظر إلى السياق.

قوله تعالى: ( ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ ) بيّن (عليه السلام) أنّ العلم و التنبّؤ بتأويل الأحاديث ليس من العلم العاديّ الاكتسابيّ في شي‏ء بل هو ممّا علّمه إيّاه ربّه ثمّ علّل ذلك بتركه ملّة المشركين و اتّباعه ملّة آبائه إبراهيم و إسحاق و يعقوب أي رفضه دين الشرك و أخذه بدين التوحيد.

و المشركون من أهل الأوثان يعتقدون بالله سبحانه و يثبتون يوم الجزاء بالقول بالتناسخ كما تقدّم في الجزء السابق من الكتاب لكن دين التوحيد يحكم أنّ الّذي يقدّر له شركاء في التأثير أو في استحقاق العبادة ليس هو الله و كذا عود النفوس بعد الموت بأبدان اُخرى تتنعّم فيها أو تعذّب ليس من المعاد في شي‏ء، و لذلك نفى (عليه السلام) عنهم الإيمان بالله و بالآخرة، و أكّد كفرهم بالآخرة بتكرار الضمير حيث قال:( وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) و ذلك لأنّ من لا يؤمن بالله فأحرى به أن لا يؤمن برجوع العباد إليه.

و هذا الّذي يقصّه الله سبحانه من قول يوسف (عليه السلام):( وَ اتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ) هو أوّل ما أنبأ في مصر نسبه و أنّه من أهل بيت إبراهيم و إسحاق و يعقوب (عليه السلام).

قوله تعالى: ( ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَ عَلَى النَّاسِ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) أي لم يجعل الله سبحانه لنا أهل البيت سبيلا إلى أن نشرك به شيئا و منعنا من ذلك، ذلك المنع من فضل الله و نعمته علينا

١٨٩

أهل البيت و على الناس و لكنّ أكثر الناس لا يشكرون فضله تعالى بل يكفرون به.

و أمّا أنّه تعالى جعلهم بحيث لا سبيل لهم إلى أن يشركوا به فليس جعل إجبار و إلجاء بل جعل تأييد و تسديد حيث أنعم عليهم بالنبوّة و الرسالة و الله أعلم حيث يجعل الرسالة فاعتصموا بالله عن الشرك و دانوا بالتوحيد.

و أمّا أنّ ذلك من فضل الله عليهم و على الناس فلأنّهم أيدوا بالحقّ و هو أفضل الفضل و الناس في وسعهم أن يرجعوا إليهم فيفوزوا باتّباعهم و يهتدوا بهداهم.

و أمّا أنّ أكثر الناس لا يشكرون فلأنّهم يكفرون بهذه النعمة و هي النبوّة و الرسالة فلا يعبؤون بها و لا يتّبعون أهلها أو لأنّهم يكفرون بنعمة التوحيد و يتّخذون لله سبحانه شركاء من الملائكة و الجنّ و الإنس يعبدونهم من دون الله.

هذا ما ذكره أكثر المفسّرين في معنى الآية.

و يبقى عليه شي‏ء و هو أنّ التوحيد و نفي الشركاء ليس ممّا يرجع فيه إلى بيان النبوّة فإنّه ممّا يستقلّ به العقل و تقضي به الفطرة فلا معنى لعدّه فضلا على الناس من جهة الاتّباع بل هم و الأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد و شرع سواء و لو كفروا بالتوحيد فإنّما كفروا لعدم إجابتهم لنداء الفطرة لا لعدم اتّباع الأنبياء.

لكن يجب أن يعلم أنّه كما أنّ من الواجب في عناية الله سبحانه أن يجهّز نوع الإنسان مضافاً إلى الهامّة من طريق العقل الخير و الشرّ و التقوى و الفجور بما يدرك به أحكام دينه و قوانين شرعه و هو سبيل النبوّة و الوحي، و قد تكرّر توضيحه في أبحاثنا السابقة كذلك من الواجب في عنايته أن يجهّز أفراداً منه بنفوس طاهرة و قلوب سليمة مستقيمة على فطرتها الأصليّة لازمة لتوحيده ممتنعة عن الشرك به يستبقي به أصل التوحيد عصراً بعد عصر و يحيى به روح السعادة جيلا بعد جيل، و البرهان عليه هو البرهان على النبوّة و الوحي فإنّ الواحد من الإنسان العاديّ لا يمتنع عليه الشرك و نسيان التوحيد، و الجائز على الواحد جائز على الجميع و في تلبّس الجميع بالشرك فساد النوع في غايته و بطلان الغرض الإلهيّ في خلقته.

١٩٠

فمن الواجب أن يكون في النوع رجال متلبّسون بإخلاص التوحيد يقومون بأمره و يدافعون عنه و ينبّهون الناس عن رقدة الغفلة و الجهالة بإلقاء حججه و بثّ شواهده و آياته و بينهم و بين الناس رابطة التعليم و التعلّم دون السوق و الاتّباع.

و هذه النفوس إن كانت فهي نفوس الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و في خلقهم و بعثهم فضل من الله سبحانه عليهم بتعليم توحيده لهم، و على الناس بنصب من يذكّرهم الحقّ الّذي تقضي به فطرتهم و يدافع عن الحقّ تجاه غفلتهم و ضلالتهم فإنّ اشتغال الناس بالأعمال المادّيّة و مزاولتهم للاُمور الحسّيّة تجذبهم إلى اللّذّات الدنيويّة و تحرّضهم على الإخلاد إلى الأرض فتبعّدهم عن المعنويّات و تنسيهم ما في فطرهم من المعارف الإلهيّة، و لو لا رجال متألّهون متولّهون في الله الّذين أخلصهم بخالصة ذكرى الدار في كلّ برهة من الزمان لاُحيطت الأرض بالعماء، و انقطع السبب الموصول بين الأرض و السماء، و بطلت غاية الخلقة، و ساخت الأرض بأهلها.

و من هنا يظهر أنّ الحقّ أن تنزّل الآية على هذه الحقيقة فيكون معنى الآية: لم يجعل لنا بتأييد من الله سبيل إلى أن نشرك بالله شيئا، ذلك أي كوننا في أمن من الشرك من فضل الله علينا لأنّه الهدى الّذي هو سعادة الإنسان و فوزه العظيم. و على الناس لأنّ في ذلك تذكيرهم إذا نسوا و تنبيههم إذا غفلوا، و تعليمهم إذا جهلوا، و تقويمهم إذا عوجّوا و لكنّ أكثر الناس لا يشكرون الله بل يكفرون بهذا الفضل فلا يعبؤون به و لا يقبلون عليه بل يعرضون عنه. هذا.

و ذكر بعضهم في معنى الآية: أنّ المشار إليه بقوله:( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا ) إلخ، هو العلم بتأويل الأحاديث. و هو كما ترى بعيد من سياق الآية.

قوله تعالى: ( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) لفظة الخير بحسب الوزن صفة من قولهم: خار يخار خيرة إذا انتخب و اختار أحد شيئين يتردّد بينهما من حيث الفعل أو من حيث الأخذ بوجه فالخير منهما هو الّذي يفضل على الآخر في صفة المطلوبيّة فيتعيّن الأخذ به فخير الفعلين هو المطلوب منهما الّذي يتعيّن القيام به و خير الشيئين هو المطلوب منهما من جهة الأخذ به

١٩١

كخير المالين من جهة التمتّع به و خير الدارين من جهة سكناها و خير الإنسانين من جهة مصاحبته، و خير الرأيين من جهة الأخذ به، و خير الإلهين من جهة عبادته، و من هنا ذكر أهل الأدب أنّ الخير في الأصل( أخير ) أفعل تفضيل، و الحقيقة أنّه صفة مشبهة تفيد بحسب المادّة ما يفيده أفعل التفضيل من الفضل في القياس.

و بما مرّ يتبيّن أنّ قوله (عليه السلام):( أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) إلخ مسوق لبيان الحجّة على تعيّنه تعالى للعبادة إذا فرض تردّد الأمر بينه و بين سائر الأرباب الّتي تدعى من دون الله لا لبيان أنّه تعالى هو الحقّ الموجود دون غيره من الأرباب أو أنّه تعالى هو الإله الّذي تنتهي إليه الأشياء بدءاً و عوداً دونها أو غير ذلك فإنّ الشي‏ء إنّما يسمّى خيراً من جهة طلبه و تعيينه بالأخذ به بنحو فقوله (عليه السلام): أهو خير أم سائر الأرباب؟ يريد به السؤال عن تعيّن أحد الطرفين من جهة الأخذ به و الأخذ بالربّ هو عبادته.

ثمّ إنّه (عليه السلام) سمّى آلهتهم أرباباً متفرّقين لأنّهم كانوا يعبدون الملائكة و هم عندهم صفات الله سبحانه أو تعيّنات ذاته المقدّسة الّتي تستند إليها جهات الخير و السعادة في العالم فيفرّقون بين الصفات بتنظيمها طولاً و عرضاً و يعبدون كلّا بما يخصّه من الشأن فهناك إله العلم و إله القدرة و إله السماء و إله الأرض و إله الحسن و إله الحبّ و إله الأمن و الخصب و غير ذلك، و يعبدون الجنّ و هم مبادئ الشرّ في العالم كالموت و الفناء و الفقر و القبح و الألم و الغمّ و غير ذلك، و يعبدون أفراداً كالكملين من الأولياء و الجبابرة من السلاطين و الملوك و غيرهم، و هم جميعاً متفرّقون من حيث أعيانهم و من حيث أصنامهم و التماثيل المتّخذة لهم المنصوبة للتوجّه بها إليهم.

