بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة الجزء ١٠

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة6%

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة مؤلف:
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 617

  • البداية
  • السابق
  • 617 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 79395 / تحميل: 3727
الحجم الحجم الحجم
بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة الجزء ١٠

مؤلف:
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

في قتل سيد ، فقال عزّ و جلّ : يحكم به ذوا عدل منكم ١ فكيف في إمامة قد أشكلت على المسلمين ؟ فقالوا : إنّه قد حكم عليه فلم يرض . فقال : إنّ الحكومة كالإمامة و متى فسق الإمام وجبت معصيته ، و كذلك الحكمان لمّا خالفا نبذت أقاويلهما . فقال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإنّ هذا من القوم الذين قال تعالى فيهم : بل هم قوم خصمون ٢ ، و قال و تنذر به قوما لدا ٣ .

و فيه ٤ : وجه عليّ عليه السّلام إليهم ابن العباس فرحبوا به و قالوا : ما جاء بك ؟

قال : جئتكم من عند صهر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و ابن عمه و أعلمنا بربّه و سنّة نبيه ، و من عند المهاجرين و الأنصار . فقالوا : إنّا أتينا عظيما حين حكّمنا الرجال في دين اللّه فإن تاب كما تبنا رجعنا . فقال لهم : نشدتكم اللّه أما علمتم أنّ اللّه أمر بتحكيم الرجال في أرنب يساوي درهما ، و في شقاق رجل و امرأته ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمسك عن القتال للهدنة بينه و بين أهل الحديبية ؟ قالوا : نعم و لكن محا نفسه من الإمارة . فقال لهم : و قد محا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله اسمه من النبوة ، و قد أخذ عليّ عليه السّلام على الحكمين ألاّ يجورا . . . .

و روى ( مسترشد محمد بن جرير الطبري ) : أنّه عليه السّلام لمّا بعث ابن العباس قالوا له : نقمنا على صاحبك خصالا : محا اسمه من إمارة المؤمنين ،

و شكّ في نفسه حيث قال للحكمين : « انظرا ان كان معاوية أحق بها منّي فأثبتاه » ، و جعل الحكم إليه غيره و قد كان عندنا من أحكم الناس ، و حكّم الرجال في دين اللّه و لم يكن ذاك إليه ، و قسّم بيننا الكراع و السلاح يوم البصرة

ــــــــــــ

( ١ ) المائدة : ٩٥ .

( ٢ ) الزخرف : ٥٨ .

( ٣ ) مريم : ٩٧ .

( ٤ ) الكامل للمبرد ٢ : ١٧٥ .

٤٢١

و منعنا النساء و الذرية ، و أنّه كان وصيّا فضيع الوصية . فقال ابن عباس له عليه السّلام : سمعت مقالتهم و أنت أحقّ بالجواب . فقال عليه السّلام له : قل لهم : ألستم ترضون بحكم اللّه و حكم رسوله ؟ قالوا : نعم . فقال : ابدأ على ما بدأتم : كنت أكتب للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله يوم صالح ابا سفيان و سهل بن عمرو ، فكتبت : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا ما صالح عليه محمّد رسول اللّه و سهيل بن عمرو و صخر بن حرب » فقال سهيل : إنّا لا نعرف ( الرحمن الرحيم ) و لا نقرّ أنّك رسول اللّه .

فأمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فمحوت ( الرحمن الرحيم ) و كتبت : « باسمك اللهم » و محوت ( رسول اللّه ) و كتبت : « محمد بن عبد اللّه » فقال لي : يا عليّ إنّك تدعى إلى مثلها فتجيب و أنت مكره . فقالوا : هذه لك قد خرجت منها . فقال : و أمّا قولكم :

إنّي شككت في نفسي حيث قلت للحكمين : انظرا فان كان معاوية أحق بها مني ، فإنّ ذلك لم يكن شكا و لكنّه نصفا من القول ، و قد قال تعالى : و انا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ١ ، و قد علم اللّه أنّ نبيّه كان على الحق .

قالوا : و هذه لك أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي جعلت الحكم إلى غيري و قد كنت من احكم الناس ، فهذا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله جعل الحكم إلى سعد بن معاذ يوم بني قريظة و قد كان أحكم الناس ، و قد قال تعالى : و لكم في رسول اللّه اسوة حسنة . . . ٢ فتأسيت به صلّى اللّه عليه و آله . قالوا و هذه لك أيضا إلى أن قال و أمّا قولكم :

إنّي قسّمت يوم البصرة الكراع و السلاح و منعتكم النساء و الذرية ، فإنّي مننت على أهل البصرة كما منّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله على أهل مكة و قد عدوا علينا ، فأخذناهم بذنوبهم و لم نأخذ صغيرا بكبير ، و بعد فأيّكم يأخذ عايشة في سهمه ؟ قالوا:

و هذه قد خرجت منها أيضا . قال : و أمّا قولكم : إنّي كنت وصيا فضيعت

ــــــــــــ

( ١ ) سبأ : ٢٤ .

( ٢ ) الأحزاب : ٢١ .

٤٢٢

الوصاية ، فأنتم كفرتم بي و قدّمتم عليّ غيري و لم أك أنا كفرت بكم ، و ليس على الأوصياء الدعاء إلى انفسهم و إنّما تدعو الأنبياء إلى انفسهم ، و الوصي مدلول عليه مستغن عن الدعاء إلى نفسه ، ذلك لمن آمن باللّه و رسوله ، و قد قال تعالى : . . . و للّه على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا . . . ١ ، فلو ترك الناس الحج لم يكن البيت يكفر بتركهم إيّاه ، و لكن يكفرون بتركه لأنّ اللّه تعالى قد نصبه لهم علما ، و كذلك نصّبني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله علما حيث قال : أنت بمنزلة الكعبة . فخرج معه منهم أربعة آلاف .

و رواه اليعقوبي ٢ مع زيادة و نقصان .

« إلى الخوارج » هكذا في ( المصرية ) ٣ و الصواب : ( على الخوارج ) كما في ( ابن أبي الحديد ٤ و ابن ميثم ٥ و الخطية ) و حينئذ فهو متعلق بالاحتجاج .

