الميزان في تفسير القرآن الجزء ١٣

الميزان في تفسير القرآن8%

الميزان في تفسير القرآن مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 443

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 443 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 110938 / تحميل: 6185
الحجم الحجم الحجم
الميزان في تفسير القرآن

الميزان في تفسير القرآن الجزء ١٣

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

و ظاهر بعض المفسّرين أنّ الأعمى الثاني في الآية تفيد معنى التفضيل حيث فسّره أنّه في الآخرة أشدّ عمى و أضلّ سبيلاً و السياق يساعده على ذلك.

( بحث روائي)

في أمالي الشيخ، بإسناده عن زيد بن عليّ عن أبيهعليه‌السلام : في قوله:( وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ‏ ) يقول: فضّلنا بني آدم على سائر الخلق( وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ ) يقول: على الرطب و اليابس( وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ) يقول: من طيّبات الثمار كلّها( وَ فَضَّلْناهُمْ ) يقول: ليس من دابّة و لا طائر إلّا هي تأكل و تشرب بفيها لا ترفع يدها إلى فيها طعاماً و لا شراباً غير ابن آدم فإنّه يرفع إلى فيه بيده طعامه فهذا من التفضيل.

و في تفسير العيّاشيّ، عن جابر عن أبي جعفرعليه‌السلام :( وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا ) قال: خلق كلّ شي‏ء منكبّاً غير الإنسان خلق منتصباً.

أقول: و ما في الروايتين من قبيل ذكر بعض المصاديق و الدليل عليه قوله في آخر الرواية الاُولى: فهذا من التفضيل.

و فيه، عن الفضيل قال: سألت أبا جعفرعليه‌السلام عن قول الله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: يجي‏ء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في قومه، و عليّعليه‌السلام في قومه و الحسن في قومه و الحسين في قومه و كلّ من مات بين ظهرانيّ إمام جاء معه.

و في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن الصادقعليه‌السلام : أ لا تحمدون الله؟ إنّه إذا كان يوم القيامة يدعى كلّ قوم إلى من يتولّونه، و فزعنا إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و فزعتم أنتم إلينا.

أقول: و رواه في المجمع، عنهعليه‌السلام ‏ و فيه دلالة على أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إمام الأئمّة كما أنّه شهيد الشهداء و أنّ حكم الدعوة بالإمام جار بين الأئمّة أنفسهم.

و في مجمع البيان، روى الخاصّ و العام عن عليّ بن موسى الرضاعليه‌السلام بالأسانيد الصحيحة أنّه روى عن آبائه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال فيه: يدعى كلّ

١٨١

اُناس بإمام زمانهم و كتاب ربّهم و سنّة نبيّهم.

أقول: و رواه في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عنه عن آبائه عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بلفظه و قد أسنده أيضاً إلى رواية الخاصّ و العامّ.

و في الدرّ المنثور، أخرج ابن مردويه عن عليّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: يدعى كلّ قوم بإمام زمانهم و كتاب ربّهم و سنّة نبيّهم.

و في تفسير العيّاشيّ، عن عمّار الساباطيّ عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: لا يترك الأرض بغير إمام يحلّ حلال الله و يحرّم حرامه، و هو قول الله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) ثمّ قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من مات بغير إمام مات ميتة جاهليّة. الحديث.

أقول: و وجه الاحتجاج بالآية عموم الدعوة فيها لجميع الناس.

و فيه، عن إسماعيل بن همّام عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله:( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ ) قال: إذا كان يوم القيامة قال الله: أ ليس العدل من ربّكم أن يولّوا كلّ قوم من تولّوا؟ قالوا: بلى قال: فيقول: تميّزوا فيتميّزون.

أقول: و فيه تأييد لما قدّمنا أنّ المراد بالدعوة بالإمام إحضارهم معه دون النداء بالاسم، و الروايات في المعاني السابقة كثيرة.

و في تفسير القمّيّ: في قوله تعالى:( وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا ) قال: قال: الجلدة الّتي في ظهر النواة.

و في تفسير العيّاشيّ، عن المثنّى عن أبي عبداللهعليه‌السلام قال: سأله أبوبصير و أنا أسمع فقال له: رجل له مائة ألف فقال: العامّ أحجّ العامّ أحجّ حتّى يجيئه الموت فحجبه البلاء و لم يحجّ حجّ الإسلام فقال: يا با بصير أ و ما سمعت قول الله:( مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ سَبِيلًا ) ؟ عمي عن فريضة من فرائض الله.

١٨٢

( سورة الإسراء الآيات ٧٣ - ٨١)

وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ  وَإِذًا لَّاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ( ٧٣ ) وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ( ٧٤ ) إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا ( ٧٥ ) وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا  وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ( ٧٦ ) سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا  وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ( ٧٧ ) أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ  إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا ( ٧٨ ) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا ( ٧٩ ) وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ( ٨٠ ) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ  إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ( ٨١ )

( بيان‏)

تذكر الآيات بعض مكر المشركين بالقرآن و بالنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم - بعد ما ذمّتهم على تماديهم في إنكار التوحيد و المعاد و احتجّت عليهم في ذلك - حيث أرادوا أن يفتنوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن بعض ما اُوحي إليه ليداهنهم فيه بعض المداهنة، و أرادوا أن يخرجوه من مكّة.

و قد أوعد الله النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أشدّ الوعيد إن مال إلى الركون إليهم بعض

١٨٣

الميل، و أوعدهم أن أخرجوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهلاك.

و في الآيات إيصاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالصلوات و الالتجاء بربّه في مدخله و مخرجه و إعلام ظهور الحقّ.

قوله تعالى: ( وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَ إِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ) إن مخفّفة بدليل اللّام في( لَيَفْتِنُونَكَ ) و الفتنة الإزلال و الصرف، و الخليل من الخلّة بمعنى الصداقة و ربّما قيل: هو من الخلّة بمعنى الحاجة و هو بعيد.

و ظاهر السياق أنّ المراد بالذي أوحينا إليك القرآن بما يشتمل عليه من التوحيد و نفي الشريك و السيرة الصالحة و هذا يؤيّد ما ورد في بعض أسباب النزول أنّ المشركين سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يكفّ عن ذكر آلهتهم بسوء و يبعّد عن نفسه عبيدهم المؤمنين به و السقاط حتّى يجالسوه و يسمعوا منه فنزلت الآيات.

و المعنى: و إنّ المشركين اقتربوا أن يزلّوك و يصرفوك عمّا أوحينا إليك لتتّخذ من السيرة و العمل ما يخالفه فيكون في ذلك افتراء علينا لانتسابه بعملك إلينا و إذا لاتّخذوك صديقاً.

قوله تعالى: ( وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) التثبيت - كما يفيده السياق - هو العصمة الإلهيّة و جعل جواب لو لا قوله:( لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ ) دون نفس الركون و الركون هو الميل أو أدنى الميل كما قيل دليل على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يركن و لم يكد، و يؤكّده إضافة الركون إليهم دون إجابتهم إلى ما سألوه.

و المعنى: و لو لا أن ثبّتناك بعصمتنا دنوت من أن تميل إليهم قليلاً لكنّا ثبّتناك فلم تدن من أدنى الميل إليهم فضلاً من أن تجيبهم إلى ما سألوا فهوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يجبهم إلى ما سألوا و لا مال إليهم شيئاً قليلاً و لا كاد أن يميل.

قوله تعالى: ( إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَ ضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) سياق الآية سياق توعّد فالمراد بضعف الحياة و الممات المضاعف من عذاب

١٨٤

الحياة و الممات، و المعنى لو قارنت أن تميل إليهم بعض الميل لأذقناك الضعف من العذاب الّذي نعذّب به المجرمين في حياتهم و الضعف ممّا نعذّبهم به في مماتهم أي ضعف عذاب الدنيا و الآخرة.

و نقل في المجمع، عن أبان بن تغلب أنّ المراد بالضعف العذاب المضاعف ألمه و المعنى لأذقناك عذاب الدنيا و عذاب الآخرة، و أنشد قول الشاعر:

لمقتل مالك إذ بان منّي

أبيت الليل في ضعف أليم

أي في عذاب أليم.

و ما في ذيل الآية من قوله:( ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً ) تشديد في الإيعاد أي إنّ العذاب واقع حينئذ لا مخلص منه.

قوله تعالى: ( وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَ إِذاً لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ) الاستفزاز الإزعاج و التحريك بخفّة و سهولة، و اللّام في( الْأَرْضِ ) للعهد و المراد بها مكّة، و الخلاف بمعنى بعد، و المراد بالقليل اليسير من الزمان.

و المعنى و إنّ المشركين قاربوا أن يزعجوك من أرض مكّة لإخراجك منها و لو كان منهم و خرجت منها لم يمكثوا بعدك فيها إلّا قليلاً فهم هالكون لا محالة.

و قيل: هؤلاء الّذين كادوا يستفزّونه هم اليهود أرادوا أن يخرجوه من المدينة و قيل: المراد المشركون و اليهود أرادوا جميعاً أن يخرجوه من أرض العرب.

و يبعّد ذلك أنّ السورة مكّيّة و الآيات ذات سياق واحد و ابتلاء النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باليهود إنّما كان بالمدينة بعد الهجرة.

قوله تعالى: ( سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا ) التحويل نقل الشي‏ء من حال، إلى حال، و قوله:( سُنَّةَ ) أي كسنّة من قد أرسلنا و هو متعلّق بقوله:( لا يَلْبَثُونَ ) أي لا يلبثون بعدك إلّا قليلاً كسنّة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا.

و هذه السنّة و هي إهلاك المشركين الّذين أخرجوا رسولهم من بلادهم و

١٨٥

طردوه من بينهم سنّة لله سبحانه، و إنّما نسبها إلى رسله لأنّها مسنونة لأجلهم بدليل قوله بعد:( وَ لا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا ) و قد قال تعالى:( وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى‏ إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ) إبراهيم: ١٣.

و المعنى: و إذا نهلكهم لسنّتنا الّتي سننّاها لأجل من قد أرسلنا قبلك من رسلنا و أجريناها و لست تجد لسنّتنا تحويلاً و تبديلاً.

قوله تعالى: ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) قال في مجمع البيان: الدلوك الزوال، و قال المبرّد: دلوك الشمس من لدن زوالها إلى غروبها، و قيل: هو الغروب و أصله من الدلك فسمّي الزوال دلوكاً لأنّ الناظر إليها يدلك عينيه لشدّة شعاعها، و سمّي الغروب دلوكاً لأنّ الناظر يدلك عينيه ليثبتها. انتهى.

و قال فيه: غسق الليل ظهور ظلامه يقال: غسقت القرحة إذا انفجرت فظهر ما فيها. انتهى، و في المفردات،: غسق الليل شدّة ظلمته. انتهى.

و قد اختلف المفسّرون في تفسير صدر الآية و المرويّ عن أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام من طرق الشيعة تفسير دلوك الشمس بزوالها و غسق الليل بمنتصفه، و سيجي‏ء الإشارة إلى الروايات في البحث الروائيّ الآتي إن شاء الله.

و عليه فالآية تشمل من الوقت ما بين زوال الشمس و منتصف الليل، و الواقع في هذا المقدار من الوقت من الفرائض اليوميّة أربع صلاة الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة. و بانضمام صلاة الصبح المدلول عليها بقوله:( وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ) إلخ إليها تتمّ الصلوات الخمس اليوميّة.