و قابل الأرباب المتفرّقين بذكر الله عزّ اسمه و وصفه بالواحد القهّار حيث قال:( أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) فالكلمة تفيد بحسب المعنى خلاف ما يفيده قوله:( أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ ) لضرورة التقابل بين طرفي الترديد.

فالله علم بالغلبة يراد به الذات المقدّسة الإلهيّة الّتي هي حقيقة لا سبيل للبطلان

١٩٢

إليه و وجود لا يتطرّق العدم و الفناء إليه، و الوجود الّذي هذا شأنه لا يمكن أن يفرض له حدّ محدود و لا أمد ممدود لأنّ كلّ محدود فهو معدوم وراء حدّه، و الممدود باطل بعد أمده فهو تعالى ذات غير محدود و وجود غير متناه بحت، و إذا كان كذلك لم يمكن أن يفرض له صفة خارجة عن ذاته مباينة لنفسه كما هو الحال في صفاته لتأدية هذه المغايرة إلى كونه تعالى محدوداً غير موجود في ظرف الصفة و فاقرا لا يجد الصفة في ذاته و لم يمكن أيضاً فرض المغايرة و البينونة بين صفاته الذاتيّة كالحياة و العلم و القدرة لأنّ ذلك يؤدّي إلى وجود حدود في داخل الذات لا يوجد ما في داخل حدّ في خارجه فيتغاير الذات و الصفات و يتكثّر جميعا و يحدّ، و هذا كلّه ممّا اعترفت به الوثنيّة على ما بأيدينا من معارفهم.

فممّا لا يتطرّق إليه الشكّ عند المثبتين لوجود الإله سبحانه لو تفطّنوا أنّ الله سبحانه موجود في نفسه ثابت بذاته لا موجود بهذا النعت غيره، و أنّ ما له من صفات الكمال فهو عينه غير زائد عليه و لا بعض صفات كماله صفات زائد على بعض فهو علم و قدرة و حياة بعينه.

فهو تعالى أحديّ الذات و الصفات أي إنّه واحد في وجوده بذاته ليس قباله شي‏ء إلّا موجوداً به لا مستقلّاً بالوجود و واحد في صفاته أي ليس هناك صفة له حقيقيّة إلّا أن تكون عين الذات فهو الّذي يقهر كلّ شي‏ء لا يقهره شي‏ء.

و الإشارة إلى هذا كلّه هي الّتي دعته (عليه السلام) أن يصف الله سبحانه بالواحد القهّار حيث قال:( أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) أي إنّه تعالى واحد لكن لا واحد عدديّ إذا اُضيف إليه آخر صار اثنين بل واحد لا يمكن أن يفرض قباله ذات إلّا و هي موجودة به لا بنفسها و لا أن يفرض قباله صفة له إلّا و هي عينه و إلّا صارت باطلة كلّ ذلك لأنّه بحث غير محدود بحدّ و لا منته إلى نهاية.

و قد تمّت الحجّة على الخصم منه (عليه السلام) في هذا السؤال بما وصف الأرباب بكونهم متفرّقين، و إيّاه تعالى بالواحد القهّار لأنّ كون ذاته المتعالية واحداً قهّاراً يبطل التفرقة - أيّ تفرقة مفروضة - بين الذات و الصفات، فالذات عين

١٩٣

الصفات و الصفات بعضها عين بعض فمن عبد الذات عبد الذات و الصفات و من عبد علمه فقد عبد ذاته، و إن عبد علمه و لم يعبد ذاته فلم يعبد لا علمه و لا ذاته و على هذا القياس.

فإذا فرض تردّد العبادة بين أرباب متفرّقين و بين الله الواحد القهّار تعالى و تقدّس تعيّنت عبادته دونهم إذ لا يمكن فرض أرباب متفرّقين و لا تفرقة في العبادة.

نعم يبقى هناك شي‏ء و هو الّذي يعتمد عليه عامّة الوثنيّة من أنّ الله سبحانه أجلّ و أرفع ذاتاً من أن تحيط به عقولنا أو يناله أفهامنا فلا يمكننا التوجّه إليه بعبادته و لا يسعنا التقرّب منه بعبوديّته و الخضوع له، و الّذي يسعنا هو أن نتقرّب بالعبادة إلى بعض مخلوقاته الشريفة الّتي هي مؤثّرات في تدبير النظام العالميّ حتّى يقرّبونا منه و يشفعوا لنا عنده فأشار (عليه السلام) في الشطر الثاني من كلامه أعني قوله:( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً ) إلخ إلى دفعه.

قوله تعالى: ( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) إلخ، بدأ (عليه السلام) بخطاب صاحبيه في السجن أوّلا ثمّ عمّم الخطاب للجميع لأنّ الحكم مشترك بينهما و بين غيرهما من عبدة الأوثان.

و نفي العبادة إلّا عن الأسماء كناية عن أنّه لا مسمّيات وراء هذه الأسماء فتقع العبادة في مقابل الأسماء كلفظة إله السماء و إله الأرض و إله البحر و إله البرّ و الأب و الاُمّ و ابن الإله و نظائر ذلك.

و قد أكّد كون هذه الأسماء ليس وراءها مسمّيات بقوله:( أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ ) فإنّه في معنى الحصر أي لم يضع هذه الأسامي أحد غيركم بل أنتم و آباؤكم وضعتموها، ثمّ أكّده ثانياً بقوله:( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) و السلطان هو البرهان لتسلّطه على العقول أي ما أنزل الله بهذه الأسماء أو بهذه التسمية من برهان يدلّ على أنّ لها مسمّيات وراءها، و حينئذ كان يثبت لها الاُلوهيّة أي المعبوديّة فصحّت عبادتكم لها.

١٩٤

و من الجائز أن يكون ضمير( بِها ) عائداً إلى العبادة أي ما أنزل الله حجّة على عبادتها بأن يثبت لها شفاعة و استقلالاً في التأثير حتّى تصحّ عبادتها و التوجّه إليها فإنّ الأمر إلى الله على كلّ حال. و إليه أشار بقوله بعده:( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله ) .

و هو أعني قوله:( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله ) ممّا لا ريب فيه البتّة إذ الحكم في أمر ما لا يستقيم إلّا ممّن يملك تمام التصرّف، و لا مالك للتصرّف و التدبير في اُمور العالم و تربية العباد حقيقة إلّا الله سبحانه فلا حكم بحقيقة المعنى إلّا له.

و هو أعني قوله:( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله ) مفيد فيما قبله و ما بعده صالح لتعليلهما معا، أمّا فائدته في قوله قبل:( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) فقد ظهرت آنفاً، و أمّا فائدته في قوله بعد:( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) فلأنّه متضمّن لجانب إثبات الحكم كما أنّ قوله قبل:( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) متضمّن لجانب السلب، و حكمه تعالى نافذ في الجانبين معا فكأنّه لمّا قيل:( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) قيل:( فما ذا حكم به في أمر العبادة) فقيل:( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) و لذلك جي‏ء بالفعل.

و معنى الآية - و الله أعلم - ما تعبدون من دون الله إلّا أسماء خالية عن المسمّيات لم يضعها إلّا أنتم و آباؤكم من غير أن ينزّل الله سبحانه من عنده برهانا يدلّ على أنّ لها شفاعة عند الله أو شيئا من الاستقلال في التأثير حتّى يصحّ لكم دعوى عبادتها لنيل شفاعتها، أو طمعا في خيرها أو خوفا من شرّها.

و أمّا قوله:( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) فيشير به إلى ما ذكره من توحيد الله و نفي الشريك عنه، و القيّم هو القائم بالأمر القوي على تدبيره أو القائم على ساقه غير المتزلزل و المتضعضع، و المعنى أنّ دين التوحيد وحده هو القويّ على إدارة المجتمع و سوقه إلى منزل السعادة، و الدين المحكم غير المتزلزل الّذي فيه الرشد من غير غيّ و الحقّيّة من غير بطلان، و لكنّ أكثر الناس لاُنسهم بالحسّ و المحسوس و انهماكهم في زخارف الدنيا الفانية حرموا سلامة

١٩٥

القلب و استقامة العقل لا يعلمون ذلك، و إنّما يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا و هم عن الآخرة معرضون.

أمّا أنّ التوحيد دين فيه الرشد و مطابقة الواقع فيكفي في بيانه ما أقامه (عليه السلام) من البرهان، و أمّا أنّه هو القويّ على إدارة المجتمع الإنسانيّ فلأن هذا النوع إنّما يسعد في مسير حياته إذا بنى سنن حياته و أحكام معاشه على مبني حقّ مطابق للواقع فسار عليها لا إذا بناها على مبني باطل خرافيّ لا يعتمد على أصل ثابت.

فقد بان من جميع ما تقدّم أنّ الآيتين جميعا أعني قوله:( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ - إلى قوله -أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) برهان واحد على توحيد العبادة، محصّله أنّ عبادة المعبود إن كانت لاُلوهيّته في نفسه و وجوب وجوده بذاته فالله سبحانه في وجوده واحد قهّار لا يتصوّر له ثان و لا مع تأثيره مؤثّر آخر فلا معنى لتعدّد الآلهة، و إن كانت لكون آلهة غير الله شركاء له شفعاء عنده فلا دليل على ثبوت الشفاعة لهم من قبل الله سبحانه بل الدليل على خلافه فإنّ الله حكم من طريق العقل و بلسان أنبيائه أن لا يعبد إلّا هو.