قوله عليه السّلام : « لا تخاصمهم بالقرآن فإنّ القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » حاج منصور بن حازم و هو أحد أجلة أصحاب الصادق عليه السّلام مع الناس فقال لهم : من الحجّة على الخلق بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ؟ فقالوا له : القرآن . فقال لهم :

القرآن يخاصم به المرجي و القدري بل الزنديق الذي لا يؤمن به ، يخاصم به حتى يغلب الرجال بخصومته ، فلا بدّ أن القرآن لا يكون حجّة إلاّ بقيّم يكون كل شي‏ء قال فيه يكون حقا ، فمن قيّمه ؟ قالوا : ابن مسعود قد كان يعلم ،

و عمر قد يعلم ، و حذيفة قد يعلم . فقال لهم : يعلمون كلّه ؟ قالوا : لا . قال لهم : فليس أحد يعرف القرآن كلّه إلاّ عليّ عليه السّلام فلا بدّ أنّه قيم القرآن ،

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٩٧ .

( ٢ ) تاريخ اليعقوبي ٢ : ١٩٢ .

( ٣ ) الطبعة المصرية ٣ : ١٥٠ .

( ٤ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧١ .

( ٥ ) شرح ابن ميثم ٥ : ٢٣٤ .

٤٢٣

و أنّ طاعته مفروضة كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

قال ابن أبي الحديد ١ قوله عليه السّلام : « القرآن حمّال ذو وجوه ، تقول و يقولون » كلام لا نظير له في شرفه و علو معناه ، و ذلك أنّ القرآن فيه مواضع يظن في الظاهر أنّها متناقضة نحو قوله : لا تدركه الأبصار . . . ٢ مع قوله إلى ربها ناظرة ٣ ، و قوله : و جعلنا من بين أيديهم سدّا و من خلفهم سدّا فأغشيناهم فهم لا يبصرون ٤ ، مع قوله : و أمّا ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى . . . ٥ و نظائرها ، و أمّا السنّة فليست كذلك إلى أن قال و قد كان في الصحابة من يسأل النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن كلمة في القرآن يفسره له تفسيرا موجزا فلا يحصل له كلّ الفهم ، و لمّا نزلت آية الكلالة و في آخرها . . . يبيّن اللّه لكم أن تضلّوا . . . ٦ سأله عمر عن الكلالة : ما هو ؟ فقال له : يكفيك آية الصيف . لم يزد على ذلك ، فلم يراجعه عمر و انصرف و لم يفهم مراده ، و بقي عمر على ذلك إلى أن مات ، و كان يقول بعد ذلك : اللهم مهما بيّنت فإنّ عمر لم يتبين . يشير إلى قوله تعالى : يبيّن اللّه لكم ان تضلّوا . . .

بيان : آية الصيف ، أي : آية نزلت في الصّيف ، كما رواه ( التبيان ) .

قلت : إذا كان فاروقهم نفسه لم يفهم المراد من القرآن في آية قال تعالى فيها : بيّنها لكم لئلا تضلّوا ، و فسّرها النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، له كيف منع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الوصية و قال : حسبنا القرآن و لم نحتج إلى وصيّته ؟

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧١ .

( ٢ ) الأنعام : ١٠٣ .

( ٣ ) القيامة : ٢٣ .

( ٤ ) يس : ٩ .

( ٥ ) فصّلت : ١٧ .

( ٦ ) النساء : ١٧٦ .

٤٢٤

ففي ( طبقات كاتب الواقدي ) و كان ناصبيا عن عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس ، قال : لمّا حضرت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله الوفاة و في البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : هلم أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده . فقال عمر : إنّ رسول اللّه قد غلبه الوجع ، و عندكم القرآن حسبنا كتاب اللّه .

فاختلف أهل البيت و اختصموا ، فمنهم من قال : قرّبوا يكتب لكم النبيّ ، و منهم من يقول ما قال عمر ، فلمّا كثر اللغط و الاختلاف و غمر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : قوموا عني . قال عبيد اللّه : فكان ابن عباس يقول : إنّ الرّزية كلّ الرّزية ما حال بين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم و لغطهم .

و روى عن عكرمة عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبيّ ليس بميّت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . فقالت زينب زوج النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : ألا تسمعون النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يعهد إليكم ؟ فلغطوا فقال : قوموا عنّي . فلمّا قاموا قبض النبيّ صلّى اللّه عليه و آله مكانه .

و عن زيد بن اسلم عن أبيه عن عمر قال : كنا عند النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و بيننا و بين النساء حجاب فقال : غسّلوني بسبع قرب ، و ائتوني بصحيفة و دواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده ابدا . فقال النسوة : إيتوا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . قال عمر :

فقلت : اسكتن فإنّكن صواحبه ، إذا مرض عصرتن أعينكن و إذ صح أخذتن بعنقه . فقال : هنّ خير منكم .

و عن سعيد بن جبير قال : إنّ ابن عباس كان يقول : يوم الخميس و ما يوم الخميس ؟ و كأنّي أنظر إلى دموعه كأنّها نظام اللؤلؤ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إيتوني بالكتف و الدواة أكتب لكم كتابا لا تضلّوا بعده أبدا .

٤٢٥

فقالوا : إنّما يهجر رسول اللّه .

كان فاروقهم يعلم أنّ القرآن لا يكفي الناس ، و كيف لا ، و هو الذي كان فاروقهم لا يفهم شيئا من معارفه إلاّ أنّه صد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية في تلك الساعة ، لأنّه علم أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أراد أن يعيّن أمير المؤمنين عليه السّلام في الكتابة كما عيّنه في مقالاته يوم غدير خم و غيره ، فلا يمكنه التشكيك فيها لأنّ الكتابة أمر ثابت ، فروى أحمد بن أبي طاهر صاحب ( تاريخ بغداد ) في كتابه مسندا عن ابن عباس قال : دخلت على عمر في أوّل خلافته فقال : هل بقي في نفس ابن عمك شي‏ء من أمر الخلافة ؟ قلت : نعم . قال : أيزعم أنّ النبي نصّ عليه ؟ قلت :

نعم . قال : لقد أراد النبي في مرضه أن يصرح باسمه فمنعت من ذلك إشفاقا و حيطة على الإسلام ، لا و ربّ هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا ، و لو وليها لا نتقضت عليه العرب من أقطارها ، فعلم النبيّ أنّي علمت ما في نفسه فأمسك . . . .