و قوله:( وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ) معطوف على الصلاة أي و أقم قرآن الفجر و المراد به صلاة الصبح لما تشتمل عليه من القرائة و قد اتّفقت الروايات على أنّ صلاة الصبح هي المراد بقرآن الفجر.

و كذا اتّفقت الروايات من طرق الفريقين على تفسير قوله ذيلاً:( إِنَّ

١٨٦

قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) بأنّه يشهده ملائكة الليل و ملائكة النهار، و سنشير إلى بعض هذه الروايات عن قريب إن شاء الله.

قوله تعالى: ( وَ مِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) التهجّد من الهجود و هو النوم في الأصل و معنى التهجّد التيقّظ و السهر بعد النوم على ما ذكره غير واحد منهم، و الضمير في( بِهِ ) للقرآن أو للبعض المفهوم من قوله:( وَ مِنَ اللَّيْلِ ) و النافلة من النفل و هو الزيادة، و ربّما قيل: إنّ قوله:( وَ مِنَ اللَّيْلِ ) من قبيل الإغراء نظير قولنا: عليك بالليل، و الفاء في قوله:( فَتَهَجَّدْ بِهِ ) نظير قوله:( فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) النحل: ٥١.

و المعنى: و أسهر بعض الليل بعد نومتك بالقرآن - و هو الصلاة - حال كونها صلاة زائدة لك على الفريضة.

و قوله:( عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) من الممكن أن يكون المقام مصدراً ميميّاً و هو البعث فيكون مفعولاً مطلقاً ليبعثك من غير لفظه، و المعنى عسى أن يبعثك ربّك بعثاً محموداً، و من الممكن أن يكون اسم مكان و البعث بمعنى الإقامة أو مضمّنا معنى الإعطاء و نحوه، و المعنى عسى أن يقيمك ربّك في مقام محمود أو يبعثك معطياً لك مقاماً محموداً أو يعطيك باعثاً مقاماً محموداً.

و قد وصف سبحانه مقامه بأنّه محمود و أطلق القول من غير تقييد و هو يفيد أنّه مقام يحمده الكلّ و لا يثني عليه الكلّ إلّا إذا استحسنه الكلّ و انتفع به الجميع و لذا فسّروا المقام المحمود بأنّه المقام الّذي يحمده عليه جميع الخلائق و هو مقام الشفاعة الكبرى لهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوم القيامة و قد اتّفقت على هذا التفسير الروايات من طرق الفريقين عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام .

قوله تعالى: ( وَ قُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَ أَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) المدخل بضمّ الميم و فتح الخاء مصدر ميميّ بمعنى الإدخال و نظيره المخرج بمعنى الإخراج، و العناية في إضافة الإدخال و الإخراج إلى الصدق أن يكون الدخول و الخروج في كلّ أمر منعوتا بالصدق

١٨٧

جاريا على الحقيقة من غير أن يخالف ظاهره باطنه أو يضادّ بعض أجزائه بعضاً كأن يدعو الإنسان بلسانه إلى الله و هو يريد بقلبه أن يسود الناس أو يخلص في بعض دعوته لله و يشرك في بعضها غيره.

و بالجملة هو أن يرى الصدق في كلّ مدخل منه و مخرج و يستوعب وجوده فيقول ما يفعل و يفعل ما يقول و لا يقول و لا يفعل إلّا ما يراه و يعتقد به، و هذا مقام الصدّيقين. و يرجع المعنى إلى نحو قولنا: اللّهمّ تولّ أمري كما تتولّى أمر الصدّيقين.

و قوله:( وَ اجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ) أي سلطنة بنصرتي على ما أهمّ به من الاُمور و أشتغل به من الأعمال فلا اُغلب في دعوتي بحجّة باطلة، و لا أفتتن بفتنة أو مكر يمكرني به أعداؤك و لا أضلّ بنزغ شيطان و وسوسته.

و الآية - كما ترى - مطلقة تأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسأل ربّه أن يتولّى أمره في كلّ مدخل و مخرج بالصدق و يجعل له سلطاناً من عنده ينصره فلا يزيغ في حقّ و لا يظهر بباطل فلا وجه لما ذكره بعض المفسّرين أنّ المراد بالدخول و الخروج دخول المدينة بالهجرة و الخروج منها إلى مكّة للفتح أو أنّ المراد بهما دخول القبر بالموت و الخروج منه بالبعث.

نعم لمّا كانت الآية بعد قوله:( وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) ( وَ إِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ ) و في سياقهما، لوّحت إلى أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يلتجئ إلى ربّه في كلّ أمر يهمّ به أو يشتغل به من اُمور الدعوة، و في الدخول و الخروج في كلّ مكان يسكنه أو يدخله أو يخرج منه و هو ظاهر.

قوله تعالى: ( وَ قُلْ جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ) قال في المجمع: الزهوق هو الهلاك و البطلان يقال: زهقت نفسه إذا خرجت فكأنّها قد خرجت إلى الهلاك. انتهى و المعنى ظاهر.

و في الآية أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بإعلام ظهور الحقّ و هو لوقوع الآية في سياق ما مرّ من قوله:( و إن كادوا ليفتنونك) إلى آخر الآيات أمر بإياس المشركين من نفسه و تنبيههم أن يوقنوا أن لا مطمع لهم فيهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

١٨٨

و في الآية دلالة على أنّ الباطل لا دوام له كما قال تعالى في موضع آخر:( وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ ) إبراهيم: ٢٦.

( بحث روائي‏)

في المجمع: في سبب نزول قوله تعالى:( وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) الآيات أنّهم قالوا له: كفّ عن شتم آلهتنا و تسفيه أحلامنا و اطرد هؤلاء العبيد و السقاط الّذين رائحتهم رائحة الصنان حتّى نجالسك و نسمع منك فطمع في إسلامهم فنزلت الآية.

أقول: و روي في الدرّ المنثور، عن ابن أبي حاتم عن سعيد بن نفير ما يقرب منه.

و أمّا ما روي عن ابن عبّاس: أنّ اُميّة بن خلف و أباجهل بن هشام و رجالاً من قريش أتوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقالوا: تعال فاستلم آلهتنا و ندخل معك في دينك و كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يشتدّ عليه فراق قومه و يحبّ إسلامهم فرقّ لهم فأنزل الله:( وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ - إلى قوله -نَصِيراً ) فلا يلائم ظاهر الآيات حيث تنفي عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يقارب الركون فضلاً عن الركون.

و كذا ما رواه الطبريّ و ابن مردويه عن ابن عبّاس: أنّ ثقيفاً قالوا للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أجّلنا سنة حتّى يهدي لآلهتنا فإذا قبضنا الّذي يهدي للآلهة أحرزناه ثمّ أسلمنا و كسرنا الآلهة فهمّ أن يؤجّلهم فنزلت:( وَ إِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ ) الآية.

و كذا ما في تفسير العيّاشيّ، عن أبي يعقوب عن أبي عبداللهعليه‌السلام :في الآية قال: لمّا كان يوم الفتح أخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصناماً من المسجد و كان منها صنم على المروة فطلبت إليه قريش أن يتركه و كان مستحيا ثمّ أمر بكسره فنزلت هذه الآية.

و نظيرهما أخبار اُخر تقرب منها معنى فهذه روايات لا تلائم ظاهر الكتاب و حاشا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يهمّ بمثل هذه البدع و الله سبحانه ينفي عنه المقارنة من

١٨٩

الركون و الميل اليسير فضلا أن يهمّ بالعمل.

على أنّ هذه القضايا من الحوادث الواقعة بعد الهجرة و السورة مكّيّة.

و في العيون، بإسناده عن عليّ بن محمّد بن الجهم عن أبي الحسن الرضاعليه‌السلام : ممّا سأله المأمون فقال له: أخبرني عن قول الله:( عَفَا اللهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ ) قال الرضاعليه‌السلام هذا ممّا نزل بإيّاك أعني و اسمعي يا جارة خاطب الله بذلك نبيّه و أراد به اُمّته، و كذلك قوله:( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ) و قوله تعالى:( وَ لَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ) قال: صدقت يا بن رسول الله.

و في المجمع، عن ابن عبّاس: في قوله تعالى:( إِذاً لَأَذَقْناكَ ) الآية قال: إنّه لمّا نزلت هذه الآية قال النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : اللّهمّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبداً.

و في تفسير العيّاشيّ، عن سعيد بن المسيّب عن عليّ بن الحسينعليه‌السلام قال: قلت له: متى فرضت الصلاة على المسلمين على ما هم اليوم عليه؟ قال: بالمدينة حين ظهرت الدعوة و قوي الإسلام فكتب الله على المسلمين الجهاد، و زاد في الصلاة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم سبع ركعات في الظهر ركعتين، و في العصر ركعتين، و في المغرب ركعة، و في العشاء ركعتين، و أقرّ الفجر على ما فرضت عليه بمكّة لتعجيل نزول ملائكة النهار إلى الأرض و تعجيل عروج ملائكة الليل إلى السماء فكان ملائكة الليل و ملائكة النهار يشهدون مع رسول الله الفجر فلذلك قال الله:( وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) يشهد المسلمون و يشهد ملائكة الليل و النهار.

و في المجمع: في قوله تعالى:( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ ) قال: ففي الآية بيان وجوب الصلوات الخمس و بيان أوقاتها و يؤيّد ذلك ما رواه العيّاشيّ بالإسناد عن عبيدة بن زرارة عن أبي عبداللهعليه‌السلام في هذه الآية.

قال: إنّ الله افترض أربع صلوات أوّل وقتها من زوال الشمس إلى انتصاف الليل منها صلاتان أوّل وقتهما من عند زوال الشمس إلى غروبها إلّا أنّ هذه قبل

١٩٠

هذه، و منها صلاتان أوّل وقتهما من غروب الشمس إلى انتصاف الليل إلّا أنّ هذه قبل هذه.

و في الدرّ المنثور، أخرج ابن جرير عن ابن مسعود قال: قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أتاني جبريل لدلوك الشمس حين زالت فصلّى بي الظهر.

و فيه، أخرج الحكيم الترمذيّ في نوادر الاُصول و ابن جرير و الطبرانيّ و ابن مردويه عن أبي الدرداء قال: قرأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ( إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً ) قال: يشهده الله و ملائكة الليل و ملائكة النهار.

أقول: تفسير كون قرآن الفجر مشهوداً في روايات الفريقين بشهادة ملائكة الليل و ملائكة النهار يكاد يبلغ حدّ التواتر، و قد اُضيف إلى ذلك في بعضها شهادة الله كما في هذه الرواية، و في بعضها شهادة المسلمين كما فيما تقدّم.

و في تفسير العيّاشيّ، عن عبيد بن زرارة قال: سئل أبوعبداللهعليه‌السلام عن المؤمن هل له شفاعة؟ قال: نعم فقال له رجل من القوم: هل يحتاج المؤمن إلى شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟ قال: نعم للمؤمنين خطايا و ذنوب و ما من أحد إلّا و يحتاج إلى شفاعة محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يومئذ.