و بذلك يظهر فساد ما أورده البيضاويّ في تفسيره تبعا للكشّاف أنّ الآيتين تتضمّنان دليلين على التوحيد فما في الاُولى و هو قوله:( أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) دليل خطابيّ، و ما في الثانية و هو قوله:( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً ) إلخ برهان تامّ.

قال البيضاويّ: و هذا من التدرّج في الدعوة و إلزام الحجة بيّن لهم أوّلا رجحان التوحيد على اتّخاذ الآلهة على طريق الخطابة ثمّ برهن على أنّ ما يسمّونها آلهة و يعبدونها لا تستحقّ الإلهيّة فإنّ استحقاق العبادة إمّا بالذات و إمّا بالغير و كلا القسمين منتف عنهما ثمّ نصّ على ما هو الحقّ القويم و الدين المستقيم الّذي لا يقتضي العقل غيره و لا يرتضي العلم دونه. انتهى.

و لعلّ الّذي حداه إلى ذلك ما في الآية الاُولى من لفظة الخير فاستظهر منه الرجحان الخطابيّ، و قد فاته ما فيها من قيد( الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) و قد عرفت تقرير

١٩٦

ما تتضمّنه الآيتان من البرهان، و أنّ الّذي ذكره من معنى الآية الثانية هو مدلول مجموع الآيتين دون الثانية فحسب.

و ربّما يقرّر مدلول الآيتين برهانين على التوحيد بوجه آخر ملخّصه أنّ الله الواحد الّذي يقهر بقدرته الأسباب المتفرّقة الّتي تفعل في الكون و يسوقها على تلائم آثارها المتفرّقة المتنوّعة بعضها مع بعض حتّى ينتظم منها نظام واحد غير متناقض الأطراف كما هو المشهود من وحدة النظام و توافق الأسباب خير من أرباب متفرّقين تترشّح منها لتفرّقها و مضادّتها أنظمة مختلفة و تدابير متضادّة تؤدّي إلى انفصام وحدة النظام الكونيّ و فساد التدبير الواحد العموميّ.

ثمّ الآلهة المعبودة من دون الله أسماء لا دليل على وجود مسمّياتها في الخارج بتسميتكم لا من جانب العقل و لا من جانب النقل لأنّ العقل لا يدلّ إلّا على التوحيد و الأنبياء لم يؤمروا من جهة الوحي إلّا بأن لا يعبد إلّا الله وحده. انتهى.

و هذا التقرير - كما ترى - ينزّل الآية الاُولى على معنى قوله تعالى:( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا ) الأنبياء: ٢٢، و يعمّم الآية الثانية على نفي اُلوهيّة آلهة إلّا الله بذاتها و نفي اُلوهيّتها من جهة إذن الله في شفاعتها.

و يرد عليه أوّلا: أنّ فيه تقييداً لإطلاق قوله:( الْقَهَّارُ ) من غير مقيّد فإنّ الله سبحانه كما يقهر الأسباب في تأثيرها يقهر كلّ شي‏ء في ذاته و صفته و آثاره فلا ثاني له في وجوده و لا ثاني له في استقلاله في نفسه و في تأثيره فلا يتأتّى مع وحدته القاهرة على الإطلاق أن يفرض شي‏ء يستقلّ عنه في وجوده، و لا أمر يستقلّ عنه في أمره، و الإله الّذي يفرض دونه إمّا مستقلّ عنه في ذاته و آثار ذاته جميعا و إمّا مستقلّ عنه في آثار ذاته فحسب، و كلا الأمرين محال كما ظهر.

و ثانياً: أنّ فيه تعميما لخصوص الآية الثانية من غير معمّم فإنّ الآية - كما عرفت - تنيط كونها آلهة بإذن الله و حكمه كما هو ظاهر قوله:( ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله ) إلخ و من الواضح أنّ هذه الاُلوهيّة المنوطة بإذنه تعالى و حكمه اُلوهيّة شفاعة لا اُلوهيّة ذاتيّة أي اُلوهيّة بالغير لا ما هو أعمّ

١٩٧

من الاُلوهيّة بالذات و بالغير جميعا.

قوله تعالى: ( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الّذي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) معنى الآية ظاهر، و قرينة المناسبة قاضية بأنّ قوله:( أَمَّا أَحَدُكُما ) إلخ، تأويل رؤيا من قال منهما:( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) و قوله:( وَ أَمَّا الْآخَرُ ) إلخ، تأويل لرؤيا الآخر.

و قوله:( قُضِيَ الْأَمْرُ الّذي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) لا يخلو من إشعار بأنّ الصاحبين أو أحدهما كذب نفسه في دعواه الرؤيا و لعلّه الثاني لمّا سمع تأويل رؤياه بالصلب و أكل الطير من رأسه، و يتأيّد بهذا ما ورد من الرواية من طرق أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّ الثاني من الصاحبين قال له: إنّي كذبت فيما قصصت عليك من الرؤيا فقال (عليه السلام):( قُضِيَ الْأَمْرُ الّذي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) أي إنّ التأويل الّذي استفتيتما فيه مقضيّ مقطوع لا مناص عنه.

قوله تعالى: ( وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) الضمائر في قوله:( قالَ ) و( ظَنَّ ) و( فَلَبِثَ ) راجعة إلى يوسف أي قال يوسف للّذي ظنّ هو أنّه سينجو منهما: اذكرني عند ربّك بما يثير رحمته لعلّه يخرجني من السجن.

و إطلاق الظنّ على اعتقاده مع تصريحه لهما بأنّه من المقضيّ المقطوع به و تصريحه بأنّ ربّه علمه تأويل الأحاديث لعلّه من إطلاق الظنّ على مطلق الاعتقاد و له نظائر في القرآن كقوله تعالى:( الّذينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ ) : البقرة: ٤٦.

و أمّا قول بعضهم: إنّ إطلاق الظنّ على اعتقاده يدلّ على أنّه إنّما أوّل ما أوّل عن اجتهاد منه. يفسده ما قدّمنا الإشارة إليه أنّه صرّح لهما بعلمه في قوله:( قُضِيَ الْأَمْرُ الّذي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) و الله سبحانه أيّد ذلك بقوله:( وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) و هذا ينافي الاجتهاد الظنّيّ.

و قد احتمل أن يكون ضمير( ظَنَّ ) راجعاً إلى الموصول أي قال يوسف

١٩٨

لصاحبه الّذي ظنّ ذلك الصاحب أنّه ناج منهما. و هذا المعنى لا بأس به إن ساعده السياق.

و قوله:( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) إلخ، الضميران راجعان إلى( الّذي ) أي فأنسا الشيطان صاحبه الناجي أن يذكره لربّه أو عند ربّه فلبث يوسف في السجن بضع سنين و البضع ما دون العشرة فإضافة الذكر إلى ربّه من قبيل إضافة المصدر إلى معموله المعدّى إليه بالحرف أو إلى المظروف بنوع من الملابسة.

و أمّا إرجاع الضميرين إلى يوسف حتّى يفيد أنّ الشيطان أنسى يوسف ذكر الله سبحانه فتعلّق بذيل غيره في نجاته من السجن فعوقب على ذلك فلبث في السجن بضع سنين كما ذكره بعضهم و ربّما نسب إلى الرواية.

فممّا يخالف نصّ الكتاب فإنّ الله سبحانه نصّ على كونه (عليه السلام) من المخلصين و نصّ على أنّ المخلصين لا سبيل للشيطان إليهم مضافا إلى ما أثنى الله عليه في هذه السورة.

و الإخلاص لله لا يستوجب ترك التوسّل بالأسباب فإنّ ذلك من أعظم الجهل لكونه طمعا فيما لا مطمع فيه بل إنّما يوجب ترك الثقة بها و الاعتماد عليها و ليس في قوله:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) ما يشعر بذلك البتّة.

على أنّ قوله تعالى بعد آيتين:( وَ قالَ الّذي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) إلخ، قرينة صالحة على أنّ الناسي هو الساقي دون يوسف.

( بحث روائي)

في تفسير القمّيّ في رواية أبي الجارود عن أبي جعفر (عليه السلام): في قوله:( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حتّى حِينٍ ) فالآيات شهادة الصبيّ و القميص المخرق من دبر و استباقهما الباب حتّى سمع مجاذبتها إيّاه على الباب، فلما عصاها لم تزل مولعة بزوجها حتّى حبسه.

و دخل معه السجن فتيان يقول: عبدان للملك أحدهما خبّاز و الآخر صاحب الشراب، و الّذي كذب و لم ير المنام هو الخبّاز.

١٩٩

و ذكر الحديث عليّ بن إبراهيم القمّيّ قال: و وكّل الملك بيوسف رجلين يحفظانه فلمّا دخل السجن قالوا له: ما صناعتك؟ قال: اُعبّر الرؤيا. فرأى أحد الموكّلين في منامه كما قال يعصر خمرا. قال يوسف: تخرج و تصير على شراب الملك و ترتفع منزلتك عنده، و قال الآخر: إنّي أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه، و لم يكن رأى ذلك فقال له يوسف: أنت يقتلك الملك و يصلبك و تأكل الطير من رأسك، فضحك الرجل و قال: إنّي لم أر ذلك فقال يوسف كما حكى الله:( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَ أَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الّذي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) .

فقال أبوعبدالله (عليه السلام) في قوله:( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) قال: كان يقوم على المريض، و يلتمس للمحتاج، و يوسّع على المحبوس فلمّا أراد من يرى في نومه يعصر خمراً الخروج من الحبس قال له يوسف:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) فكان كما قال الله:( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) .