إنّما منع منه إشفاقا و حيطة على سلطنته و سلطنة صاحبه ، و هل كان هو أشفق على الإسلام من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ؟ فكأنّ اللّه لا يعلم حيث يجعل رسالته ، إذا كان هو أشفق على الإسلام و لم يشفق نبيّه و قوله بعدم اجتماع قريش عليه كانتقاض العرب مغالطة ، فقريش كانوا أعداء النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و إنّما وصلوا إلى ما وصلوا بمساعدة و مساعدته صاحبه ،

و لو لا هما لكانوا يستسلمون له و يسرون كفرهم ، كما استسلموا للنبي و أسرّوا كفرهم ، و العرب إنّما انتقضت على صاحبه حيث لم يجعل هو سلطان النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في أهل بيته ، و قيام أهل الجمل و صفين عليه إنّما كان من قريش بسببه و سبب صاحبه .

وهب أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يرد النصّ على أمير المؤمنين ، ألم يكن حدوث هذه الفرق الضالة في الإسلام و منها الخوارج من منع عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن

٤٢٦

الوصية ؟ ألم يقل لهم : أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا ؟

ثم إنّه مع منعه له عن الوصية و هي الرّزية العظمى التي لو بكي الدم منها كان قليلا لم نسب الهجر إليه ؟ أليس اللّه تعالى قال في نبيه : و ما ينطق عن الهوى . إن هو إلاّ وحي يوحى ١ ؟

و لم قال : « إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لا يموت و لو أنّه مات يرجع » ، فيصير سببا لتولّد مذاهب فاسدة ، كالكيسانية و الناوسية و الواقفية و الإسماعيلية و غيرها،

فليس منشأ شبهات المذاهب الفاسدة التي تولّدت بعده إلاّ شبهات مثله ، كما اعترف به الشهرستاني ٢ منهم .

و لم يقول لنسائه : « اسكتن ، إذا مرض عصرتن أعينكن ، و إذا صحّ أخذتن بعنقه » بمعنى أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ليس له قابلية ، و أنّه رجل زيري ، و النساء غالبات عليهن .

و ما نسبه إلى نسائه إنّما كان عمل بنته و بنت صاحبه اللتين قال تعالى فيهما : . . . و إن تظاهر عليه فإنّ اللّه هو مولاه و جبريل و صالح المؤمنين . . . ٣ دون النسوة التي قلن كزينب و امّ سلمة : إيتوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بحاجته . لكن يكفيه شرفا أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال له : هنّ خير منك .

هذا و ممّا يناسب قوله عليه السّلام : « حمال ذو وجوه » ما ورد : أنّ رجلا قال لهشام القوطي : كم تعدّ ؟ قال : من واحد إلى ألف ألف و أكثر . قال : لم ارد هذا ، كم تعدّ من السنّ ؟ قال : اثنتين و ثلاثين ، ست عشرة من أعلى و ست عشرة من أسفل . قال : لم ارد هذا ، كم لك ؟ من السنين قال : و اللّه مالي فيها شي‏ء السنون

ــــــــــــ

( ١ ) النجم : ٣ ٤ .

( ٢ ) الملل و النحل للشهرستاني ١ : ١٨ ٢١ .

( ٣ ) التحريم : ٤ .

٤٢٧

كلّها للّه تعالى . قال : يا هذا ما سنّك ؟ قال : عظم . قال : ابن كم أنت ؟ قال: ابن اثنين :

رجل و امرأة . قال : كم أتى عليك ؟ قال : لو أتى علي شي‏ء لقتلني . قال : فكيف أقول ؟ قال : تقول : كم مضى من عمرك ؟

« و لكن حاججهم بالسنّة ، فإنّهم لن يجدوا عنها محيصا » قال ابن أبي الحديد ١ لم يعمل ابن عباس بما أوصاه فلم يحاجّهم بالسنّة بل بالقرآن ،

و لذلك لم يرجعوا .

قلت : بل حاجّهم بالكتاب و السنة كما عرفت من رواياته ، بل حاجّهم مرّتين : في أوّل خروجهم إلى حروراء ، و بعد رجوعهم و خروجهم ثانيا ، كما يظهر من خبر المبرد الثاني ، بل قال المبرّد ٢ : إنّه عليه السّلام بعثه إلى خوارج النخيلة أيضا بعد النهروان و قالوا له : إذا كان عليّ على حق لم يشكّ و حكم مضطرا ،

فما باله حيث ظفر في الجمل لم يسب ؟ فقال لهم ابن عباس : سمعتم الجواب في التحكيم ، فأمّا قولكم في السباء ، أفكنتم سابين امّكم عايشة ؟ فوضعوا أصابعهم في آذانهم و قالوا أمسك عنّا غرّب لسانك يا بن عباس ، فإنّه طلق زلق غوّاص على موضع الحجة . و حاجّهم بالسنّة بتعليم أمير المؤمنين عليه السّلام له في تحكيم النبيّ صلّى اللّه عليه و آله سعد بن معاذ يوم بني قريظة ، و غير ذلك ممّا مرّ في تلك الأخبار .

قال ابن أبي الحديد ٣ إن قيل ما السنّة التي أمر عليه السّلام ابن عباس أن يحاجّ الخوارج ؟ قلت : كان له عليه السّلام في ذلك غرض صحيح و إليه أشار و حوله كان يطوف و يحرم ، و ذلك أنّه أراد أن يقول لهم : قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « علي مع الحقّ

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧٦ .

( ٢ ) المبرد ٢ : ١٩٤ .

( ٣ ) شرح ابن أبي الحديد ١٨ : ٧٢ ٧٣ .

٤٢٨

و الحقّ مع عليّ يدور معه حيثما دار » ، و قوله عليه السّلام : « اللهم وال من والاه ، و عاد من عاداه ، و انصر من نصره ، و اخذل من خذله » و نحو ذلك من الأخبار التي كانت الصحابة قد سمعتها من فلق فيه صلّى اللّه عليه و آله و قد بقي ممّن سمعها جماعة تقوم بهم الحجة و تثبت بنقلهم ، و لو احتجّ بها على الخوارج في أنّه لا يحل مخالفته و العدول عنه بحال لحصل من ذلك غرض أمير المؤمنين عليه السّلام في محاجّتهم ، و أغراض اخرى أرفع و أعلا منهم ، فلم يقع بموجب ما أراد و قضى عليهم بالحرب حتى أكلتهم عن آخرهم . . . و كان أمر اللّه مفعولا ١ .

قلت : لو كان عليه السّلام حاجّهم بأقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه لصار أمر صديقهم و فاروقهم باطلا ، كما أنّ محمد بن أبي بكر لمّا حاج معاوية بذلك ناقضه معاوية بذلك .