قال: و سأله رجل عن قول رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا سيّد ولد آدم و لا فخر قال: نعم يأخذ حلقة من باب الجنّة فيفتحها فيخرّ ساجداً فيقول: الله: ارفع رأسك اشفع تشفّع اطلب تعط فيرفع رأسه ثمّ يخرّ ساجداً فيقول الله: ارفع رأسك اشفع تشفّع و اطلب تعط ثمّ يرفع رأسه فيشفع يشفّع (فيشفّع) و يطلب فيعطى.

و فيه، عن سماعة بن مهران عن أبي إبراهيمعليه‌السلام : في قول الله:( عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) قال: يقوم الناس يوم القيامة مقدار أربعين يوماً و تؤمر الشمس فنزلت على رؤس العباد و يلجم العرق و تؤمر الأرض لا تقبل من عرقهم شيئاً فيأتون آدم فيشفعون له فيدلّهم على نوح و يدلّهم نوح على إبراهيم، و يدلّهم إبراهيم على موسى و يدلّهم موسى على عيسى، و يدلّهم عيسى على محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيقول: عليكم بمحمّد خاتم النبيّين، فيقول محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : أنا لها.

١٩١

فينطلق حتّى يأتي باب الجنّة فيدقّ فيقال له: من هذا؟ و الله أعلم فيقول محمّد: افتحوا فإذا فتح الباب استقبل ربّه فخرّ ساجداً فلا يرفع رأسه حتّى يقال له تكلّم و سل تعط و اشفع تشفّع فيرفع رأسه فيستقبل ربّه فيخرّ ساجداً فيقال له مثلها فيرفع رأسه حتّى أنّه ليشفع من قد اُحرق بالنار فما أحد من الناس يوم القيامة في جميع الاُمم أوجه من محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و هو قول الله تعالى:( عَسى‏ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً ) .

أقول: و قوله:( حتى أنّه ليشفع من قد اُحرق بالنار) أي بعض من اُدخل النار، و في معنى هذه الرواية عدّة روايات من طرق أهل السنّة عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

و في الدرّ المنثور، أخرج البخاريّ و ابن جرير و ابن مردويه عن ابن عمر قال: سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: إنّ الشمس لتدنو حتّى يبلغ العرق نصف الاُذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدمعليه‌السلام فيقول: لست بصاحب ذلك ثمّ موسىعليه‌السلام فيقول مثل ذلك ثمّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيشفع فيقضي الله بين الخلائق فيمشي حتّى يأخذ بحلقة باب الجنّة فيومئذ يبعثه الله مقاماً.

و فيه، أخرج ابن جرير و البيهقيّ في شعب الإيمان عن أبي هريرة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: المقام المحمود الشفاعة.

و فيه، أخرج ابن مردويه عن سعد بن أبي الوقّاص قال: سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن المقام المحمود فقال: هو الشفاعة.

أقول: و الروايات في المضامين السابقة كثيرة.

١٩٢

( سورة الإسراء الآيات ٨٢ - ١٠٠)

وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ  وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا ( ٨٢ ) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ  وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ( ٨٣ ) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا ( ٨٤ ) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ  قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ( ٨٥ ) وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا ( ٨٦ ) إِلَّا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ  إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا ( ٨٧ ) قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا ( ٨٨ ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ( ٨٩ ) وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا ( ٩٠ ) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا ( ٩١ ) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا ( ٩٢ ) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ  قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا ( ٩٣ ) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولًا ( ٩٤ ) قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ

١٩٣

لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا( ٩٥) قُلْ كَفَىٰ بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ  إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا( ٩٦) وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ  وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ  وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا  مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ  كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا( ٩٧) ذَٰلِكَ جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا( ٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَّا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا( ٩٩) قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا( ١٠٠)

( بيان‏)

رجوع بعد رجوع إلى حديث القرآن و كونه آية للنبوّة و ما يصحبه من الرحمة و البركة، و قد افتتح الكلام فيه بقوله فيما تقدّم:( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) ثمّ رجع إليه بقوله:( وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا ) إلخ و قوله:( وَ إِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ ) إلخ و قوله:( وَ ما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ ) إلخ.

فبيّن في هذه الآيات أنّ القرآن شفاء و رحمة و بعبارة اُخرى مصلح لمن صلحت نفسه و مخسر للظالمين و أنّه آية معجزة للنبوّة ثمّ ذكر ما كانوا يقترحونه على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من الآيات و الجواب عنه و ما يلحق بذلك من الكلام.

١٩٤

و في الآيات ذكر سؤالهم عن الروح و الجواب عنه.

قوله تعالى: ( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) من بيانيّة تبيّن الموصول أعني قوله:( ما هُوَ شِفاءٌ ) إلخ أي و ننزّل ما هو شفاء و رحمة و هو القرآن.

و عدّ القرآن شفاء و الشفاء إنّما يكون عن مرض دليل على أنّ للقلوب أحوالاً نسبة القرآن إليها نسبة الدواء الشافي إلى المرض، و هو المستفاد من كلامه سبحانه حيث ذكر أنّ الدين الحقّ فطريّ للإنسان فكما أنّ للبنية الإنسانيّة الّتي سوّيت على الخلقة الأصليّة قبل أن يلحق بها أحوال منافية و آثار مغايرة للتسوية الأوّليّة استقامة طبيعيّة تجري عليها في أطوار الحياة كذلك لها بحسب الخلقة الأصليّة عقائد حقّة في المبدإ و المعاد و ما يتفرّع عليهما من اُصول المعارف، و أخلاق فاضلة زاكية تلائمها و يترتّب عليها من الأحوال و الأعمال ما يناسبها.

فللإنسان صحّة و استقامة روحيّة معنويّة كما أنّ له صحّة و استقامة جسميّة صوريّة، و له أمراض و أدواء روحيّة باختلال أمر الصحّة الروحيّة كما أنّ له أمراضاً و أدواء جسميّة باختلال أمر الصحّة الجسميّة و لكلّ داء دواء و لكلّ مرض شفاء.

و قد ذكر الله سبحانه في اُناس من المؤمنين أنّ في قلوبهم مرضا و هو غير الكفر و النفاق الصريحين كما يدلّ عليه قوله:( لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ) الأحزاب: ٦٠ و قوله:( وَ لِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَ الْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلًا ) المدّثّر: ٣١.

و ليس هذا المسمّى مرضاً إلّا ما يختلّ به ثبات القلب و استقامة النفس من أنواع الشكّ و الريب الموجبة لاضطراب الباطن و تزلزل السرّ و الميل إلى الباطل و اتّباع الهوى ممّا يجامع إيمان عامّة المؤمنين من أهل أدنى مراتب الإيمان و ممّا هو معدود نقصاً و شركاً بالإضافة إلى مراتب الإيمان العالية، و قد قال تعالى:( وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ ) يوسف: ١٠٦ و قال:( فَلا وَ رَبِّكَ

١٩٥

لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ) النساء: ٦٥.

و القرآن الكريم يزيل بحججه القاطعة و براهينه الساطعة أنواع الشكوك و الشبهات المعترضة في طريق العقائد الحقّة و المعارف الحقيقيّة و يدفع بمواعظه الشافية و ما فيه من القصص و العبر و الأمثال و الوعد و الوعيد و الإنذار و التبشير و الأحكام و الشرائع عاهات الأفئدة و آفاتها فالقرآن شفاء للمؤمنين.

و أمّا كونه رحمة للمؤمنين - و الرحمة إفاضة ما يتمّ به النقص و يرتفع به الحاجة - فلأنّ القرآن ينوّر القلوب بنور العلم و اليقين بعد ما يزيل عنها ظلمات الجهل و العمى و الشكّ و الريب و يحلّيها بالملكات الفاضلة و الحالات الشريفة الزاكية بعد ما يغسل عنها أوساخ الهيآت الرديّة و الصفات الخسيسة.

فهو بما أنّه شفاء يزيل عنها أنواع الأمراض و الأدواء، و بما أنّه رحمة يعيد إليها ما افتقدته من الصحّة و الاستقامة الأصليّة الفطريّة فهو بكونه شفاء يطهر المحلّ من الموانع المضادّة للسعادة و يهيّئها لقبولها، و بكونه رحمة يلبسه لباس السعادة و ينعم عليه بنعمة الاستقامة.

فالقرآن شفاء و رحمة للقلوب المريضة كما أنّه هدى و رحمة للنفوس غير الأمنة من الضلال، و بذلك يظهر النكتة في ترتّب الرحمة على الشفاء في قوله:( ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) فهو كقوله:( هُدىً وَ رَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) يوسف: ١١١ و قوله:( وَ مَغْفِرَةً وَ رَحْمَةً ) النساء: ٩٦.

فمعنى قوله:( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ) و ننزّل إليك أمراً يشفي أمراض القلوب و يزيلها و يعيد إليها حالة الصحّة و الاستقامة فتتمتّع من نعمة السعادة و الكرامة.

و قوله:( وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) السياق دالّ على أنّ المراد به بيان ما للقرآن من الأثر في غير المؤمنين قبال ما له من الأثر الجميل في المؤمنين فالمراد بالظالمين غير المؤمنين و هم الكفار دون المشركين خاصّة كما يظهر من بعض المفسّرين

١٩٦

و إنّما علّق الحكم بالوصف أعني الظلم ليشعر بالتعليل أي إنّ القرآن إنّما يزيدهم خساراً لمكان ظلمهم بالكفر.

و الخسار هو النقص في رأس المال فللكفّار رأس مال بحسب الأصل و هو الدين الفطريّ تلهم به نفوسهم الساذجة ثمّ إنّهم بكفرهم بالله و آياته خسروا فيه و نقصوا. ثمّ إنّ كفرهم بالقرآن و إعراضهم عنه بظلمهم يزيدهم خساراً على خسار و نقصا على نقص إن كانت عندهم بقيّة من موهبة الفطرة، و إلى هذه النكتة يشير سياق النفي و الاستثناء حيث قيل:( وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) و لم يقل: و يزيد الظالمين خسارا.

و به يظهر أنّ محصّل معنى الآية أنّ القرآن يزيد المؤمنين صحّة و استقامة على صحّتهم و استقامتهم بالإيمان و سعادة على سعادتهم و إن زاد الكافرين شيئاً فإنّما يزيدهم نقصاً و خساراً.

و للمفسّرين في معنى صدر الآية و ذيلها وجوه اُخر أغمضنا عنها من أراد الوقوف عليها فليراجع مسفوراتهم.

و ممّا ذكروه فيها أنّ المراد بالشفاء في الآية أعمّ من شفاء الأمراض الروحيّة من الجهل و الشبهة و الريب و الملكات النفسانيّة الرذيلة و شفاء الأمراض الجسميّة بالتبرّك بآياته الكريمة قراءة و كتابة هذا.

و لا بأس به لكن لو صحّ التعميم فليصحّ في الصدر و الذيل جميعاً فإنّه كما يستعان به على دفع الأمراض و العاهات بقراءة أو كتابة كذلك يستعان به على دفع الأعداء و رفع ظلم الظالمين و إبطال كيد الكافرين فيزيد بذلك الظالمين خساراً كما يفيد المؤمنين شفاء هذا، و نسبة زيادة خسارهم إلى القرآن مع أنّها مستندة بالحقيقة إلى سوء اختيارهم و شقاء أنفسهم إنّما هي بنوع من المجاز.