أقول: و في الرواية اضطراب لفظيّ، و ظاهرها أنّ صاحبيه في السجن لم يكونا مسجونين و إنّما كانا موكّلين عليه من قبل الملك، و لا يلائم ذلك ظاهر قوله تعالى:( وَ قالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا ) و قوله:( قالَ الّذي نَجا مِنْهُما ) .

و في تفسير العيّاشيّ، عن سماعة عن قول الله:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) قال: هو العزيز.

و في الدرّ المنثور، أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب العقوبات و ابن جرير و الطبراني و ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: قال رسول الله (صلّي الله عليه وآله وسلّم): لو لم يقل يوسف الكلمة الّتي قال ما لبث في السجن طول ما لبث- حيث يبتغي الفرج من عند غير الله تعالى.

أقول: و رواه عن ابن المنذر و ابن أبي حاتم و ابن مردويه عن أبي هريرة عنه (صلّي الله عليه وآله وسلّم)، و لفظه:( رحم الله يوسف لو لم يقل: اذكرني عند ربّك ما لبث في السجن طول ما لبث) و روي مثله عن عكرمة و الحسن و غيرهما.

٢٠٠

و روى ما في معناه العيّاشيّ في تفسيره، عن طربال و عن ابن أبي يعقوب و عن يعقوب بن شعيب، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، و لفظ الأخير قال:( قال الله ليوسف: أ لست الّذي حبّبتك إلى أبيك و فضّلتك على الناس بالحسن؟ أو لست الّذي سقت إليك السيّارة فأنقذتك و أخرجتك من الجبّ؟ أو لست الّذي صرفت عنك كيد النسوة؟ فما حملك على أن ترفع رعيّة أو تدعو مخلوقاً هو دوني؟ فالبث لما قلت بضع سنين‏) ، و قد تقدّم أنّ هذه و أمثالها روايات تخالف نصّ الكتاب.

و مثلها ما في الدرّ المنثور، عن ابن مردويه عن ابن عبّاس قال: عثر يوسف (عليه السلام) ثلاث عثرات: قوله:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) و قوله لإخوته:( إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) و قوله:( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) فقال له جبرئيل: و لا حين هممت؟ فقال:( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) و في الرواية نسبة الفرية و الكذب الصّريح إلى الصدّيق (عليه السلام).

و في بعض هذه الروايات أنّ عثراته الثلاث هي همّه بها، و قوله:( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) ، و قوله:( إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ ) . و الله سبحانه يبرّئه من هذه المفتريات بنصّ كتابه.

٢٠١

( سورة يوسف الآيات ٤٣ - ٥٧)

وَقَالَ الْمَلِكُ إِنّي أَرَى‏ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤيَاي إِن كُنتُمْ لِلرّؤْيَا تَعْبُرُونَ( ٤٣) قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعَالِمِينَ( ٤٤) وَقَالَ الّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادّكَرَ بَعْدَ أُمّةٍ أَنَا أُنَبّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ( ٤٥) يُوسُفُ أَيّهَا الصّدّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلّهُمْ يَعْلَمُونَ( ٤٦) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتّم فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلّا قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ( ٤٧) ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدّمْتُمْ لَهُنّ إِلّا قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ( ٤٨) ثُمّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ( ٤٩) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمّا جَاءَهُ الرّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى‏ رَبّكَ فَسْأَلْهُ مَا بَالُ النّسْوَةِ اللّاتِي قَطّعْنَ أَيْدِيَهُنّ إِنّ رَبّي بِكَيْدِهِنّ عَلِيمٌ( ٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنّ إِذْ رَاوَدتّنّ يُوسُفَ عَن نّفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ للّهِ‏ِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزيِزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقّ أَنَا رَاوَدتّهُ عَن نّفْسِهِ وَإِنّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ( ٥١) ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنّ اللّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ( ٥٢) وَمَا أُبَرّئُ نَفْسِي إِنّ النّفْسَ

٢٠٢

لَأَمّارَةُ بِالسّوءِ إِلّا مَا رَحِمَ رَبّي إِنّ رَبّي غَفُورٌ رّحِيمٌ( ٥٣) وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلّمَهُ قَالَ إِنّكَ اليَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ( ٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى‏ خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ( ٥٥) وَكَذلِكَ مَكّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نّشَاءُ وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ( ٥٦) وَلأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتّقُونَ( ٥٧)

( بيان‏)

تتضمّن الآيات قصّة خروجه (عليه السلام) من السجن و نيله عزّة مصر و الأسباب المؤدّية إلى ذلك، و فيها تحقيق الملك ثانياً في اتّهامه و ظهور براءته التامّ.

قوله تعالى: ( وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى‏ سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ) إلى آخر الآية. رؤيا للملك يخبر بها الملأ و الدليل عليه قوله:( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ ) و قوله:( إِنِّي أَرى) حكاية حال ماضية، و من المحتمل أنّها كانت رؤيا متكرّرة كما يحتمل مثله في قوله سابقا:( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) ( إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ ) إلخ.

و السمان جمع سمينة و العجاف جمع عجفاء بمعنى المهزولة، قال في المجمع: و لا يجمع فعلاء على فعال غير العجفاء على عجاف و القياس في جمعه العجف بضمّ العين و سكون الجيم كالحمراء و الخضراء و البيضاء على حمر و خضر و بيض، و قال غيره: إنّ ذلك من قبيل الإتباع و الجمع القياسيّ عجف.

٢٠٣

و الإفتاء إفعال من الفتوى و الفتيا، قال في المجمع: الفتيا الجواب عن حكم المعنى و قد يكون الجواب عن نفس المعنى فلا يكون فتيا انتهى.

و قوله:( تَعْبُرُونَ ) من العبر و هو بيان تأويل الرؤيا و قد يسمّى تعبيراً، و هو على أيّ حال مأخوذ من عبور النهر و نحوه كان العابر يعبر من الرؤيا إلى ما وراءها من التأويل، و هو حقيقة الأمر الّتي تمثّلت لصاحب الرؤيا في صورة خاصّة مألوفة له.

قال في الكشّاف، في قوله:( سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ ) إلخ فإن قلت: هل من فرق بين إيقاع سمان صفة للمميّز و هو بقرات دون المميّز و هو سبع و إن يقال: سبع بقرات سمانا؟ قلت: إذا أوقعتها صفة لبقرات فقد قصدت إلى أنّ تميّز السبع بنوع من البقرات و هي السمان منهنّ لا بجنسهنّ، و لو وصفت بها السبع لقصدت إلى تمييز السبع بجنس البقرات لا بنوع منها ثمّ رجعت فوصفت المميّز بالجنس بالسمن.

فإن قلت: هلّا قيل: سبع عجاف على الإضافة؟ قلت: التمييز موضوع لبيان الجنس و العجاف وصف لا يقع البيان به وحده فإن قلت: فقد يقال: ثلاثة فرسان و خمسة أصحاب قلت: الفارس و الصاحب و الراكب و نحوها صفات جرت مجرى الأسماء فأخذت حكمها و جاز فيها ما لم يجز في غيرها، أ لا تراك لا تقول: عندي ثلاثة ضخام و أربعة غلاظ. انتهى.

و قال أيضاً: فإن قلت: هل في الآية دليل على أنّ السنبلات اليابسة كانت سبعا كالخضر؟ قلت: الكلام مبنيّ على انصبابه إلى هذا العدد في البقرات السمان و العجاف و السنابل الخضر فوجب أن يتناول معنى الاُخر السبع، و يكون قوله:( وَ أُخَرَ يابِساتٍ ) بمعنى و سبعا اُخر. فإن قلت: هل يجوز أن يعطف قوله:( وَ أُخَرَ يابِساتٍ ) على( سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ ) فيكون مجرور المحلّ؟ قلت: يؤدّي إلى تدافع و هو أنّ عطفها على سنبلات خضر يقتضي أن يدخل في حكمها فيكون معها مميّزاً للسبع المذكورة، و لفظ الاُخر يقتضي أن يكون غير السبع بيانه أنّك تقول: عندي سبعة رجال قيام و قعود بالجرّ فيصحّ لأنّك ميّزت السبعة برجال موصوفين

٢٠٤

بقيام و قعود على أنّ بعضهم قيام و بعضهم قعود فلو قلت: عنده سبعة رجال قيام و آخرين قعود تدافع ففسد. انتهى، و كلامه على اشتماله على نكتة لطيفة لا ينتج أزيد من الظنّ بكون السنبلات اليابسات سبعا كغيرها أمّا وجوب الدلالة من الكلام فلا ألبتّة.

و معنى الآية: و قال ملك مصر لملئه إنّي أرى في منامي سبع بقرات سمان يأكلهنّ سبع بقرات مهازيل و أرى سبع سنبلات خضر و سنبلات اُخر يابسات يا أيّها الملأ بيّنوا لي ما عندكم من حكم رؤياي إن كنتم للرؤيا تعبرون.

قوله تعالى: ( قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) الأحلام جمع حلم بضمّتين و قد يسكن وسطه هو ما يراه النائم في منامه و كأنّ الأصل في معناه ما يتصوّر للإنسان من داخل نفسه من غير توصّله إليه بالحسّ، و منه تسمية العقل حلما لأنّه استقامة التفكّر، و منه أيضاً الحلم لزمان البلوغ قال تعالى.( وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ ) النور: ٥٩ أي زمان البلوغ، بلوغ العقل، و منه الحلم بكسر الحاء بمعنى الأناءة ضدّ الطيش و هو ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب و عدم المعاجلة في العقوبة فإنّه إنّما يكون عن استقامة التفكّر. و ذكر الراغب: أنّ الأصل في معناه الحلم بكسر الحاء، و لا يخلو من تكلّف.