و لم يدر الإنسان أيّ شي‏ء يقول في مثل هذه الامور ؟

ألم يكن أمير المؤمنين عليه السّلام أتمّ الحجّة عليهم بنفسه : بأنّى ما حكّمت الرجال بل حكّمت القرآن ، و لكنّ القرآن خط مسطور لا ينطق ، ينطق عنه الرجال ، فان حكما بما فيه يقبل و إلاّ فيضرب حكمهما على رأسهما ، و لم يجعلا حكما مطلقا يحكمان بما يريدان ، و أنّه و إن تبيّن للخوارج كما كان متبيّنا له عليه السّلام و لعار في أصحابه أنّه كان مكيدة إلاّ أنّه لمّا كان كتب كتاب عهد وجب العمل به بمقتضى الكتاب و السنّة ، بل وجوب الوفاء بالعهد يحكم به العقل ،

و كان جميع ملل الدنيا عملهم عليه ؟

ثم أيّ شي‏ء تصوّروا في قول معاوية لمّا أمر برفع المصاحف :

« بيننا و بينكم كتاب اللّه » ؟

أ لم يعرفوا أنّ كتاب اللّه يقول في قوله تعالى : . . . فقاتلوا التي تبغي حتى

ــــــــــــ

( ١ ) الأحزاب : ٣٧ .

٤٢٩

تفي‏ء إلى امر اللّه . . . ١ بوجوب قتال معاوية حتى يفي‏ء إلى أمر اللّه و يصير تسليما لأمير المؤمنين عليه السّلام كما قالوا ذلك لمّا أنكروا الحكمية ؟

ألم يعلموا أنّ معاوية من الفئة الباغية مع قول النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : « عمّار تقتله الفئة الباغية » و قد كان قتل قبيل رفع المصاحف ؟

و كيف هم لم يتفطّنوا و قد تفطّن كثير من أهل الشام ، إلاّ أغبياء قال لهم معاوية : « إنّا ما قتلناه و إنّما قتله عليّ الذي جاء به لحربنا » ؟ و لحق به عليه السّلام بعضهم كعبد اللّه بن عمر العنسي لذلك ، و قال :

قد كنت أسمع و الأنباء شائعة

هذا الحديث فقلت : الكذب و الزور

حتى تلقّيته من أهل عيبته

فاليوم أرجع و المغرور مغرور

و اليوم أبرأ من عمرو و شيعته

و من معاوية المحدو به العير

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان عدو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ، و قاتله حتى صار أسيرا فجعله من الطلقاء ؟

أ لم يعلموا أنّ معاوية كان لعين النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في غير موطن ، و أنّه كان مظهر كلّ كفر و فجور ؟

أ لم يعلموا أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان المتصدي لجميع حروب النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و شريكه في شدائده في سبيل الإسلام ، و أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله كان يجعله بمنزلة نفسه ، و أنّه كان مظهر الإيمان و العدالة و الورع و التقوى ، و أنّه كان أعلم الناس بالكتاب و السنة و شريعة الإسلام باجماع الامّة حتى من صدّيقهم و فاروقهم ؟

و أ لم يكن من العجب ألاّ يقبلوا منه عليه السّلام حكمية ابن عباس و الأشتر و الأحنف ، و يجبروه على أبي موسى ، و يقبلوا من معاوية حكمية عمرو ؟

ــــــــــــ

( ١ ) الحجرات : ٩ .

٤٣٠

ثم من أين أنّهم لم يكونوا سمعوا ما قاله النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه ؟ بل رأوا ورووا جميع ذلك ، إلاّ أنّ تقدّم الرجلين عليه جعل جميع أقوال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيه نسيا ،

منسيا روى محمد بن يعقوب في روضته ١ مسندا : أنّ عبد اللّه بن نافع الأزرق كان يقول : لو أنّي علمت أنّ بين قطريها أحدا تبلغني إليه المطايا ،

يخصمني : أنّ عليّا قتل أهل النهروان و هو لهم غير ظالم ، لرحلت إليه . فقيل له:

و لا ولده ؟ فقال : أ في ولده عالم ؟ فقيل له : هذا أوّل جهلك ، أو هم يخلون من عالم ؟ قال : فمن عالمهم اليوم ؟ قيل : محمد بن علي بن الحسين بن علي . فرحل إليه في صناديد أصحابه حتى أتى المدينة فاستأذن عليه عليه السّلام ، و بعث أبو جعفر عليه السّلام إلى جميع أبناء المهاجرين و الأنصار فجمعهم ، ثم خرج في ثوبين ممغرين كأنّه فلقة قمر و أقبل على الناس و قال بعد الحمد و الثناء : يا معشر أبناء المهاجرين و الأنصار من كانت عنده منقبة في عليّ بن أبي طالب صلوات اللّه عليه فليقم و ليحدّث . فقام الناس فسردوا تلك المناقب ، فقال عبد اللّه بن نافع :

أنا أروى لهذه المناقب من هؤلاء : و إنّما أحدث على الكفر بعد تحكيم الحكمين حتى انتهوا في المناقب إلى حديث خيبر : « لاعطين الرّاية غدا رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله ، كرارا غير فرار ، لا يرجع حتى يفتح اللّه على يديه » فقال له أبو جعفر : ما تقول في هذا الحديث ؟ فقال : هو حق لا شك فيه ،

و لكن أحدث الكفر بعد . فقال أبو جعفر عليه السّلام له : ثكلتك امّك أخبرني عن اللّه تعالى : أحبّ عليّا يوم أحبّه و هو يعلم أنّه يقتل أهل النهروان أم لم يعلم ؟ قال ابن نافع : أعد عليّ . فاعاده ، فقال : إنّ قلت : لا ، فقد كفرت . قال : فقل : قد علم . فقال :

قد علم . قال فأحبّه اللّه على أن يعمل بطاعته أو يعمل بمعصيته ؟ فقال : بل بطاعته . فقال : قم مخصوما . فقام ابن نافع و هو يقول : حتّى يتبيّن لكم الخيط

ــــــــــــ

( ١ ) روضة الكافي لمحمّد بن يعقوب ٨ : ٣٤٩ ح ٥٤٨ .

٤٣١

الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ١ اللّه أعلم حيث يجعل رسالته ٢ .