قوله تعالى: ( وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ) قال في المفردات: العرض خلاف الطول و أصله أن يقال في الأجسام ثمّ يستعمل في غيرها - إلى أن قال - و أعرض أظهر عرضه أي ناحيته فإذا قيل: أعرض

١٩٧

لي كذا أي بدا عرضه فأمكن تناوله، و إذا قيل: أعرض عنّي فمعناه ولّى مبدياً عرضه. انتهى موضع الحاجة.

و النأي البعد و نأى بجانبه أي اتّخذ لنفسه جهة بعيدة منّا، و مجموع قوله:( أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ ) يمثّل حال الإنسان في تباعده و انقطاعه من ربّه عند ما ينعم عليه. كمن يحوّل وجهه عن صاحبه و يتّخذ لنفسه موقفاً بعيداً منه، و ربّما ذكر بعض المفسّرين أنّ قوله:( نَأى‏ بِجانِبِهِ ) كناية عن الاستكبار و الاستعلاء.

و قوله:( وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً ) أي و إذا أصابه الشرّ أصابة خفيفة كالمسّ كان آيسا منقطع الرجاء عن الخير و هو النعمة، و لم ينسب الشرّ إليه تعالى كما نسب النعمة تنزيها له تعالى من أن يسند إليه الشرّ، و لأنّ وجود الشرّ أمر نسبيّ لا نفسيّ فما يتحقّق من الشرّ في العالم كالموت و المرض و الفقر و النقص و غير ذلك إنّما هو شرّ بالنسبة إلى مورده، و أمّا بالنسبة إلى غيره و خاصّة النظام العامّ الجاري في الكون فهو من الخير الّذي لا مناص عنه في التدبير الكلّيّ فما كان من الخير فهو ممّا تعلّقت به بعينه العناية الإلهيّة و هو مراد بالذات، و ما كان من الشرّ فهو ممّا تعلّقت به العناية لغيره و هو مقضيّ بالعرض.

فالمعنى إنّا إذا أنعمنا على الإنسان هذا الموجود الواقع في مجرى الأسباب اشتغل بظواهر الأسباب و أخلد إليها فنسينا فلم يذكرنا و لم يشكرنا، و إذا ناله شي‏ء يسير من الشرّ فسلب منه الخير و زالت عنه أسبابه و رأى ذلك كان شديد اليأس من الخير لكونه متعلّقاً بأسبابه و هو يرى بطلان أسبابه و لا يرى لربّه في ذلك صنعاً.

و الآية تصف حال الإنسان العاديّ الواقع في المجتمع الحيويّ الّذي يحكم فيه العرف و العادة فهو إذا توالت عليه النعم الإلهيّة من المال و الجاه و البنين و غيرها و وافقته على ذلك الأسباب الظاهريّة اشتغل بها و تعلّق قلبه بها فلم تدع له فراغاً يشتغل فيه بذكر ربّه و شكره بما أنعم عليه، و إذا مسّه الشرّ و سلب عنه بعض النعم الموهوبة أيس من الخير و لم يتسلّ بالرجاء لأنّه لا يرى للخير إلّا الأسباب الظاهرية الّتي لا يجد وقتئذ شيئاً منها في الوجود.

١٩٨

و هذه الحال غير حال الإنسان الفطريّ غير المشوب ذهنه بالرسوم و الآداب و لا الحاكم فيه العرف و العادة إمّا بتأييد إلهيّ يلازمه و يسدّده و إمّا بعروض اضطرار ينسيه الأسباب الظاهريّة فيرجع إلى سذاجة فطرته و يدعو ربّه و يسأله كشف ضرّه فللإنسان حالان حال فطريّة تهديه إلى الرجوع إلى ربّه عند مسّ الضرّ و نزول الشرّ و حال عاديّة تحوّل فيها الأسباب بينه و بين ربّه فتشغله و تصرفه عن الرجوع إليه بالذكر و الشكر، و الآية تصف حاله الثانية دون الاُولى.

و من هنا يظهر أن لا منافاة بين هذه الآية و الآيات الدالّة على أنّ الإنسان إذا مسّه الضرّ رجع إلى ربّه كقوله تعالى فيما تقدّم:( وَ إِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ) الآية و قوله:( وَ إِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً ) الآية: يونس: ١٢ إلى غير ذلك.

و يظهر أيضاً وجه اتّصال الآية بما قبلها و أنّها متّصلة بالآية السابقة من جهة ذيلها أعني قوله:( وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) و المحصّل أنّ هذا الخسار غير بعيد منهم فإنّ من حال الإنسان أن يشغله الأسباب الظاهريّة عند نزول النعم الإلهيّة فينصرف عن ربّه و يعرض و ينأى بجانبه، و ييأس عند مسّ الشرّ.

( بحث فلسفي)

( في تعلّق القضاء بالشرور)

ذكروا أنّ الشرور داخلة في القضاء الإلهيّ بالعرض، و قد أوردوا في بيانه ما يأتي:

نقل عن أفلاطون أنّ الشرّ عدم و قد بيّن ذلك بالأمثلة فإنّ في القتل بالسيف مثلاً شرّاً و ليس هو في قدرة الضارب على مباشرة الضرب و لا في شجاعته و لا في قوّة عضلات يده فإنّ ذلك كلّه كمال له، ليس من الشرّ في شي‏ء، و ليس هو في حدّة السيف و دقّة ذبابه و كونه قطّاعاً فإنّ ذلك من كماله و حسنه، و ليس هو في انفعال رقبة المقتول عن الآلة القطّاعة فإنّ من كماله أن يكون كذلك فلا يبقى

١٩٩

للشرّ إلّا زهاق روح المقتول و بطلان حياته و هو عدميّ، و على هذا سائر الأمثلة فالشرّ عدم.

ثمّ إنّ الشرور الّتي في العالم لما كانت مرتبطة بالحوادث الواقعة مكتنفة بها كانت أعداماً مضافة لا عدماً مطلقاً فلها حظّ من الوجود و الوقوع كأنواع الفقد و النقص و الموت و الفساد الواقعة في الخارج الداخلة في النظام العامّ الكونيّ، و لذلك كان لها مساس بالقضاء الإلهيّ الحاكم في الكون لكنّها داخلة في القضاء بالعرض لا بالذات.

و ذلك أنّ الّذي تتصوّره من العدم إمّا عدم مطلق و هو عدم النقيض للوجود و إمّا مضاف إلى ملكة و هو عدم كمال الوجود عمّا من شأنه ذلك كالعمى الّذي هو عدم البصر ممّا من شأنه أن يكون بصيراً.

و القسم الأوّل إمّا عدم شي‏ء مأخوذ بالنسبة إلى ماهيّته كعدم زيد مثلاً مأخوذاً بالنسبة إلى ماهيّة نفسه، و هذا اعتبار عقليّ ليس من وقوع الشرّ في شي‏ء إذ لا موضوع مشترك بين النقيضين نعم ربّما يقيّد العدم فيقاس إلى الشي‏ء فيكون من الشرّ كعدم زيد بعد وجوده، و هو راجع في الحقيقة إلى العدم المضاف إلى الملكة الآتي حكمه.

و إمّا عدم شي‏ء مأخوذ بالنسبة إلى شي‏ء آخر كفقدان الماهيّات الإمكانيّة كمال الوجود الواجبيّ و كفقدان كلّ ماهيّة وجود الماهيّة الاُخرى الخاصّ بها مثل فقدان النبات وجود الحيوان و فقدان البقر وجود الفرس، و هذا النوع من العدم من لوازم الماهيّات و هي اعتباريّة غير مجعولة.

و القسم الثاني و هو العدم المضاف إلى الملكة فقدان أمر ما شيئاً من كمال وجوده الّذي من شأنه أن يوجد له و يتّصف به كأنواع الفساد العارضة للأشياء و النواقص و العيوب و العاهات و الأمراض و الأسقام و الآلام الطارئة عليها، و هذا القسم من الشرور إنّما يتحقّق في الاُمور المادّيّة و يستند إلى قصور الاستعدادات

٢٠٠

على اختلاف مراتبها لا إلى إفاضة مبدإ الوجود فإنّ علّة العدم عدم كما أنّ علّة الوجود وجود.

فالذي تعلّقت به كلمة الإيجاد و الإرادة الإلهيّة و شمله القضاء بالذات في الاُمور الّتي يقارنها شي‏ء من الشرّ إنّما هو القدر الّذي تلبّس به من الوجود حسب استعداده و مقدار قابليّته و أمّا العدم الّذي يقارنه فليس إلّا مستنداً إلى عدم قابليّته و قصور استعداده نعم ينسب إليه الجعل و الإفاضة بالعرض لمكان نوع من الاتّحاد بينه و بين الوجود الّذي يقارنه هذا.

و ببيان آخر الاُمور على خمسة أقسام: ما هو خير محض، و ما خيره أكثر من شرّه، و ما يتساوى خيره و شرّه، و ما شرّه أكثر من خيره، و ما هو شرّ محض، و لا يوجد شي‏ء من الثلاثة الأخيرة لاستلزامه الترجيح من غير مرجّح أو ترجيح المرجوح على الراجح، و من الواجب بالنظر إلى الحكمة الإلهيّة المنبعثة عن القدرة و العلم الواجبيّين و الجود الّذي لا يخالطه بخل أن يفيض ما هو الأصلح في النظام الأتمّ و أن يوجد ما هو خير محض و ما خيره أكثر من شرّه لأنّ في ترك الأوّل شرّاً محضاً و في ترك الثاني شرّاً كثيراً.

فما يوجد من الشرّ نادر قليل بالنسبة إلى ما يوجد من الخير و إنّما وجد الشرّ القليل بتبع الخير الكثير.

و عن الإمام الرازيّ أنّه لا محلّ لهذا البحث منهم بناء على ما ذهبوا إليه من كونه تعالى علّة تامّة للعالم و استحالة انفكاك العلّة التامّة عن معلولها فهو موجب في فعله لا مختار، فعليه أن يوجد ما هو علّة له من خير أو شرّ من غير خيرة في الترجيح.

و قد خفي عليه أنّ هذا الوجوب إنّما هو قائم بالمعلول تلقّاه من قبل العلّة مثل ما يتلقّى وجوده من قبله، و من المحال أن يعود ما يفيضه العلّة فيقهر العلّة فيضطرّها على الفعل و يغلبها بتحديده.

و لقد أنصف صاحب روح المعاني حيث أشار أوّلاً إلى نظير ما تقدّم من البحث فقال: و لا يخفى أنّ هذا إنّما يتمّ على القول بأنّه تعالى لا يمكن أن تكون إرادته

٢٠١

متساويّة النسبة إلى الشي‏ء و مقابله بلا داع و مصلحة كما هو مذهب الأشاعرة و إلّا فقد يقال: إنّ الفاعل للكلّ إذا كان مختاراً فله أن يختار أيّما شاء من الخيرات و الشرور لكنّ الحكماء و أساطين الإسلام قالوا: إنّ اختياره تعالى أرفع من هذا النمط، و اُمور العالم منوطة بقوانين كلّيّة، و أفعاله تعالى مربوطة بحكم و مصالح جليّة و خفيّة.