و قال الراغب: الضغث قبضة ريحان أو حشيش أو قضبان و جمعه أضغاث، قال تعالى:( وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثا ) و به شبه الأحلام المختلفة الّتي لا تتبيّن حقائقها( قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) حزم أخلاط من الأحلام انتهى.

و تسمية الرؤيا الواحدة بأضغاث الأحلام كأنّه بعناية دعوى كونها صورا متفرّقة مختلطة مجتمعة من رؤي مختلفة لكلّ واحد منها تأويل على حدة فإذا اجتمعت و اختلطت عسر للمعبّر الوقوف على تأويلها، و الإنسان كثيرا ما ينتقل في نومة واحدة من رؤيا إلى اُخرى و منهما إلى ثالثة و هكذا فإذا اختلطت أبعاضها كانت أضغاث أحلام و امتنع الوقوف على حقيقتها و يدلّ على ما ذكرنا من العناية التعبير بأضغاث أحلام بتنكير المضاف و المضاف إليه معا كما لا يخفى.

٢٠٥

على أنّ الآية أعني قوله:( وَ قالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى) إلخ، غير صريحة في كونه رؤيا واحدة و في التوراة أنّه رأى البقرات السمان و العجاف في رؤيا و السنبلات الخضر و اليابسات في رؤيا اُخرى.

و قوله:( وَ ما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) إن كان الألف و اللّام للعهد فالمعنى و ما نحن بتأويل هذه المنامات الّتي هي أضغاث أحلام بعالمين. و إن كان لغير العهد و الجمع المحلّى باللّام يفيد العموم فالمعنى و ما نحن بتأويل جميع المنامات بعالمين و إنّما نعبّر غير أضغاث الأحلام منها، و على أي حال لا تدافع بين عدهم رؤياه أضغاث أحلام و بين نفيهم العلم بتأويل الأحلام عن أنفسهم، و لو كان المراد بالأحلام الأحلام الصحيحة فحسب كان كلّ من شطري كلامهم يغني عن الآخر.

و معنى الآية قالوا أي قال الملأ للملك: ما رأيته أضغاث أحلام و أخلاط من منامات مختلفة و ما نحن بتأويل هذا النوع من المنامات بعالمين أو و ما نحن بتأويل جميع المنامات بعالمين و إنّما نعلم تأويل الرؤى الصالحة.

قوله تعالى: ( وَ قالَ الّذي نَجا مِنْهُما وَ ادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ ) الاُمّة الجماعة الّتي تقصد لشأن و يغلب استعمالها في الإنسان، و المراد بها هاهنا الجماعة من السنين و هي المدّة الّتي نسي فيها هذا القائل و هو ساقي الملك أن يذكر يوسف عند ربّه و قد سأله يوسف ذلك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث يوسف في السجن بضع سنين.

و المعنى: و قال الّذي نجا من السجن من صاحبي يوسف فيه و ادّكر بعد جماعة من السنين ما سأله يوسف في السجن حين أوّل رؤياه: أنا اُنبّئكم بتأويل ما رآه الملك في منامه فأرسلوني إلى يوسف في السجن حتّى اُخبركم بتأويل ذلك.

و خطاب الجمع في قوله:( أُنَبِّئُكُمْ ) و قوله( فَأَرْسِلُونِ ) تشريك لمن حضر مع الملك و هم الملأ من أركان الدولة و أعضاد المملكة الّذين يلون اُمور الناس، و الدليل عليه قوله الآتي:( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) كما سيأتي.

قوله تعالى: ( يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ ) إلى آخر

٢٠٦

الآية، في الكلام حذف و تقدير إيجازاً، و التقدير: فأرسلوه فجاء إلى يوسف في السجن فقال: يا يوسف أيّها الصدّيق أفتنا في رؤيا الملك و ذكر الرؤيا و ذكر أنّ الناس في انتظار تأويله و هذا الاُسلوب من لطائف أساليب القرآن الكريم.

سمّى يوسف صدّيقا و هو كثير الصدق المبالغ فيه لما كان رأى من صدقه فيما عبّر به منامه و منام صاحبه في السجن و اُموراً اُخرى شاهدها من فعله و قوله في السجن، و قد أمضى الله سبحانه كونه صدّيقا بنقله ذلك من غير ردّ.

و قد ذكر متن الرؤيا من غير أن يصرّح أنّه رؤيا فقال:( أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَ سَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ ) لأنّ قوله:( أَفْتِنا ) و هو سؤال الحكم الّذي يؤدّي إليه نظره، و كون المعهود فيما بينه و بين يوسف تأويل الرؤيا، و كذا ذيل الكلام يدلّ على ذلك و يكشف عنه.

و قوله:( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ ) لعلّ الأوّل تعليل لقوله:( أَفْتِنا ) و لعلّ الثاني تعليل لقوله( أَرْجِعُ ) و المراد أفتنا في أمر هذه الرؤيا ففي إفتائك رجاء أن أرجع به إلى الناس و اُخبرهم بها و في رجوعي إليهم رجاء أن يعلموا به فيخرجوا به من الحيرة و الجهالة.

و من هنا يظهر أنّ قوله:( أَرْجِعُ ) في معنى أرجع بذلك فمن المعلوم أنّه لو أفتى فيه فرجع المستفتي إلى الناس كان رجوعه رجوع عالم بتأويله خبير بحكمه فرجوعه عندئذ إليهم رجوع بمصاحبة ما ألقي إليه من التأويل فافهم ذلك.

و في قوله أوّلا:( أَفْتِنا ) و ثانياً:( لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ ) دلالة على أنّه كان يستفتيه بالرسالة عن الملك و الملأ و لم يكن يسأله لنفسه حتّى يعلمه ثمّ يخبرهم به بل ليحمله إليهم و لذلك لم يخصّه يوسف بالخطاب بل عمّ الخطاب له و لغيره فقال:( تَزْرَعُونَ ) إلخ.

و في قوله:( إِلَى النَّاسِ ) إشعار أو دلالة على أنّ الناس كانوا في انتظار أن يرتفع بتأويله حيرتهم، و ليس إلّا أنّ الملأ كانوا هم أولياء اُمور الناس و خيرتهم في الأمر خيرة الناس أو أنّ الناس أنفسهم كانوا على هذا الحال لتعلّقهم بالملك و اهتمامهم

٢٠٧

برؤياه لأنّ الرؤيا ناظرة غالباً إلى ما يهتمّ به الإنسان من شئون الحياة و الملوك إنّما يهتمّون بشؤون المملكة و اُمور الرعيّة.

قوله تعالى:( قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) قال الراغب: الدأب إدامة السير دأب في السير دأبا قال تعالى:( وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ ) و الدأب العادة المستمرّة دائماً على حاله قال تعالى:( كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ ) أي كعادتهم الّتي يستمرّون عليها. انتهى و عليه فالمعنى تزرعون سبع سنين زراعة متوالية مستمرّة، و قيل: هو من دأب بمعنى التعب أي تزرعون بجدّ و اجتهاد، و يمكن أن يكون حالاً أي تزرعون دائبين مستمرّين أو مجدّين مجتهدين فيه.

ذكروا أنّ( تَزْرَعُونَ ) خبر في معنى الإنشاء، و كثيراً ما يؤتى بالأمر في صورة الخبر مبالغة في وجوب الامتثال كأنّه واقع يخبر عنه كقوله تعالى:( تُؤْمِنُونَ بِالله وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله ) الصف: ١١، و الدليل عليه قوله بعد:( فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ) ، قيل: و إنّما أمر بوضعه و تركه في سنبله لأنّ السنبل لا يقع فيه سوس و لا يهلك و إن بقي مدّة من الزمان، و إذا ديس و صفي أسرع إليه الهلاك.

و المعنى: ازرعوا سبع سنين متواليات فما حصدتم فذروه في سنبله لئلّا يهلك و احفظوه كذلك إلّا قليلاً و هو ما تأكلون في هذه السنين.

قوله تعالى: ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ) الشداد جمع شديد من الشدّة بمعنى الصعوبة لما في سني الجدب و المجاعة من الصعوبة و الحرج على الناس أو هو من شدّ عليه إذا كرّ، و هذا أنسب لما بعده من توصيفها بقوله:( يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ ) .

و عليه فالكلام يشتمل على تمثيل لطيف كأنّ هذه السنين سباع ضارية تكرّ على الناس لافتراسهم و أكلهم فيقدمون إليها ما ادّخروه عندهم من الطعام فتأكله و تنصرف عنهم.

٢٠٨

و الإحصان الإحراز و الادّخار، و المعنى ثمّ يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السنين الخصبة سبع سنين شداد يشددن عليكم يأكلن ما قدّمتم لهنّ إلّا قليلاً ممّا تحرزون و تدّخرون.

قوله تعالى: ( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) يقال: غاثه الله و أغاثه أي نصره، و يغيثه بفتح الياء و ضمّها أي ينصره و هو من الغوث بمعنى النصرة و غاثهم الله يغيثهم من الغيث و هو المطر، فقوله:( فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ ) إن كان من الغوث كان معناه: ينصرون فيه من قبل الله سبحانه بكشف الكربة و رفع الجدب و المجاعة و إنزال النعمة و البركة، و إن كان من الغيث كان معناه: يمطرون فيرتفع الجدب من بينهم.

و هذا المعنى الثاني أنسب بالنظر إلى قوله بعده:( وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) و لا يصغي إلى قول من يدّعي: أنّ المعنى الأوّل هو المتبادر من سياق الآية إلّا على قراءة( يَعْصِرُونَ ) بالبناء للمجهول و معناه يمطرون.