هذا ، و قال عليه السّلام : حاجّوهم بسنة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حتى تغلبوهم . و هم كانوا يريدون منه عليه السّلام سنّة أبي بكر و عمر فلا يقبلها منهم ، و في ( الطبري ) ٣ : لمّا خرجت الخوارج من الكوفة أتى عليا عليه السّلام أصحابه و شيعته فبايعوه و قالوا:

نحن أولياء من واليت و أعداء من عاديت . فشرط لهم فيه سنّة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ،

فجاءه ربيعة بن أبي شداد الخثعمي و كان شهد معه الجمل و صفين و معه راية خثعم فقال له بايع على كتاب اللّه و سنة رسوله صلّى اللّه عليه و آله . فقال ربيعة : على سنّة أبي بكر و عمر . فقل له عليّ عليه السّلام : ويلك لو أنّ أبا بكر و عمر عملا بغير كتاب اللّه و سنّة رسوله صلّى اللّه عليه و آله لم يكونا على شي‏ء من الحق . فبايعه ربيعة و نظر إليه عليّ عليه السّلام فقال : اما و اللّه لكأنّي بك و قد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت و كأنّي بك و قد وطئتك الخيل بحوافرها . فقتل يوم النهر . . . .

و كان إخواننا السنّة يحاجّون الخوارج في احداث عثمان بعدم جناح فيها بسنة أبي بكر و عمر فيغلبونهم بذلك ، قال مصعب الزبيري في ( نسب قريشه ) : قال هشام بن عروة : قال عبد اللّه بن الزبير : لقيني ناس ممّن كان يطعن على عثمان ممّن يرى رأي الخوارج ، فراجعوني في رأيهم و حاجّوني بالقرآن ، فو اللّه ما قمت معهم و لا قعدت ، فرجعت إلى الزبير منكسرا فذكرت ذلك له فقال : إنّ القرآن تأوّله كلّ قوم على رأيهم و حملوه عليه ، و لعمر اللّه إنّ القرآن لمعتدل مستقيم و ما التقصير إلاّ من قبلهم ، و من طعنوا عليه من الناس فإنّهم لا يطعنون في أبي بكر و عمر ، فخذهم بسنّتهما و سيرتهما . قال عبد اللّه :

ــــــــــــ

( ١ ) البقرة : ١٨٧ .

( ٢ ) الأنعام : ١٢٤ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٧٦ .

٤٣٢

فكأنّما أيقظني بذلك ، فلقيتهم فحاججتهم بسنن أبي بكر ، فلمّا أخذتهم بذلك قهرتهم ، و ضعف قولهم حتى كأنهم صبيان يمغثون . . . .

و غرهم في دينهم ما كانوا يفترون ١ ، فذرهم في غمرتهم حتى حين ٢ فإخواننا ينكرون الامور الفطرية و القواعد العقلية ، فكون أحداث عثمان امورا منكرة فطري كل موحد و ملحد ، و بطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم ، فعليهم أن يقولوا ببطلان سنّة صدّيقهم و فاروقهم لبطلان سنّة ذي نوريهم ، لا أن يجعلوا سنّة ذي نوريهم حقّا بسنة صديقهم و فاروقهم فمن أعمال ذي نوريهم : نفي أبي ذر و كسر ضلع عمار ، و قد قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فيهما : أمرني اللّه تعالى بحبّهما ، و أنّ الجنة لمشتاقة إليهما .

و تولية الوليد الذي صلّى الصبح بالناس سكران أربعا و تغنى .

و تولية ابن أبي سرح الذي أهدر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله دمه .

و ردّه الحكم الذي نفاه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و أمره بقتل جمع من المؤمنين حتى أجمع المهاجرون و الأنصار على قتله ، و حتى إنّ أمير المؤمنين اباح قتله ، فلمّا قال شرحبيل الذي أرسله معاوية إليه عليه السّلام له : أتشهد أنّ عثمان قتل مظلوما ؟ فقال : لا أشهد . فقال شرحبيل : فمن لم يزعم أنّ عثمان قتل مظلوما فنحن منه برآء و انصرف فقال عليه السّلام : انك لا تسمع الموتى و لا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين و ما أنت بهادي العُمي عن ضلالتهم ان تسمع إلاّ من يؤمن باياتنا فهم مسلمون ٣ . و حتى قال هاشم بن عتبة المرقال للشامي الذي قال له: « إنّ

ــــــــــــ

( ١ ) آل عمران : ٢٤ .

( ٢ ) المؤمنون : ٥٤ .

( ٣ ) النمل : ٨٠ ٨١ .

٤٣٣

صاحبكم قتل خليفتنا » ما أنت و ابن عفان ؟ إنّما قتله أصحاب محمّد و أبناء أصحابه و قرّاء الناس ، حين احدث الأحداث و خالف حكم الكتاب . و حتى إنّ عمّارا لمّا قال له عمرو بن العاص : « لم قتلتم عثمان » قال : لأنّه أراد أن يغيّر ديننا ، و أنّ اللّه قتله و عليّ معه . و عمر يعرف عثمان حتى قال له : كأنّي أراك تولّي بني أبيك على رقاب الناس حتى يضطرّ الناس إلى ضرب رقبتك . و مع ذلك دبّر الأمر له بجعل صهره ابن عوف حكما من الستة هذا و السنّة و إن كانت أوضح من الكتاب ، إلاّ أنّه لمّا كان ما بيّن فيها محدودا مثل ما بيّن في ظاهر الكتاب كانا غير كافيين في رفع اختلاف الناس ،

فكان واجبا على اللّه الحكيم أن يجعل معهما للناس حجة يكون كالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله ذا اتصال به تعالى ، لا يقول ما يقول إلاّ عنه تعالى ، و أن يجعل عليه دلالة و آية ،

قال يونس بن يعقوب كما في ( الكافي ) ١ كنت عند أبي عبد اللّه عليه السّلام فورد عليه رجل من أهل الشام و قال له عليه السّلام : إنّي رجل صاحب كلام و فقه و فرائض و قد جئت لمناظرة أصحابك . فقال عليه السّلام : كلّم هذا الغلام يعني هشام بن الحكم . فقال له : يا غلام سلني في امامة هذا يعني أبا عبد اللّه عليه السّلام : فغضب هشام حتى ارتعد ، ثمّ قال له : أخبرني يا هذا أربّك أنظر لخلقه أم هم لأنفسهم ؟

فقال : بل ربي أنظر لخلقه . قال : ففعل بنظره لهم في دينهم ماذا ؟ قال : كلّفهم و أقام لهم حجة و دليلا على ما كلّفهم ، و أزاح في ذلك عللهم . فقال له هشام : فما هذا الدليل الذي نصبه لهم ؟ قال : هو النبيّ صلّى اللّه عليه و آله . قال : فمن بعده ؟ قال : الكتاب و السنّة . قال : فهل ينفعنا اليوم الكتاب و السنّة في ما اختلفنا فيه ، حتى يرفع عنّا الاختلاف و يمكّننا من الإتفاق ؟ قال : نعم . قال : فلم اختلفنا نحن و أنت و جئتنا من الشام تخالفنا ، و تزعم أنّ الرأي طريق الدين و أنت تقرّ بأنّ الرأي لا يجمع

ــــــــــــ

( ١ ) الكافي ١ : ١٧١ ح ٤ .