ثمّ قال: و قول الإمام:( إن الفلاسفة لمّا قالوا بالإيجاب و الجبر في الأفعال فخوضهم في هذا المبحث من جملة الفضول و الضلال لأنّ السؤال بلم عن صدورها غير وارد كصدور الإحراق من النار لأنّه يصدر عنها لذاتها) .

ناش من التعصّب لأنّ محقّقيهم يثبتون الاختيار، و ليس صدور الأفعال من الله تعالى عندهم صدور الإحراق من النار، و بعد فرض التسليم بحثهم عن كيفيّة وقوع الشرّ في هذا العالم لأجل أنّ الباري تبارك اسمه خير محض بسيط عندهم و لا يجوّزون الشرّ عمّا لا جهة شرّيّة فيه أصلاً فيلزم عليهم في بادئ النظر ما افترته الثنويّة من مبدءين خيريّ و شرّيّ فتخلّصوا عن ذلك البحث فهو فضل لا فضول. انتهى.

قوله تعالى: ( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى‏ سَبِيلًا ) المشاكلة - على ما في المفردات - من الشكل و هو تقييد الدابّة، و يسمّى ما يقيّد به شكالاً بكسر الشين، و الشاكلة هي السجيّة سمّي بها لتقييدها الإنسان أن يجري على ما يناسبها و تقتضيه.

و في المجمع: الشاكلة الطريقة و المذهب يقال: هذا طريق ذو شواكل أي ينشعب منه طرق جماعة انتهى. و كأنّ تسميتهما بها لما فيها من تقييد العابرين و المنتحلين بالتزامهما و عدم التخلّف عنهما و قيل: الشاكلة من الشكل بفتح الشين بمعنى المثل و قيل: إنّها من الشكل بكسر الشين بمعنى الهيئة.

و كيف كان فالآية الكريمة ترتّب عمل الإنسان على شاكلته بمعنى أنّ العمل يناسبها و يوافقها فهي بالنسبة إلى العمل كالروح السارية في البدن الّذي يمثّل

٢٠٢

بأعضائه و أعماله هيأت الروح المعنويّة و قد تحقّق بالتجارب و البحث العلميّ أنّ بين الملكات و الأحوال النفسانيّة و بين الأعمال رابطة خاصّة فليس يتساوى عمل الشجاع الباسل و الجبان إذا حضراً موقفاً هائلاً، و لا عمل الجواد الكريم و البخيل اللئيم في موارد الإنفاق و هكذا، و أنّ بين الصفات النفسانيّة و نوع تركيب البنية الإنسانيّة رابطة خاصّة فمن الأمزجة ما يسرع إليه الغضب و حبّ الانتقام بالطبع و منها ما تغلي و تفور فيه شهوة الطعام أو النكاح أو غير ذلك بحيث تتوق نفسه بأدنى سبب يدعوه و يحرّكه، و منها غير ذلك فيختلف انعقاد الملكات بحسب ما يناسب المورد سرعة و بطءا.

و مع ذلك كلّه فليس يخرج دعوة المزاج المناسب لملكة من الملكات أو عمل من الأعمال من حدّ الاقتضاء إلى حدّ العلّيّة التامّة بحيث يخرج الفعل المخالف لمقتضى الطبع عن الإمكان إلى الاستحالة و يبطل الاختيار فالفعل باق على اختياريّته و إن كان في بعض الموارد صعبا غاية الصعوبة.

و كلامه سبحانه يؤيّد ما تقدّم على ما يعطيه التدبّر فهو سبحانه القائل:( وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً ) الأعراف: ٥٨ و انضمام الآية إلى الآيات الدالّة على عموم الدعوة كقوله:( لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ ) الأنعام: ١٩ يفيد أنّ تأثير البنى الإنسانيّة في الصفات و الأعمال على نحو الاقتضاء دون العلّيّة التامّة كما هو ظاهر.

كيف و هو تعالى يعدّ الدين فطريّاً تهتف به الخلقة الّتي لا تبديل لها و لا تغيير قال:( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) الروم: ٣٠ و قال:( ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ ) عبس: ٢٠ و لا تجامع دعوة الفطرة إلى الدين الحقّ و السنّة المعتدلة دعوة الخلقة إلى الشرّ و الفساد و الانحراف عن الاعتدال بنحو العلّيّة التامّة.

و قول القائل: إنّ السعادة و الشقاوة ذاتيّتان لا تتخلّفان عن ملزومهما كزوجيّة الأربعة و فرديّة الثلاثة أو مقضيّتان بقضاء أزليّ لازم و إنّ الدعوة

٢٠٣

لإتمام الحجّة لا لإمكان التغيير و رجاء التحوّل من حال إلى حال فالأمر مفروغ عنه قال تعالى:( لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ) .

مدفوع بأنّ صحّة إقامة الحجّة بعينها حجّة على عدم كون سعادة السعيد و شقاوة الشقيّ لازمة ضروريّة فإنّ السعادة و الشقاوة لو كانتا من لوازم الذوات لم تحتاجا في لحوقهما إلى حجّة إذ لا حجّة في الذاتيّات فتلغو الحجّة، و كذا لو كانتا لازمتين للذوات بقضاء لازم أزليّ لا لاقتضاء ذاتي من الذوات كانت الحجّة للناس على الله سبحانه فتلغو الحجّة منه تعالى فصحّة إقامة الحجّة من قبله سبحانه تكشف عن عدم ضروريّة شي‏ء من السعادة و الشقاوة بالنظر إلى ذات الإنسان مع قطع النظر عن أعماله الحسنة و السيّئة و اعتقاداته الحقّة و الباطلة.

على أنّ توسّل الإنسان بالفطرة إلى مقاصد الحياة بمثل التعليم و التربية و الإنذار و التبشير و الوعد و الوعيد و الأمر و النهي و غير ذلك أوضح دليل على أنّ الإنسان في نفسه على ملتقى خطّين و منشعب طريقين: السعادة و الشقاوة و في إمكانه أن يختار أيّا منهما شاء و أن يسلك أيّا منهما أراد و لكلّ سعي جزاء يناسبه قال تعالى:( وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى‏ وَ أَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى‏ ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى) النجم: ٤١.

فهذا نوع من الارتباط مستقرّ بين الأعمال و الملكات و بين الذوات، و هناك نوع آخر من الارتباط مستقرّ بين الأعمال و الملكات و بين الأوضاع و الأحوال و العوامل الخارجة عن الذات الإنسانيّة المستقرّة في ظرف الحياة و جوّ العيش كالآداب و السنن و الرسوم و العادات التقليديّة فإنّها تدعو الإنسان إلى ما يوافقها و تزجره عن مخالفتها و لا تلبث دون أن تصوّره صورة جديدة ثانية تنطبق أعماله على الأوضاع و الأحوال المحيطة به المجتمعة المؤتلفة في ظرف حياته.

و هذه الرابطة على نحو الاقتضاء غالباً غير أنّها ربّما يستقرّ استقراراً لا مطمع في زوالها من جهة رسوخ الملكات الرذيلة أو الفاضلة في نفس الإنسان، و في كلامه تعالى ما يشير إلى ذلك كقوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ

٢٠٤

لا يُؤْمِنُونَ خَتَمَ اللهُ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ وَ عَلى‏ سَمْعِهِمْ وَ عَلى‏ أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ) البقرة: ٧ إلى غير ذلك.

و لا يضرّ ذلك صحّة إقامة الحجّة عليهم بالدعوة و الإنذار و التبشير لأنّ امتناع تأثير الدعوة فيهم مستند إلى سوء اختيارهم و الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

فقد تبيّن بما قدّمناه على طوله أنّ للإنسان شاكلة بعد شاكلة فشاكلة يهيّؤها نوع خلقته و خصوصيّة تركيب بنيته، و هي شخصيّة خلقيّة متحصّلة من تفاعل جهازاته البدنيّة بعضها مع بعض كالمزاج الّذي هو كيفيّة متوسّطة حاصلة من تفاعل الكيفيّات المتضادّة بعضها في بعض.

و شاكلة اُخرى ثانية و هي شخصيّة خلقيّة متحصّلة من وجوه تأثير العوامل الخارجيّة في النفس الإنسانيّة على ما فيها من الشاكلة الاُولى إن كانت.

و الإنسان على أيّ شاكلة متحصّلة و على أيّ نعت نفسانيّ و فعليّة داخليّة روحيّة كان فإنّ عمله يجري عليها و أفعاله تمثّلها و تحكيها كما أنّ المتكبّر المختال يلوح حاله في تكلّمه و سكوته و قيامه و قعوده و حركته و سكونه، و الذليل المسكين ظاهر الذلّة و المسكنة في جميع أعماله و كذا الشجاع و الجبان و السخيّ و البخيل و الصبور و الوقور و العجول و هكذا: و كيف لا و الفعل يمثّل فاعله و الظاهر عنوان الباطن و الصورة دليل المعنى.

و كلامه سبحانه يصدّق ذلك و يبني عليه حججه في موارد كثيرة كقوله تعالى:( وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى‏ وَ الْبَصِيرُ وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُ وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ ) فاطر: ٢٢ و قوله:( الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ ) النور: ٣٦ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة.

و قوله تعالى:( كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ ) محكم في معناه على أيّ معنى حملنا الشاكلة غير أنّ اتّصال الآية بقوله:( وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً ) و وقوعها في سياق أنّ الله سبحانه يربح

٢٠٥

المؤمنين و يشفيهم بالقرآن الكريم و الدعوة الحقّة و يخسر به الظالمين لظلمهم يقرب كون المراد بالشاكلة الشاكلة بالمعنى الثاني و هي الشخصيّة الخلقيّة الحاصلة للإنسان من مجموع غرائزه و العوامل الخارجيّة الفاعلة فيه.

كأنّه تعالى لمّا ذكر استفادة المؤمنين من كلامه الشفاء و الرحمة و حرمان الظالمين من ذلك و زيادتهم في خسارهم اعترضه معترض في هذه التفرقة و أنّه لو سوى بين الفريقين في الشفاء و الرحمة كان ذلك أوفى لغرض الرسالة و أنفع لحال الدعوة فأمر رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجيبهم في ذلك.

فقال: قُلْ: كلّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ أي إنّ أعمالكم تصدر على طبق ما عندكم من الشاكلة و الفعليّة الموجودة فمن كانت عنده شاكلة عادلة سهل اهتداؤه إلى كلمة الحقّ و العمل الصالح و انتفع بالدعوة الحقّة، و من كانت عنده شاكلة ظالمة صعب عليه التلبّس بالقول الحقّ و العمل الصالح و لم يزد من استماع الدعوة الحقّة إلّا خساراً، و الله الّذي هو ربّكم العليم بسرائركم المدبّر لأمركم أعلم بمن عنده شاكلة عادلة و هو أهدى سبيلاً و أقرب إلى الانتفاع بكلمة الحقّ، و الّذي علمه و أخبر به أنّ المؤمنين أهدى سبيلاً فيختصّ بهم الشفاء و الرحمة بالقرآن الّذي ينزّله، و لا يبقى للكافرين أهل الظلم إلّا مزيد الخسار إلّا أن ينتزعوا عن ظلمهم فينتفعوا به.