و ما أورده بعض المستشرقين على المعنى الثاني أنّه لا ينطبق على مورد الآية فإنّ خصب مصر إنّما يكون بفيضان النيل لا بالمطر فالأمطار لا تؤثّر فيها أثراً.

ردّ عليه بأنّ الفيضان نفسه لا يكون إلّا بالمطر الّذي يمدّه في مجاريه من بلاد السودان.

على أنّ من الجائز أن يكون( يُغاثُ ) مأخوذاً من الغيث بمعنى النبات، قال في لسان العرب: و الغيث الكلاء ينبت من ماء السماء انتهى، و هذا أنسب من المعنيين السابقين بالنظر إلى قوله:( وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) .

و قوله:( وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) من العصر و هو إخراج ما في الشي‏ء من ماء أو دهن بالضغط كإخراج ماء العنب و التمر للدبس و غيره و إخراج دهن الزيت و السمسم للائتدام و الاستصباح و غيرهما، و يمكن أن يراد بالعصر الحلب أي يحلبون ضروع أنعامهم كما فسّره بعضهم به.

و المعنى ثمّ يأتي من بعد ذلك أي ما ذكر من السبع الشداد عام فيه تنبت

٢٠٩

أراضيهم - أو يمطرون أو ينصرون - و فيه يتّخذون الأشربة و الأدهنة من الفواكه و البقول أو يحلبون ضروع أنعامهم. و فيه كناية عن توفّر النعمة عليهم و على أنعامهم و مواشيهم.

قال البيضاويّ في تفسيره: و هذه بشارة بشّرهم بها بعد أن أوّل البقرات السمان و السنبلات الخضر بسنين مخصبة، و العجاف و اليابسات بسنين مجدبة، و ابتلاع العجاف السمان بأكل ما جمع في السنين المخصبة في السنين المجدبة، و لعلّه علم ذلك بالوحي أو بأنّ انتهاء الجدب بالخصب أو بأنّ السنّة الإلهيّة أن يوسّع على عباده بعد ما ضيّق عليهم. انتهى و ذكر غيره نحواً ممّا ذكره.

و قال صاحب المنار في تفسيره، في الآية: و المراد أنّ هذا العام عظيم الخصب و الإقبال يكون للناس فيه كلّ ما يبغون من النعمة و الإتراف، و الإنباء بهذا زائد على تأويل الرؤيا لجواز أن يكون العام الأوّل بعد سني الشدّة و الجدب دون ذلك فهذا التخصيص و التفصيل لم يعرفه يوسف إلّا بوحي من الله عزّوجلّ لا مقابل له في رؤيا الملك و لا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. انتهى.

و الّذي أرى أنّهم سلكوا تفسير آيات الرؤيا و تأويلها سبيل المساهلة و المسامحة و ذلك أنّا إذا تدبّرنا في كلامه (عليه السلام) في التأويل أعني قوله:( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) وجدناه (عليه السلام) لم يبن كلامه على أساس إخبارهم بما سيستقبلهم من السنين السبع المخصبة ثمّ السنين السبع المجدبة، و لو أنّه أراد ذلك لكان من حقّ الكلام أن يقول مثلاً: يأتي عليكم سبع مخصبات ثمّ يأتي من بعدها سبع شداد يذهبن بما عندكم من الذخائر ثمّ إذا سئل عن دفع هذه المخمصة و طريق النجاة من هذه المهلكة العامّة، قال:( تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ ) إلى آخر ما قال.

بل بنى كلامه على ذكر ما يجب عليهم من العمل و بيّن أنّ أمره بذلك توطئة و تقدّمة للتخلّص عمّا يهدّدهم من المجاعة و المخمصة و هو ظاهر، و هذا

٢١٠

دليل على أنّ الّذي رآه الملك من الرؤيا إنّما كان مثال ما يجب عليه من اتّخاذ التدبير لإلجاء الناس من مصيبة الجدب، و إشارة إلى ما هو وظيفته قبال مسئوليّته في أمر رعيّته و هو أن يسمن بقرات سبعاً لتأكلهنّ بقرات مهازيل ستشدّ عليهم و يحفظ السنابل الخضر السبع بعد ما يبست على حالها من غير دوس و تصفية لذلك.

فكأنّ نفس الملك شاهدت في المنام ما يجب عليه من العمل قبال ما يهدّد الأرض من سنة الجدب فحكت السنين المخصبة و المجدبة أي الرزق الّذي يرتزقون به فيها في صورة البقرة ثمّ حكت ما في السبع الاُول من تكثير المحصول بزرعها دأبا في صورة السمن و ما في السبع الاُخر في صورة الهزال، و حكت نفاد ما ادّخروه في السبع الاُولى في السبع الثانية بأكل العجاف للسمان، و حكت ما يجب عليهم في حفظ ذخائر الرزق بالسنبلات اليابسة قبال السنبلات الخضر.

و لم يزد يوسف (عليه السلام) في تأويله على ذلك شيئاً إلّا اُموراً ثلاثة:

أحدها ما استثناه بقوله:( إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ) و ليس جزء من التأويل و إنّما هو إباحة و بيان لمقدار التصرّف الجائز فيما يجب أن يذروه في سنبله.

و ثانيها: قوله:( إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ ) و هو الّذي يجب أن يدّخروه للعام الّذي فيه يغاث الناس و فيه يعصرون ليتّخذ بذراً و مدداً احتياطيّاً، و كأنّه (عليه السلام) أخذه من قوله في حكاية الرؤيا:( يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ ) حيث لم يقل: أكلتهنّ بل عبّر عن اشتغالهنّ بأكلهنّ و لمّا يفنيهنّ بأكل كلّهنّ و لو كانت ذخائرهم تنفد في السنين السبع الشداد لرأى أنّهنّ أكلتهنّ عن آخرهنّ.

و ثالثها: قوله:( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) و الظاهر أنّه (عليه السلام) استفاده من عدد السبع الّذي تكرّر في البقرات السمان و العجاف و السنبلات الخضر، و قوله:( ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ ) و إن كان إخباراً صورةً عن المستقبل لكنّه كناية عن أنّ هذا العام الّذي سيستقبلهم بعد مضيّ السبع الشداد في غنى عن اجتهادهم في أمر الزرع و الادّخار، و لا تكليف فيه يتوجّه إليهم بالنسبة إلى أرزاق الناس.

٢١١

و لعلّه لهذه الثلاثة غير السياق فقال:( فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ ) و لم يقل: فيه تغاثون و فيه تعصرون بالجري على نحو الخطاب في الآيتين السابقتين ففيه إشارة إلى أنّ الناس في هذا العام في غنى عن اجتهادكم في أمر معاشهم و تصدّيكم لإدارة أرزاقهم بل يغاثون و يعصرون لنزول النعمة و البركة في سنة مخصبة.

و من هنا يظهر اندفاع ما ذكره صاحب المنار، في كلامه المتقدّم أنّ هذا التخصيص لم يعرفه يوسف (عليه السلام) إلّا بوحي من الله لا مقابل له في رؤيا الملك و لا هو لازم من لوازم تأويلها بهذا التفصيل. انتهى.

فإنّ تبدّل سني الجدب بسنة الخصب ممّا يستفاد من الرؤيا بلا ريب فيه، و أمّا ما ذكره من كون هذه السنة ذات مزيّة بالنسبة إلى سائر سني الخصب تزيد عليها في وفور الرزق فلا دليل عليها من جهة اللفظ ألبتّة.

و ممّا ذكرنا أيضاً تظهر النكتة في ترك توصيف السنبلات اليابسات في الآية بالسبع حيث قيل:( وَ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يابِساتٍ ) حيث عرفت أنّ الرؤيا لا تجلّي نفس حادثة الخصب و الجدب، و إنّما تجلّي ما هو التكليف العمليّ قبال الحادثة فيكون توصيف السنابل اليابسة بالسبع مستدركا مستغنى عنه بخلاف ما لو كان ذلك إشارة إلى نفس السنين المجدبة فافهم ذلك.

و مما تقدّم يظهر أيضاً أنّ الأنسب أن يكون المراد بقوله:( يُغاثُ ) و قوله:( يَعْصِرُونَ ) الإمطار أو إعشاب الكلاء و حلب المواشي لأنّ ذلك هو المناسب لما رآه في منامه من البقرات السبع سمانا و عجافا فإنّ هذا هو المعهود، و منه يظهر وجه تخصيص الغيث و العصر بالذكر في هذه الآية، و الله أعلم.

قوله تعالى: ( وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) في الكلام حذف و إضمار إيجازا، و التقدير - على ما يدلّ عليه السياق و الاعتبار بطبيعة الأحوال - و جاء الرسول و هو الساقي فنبّأهم بما ذكره يوسف من تأويل الرؤيا و قال الملك بعد ما سمعه: ائتوني به.

٢١٢

و ظاهر أنّ الّذي أنبأهم به من جدب سبع سنين متوالية كان أمراً عظيماً، و الّذي أشار إليه من الرأي البيّن الصواب أعظم منه و أغرب عند الملك المهتمّ بأمر اُمّته المعتني بشؤون مملكته، و قد أفزعه ما سمع و أدهشه، و لذلك أمر بإحضاره ليكلّمه و يتبصّر بما يقوله مزيد تبصّر، و يشهد بهذا ما حكاه الله تعالى من تكليمه إيّاه بقوله:( فَلَمَّا جاءَهُ و كَلَّمَهُ ) إلخ.