٤٣٤

المختلفين على القول الواحد ؟ فسكت كالمفكر فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام: مالك لا تتكلم ؟ قال : إن قلت : إنّا ما اختلفنا كابرت ، و إن قلت : إنّ الكتاب و السنّة يرفعان الإختلاف أبطلت لانّهما يحتملان الوجوه ، و لكن لي عليه مثل ذلك . فقال عليه السّلام له : سله تجده مليا . فقال الشامي لهشام : من أنظر للخلق ربهم أم أنفسهم ؟ قال هشام : بل ربّهم . فقال : فهل أقام لهم من يجمع كلمتهم و يرفع اختلافهم و يبيّن لهم حقهم من باطلهم ؟ قال : نعم . قال : من هو ؟ قال : أمّا في ابتداء الشريعة فالنبي ، و أمّا بعد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فغيره . قال : و من غيره ؟ قال : في وقتنا هذا أم قبله؟

قال : بل في وقتنا هذا . قال هشام : هذا الجالس يعني أبا عبد اللّه الذي يشدّ إليه الرحال و يخبرنا بأخبار السماء وراثة عن أب و جد . قال الشامي : و كيف لي بعلم ذلك ؟ قال : سله عمّا بدا لك . قال الشامي : قطعت عذري فعليّ السؤال . قال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : أنا أكفيك المسألة يا شامي ، اخبرك عن مسيرك و سفرك :

خرجت يوم كذا و كان طريقك كذا و مررت على كذا و مرّ بك كذا . و أقبل الشامي كلما وصف عليه السّلام له شيئا من أمره يقول : صدقت و اللّه . ثم قال الشامي : أسلمت للّه الساعة . فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : بل آمنت به الساعة ، إنّ الإسلام قبل الإيمان و عليه يتوارثون و يتناكحون ، و على الإيمان يثابون . قال الشامي : صدقت ، فأنا الساعة أشهد ألاّ إله إلاّ اللّه و أنّ محمدا صلّى اللّه عليه و آله رسوله و أنّك وصيّ الأوصياء .

١٠

من الخطبة ( ١٩٠ ) أَلاَ وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اَللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ اَلنَّكْثِ وَ اَلْفَسَادِ فِي اَلْأَرْضِ فَأَمَّا ؟ اَلنَّاكِثُونَ ؟ فَقَدْ قَاتَلْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْقَاسِطُونَ ؟ فَقَدْ جَاهَدْتُ وَ أَمَّا ؟ اَلْمَارِقَةُ ؟ فَقَدْ دَوَّخْتُ وَ أَمَّا شَيْطَانُ اَلرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ وَ بَقِيَتْ بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ اَلْبَغْيِ وَ لَئِنْ أَذِنَ اَللَّهُ فِي اَلْكَرَّةِ

٤٣٥

عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلاَّ مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ اَلْبِلاَدِ تَشَذُّراً « ألا و قد أمرني اللّه » في قوله تعالى : يا أيّها النبي جاهد الكفار و المنافقين و أغلظ عليهم و مأواهم جهنّم و بئس المصير ١ ذكره في سورة التوبة و سورة التحريم ، و لم يجاهد النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلاّ الكفّار على تنزيل القرآن ، و حيث إنّه عليه السّلام كان بمنزلة نفس النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمقتضى قوله تعالى : . . . و انفسنا . . . ٢ لا بد أنّه عليه السّلام كان المكلف بجهاد المنافقين على تأويل القرآن .

و يشهد له ما رواه ( الاسد ) ٣ . مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : كنّا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله فانقطع شسعه فأخذها عليّ عليه السّلام يصلحه فمضى ، فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله :

إنّ منكم رجلا يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله . فاستشرف لها القوم فقال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : لكنّه خاصف النعل . فجاء فبشّرناه بذلك ، فلم يرفع به رأسا كأنّه شي‏ء قد سمعه من النبيّ صلّى اللّه عليه و آله .

و ما رواه أحمد بن حنبل في ( فضائله ) و الترمذي في ( سننه ) و اللفظ للاول أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال : لينتهين بنو وليعة أو لأبعثن إليهم رجلا كنفسي ،

يمضي فيهم أمري ، يقتل المقاتلة و يسبي الذرية . قال أبو ذر : فما راعني إلاّ برد كفّ عمر من خلفي ، فقال : من تراه يعني ؟ قلت : ما يعنيك و إنّما يعني خاصف النعل على بن أبي طالب إلى أن قال فالتفت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله إلى عليّ عليه السّلام و انتثل بيده و قال : هذا هو هذا هو مرّتين .

و كذلك قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لقريش ففي ( تاريخ بغداد ) ٤ : أنّ سهيل بن عمرو لمّا قال للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : خرج إليك ناس من أرقائنا فارددهم علينا . و قال : أبو بكر

ــــــــــــ

( ١ ) التوبة : ٧٣ ، و التحريم : ٩ .

( ٢ ) آل عمران : ٦١ .

( ٣ ) الاسد للجزري ٤ : ٣٢ .

( ٤ ) تاريخ بغداد ١ : ١٣٣ .

٤٣٦

و عمر للنبيّ صلّى اللّه عليه و آله : صدق سهيل . قال النبي : لن تنتهوا يا معشر قريش حتى يبعث اللّه عليكم رجلا امتحن اللّه قلبه بالايمان ، يضرب أعناقكم و أنتم مجفلون عنه اجفال النعم . فقال أبو بكر : أنا هو ؟ قال : لا . و قال عمر : أنا هو ؟ قال : لا ، و لكنّه خاصف النعل .