و من هنا يظهر النكتة في التعبير بصيغة التفضيل في قوله:( أَهْدى‏ سَبِيلًا ) و ذلك لما تقدّم أنّ الشاكلة غير ملزمة في الدعوة إلى ما يلائمها فالشاكلة الظالمة و إن كانت مضلّة داعية إلى العمل الطالح غير أنّها لا تحتم الضلال ففيها أثر من الهدى و إن كان ضعيفاً، و الشاكلة العادلة أهدى منها فافهم.

و ذكر الإمام الرازيّ في تفسيره، ما ملخّصه: أنّ الآية تدلّ على كون النفوس الناطقة الإنسانيّة مختلفة بالماهيّة و ذلك أنّه تعالى بيّن في الآية المتقدّمة أنّ القرآن بالنسبة إلى بعض النفوس يفيد الشفاء و الرحمة و بالنسبة إلى بعض آخر يفيد الخسار و الخزي ثمّ أتبعه بقوله:( قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ ) و معناه أنّ اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء و الكمال، و

٢٠٦

بتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها منه آثار الخزي و الضلال كما أنّ الشمس تعقد الملح و تليّن الدهن و تبيّض ثوب القصّار و تسوّد وجهه.

و هذا إنّما يتمّ إذا كانت الأرواح و النفوس مختلفة بماهيّاتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور، و بعضها كدرة ظلمانيّة يظهر فيها منه ضلال على ضلال و نكال على نكال. انتهى.

و فيه أنّه لو أقام الحجّة على اختلاف ماهيّات النفوس بعد رسوخ ملكاتها و تصوّرها بصورها لكان له وجه، و أمّا النفوس الساذجة قبل رسوخ الملكات فلا تختلف بالآثار اختلافاً ضروريّاً حتّى تجري فيها الحجّة، و قد عرفت أنّ الآية إنّما تتعرّض لحال الإنسان بعد حصول شاكلته و شخصيّته الخلقيّة الحاصلة من مجموع غرائزه و العوامل الخارجيّة الفاعلة فيه الداعية إلى نوع من العمل دعوة على نحو الاقتضاء فتبصّر.

( بحث فلسفي)

( كلام في سنخيّة الفعل و فاعله ‏)

ذكر الحكماء أنّ بين الفعل و فاعله و يعنون به المعلول و علّته الفاعلة سنخيّة وجوديّة و رابطة ذاتيّة يصير بها وجود الفعل كأنّه مرتبة نازلة من وجود فاعله و وجود الفاعل كأنّه مرتبة عالية من وجود فعله بل الأمر على ذلك بناء على أصالة الوجود و تشكيكه.

و بيّنوا ذلك بأنّه لو لم يكن بين الفعل المعلول و علّته الفاعلة له مناسبة ذاتيّة و خصوصيّة واقعيّة بها يختصّ أحدهما بالآخر كانت نسبة الفاعل إلى فعله كنسبته إلى غيره كما كانت نسبة الفعل إلى فاعله كنسبته إلى غيره فلم يكن لاستناد صدور الفعل إلى فاعله معنى، و نظير البرهان يجري في المعلول بالنسبة إلى سائر العلل و يثبت الرابطة بينه و بينها غير أنّ العلّة الفاعلة لمّا كانت هي المقتضية لوجود المعلول و معطي الشي‏ء غير فاقده كانت العلّة الفاعلة واجدة لكمال وجود المعلول و المعلول ممثّلاً لوجودها في مرتبة نازلة.

٢٠٧

و قد بيّن ذلك صدر المتألّهين بوجه أدقّ و ألطف و هو أنّ المعلول مفتقر في وجوده إلى العلّة الفاعلة متعلّق الذات بها، و ليس من الجائز أن يتأخّر هذا الفقر و التعلّق عن مرتبة ذاته و يكون هناك ذات ثمّ فقر و تعلّق و إلّا استغنى بحسب ذاته عن العلّة و استقلّ بنفسه عنها فلم يكن معلولاً هف فذاته عين الفقر و التعلّق فليس له من الوجود إلّا الرابط غير المستقلّ و ما يتراآى فيه من استقلال الوجود المفروض معه أوّلاً إنّما هو استقلال علّته فوجود المعلول يحاكي وجود علّته و يمثّله في مرتبته الّتي له من الوجود.

( تعقيب البحث السابق من جهة القرآن‏)

التدبّر في الآيات القرآنيّة لا يدع ريباً في أنّ القرآن الكريم يعدّ الأشياء على اختلاف وجوهها و تشتّت أنواعها آيات له تعالى دالّة على أسمائه و صفاته فما من شي‏ء إلّا و هو آية في وجوده و في أيّ جهة مفروضة في وجوده له تعالى مشيرة إلى ساحة عظمته و كبريائه، و الآية و هي العلامة الدالّة من حيث إنّها آية وجودها مرآتي فإنّ في ذي الآية الّذي هو مدلولها غير مستقلّة دونه إذ لو استقلّت في وجوده أو في جهة من جهات وجوده لم تكن من تلك الجهة مشيرة إليه دالّة عليه آية له هف.

فالأشياء بما هي مخلوقة له تعالى أفعاله، و هي تحاكي بوجودها و صفات وجودها وجوده سبحانه و كرائم صفاته و هو المراد بمسانخة الفعل لفاعله لا أنّ الفعل واجد لهويّة الفاعل مماثل لحقيقة ذاته فإنّ الضرورة تدفعه.

قوله تعالى: ( وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) الروح على ما يعرّف في اللغة هو مبدأ الحياة الّذي به يقوى الحيوان على الإحساس و الحركة الإراديّة و لفظه يذكّر و يؤنّث، و ربّما يتجوّز فيطلق على الاُمور الّتي يظهر بها آثار حسنة مطلوبة كما يعد العلم حياة للنفوس قال تعالى:( أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ ) الأنعام: ١٢٢ أي بالهداية إلى الإيمان و على هذا المعنى حمل جماعة مثل قوله:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) النحل: ٢ أي بالوحي و قوله:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٢ أي القرآن

٢٠٨

الّذي هو وحي فذكروا أنّه تعالى سمّى الوحي أو القرآن روحاً لأنّ به حياة النفوس الميّتة كما أنّ الروح المعروف به حياة الأجساد الميّتة.

و كيف كان فقد تكرّر في كلامه تعالى ذكر الروح في آيات كثيرة مكّيّة و مدنيّة، و لم يرد في جميعها المعنى الّذي نجده في الحيوان و هو مبدأ الحياة الّذي يتفرّع عليه الإحساس و الحركة الإراديّة كما في قوله:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا ) النبأ: ٣٨، و قوله:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) القدر: ٤ و لا ريب أنّ المراد به في الآية غير الروح الحيوانيّ و غير الملائكة و قد تقدّم الحديث عن عليّعليه‌السلام أنّه احتجّ بقوله تعالى:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) النحل: ٢ على أنّ الروح غير الملائكة، و قد وصفه تارة بالقدس و تارة بالأمانة كما سيأتي لطهارته عن الخيانة و سائر القذارات المعنويّة و العيوب و العاهات الّتي لا تخلو عنها الأرواح الإنسيّة.

و هو و إن كان غير الملائكة غير أنّه يصاحبهم في الوحي و التبليغ كما يظهر من قوله:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ) الآية فقد قال تعالى:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ ) البقرة: ٩٧ فنسب تنزيل القرآن على قلبهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى جبريل ثمّ قال:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ) الشعراء: ١٩٥ و قال:( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ ) النحل: ١٠٢ فوضع الروح و هو غير الملائكة بوجه مكان جبريل و هو من الملائكة فجبريل ينزل بالروح و الروح يحمل هذا القرآن المقروّ المتلوّ.

و بذلك تنحلّ العقدة في قوله تعالى:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٢ و يظهر أنّ المراد من وحي الروح في الآية هو إنزال روح القدس إليهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و إنزاله إليه هو الوحي القرآن إليه لكونه يحمله على ما تبيّن فلا موجب لما ذكره بعضهم على ما نقلناه آنفاً أنّ المراد بالروح في الآية هو القرآن.

و أمّا نسبة الوحي و هو الكلام الخفيّ إلى الروح بهذا المعنى و هو من

٢٠٩

الموجودات العينيّة و الأعيان الخارجيّة فلا ضير فيه فإنّ هذه الموجودات الطاهرة كما أنّها موجودات مقدّسة من خلقه تعالى كذلك هي كلمات منه تعالى كما قال في عيسى بن مريمعليه‌السلام :( وَ كَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى‏ مَرْيَمَ وَ رُوحٌ مِنْهُ ) النساء: ١٧١ فعد الروح كلمة دالّة على المراد فمن الجائز أن يعدّ الروح وحيا كما عدّ كلمة و إنّما سمّاه كلمة منه لأنّه إنّما كان عن كلمة الإيجاد من غير أن يتوسّط فيه السبب العاديّ في كينونة الناس بدليل قوله:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) آل عمران: ٥٩.

و قد زاد سبحانه في إيضاح حقيقة الروح حيث قال:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) و ظاهر( مِنْ ) أنّها لتبيين الجنس كما في نظائرها من الآيات:( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ ) المؤمن: ١٥( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ ) ( أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) ( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) فالروح من سنخ الأمر.

ثمّ عرّف أمره في قوله:( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْ‏ءٍ ) يس: ٨٤ فبيّن أوّلاً أنّ أمره هو قوله للشي‏ء:( كن ) و هو كلمة الإيجاد الّتي هي الإيجاد و الإيجاد هو وجود الشي‏ء لكن لا من كلّ جهة بل من جهة استناده إليه تعالى و قيامه به فقوله فعله.

و من الدليل على أنّ وجود الأشياء قول له تعالى من جهة نسبته إليه مع إلغاء الأسباب الوجوديّة الاُخر قوله تعالى:( وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) القمر: ٥٠ حيث شبه أمره بعد عدّه واحدة بلمح بالبصر و هذا النوع من التشبيه لنفي التدريج و به يعلم أنّ في الأشياء المكوّنة تدريجاً الحاصلة بتوسّط الأسباب الكونيّة المنطبقة على الزمان و المكان جهة معرّاة عن التدريج خارجة عن حيطة الزمان و المكان هي من تلك الجهة أمره و قوله و كلمته، و أمّا الجهة الّتي هي بها تدريجيّة مرتبطة بالأسباب الكونيّة منطبقة على الزمان و المكان فهي بها من الخلق قال تعالى:( أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ ) الأعراف: ٥٤ فالأمر هو وجود الشي‏ء من

٢١٠

جهة استناده إليه تعالى وحده و الخلق هو ذلك من جهة استناده إليه مع توسّط الأسباب الكونيّة فيه.

و يستفاد ذلك أيضاً من قوله:( إِنَّ مَثَلَ عِيسى‏ عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) الآية حيث ذكر أوّلاً خلق آدم و ذكر تعلّقه بالتراب و هو من الأسباب ثمّ ذكر وجوده و لم يعلّقه بشي‏ء إلّا بقوله:( كُنْ ) فافهم ذلك و نظيره قوله:( ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً إلى أن قال ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ ) المؤمنون: ١٤ فعدّ إيجاده المنسوب إلى نفسه من غير تخلّل الأسباب الكونيّة إنشاء خلق آخر.

فظهر بذلك كلّه أنّ الأمر هو كلمة الإيجاد السماويّة و فعله تعالى المختصّ به الّذي لا تتوسّط فيه الأسباب، و لا يتقدّر بزمان أو مكان و غير ذلك.