و لم يكن أمره بإتيانه به إشخاصاً له بل إطلاقاً من السجن و إشخاصاً للتكليم و، لو كان إشخاصاً و إحضاراً لمسجون يعود إلى السجن بعد التكليم لم يكن ليوسف (عليه السلام) أن يستنكف عن الحضور بل اُجبر عليه إجباراً بل كان إحضاراً عن عفو و إطلاق فوسعه أن يأتي الحضور و يسأله أن يقضي فيه بالحقّ، و كانت نتيجة هذا الإباء و السؤال أن يقول الملك ثانياً: ائتوني به أستخلصه لنفسي بعد ما قال أوّلا: ائتوني به.

و قد راعى (عليه السلام) أدبا بارعا في قوله للرسول:( ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) فلم يذكر امرأة العزيز بما يسوؤه و ليس يريد إلّا أن يقضي بينه و بينها، و إنّما أشار إلى النسوة اللّاتي راودنه، و لم يذكرهنّ أيضاً بسوء إلّا بأمر يظهر بالتحقيق فيه براءته و لا براءته من مراودة امرأة العزيز بل نزاهته من أيّ مراودة و فحشاء تنسب إليه فقد كان بلاؤه عظيماً.

و لم يذكرهنّ بشي‏ء من المكروه إلّا ما في قوله:( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) و ليس إلّا نوعاً من بثّ الشكوى لربّه.

و ما ألطف قوله في صدر الآية و ذيلها حيث يقول للرسول:( ارْجِعْ إِلى‏ رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ) ثمّ يقول:( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) و فيه نوع من تبليغ الحقّ، و ليكن فيه تنبّه لمن يزعم أنّ مراده من( رَبِّي ) فيما قال لامرأة العزيز:( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) هو زوجها، و أنّه يسمّيه ربّا لنفسه.

و ما ألطف قوله:( ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ) و البال هو الأمر الّذي يهتمّ به يقول: ما هو الأمر العظيم و الشأن الخطير الّذي أوقعهنّ فيما وقعن فيه، و ليس إلّا هواهنّ فيه و ولههنّ في حبّه حتّى أنساهنّ أنفسهنّ فقطّعن

٢١٣

الأيدي مكان الفاكهة تقطيعا فليفكّر الملك في نفسه أنّ الابتلاء بمثل هذه العاشقات الوالهات عظيم جدّاً، و الكفّ عن معاشقتهنّ و الامتناع من إجابتهنّ بما يردنه و هنّ يفدينه بالأنفس و الأموال أعظم، و لم يكن المراودة بالمرّة و المرّتين و لا الإلحاح و الإصرار يوماً أو يومين و لن تتيسّر المقاومة و الاستقامة تجاه ذلك إلّا لمن صرف الله عنه السوء و الفحشاء ببرهان من عنده.

قوله تعالى: ( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) الآية، قال الراغب: الخطب الأمر العظيم الّذي يكثر فيه التخاطب قال تعالى:( فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ ) ( فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ ) . انتهى.

و قال أيضاً: حصحص الحقّ أي وضح و ذلك بانكشاف ما يظهره، و حصّ و حصحص نحو كفّ و كفكف و كبّ و كبكب، و حصّة قطع منه إمّا بالمباشرة و إمّا بالحكم - إلى أن قال - و الحصّة القطعة من الجملة، و يستعمل استعمال النصيب. انتهى.

و قوله:( قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ ) ؟ جواب عن سؤال مقدّر على ما في الكلام من حذف و إضمار إيجازا - كلّ ذلك يدلّ عليه السياق - و التقدير: كأنّ سائلا يسأل فيقول: فما الّذي كان بعد ذلك؟ و ما فعل الملك؟ فقيل: رجع الرسول إلى الملك و بلّغه ما قاله يوسف و سأله من القضاء فأحضر النسوة و سألهنّ عمّا يهمّ من شأنهنّ في مراودتهنّ ليوسف: ما خطبكنّ إذ راودتنّ يوسف عن نفسه؟ قُلْنَ:( حاشَ لله ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) فنزّهنه عن كلّ سوء، و شهدن أنّهنّ لم يظهر لهنّ منه ما يسوء فيما راودنه عن نفسه.

و ذكرهنّ كلمة التنزيه:( حاشَ لله ) نظير تنزيههنّ حينما رأينه لأوّل مرّة:( حاشَ لله ما هذا بَشَراً ) يدلّ على بلوغه (عليه السلام) النهاية في النزاهة و العفّة فيما علمنه كما أنّه كان بالغاً في الحسن.

و الكلام في فصل قوله:( قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ ) نظير الكلام في قوله( قالَ ما خَطْبُكُنَّ ) و قوله:( قُلْنَ حاشَ لله ) فعند ذلك تكلّمت امرأة العزيز و هي الأصل

٢١٤

في هذه الفتنة و اعترفت بذنبها و صدّقت يوسف (عليه السلام) فيما كان يدّعيه من البراءة قالت: الآن حصحص و وضح الحقّ و هو أنّه: أنا راودته عن نفسه و إنّه لمن الصادقين فنسبت المراودة إلى نفسها و كذّبت نفسها في اتّهامه بالمراودة، و لم تقنع بذلك بل برّأته تبرئة كاملة أنّه لم يراود و لا أجابها في مراودتها بالطاعة.

و اتّضحت بذلك براءته (عليه السلام) من كلّ وجه، و في قول النسوة و قول امرأة العزيز جهات من التأكيد بالغة في ذلك كنفي السوء عنه بالنكرة في سياق النفي مع زيادة من:( ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ ) مع كلمة التنزيه:( حاشَ لله ) في قولهنّ، و اعترافها بالذنب في سياق الحصر:( أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ) و شهادتها بصدقه مؤكّدة بإنّ و اللّام و الجملة الاسميّة:( وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) و غير ذلك في قولها. و هذا ينفي عنه (عليه السلام) كلّ سوء أعمّ من الفحشاء و المراودة لها و أيّ ميل و نزعة إليها و كذب و افتراء، بنزاهه من حسن اختياره.

قوله تعالى: ( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) من كلام يوسف (عليه السلام) على ما يدلّ عليه السياق، و كأنّه قاله عن شهادة النسوة على براءة ساحته من كلّ سوء و اعتراف امرأة العزيز بالذنب و شهادتها بصدقه و قضاء الملك ببراءته.

و حكاية القول كثير النظير في القرآن كقوله:( آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ ) البقرة: ٢٨٥ أي قالوا لا نفرّق إلخ، و قوله:( وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ ) الصافات: ١٦٦.

و على هذا فالإشارة بقوله:( ذلِكَ ) إلى إرجاع الرسول إلى الملك و سؤاله القضاء، و الضمير في( لِيَعْلَمَ ) و( لَمْ أَخُنْهُ ) عائد إلى العزيز و المعنى إنّما أرجعت الرسول إلى الملك و سألته أن يحقّق الأمر و يقضي بالحقّ ليعلم العزيز أنّي لم أخنه بالغيب بمراودة امرأته و ليعلم أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين.

يذكر (عليه السلام) لما فعله من الإرجاع و السؤال غايتين:

٢١٥

أحدهما: أن يعلم العزيز أنّه لم يخنه و تطيب نفسه منه و يزول عنها و عن أمره أيّ شبهة و ريبة.

و الثاني: أن يعلم أنّ الخائن مطلقاً لا ينال بخيانته غايته و أنّه سيفتضح لا محالة سنّة الله الّتي قد خلت في عباده و لن تجد لسنّة الله تبديلاً فإنّ الخيانة من الباطل، و الباطل لا يدوم و سيظهر الحقّ عليه ظهوراً، و لو اهتدى الخائن إلى بغيته لم تفتضح النسوة اللّاتي قطّعن أيديهنّ و أخذن بالمراودة و لا امرأة العزيز فيما فعلت و أصرّت عليه فالله لا يهدي كيد الخائنين.

و كان الغرض من الغاية الثانية:( وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) و تذكيره و تعليمه للملك، الحصول على لازم فائدة الخبر و هو أن يعلم الملك أنّه (عليه السلام) عالم بذلك مذعن بحقيقته فإذا كان لم يخنه في عرضه بالغيب و لا يخون في شي‏ء ألبتّة كان جديراً بأن يؤتمن على كلّ شي‏ء نفساً كان أو عرضاً أو مالاً.

و بهذا الامتياز البيّن يتهيّأ ليوسف ما كان بباله أن يسأل الملك إيّاه و هو قوله بعد أن اُشخص عند الملك:( اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) .

و الآية ظاهرة في أنّ هذا الملك هو غير عزيز مصر زوج المرأة الّذي اُشير إليه بقوله:( وَ أَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) و قوله:( وَ قالَ الّذي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ ) .

و قد ذكر بعض المفسّرين أنّ هذه الآية و الّتي بعدها تتمّة قول امرأة العزيز:( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) و سيأتي الكلام عليه.

قوله تعالى: ( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) تتمّة كلام يوسف (عليه السلام) و ذلك أنّ قوله:( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) كان لا يخلو من شائبة دعوى الحول و القوّة و هو (عليه السلام) من المخلصين المتوغّلين في التوحيد الّذين لا يرون لغيره تعالى حولاً و لا قوّة فبادر (عليه السلام) إلى نفي الحول و القوّة عن نفسه و نسبة ما ظهر منه من عمل صالح أو صفة جميلة إلى

٢١٦

رحمة ربّه، و تسوية نفسه بسائر النفوس الّتي هي بحسب الطبع مائلة إلى الأهواء أمّارة بالسوء فقال:( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) فقوله هذا كقول شعيب (عليه السلام)( إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَ ما تَوْفِيقِي إِلَّا بِالله ) هود: ٨٨.