و روى ( التهذيب ) ١ عن حفص بن غياث عن الصادق عليه السّلام : سأل رجل أبي عن حروب أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له : بعث اللّه محمدا صلّى اللّه عليه و آله بخمسة أسياف : ثلاثة منها شاهرة لا تغمد إلى أن قال و أمّا السيف المكفوف فسيف أهل البغي و التأويل ، قال تعالى : و إن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا . . . ٢ فلمّا نزلت قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله : إنّ منكم من يقاتل بعدي على التأويل كما قاتلت على التنزيل . فسئل : من هو ؟ فقال : هو خاصف النعل . يعني أمير المؤمنين عليه السّلام . . . .

« بقتال أهل البغي » و هم معاوية و أصحابه .

« و النّكث » و هم طلحة و الزبير و أصحابهما .

« و الفساد في الأرض » و هم الخوارج يقتلون من يرون : الكبار و الصغار و الرجال و النساء .

و يشهد أيضا لكونه مأمورا من اللّه تعالى بقتال الفرق الثلاث ما رواه الكنجي الشافعي مسندا عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لامّ سلمة : هذا عليّ بن أبي طالب لحمه من لحمي و دمه من دمي ، و هو منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي ، يا امّ سلمة هذا عليّ أمير المؤمنين و سيد المرسلين و وعاء علمي و وصيي و بابي الذي اوتى منه و أخي في الدنيا و الآخرة و معي في المقام إلاّ على ، يقتل الناكثين و القاسطين و المارقين .

ــــــــــــ

( ١ ) التهذيب ٦ : ١٣٦ .

( ٢ ) الحجرات : ٩ .

٤٣٧

و روى ( الاسد ) ١ عن علي بن ربيعة قال : سمعت عليّا على منبركم هذا يقول: عهد إليّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين .

قال ابن أبي الحديد ٢ : ثبت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّه قال له عليه السّلام: ستقاتل بعدي الناكثين و القاسطين و المارقين .

قلت : و كذلك ثبت أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لشيعته : إنّهم يقاتلون معه عليه السّلام الفرق الثلاث ، كأبي أيوب الأنصاري و عمّار و أبي سعيد الخدري ، روى الكنجي الشافعي في ( مناقبه ) مسندا عن أبي سعيد الخدري قال : أمرنا النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بقتال الناكثين و القاسطين و المارقين فقلنا له صلّى اللّه عليه و آله : أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من ؟ قال : مع عليّ بن أبي طالب ، معه يقتل عمّار .

و رواه الجزري في ( اسده ) ٣ .

و روى هو و ابن ديزيل في ( صفينه ) مسندا عن مخنف بن سليم قال :

قدم علينا أبو أيوب الأنصاري فنزل ضيعتنا يعلف خيلا له ، فأتيناه فاهدينا له و قعدنا عنده فقلنا : يا أبا أيوب قاتلت المشركين بسيفك هذا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ثم جئت تقاتل المسلمين ؟ فقال : إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أمرني بقتال القاسطين و المارقين و الناكثين ، فقد قاتلت الناكثين و قاتلت القاسطين ، و أنا مقاتل إن شاء اللّه المارقين بالسعفات بالطرفات بالنهروات ، و ما أدري أين هي ؟

و في ( صفين نصر ) ٤ في حديث جمع ذي الكلاع بين عمّار و عمرو بن العاص ، لأنّه سمع عمرا في إمارة عمر : أنّ عمّارا تقتله الفئة الباغية فقال عمرو لعمّار : علام تقاتلنا ، أو لسنا نعبد إلها واحدا ؟ فقال له عمّار : ساخبرك

ــــــــــــ

( ١ ) اسد الغابة ٤ : ٣٣ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

( ٣ ) الاسد للجزري ٤ : ٣٣ .

( ٤ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٣٣٨ .

٤٣٨

علام اقاتلك : أمرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أن اقاتل الناكثين فقد فعلت و أمرني أن اقاتل القاسطين فأنتم هم ، و أمّا المارقون فما أدري أدركهم أم لا ؟ ألم تعلم أيها الأبتر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال لعليّ عليه السّلام : « من كنت مولاه فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه » ؟ و أنا مولى اللّه و رسوله ، و عليّ بعده و ليس لك مولى . . . .

قال ابن أبي الحديد ١ : قال تعالى في الناكثين : . . . و من نكث فإنّما ينكث على نفسه . . . ٢ أو في القاسطين : و أمّا القاسطون فكانوا لجهنم حطبا ٣ .

و قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله في المارقين : يخرج من ضئضي هذا قوم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ينظر أحدكم في النصل فلا يجد شيئا ،

فينظر في الفوق فلا يجد شيئا . و هذا الخبر من اعلام نبوته صلّى اللّه عليه و آله و من اخباره المفصلة بالغيوب .

قلت : و كذا خبر كلاب الحوأب في الناكثين ، و خبر قتل عمار في القاسطين من اعلام نبوة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و الكلّ من أعلام إمامة أمير المؤمنين عليه السّلام أيضا ، و لم يذكر النبيّ صلّى اللّه عليه و آله لأحد من المتقدّمين على أمير المؤمنين عليه السّلام شيئا ، مع وقوع فتوح كثيرة منهم و قتالهم مع الكفار ، و إنّما قال إجمالا إنّ امّته تفتح فارس و الروم ، حتى ظن عمر أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يفتتحها بنفسه ، فاستند في منعه النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عن الوصية بأنّه قال لنا : يفتح فارس و الروم ، و ما فتحهما بعد ، فروى كاتب الواقدي في ( طبقاته ) عن الواقدي عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمه عن ابن عباس : أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قال في مرضه الذي مات فيه : إيتوني بدواة و صحيفة

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

( ٢ ) الفتح : ١٠ .

( ٣ ) الجنّ : ١٥ .

٤٣٩

أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده أبدا . فقال عمر : من لفلانة و فلانة مدائن الروم إنّ النبي ليس بميت حتى نفتتحها ، و لو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو اسرائيل موسى . . . .

« فأمّا الناكثون فقد قاتلت » و في ( الطبري ) ١ عن ابن أبي يعقوب : قتل عليّ عليه السّلام يوم الجمل ألفين و خمسمائة : من الأزد ألف و ثلاثمائة و خمسون ،

و من بني ضبّة ثمانمائة ، و من ساير الناس ثلاثمائة و خمسون .