ثمّ بين ثانياً أنّ أمره في كلّ شي‏ء هو ملكوت ذلك الشي‏ء - و الملكوت أبلغ من الملك - فلكلّ شي‏ء ملكوت كما أنّ له أمراً قال تعالى:( أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) الأعراف: ١٨٥ و قال:( وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ) الأنعام: ٧٥ و قال:( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ ) الآية: القدر: ٤.

فقد بان بما مرّ أنّ الأمر هو كلمة الإيجاد و هو فعله تعالى الخاصّ به الّذي لا يتوسّط فيه الأسباب الكونيّة بتأثيراتها التدريجيّة و هو الوجود الأرفع من نشأة المادّة و ظرف الزمان، و أنّ الروح بحسب وجوده من سنخ الأمر من الملكوت.

و قد وصف تعالى أمر الروح في كلامه وصفاً مختلفاً فأفرده بالذكر في مثل قوله:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا ) النبأ: ٣٨، و قوله:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ ) الآية: المعارج: ٤.

و يظهر من كلامه أنّ منه ما هو مع الملائكة كقوله في الآيات المنقولة آنفاً:( مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى‏ قَلْبِكَ ) ( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ )

٢١١

( قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ ) و قوله:( فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ) مريم: ١٧.

و منه ما هو منفوخ في الإنسان عامّة قال تعالى:( ثُمَّ سَوَّاهُ وَ نَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ ) الم السجدة: ٩ و قال:( فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي ) الحجر: ٢٩ ص: ٧٢.

و منه ما هو مع المؤمنين كما يدلّ عليه قوله تعالى:( أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ ) المجادلة: ٢٢ و يشعر به بل يدلّ عليه أيضاً قوله:( أَ وَ مَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ ) الأنعام: ١٢٢ فإنّ المذكور في الآية حياة جديدة و الحياة فرع الروح.

و منه ما نزّل إلى الأنبياءعليه‌السلام كما يدلّ عليه قوله:( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى‏ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا ) الآية: النحل: ٢ و قوله:( وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ) البقرة: ٨٧ و قوله:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٢ إلى غير ذلك.

و من الروح ما تشعر به الآيات الّتي تذكر أنّ في غير الإنسان من الحيوان حياة و أنّ في النبات حياة، و الحياة متفرّعة على الروح ظاهراً.

فقد تبيّن بما قدّمناه على طوله معنى قوله تعالى:( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) و أنّ السؤال إنّما هو عن حقيقة مطلق الروح الوارد في كلامه سبحانه، و أنّ الجواب مشتمل على بيان حقيقة الروح و أنّه من سنخ الأمر بالمعنى الّذي تقدّم و أمّا قوله:( وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) أي ما عندكم من العلم بالروح الّذي آتاكم الله ذلك قليل من كثير فإنّ له موقعاً من الوجود و خواصّ و آثاراً في الكون عجيبة بديعة أنتم عنها في حجاب.

و للمفسّرين في المراد من الروح المسؤل عنه و المجاب عنه أقوال:

فقال بعضهم: إنّ المراد بالروح المسؤل عنه هو الروح الّذي يذكره الله في قوله:( يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا ) و قوله:( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ )

٢١٢

الآية، و لا دليل لهم على ذلك.

و قال بعضهم: إنّ المراد به جبريل فإنّ الله سمّاه روحاً في قوله:( نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى‏ قَلْبِكَ ) و فيه أنّ مجرد تسميته روحاً في بعض كلامه لا يستلزم كونه هو المراد بعينه أينما ذكر على أنّ لهذه التسمية معنى خاصّاً أومأنا إليه في سابق الكلام، و لو لا ذلك لكان عيسى و جبريل واحدا لأنّ الله سمّى كلّاً منهما روحاً.

و قال بعضهم: إنّ المراد به القرآن لأنّ الله سمّاه روحاً في قوله:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الآية فيكون محصّل السؤال و الجواب أنّهم يسألونك عن القرآن أ هو من الله أو من عندك؟ فأجبهم أنّه من أمر ربّي لا يقدر على الإتيان بمثله غيره فهو آية معجزة دالّة على صحّة رسالتي و ما اُوتيتم من العلم به إلّا قليلاً من غير أن تحيطوا به فتقدروا على الإتيان بمثله قالوا: و الآية التالية:( وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) يؤيّد هذا المعنى.

و فيه أنّ تسميته في بعض كلامه روحاً لا تستلزم كونه هو المراد كلّما اُطلق كما تقدم آنفاً. على أنّك قد عرفت ما في دعوى هذه التسمية. على أنّ الآية التالية لا تتعيّن تأييداً لهذا الوجه بل تلائم بعض الوجوه الآخر أيضاً.

و قال بعضهم: إنّ المراد به الروح الإنسانيّ فهو المتبادر من إطلاقه و قوله:( قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) ترك للبيان و نهي عن التوغّل في فهم حقيقة الروح فإنّه من أمر الله الّذي استأثر بعلمه و لم يطلع على حقيقته أحداً ثمّ اختلفوا في حقيقته بين قائل بأنّه جسم هوائيّ متردّد في مخارق البدن، و قائل بأنّه جسم هوائيّ في هيئة البدن حالّ فيه و خروجه موته، و قائل بأنّه أجزاء أصليّة في القلب و قائل بأنّه عرض في البدن، و قائل بأنّه نفس البدن إلى غير ذلك.

و فيه أنّ التبادر في كلامه تعالى ممنوع، و التدبّر في الآيات المتعرّضة لأمر الروح كما قدّمناه يدفع جميع ما ذكروه.

و قال بعضهم: إنّ المراد به مطلق الروح الواقع في كلامه و السؤال إنّما

٢١٣

هو عن كونه قديماً أو محدثاً فاُجيب بأنّه يحدث عن أمره و فعله تعالى، و فعله محدث لا قديم.

و فيه أنّ تعميم الروح لجميع ما وقع منه في كلامه تعالى و إن كان في محلّه لكن إرجاع السؤال إلى حدوث الروح و قدمه و توجيه الجواب بما يناسبه دعوى لا دليل عليها من جهة اللفظ.

ثمّ إنّ لهم اختلافاً في معنى قوله:( الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ) أ هو جواب مثبت أو ترك للجواب و صرف عن السؤال على قولين، و الوجوه المتقدّمة في معنى الروح مختلفة في المناسبة مع هذين القولين فالمتعيّن في بعضها القول الأوّل و في بعضها الثاني، و قد أشرنا إلى مفي ضمن الأقوال.

ثمّ إنّ لهم اختلافاً آخر في المخاطبين بقوله:( وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ) أ هم اليهود أو قريش لو كانوا هم السائلين بتعليم من اليهود أو هم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و غير النبيّ من الناس؟ و الأنسب بالسياق أن يكون الخطاب متوجّها إلى السائلين و الكلام من تمام قول النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و أنّ السائلين هم اليهود لأنّهم كانوا معروفين يومئذ بالعلم و في الكلام إثبات علم مّا لهم دون قريش و كفّار العرب و قد عبّر تعالى عنهم في بعض كلامه(١) بالّذين لا يعلمون.

قوله تعالى: ( وَ لَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا ) الكلام متّصل بما قبله فإنّ الآية السابقة و إن كانت متعرّضة لأمر مطلق الروح و هو ذو مراتب مختلفة إلّا أنّ الذي ينطبق عليه منه بحسب سياق الآيات السابقة المسوقة في أمر القرآن هو الروح السماويّ النازل على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الملقي إليه القرآن.

فالمعنى - و الله أعلم - الروح النازل عليك الملقي بالقرآن إليك من أمرنا غير خارج من قدرتنا، و اُقسم لئن شئنا لنذهبنّ بهذا الروح الّذي هو كلمتنا الملقاة

____________________

(١) سورة البقرة الآية ١١٨.

٢١٤

إليك ثمّ لا تجد أحداً يكون وكيلاً به لك علينا يدافع عنك و يطالبنا به و يجبرنا على ردّ ما أذهبنا به.

و بذلك يظهر أوّلاً: أنّ المراد بالّذي أوحينا إليك الروح الإلهيّ الّذي هي كلمة ملقاة من الله إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على حدّ قوله:( وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ) الشورى: ٥٤.

و ثانياً: أنّ المراد بالوكيل للمطالبة و الردّ لما أذهبه الله دون الوكيل في حفظ القرآن و تلاوته على ما فسّره بعض المفسّرين و هو مبنيّ على تفسير قوله:( بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ) بالقرآن دون الروح النازل به كما قدّمنا.

قوله تعالى: ( إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) استثناء من محذوف يدلّ عليه السياق، و التقدير فما اختصصت بما اختصصت به و لا اُعطيت ما اُعطيت من نزول الروح و ملازمته إيّاك إلّا رحمة من ربّك، ثمّ علّله بقوله:( إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً ) و هو وارد مورد الامتنان.

قوله تعالى: ( قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى‏ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً ) الظهير هو المعين مأخوذ من الظهر كالرئيس من الرأس، و قوله:( بِمِثْلِهِ ) من وضع الظاهر موضع المضمر و ضميره عائد إلى القرآن.

و في الآية تحدّ ظاهر، و هي ظاهرة في أنّ التحدّي بجميع ما للقرآن من صفات الكمال الراجعة إلى لفظه و معناه لا بفصاحته و بلاغته وحدها فإنّ انضمام غير أهل اللسان إليهم لا ينفع في معارضة البلاغة شيئاً و قد اعتنت الآية باجتماع الثقلين و إعانة بعضهم لبعض.

على أنّ الآية ظاهرة في دوام التحدّي و قد انقرضت العرب العرباء أعلام الفصاحة و البلاغة اليوم فلا أثر منهم، و القرآن باق على إعجازه متحدّ بنفسه كما كان.

قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى‏ أَكْثَرُ

٢١٥

النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) تصريف الأمثال ردّها و تكرارها و تحويلها من بيان إلى بيان و من اُسلوب إلى اُسلوب، و المثل هو وصف المقصود بما يمثّله و يقرّبه من ذهن السامع، و( مِنْ ) في قوله:( مِنْ كُلِّ مَثَلٍ ) لابتداء الغاية، و المراد من كلّ مثل يوضح لهم سبيل الحقّ و يمهّد لهم طريق الإيمان و الشكر بقرينة قوله:( فَأَبى‏ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً ) و الكلام مسوق للتوبيخ و الملامة.

و في قوله:( أَكْثَرُ النَّاسِ ) وضع الظاهر موضع المضمر و الأصل أكثرهم و لعلّ الوجه فيه الإشارة إلى أنّ ذلك مقتضى كونهم ناسا كما مرّ في قوله:( وَ كانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً ) أسرى: ٦٧.

و المعنى: و اُقسم لقد كرّرنا للناس في هذا القرآن من كلّ مثل يوضح لهم الحقّ و يدعوهم إلى الإيمان بنا و الشكر لنعمنا فأبى أكثر الناس إلّا أن يكفروا و لا يشكروا.

قوله تعالى: ( وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً - إلى قوله -كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) الفجر الفتح و الشقّ و كذلك التفجير إلّا أنّه يفيد المبالغة و التكثير، و الينبوع العين الّتي لا ينضب ماؤها، و خلال الشي‏ء وسطه و أثناؤه، و الكسف جمع كسفة كقطع جمع قطعة وزنا و معنى، و القبيل هو المقابل كالعشير و المعاشر، و الزخرف الذهب، و الرقيّ الصعود و الارتقاء.