فقوله:( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) إشارة إلى قوله:( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) و أنّه لم يقل هذا القول بداعي تنزيه نفسه و تزكيتها بل بداعي حكاية رحمة من ربّه، و علّل ذلك بقوله( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) أي إنّ النفس بطبعها تدعو إلى مشتهياتها من السيّئات على كثرتها و وفورها فمن الجهل أن تبرّأ من الميل إلى السوء، و إنّما تكفّ عن أمرها بالسوء و دعوتها إلى الشرّ برحمة من الله سبحانه تصرفها عن السوء و توفّقها لصالح العمل.

و من هنا يظهر أنّ قوله:( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) يفيد فائدتين:

إحداهما: تقييد إطلاق قوله:( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ ) فيفيد أنّ اقتراف الحسنات الّذي هو برحمة من الله سبحانه من أمر النفس و ليس يقع عن إلجاء و إجبار من جانبه تعالى.

و ثانيتهما: الإشارة إلى أنّ تجنّبه الخيانة كان برحمة من ربّه.

و قد علّل الحكم بقوله:( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) فأضاف مغفرته تعالى إلى رحمته لأنّ المغفرة تستر النقيصة اللازمة للطبع و الرحمة يظهر بها الأمر الجميل، و مغفرته تعالى كما تمحو الذنوب و آثارها كذلك تستر النقائض و تبعاتها و تتعلّق بسائر النقائص كما تتعلّق بالذنوب، قال تعالى.( فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) الأنعام: ١٤٥ و قد تقدّم الكلام فيها في آخر الجزء السادس من الكتاب.

و من لطائف ما في كلامه من الإشارة تعبيره (عليه السلام) عن الله عزّ اسمه بلفظ( رَبِّي ) فقد كرّره ثلاثاً حيث قال:( إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ) ( إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي ) ( إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) لأنّ هذه الجمل تتضمّن نوع إنعام من ربّه بالنسبة إليه فأثنى

٢١٧

على الربّ تعالى بإضافته إلى نفسه لتبليغ مذهبه و هو التوحيد باتّخاذ الله سبحانه ربّا لنفسه معبوداً خلافاً للوثنيّين، و أمّا قوله:( وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) فهو خال عن هذه النسبة و لذلك عبّر بلفظ الجلالة.

و قد ذكر جمع من المفسّرين أنّ الآيتين أعني قوله:( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) إلخ من تمام كلام امرأة العزيز، و المعنى على هذا أنّ امرأة العزيز لمّا اعترفت بذنبها و شهدت بصدقه قالت:( ذلِكَ ) أي اعترافي بأنّي راودته عن نفسه و شهادتي بأنّه من الصادقين( لِيَعْلَمَ ) إذا بلغه عنّي هذا الكلام( أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) بل اعترفت بأنّ المراودة كانت من قبلي أنا و أنّه كان صادقاً( وَ أَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ) كما أنّه لم يهد كيدي أنا إذ كدته بأنواع المراودة و بالسجن بضع سنين حتّى أظهر صدقه في قوله و طهارة ذيله و براءة نفسه و فضحني أمام الملك و الملأ و لم يهد كيد سائر النسوة في مراودتهنّ( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) من السوء مطلقاً فإنّي كدت له بالسجن ليلجأ به إلى أن يفعل ما آمره( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) .

و هذا وجه ردي‏ء جدّاً أمّا أوّلاً: فلأنّ قوله:( ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) لو كان من كلام امرأة العزيز لكان من حقّ الكلام أن يقال: و ليعلم أنّي أخنه بالغيب - بصيغة الأمر - فإنّ قوله( ذلِكَ ) على هذا الوجه إشارة إلى اعترافها بالذنب و شهادتها بصدقه فقوله:( لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) إن كان عنوانا لاعترافها و شهادتها مشاراً به إلى ذلك خلا الكلام عن الفائدة فإنّ محصّل معناه حينئذ: إنّما اعترفت و شهدت ليعلم أنّي اعترفت و شهدت له بالغيب. مضافاً إلى أنّ ذلك يبطل معنى الاعتراف و الشهادة لدلالته على أنّها إنّما اعترفت و شهدت ليسمع يوسف ذلك و يعلم به، لا لإظهار الحقّ و بيان حقيقة الأمر.

و إن كان عنوانا لأعمالها طول غيبة إذ لبث بضع سنين في السجن أي إنّما اعترفت و شهدت له ليعلم أنّي لم أخنه طول غيبته، فقد خانته إذ كادت به فسجن و لبث في السجن بضع سنين مضافاً إلى أنّ اعترافها و شهادتها لا يدلّ على عدم خيانتها

٢١٨

له بوجه من الوجوه و هو ظاهر.

و أمّا ثانيا: فلأنّه لا معنى حينئذ لتعليمها يوسف أنّ الله لا يهدي كيد الخائنين، و قد ذكّرها يوسف به أوّل حين إذ راودته عن نفسه فقال:( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .

و أمّا ثالثاً: فلأنّ قولها:( و ما أبرئ نفسي فقد خنته بالكيد له بالسجن) يناقض قولها:( لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ) كما لا يخفى مضافاً إلى أنّ قوله:( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ ) على ما فيه من المعارف الجليلة التوحيديّة ليس بالحريّ أن يصدر من امرأة أحاطت بها الأهواء و هي تعبد الأصنام.

و ذكر بعضهم وجها آخر في معنى الآيتين بإرجاع ضمير( لِيَعْلَمَ ) و( لَمْ أَخُنْهُ ) إلى العزيز و هو زوجها فهي كأنّها تقول: ذاك الّذي حصل أقررت به ليعلم زوجي أنّي لم أخنه بالفعل فيما كان من خلواتي بيوسف في غيبته عنّا، و أنّ كلّ ما وقع أنّي راودته عن نفسه فاستعصم و امتنع فبقي عرض زوجي مصونا و شرفه محفوظا، و لئن برّأت يوسف من الإثم فما اُبرّئ منه نفسي إنّ النفس لأمّارة بالسوء إلّا ما رحم ربّي.

و فيه: أنّ الكلام لو كان من كلامها و هي تريد أن تطيّب به نفس زوجها و تزيل أيّ ريبة عن قلبه أنتج خلاف المطلوب فإنّ قولها.( الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ) إنّما يفيد العلم بأنّها راودته عن نفسه، و أمّا شهادتها أنّه امتنع و لم يطعها فيما أمرته به فهي شهادة لنفسها لا عليها، و كان من الممكن أنّها إنّما شهدت له لتطيّب نفس زوجها و تزيل ما عنده من الشكّ و الريب فاعترافها و شهادتها لا توجب في نفسها علم العزيز أنّها لم تخنه بالغيب.

مضافاً إلى أنّ قوله:( وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي ) إلخ يكون حينئذ تكراراً لمعنى قولها:( أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ ) و ظاهر السياق خلافه. على أنّ بعض الاعتراضات الواردة على الوجه السابق وارد عليه.

قوله تعالى: ( وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ

٢١٩

الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ ) يقال: استخلصه أي جعله خالصا، و المكين صاحب المكانة و المنزلة، و في قوله:( فَلَمَّا كَلَّمَهُ ) حذف للإيجاز و التقدير: فلمّا اُتي به إليه و كلمه قال إنّك اليوم إلخ و في تقييد الحكم باليوم إشارة إلى التعليل، و المعنى إنّك اليوم و قد ظهر من مكارم أخلاقك في التجنّب عن السوء و الفحشاء و الخيانة و الظلم، و الصبر على كلّ مكروه و صغار في سبيل طهارة نفسك، و اختصاصك بتأييد من ربّك غيبي و علم بالأحاديث و الرأي و الحزم و الحكمة و العقل لدينا ذو مكانة و أمانة، و قد أطلق قوله:( مَكِينٌ أَمِينٌ ) فأفاد بذلك عموم الحكم.

و المعنى: و قال الملك ائتوني بيوسف أجعله خالصا لنفسي و خاصّة لي فلمّا اُتي به إليه و كلّمه قال له إنّك اليوم و قد ظهر من كمالك ما ظهر لدينا ذو مكانة مطلقة و أمانة مطلقة يمكّنك من كلّ ما تريد و يأتمنك على جميع شؤون الملك و في ذلك حكم صدارته.

قوله تعالى: ( قالَ اجْعَلْنِي عَلى‏ خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) لمّا عهد الملك ليوسف إنّك اليوم لدينا مكين أمين و أطلق القول سأله يوسف (عليه السلام) أن ينصبه على خزائن الأرض و يفوّض إليه أمرها، و المراد بالأرض أرض مصر.

و لم يسأله ما سأل إلّا ليتقلّد بنفسه إدارة أمر الميرة و أرزاق الناس فيجمعها و يدّخرها للسنين السبع الشداد الّتي سيستقبل الناس و تنزل عليهم جدبها و مجاعتها و يقوم بنفسه لقسمة الأرزاق بين الناس و إعطاء كلّ منهم ما يستحقّه من الميرة من غيره حيف.

و قد علّل سؤاله ذلك بقوله:( إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ ) فإنّ هاتين الصفتين هما اللازم وجودهما فيمن يتصدّى مقاماً هو سائله و لا غنى عنهما له، و قد اُجيب إلى ما سأل و اشتغل بما كان يريده كلّ ذلك معلوم من سياق الآيات و ما يتلوها.

قوله تعالى: ( وَ كَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَ لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) التمكين هو الإقدار و التبوّء أخذ المكان.

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431