و الآيات تحكي الآيات المعجزة الّتي اقترحتها قريش على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و علّقوا إيمانهم به عليها مستهينة بالقرآن الّذي هو معجزة خالدة.

و المعنى( وَ قالُوا ) أي قالت قريش( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ ) يا محمّد( حَتَّى تَفْجُرَ ) و تشقّ( لَنا مِنَ الْأَرْضِ ) أرض مكّة لقلّة مائها( يَنْبُوعاً ) عينا لا ينضب ماؤها( أَوْ تَكُونَ ) بالإعجاز( لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ ) أي تشقّها أو تجريها( خِلالَها ) أي وسط تلك الجنّة و أثناءها( تَفْجِيراً ) ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ ) أي مماثلاً لما زعمت يشيرون(١) به إلى قوله تعالى:( أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ )

____________________

(١) فالآية لا تخلو من دلالة على تقدم سورة سبأ على هذه السورة نزولاً.

٢١٦

السبا: ٩( عَلَيْنا كِسَفاً ) و قطعاً( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ) مقابلاً نعاينهم و نشاهدهم‏( أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ ) و ذهب( أَوْ تَرْقى‏ ) و تصعد( فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ ) و صعودك( حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا ) منها( كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) و نتلوه.

قوله تعالى: ( قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) فيه أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يجيب عمّا اقترحوه عليه و ينبّههم على جهلهم و مكابرتهم فيما لا يخفى على ذي نظر فإنّهم سألوه اُموراً عظاماً لا يقوى على أكثرها إلّا القدرة الغيبيّة الإلهيّة و فيها ما هو مستحيل بالذات كالإتيان بالله و الملائكة قبيلاً، و لم يرضوا بهذا المقدار و لم يقنعوا به دون أن جعلوه هو المسؤل المتصدّي لذلك المجيب لما سألوه فلم يقولوا لن نؤمن لك حتّى تسأل ربّك أن يفعل كذا و كذا بل قالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ ) إلخ( أَوْ تَكُونَ لَكَ ) إلخ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ ) إلخ( أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ ) إلخ( أَوْ يَكُونَ لَكَ ) إلخ( أَوْ تَرْقى‏ فِي السَّماءِ وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ ) .

فإن أرادوا منه ذلك بما أنّه بشر فأين البشر من هذه القدرة المطلقة غير المتناهية المحيطة حتّى بالمحال الذاتيّ، و إن أرادوا منه ذلك بما أنّه يدّعي الرسالة فالرسالة لا تقتضي إلّا حمل ما حمّله الله من أمره و بعثه لتبليغه بالإنذار و التبشير لا تفويض القدرة الغيبيّة إليه و إقداره أن يخلق كلّ ما يريد، و يوجد كلّ ما شاؤا، و هوصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يدّعي لنفسه ذلك فاقتراحهم ما اقترحوه مع ظهور الأمر من عجيب الاقتراح.

و لذلك أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يبادر في جوابهم أوّلاً إلى تنزيه ربّه ممّا يلوّح إليه اقتراحهم هذا من المجازفة و تفويض القدرة إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، و لا يبعد أن يستفاد منه التعجّب فالمقام صالح لذلك.

و ثانياً: إلى الجواب بقوله في صورة الاستفهام:( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) و هو يؤيّد كون قوله:( سُبْحانَ رَبِّي ) واقعاً موقع التعجّب أي إن كنتم اقترحتم علىّ هذه الاُمور و طلبتموها منّي بما أنا محمّد فإنّما أنا بشر و لا قدرة للبشر على

٢١٧

شي‏ء من هذه الاُمور، و إن كنتم اقترحتموها لأنّي رسول أدّعي الرسالة فلا شأن للرسول إلّا حمل الرسالة و تبليغها لا تقلّد القدرة الغيبيّة المطلقة.

و قد ظهر بهذا البيان أنّ كلّا من قوله:( بَشَراً ) و( رَسُولًا ) دخيل في استقامة الجواب عن اقتراحهم أمّا قوله:( بَشَراً ) فليردّ به اقتراحهم عليه أن يأتي بهذه الآيات عن قدرته في نفسه، و أمّا قوله:( رَسُولًا ) فليردّ به اقتراح إيتائها عن قدرة مكتسبة من ربّه.

و ذكر بعضهم ما محصّله أنّ معتمد الكلام هو قوله:( رَسُولًا ) و قوله:( بَشَراً ) توطئة له ردّاً لما أنكروه من جواز كون الرسول بشراً، و دلالة على أنّ من قبله من الرسل كانوا كذلك، و المعنى على هذا هل كنت إلّا بشراً رسولاً كسائر الرسل و كانوا لا يأتون إلّا بما أجراه على أيديهم من غير أن يفوّض إليهم أو يتحكّموا على ربّهم بشي‏ء.

قال: و جعل( بَشَراً ) و( رَسُولًا ) كليهما معتمدين مخالف لما يظهر من الآثار أوّلاً فإنّ الّذي ورد في الآثار أنّهم سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسأل ربّه أن يفعل كذا و كذا، و لم يسألوه أن يأتيهم بشي‏ء من قبل نفسه حتّى يشار إلى ردّه بإثبات بشريّته، و مستلزم لكون رسولاً خبراً بعد خبر و كونهما خبرين لكان يأباه الذوق السليم. انتهى محصّلاً.

و فيه أوّلاً: أنّ أخذ قوله:( بَشَراً ) ردّا على زعمهم عدم جواز كون الرسول بشراً مع عدم اشتمال الآيات على مزعمتهم هذه لا تصريحاً و لا تلويحاً تحميل من غير دليل.

و ثانياً: أنّ الذي ذكره في معنى الآية( هل كنت إلّا بشراً رسولاً كسائر الرسل و كانوا لا يأتون إلّا كذا و كذا) معتمد الكلام فيه هو التشبيه الّذي في قوله:( كسائر الرسل) لا قوله:( رَسُولًا ) و في حذف معتمد الكلام إفساد السياق فافهم ذلك.

و ثالثاً: أنّ اشتمال الآثار على أنّهم إنّما سألوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يسأل ربّه

٢١٨

الإتيان بتلك الآيات من غير أن يسألوه نفسه أن يأتي بها، لا يعارض نصّ الكتاب بخلافه، و الّذي حكاه الله عنهم أنّهم قالوا:( لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حتّى تَفْجُرَ لَنا ) إلخ( فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ ) إلخ( أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ ) إلخ و هذا من عجيب المغالاة في حق الآثار و تحكيمها على كتاب الله و تقديمها عليه حتّى في صورة المخالفة.

و رابعاً: أنّ إباء الذوق السليم عن تجويز كون( رَسُولًا ) خبراً بعد خبر لا يظهر له وجه.

قوله تعالى: ( وَ ما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى‏ إِلَّا أَنْ قالُوا أَ بَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولًا ) الاستفهام في قوله:( أَ بَعَثَ اللهُ بَشَراً رَسُولًا ) للإنكار، و جملة( قالُوا أَ بَعَثَ اللهُ ) إلخ حكاية حالهم بحسب الاعتقاد و إن لم يتكلّموا بهذه الكلمة بعينها.

و إنكار النبوّة و الرسالة مع إثبات الإله من عقائد الوثنيّة، و هذه قرينة على أنّ المراد بالناس الوثنيّون، و المراد بالإيمان الّذي منعوه هو الإيمان بالرسول.

فمعنى الآية و ما منع الوثنيّين - و كانت قريش و عامّة العرب يومئذ منهم - أن يؤمنوا بالرسالة - أو برسالتك - إلّا إنكارهم لرسالة البشر، و لذلك كانوا يردّون على رسلهم دعوتهم - كما حكاه الله - بمثل قولهم:( لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ ) حم السجدة: ١٤.

قوله تعالى: ( قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا ) أمر سبحانه رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يردّ عليهم قولهم و إنكارهم لرسالة البشر و نزول الوحي بأنّ العناية الإلهيّة قد تعلّقت بهداية أهل الأرض و لا يكون ذلك إلّا بوحي سماويّ لا من عند أنفسهم فالبشر القاطنون في الأرض لا غنى لهم عن وحي سماويّ بنزول ملك رسول إليهم و يختصّ بذلك نبيّهم.

و هذه خاصّة الحياة الأرضيّة و العيشة المادّيّة المفتقرة إلى هداية إلهيّة لا سبيل إليها إلّا بنزول الوحي من السماء حتّى لو أنّ طائفة من الملائكة سكنوا الأرض و أخذوا يعيشون عيشة أرضيّة مادّيّة لنزّلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً

٢١٩

كما ننزّل على البشر ملكاً رسولاً.

و العناية في الآية الكريمة - كما ترى - متعلّقة بجهتين إحداهما كون الحياة أرضيّة مادّيّة، و الاُخرى كون الهداية الواجبة بالعناية الإلهيّة بوحي نازل من السماء برسالة ملك من الملائكة.

و الأمر على ذلك فهاتان الجهتان أعني كون حياة النوع أرضيّة مادّيّة و وجوب هدايتهم بواسطة سماويّة و ملك علويّ هما المقدّمتان الأصليّتان في البرهان على وجود الرسالة و لزومها.

و أمّا ما أصرّ عليه المفسّرون من تقييد معنى الآية بوجوب كون الرسول من جنس المرسل إليهم و من أنفسهم كالإنسان للإنسان و الملك للملك فليس بتلك الأهميّة، و لذلك لم يصرّح به في الآية الكريمة.

و ذلك أنّ كون الرسول إلى البشر و هو الّذي يعلّمهم و يربّيهم من أنفسهم من لوازم كون حياتهم أرضيّة، و كون الوحي النازل عليهم بواسطة الملك السماوي فإنّ اختلاف أفراد النوع المادّيّة بالسعادة و الشقاء و الكمال و النقص و طهارة الباطن و قذارته ضروريّ و الملك الملقي للوحي و ما تحمّله منه طاهر زكيّ لا يمسّه إلّا المطهّرون، فالملك النازل بالوحي و إن نزل على النوع لكن لا يمسّه إلّا آحاد منهم مطهّرون من قذارات المادّة و ألواثها مقدّسون من مسّ الشيطان و هم الرسلعليهم‌السلام .

و توضيح المقام: أنّ مقتضى العناية الإلهيّة هداية كلّ نوع من أنواع الخليقة إلى كماله و سعادته، و الإنسان الّذي هو أحد هذه الأنواع غير مستثنى من هذه الكلّيّة، و لا تتمّ سعادته في الحياة إلّا بأن يعيش عيشة اجتماعيّة تحكم فيها قوانين و سنن تضمن سعادة حياته في الدنيا و بعدها، و ترفع الاختلافات الضروريّة الناشئة بين الأفراد، و إذ كانت حياته حياة شعوريّة فلا بدّ أن يجهّز بما يتلقّى به هذه القوانين و السنن و لا يكفي في ذلك ما جهّز به من العقل المميّز بين خيره و شرّه فإنّ العقل بعينه يهديه إلى الاختلاف فلا بدّ أن يجهّز بشعور آخر يتلقّى به ما

٢٢٠

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443