« و أمّا القاسطون فقد جاهدت » في ( صفين نصر ) ٢ عن جابر الأنصاري قال : و اللّه لكأنّي أسمع عليّا يوم الهرير يقول : حتى متى نخلّي بين هذين الحيين أي : مذحج من أصحابه و الأشعريين من أصحاب معويه قد فنيا و أنتم وقوف تنظرون إليهم ، أما تخافون مقت اللّه إلى أن قال قال جابر : لا و الذي بعث محمّدا صلّى اللّه عليه و آله بالحق نبيا ، ما سمعنا برئيس قوم منذ خلق اللّه السماوات و الأرض أصاب بيده في يوم واحد ما أصاب عليه السّلام ، إنّه قتل في ما ذكر العادّون زيادة على خمسمائة من أعلام العرب يخرج بسيفه منحنيا فيقول :

« معذرة إلى اللّه تعالى و إليكم من هذا ، لقد هممت أن أفلقه و لكن حجزني عنه أنّي سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول كثيرا :

لا سيف إلاّ ذو الفقار

و لا فتى إلاّ عليّ

و أنا اقاتل به دونه » فكنا نأخذه فنقومه ، ثم يتناوله من أيدينا فيقتحم به في عرض الصف . . . .

« و أمّا المارقة فقد دوّخت » أي : ذللتها ، في ( الطبري ) ٣ زحف الخوارج و هم

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٤ : ٥٤٥ .

( ٢ ) صفين لنصر بن مزاحم : ٤٧٧ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٦ .

٤٤٠

ألفان و ثمانمائة إلى عليّ عليه السّلام إلى أن قال فو اللّه ما لبثوا الرجال أن أناموهم ،

ثم إنّ صاحب خيلهم لمّا رأى الهلاك نادى أصحابه : أن انزلوا . فذهبوا لينزلوا فلم يتقاروا حتى اهمدوا في الساعة .

« و أمّا شيطان الردهة » قال الجزري في ( نهايته ) ١ : في حديث عليّ عليه السّلام ذكر ذا الثدية فقال : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » الردهة : النّقرة في الجبل يستنقع فيها الماء ، و قيل : قلّة الرابية . و في حديثه : « و أمّا شيطان الردهة فقد كفيته بصيحة سمعت لها وجيب قلبه » قيل : أراد به معاوية لمّا انهزم . . . و هو كما ترى.

و في ( المعجم ) ٢ في ( ابن داب ) : قال مصعب الزبيري : شيطان الردهة وضعه ابن داب ، و هو ذو الثدية في ما زعم . قال : جاءت امّه تستسقي ماء فوقع بها شيطان فحملته فولدته . . . .

و الظاهر أنّ المصعب أشار إلى الخبر الأوّل : « شيطان الردهة يحتدره رجل من بجيلة » .

هذا ، و يقال لنوشيروان الضرير البغدادي : شيطان العراق . و هو الذي قال :

تبّا لشيطاني و ما سولا

لا انزلني اربلا

ثم قال :

قد تاب شيطاني و قد قال لي

لاعدت أهجو بعدها اربلا

« فقد كفيته » في ( ايضاح الفضل بن شاذان ) ٣ : و رويتم عن أبي خالد

ــــــــــــ

( ١ ) النهاية للجزري ٢ : ٢٦٦ .

( ٢ ) المعجم ١٦ : ١٦٢ ، في عين بن يزيد .

( ٣ ) الإيضاح لابن شاذان : ٤٢ .

٤٤١

الأحمر عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عايشة قالت : لعن اللّه عمرو بن العاص ما أكذبه لقوله : إنّه قتل ذا الثدية بمصر قلت : و الظاهر أنّها قالته لمّا أخبرها أصحابه عليه السّلام بعد رجوعهم من النهروان كيفية طلبه عليه السّلام لذي الثدية في القتلى ، كما يأتي في الخبر السادس و السابع من أخبار الخطيب العشرة .

هذا و روى ( ذيل الطبري ) ١ : أنّ الشياطين تحدّرت على النبيّ صلّى اللّه عليه و آله من الجبال و الأودية ، و فيهم شيطان معه شعلة نار يريد أن يحرق النبيّ صلّى اللّه عليه و آله ففزع و جاءه جبرئيل فقال له : قل أعوذ بكلمات اللّه التي لا يجاوزهن برّ و لا فاجر من شرّ ما خلق و برأ و ذرأ ، و من شرّ ما ينزل من السماء ، و من شرّ ما يعرج فيها ،

و من شرّ ما ذرأ في الأرض ، و من شرّ ما يخرج منها ، و من شرّ فتن الليل و النهار ، و من شرّ كلّ طارق إلاّ طارقا يطرق بخير يا رحمان . فطفئت نار الشياطين و هزمهم اللّه.

« بصعقة » في ( النهاية ) : الصعق : الغشوة من صوت شديد و ربما مات منه ، ثم استعمل في الموت كثيرا .

« سمعت لها وجبة » أي : اضطراب .

« قلبه و رجّة » أي : اضطراب .

« صدره » .

قال ابن أبي الحديد ٢ شيطان الردهة : قال قوم : إنّه ذو الثدية صاحب النهروان ، و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقولون : إنّ ذا الثدية لم يقتل بسيف و لكنّ اللّه رماه يوم النهروان بصاعقة . و قال قوم : إنّه أحد الأبالسة

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ١١ : ٥٩٢ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١٧ : ١٨٣ .

٤٤٢

المردة من أعوان إبليس . و رووا في ذلك خبرا عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و أنّه كان يتعوذ منه . و قال قوم : إنّه مارد يتصور في صورة حيّة و يكون في الردهة ، و إنّما أخذوا هذا من لفظ الشيطان لأنّ الشيطان الحيّة ، و منه قولهم : « شيطان الحماطة » و الحماطة : شجرة مخصوصة ، و يقال : إنّها كثيرة الحيّات .

قلت : الصحيح إرادته عليه السّلام ذا الثدية و قد وردت فيه روايات :

الاولى : ما رواه الخطيب في أبي سليمان المرعشي مسندا عنه قال : لمّا سار عليّ عليه السّلام إلى النهر سرت معه ، فلمّا نزلنا بحضرتهم أخذني غمّ لقتالهم لا يعلمه إلاّ اللّه حتى سقطت في الماء إلى أن قال ثم حملوا الثالثة حتى ظن الناس أنّها الهزيمة فقال عليّ عليه السّلام : و الذي فلق الحبة و برأ النّسمة لا يقتلون منكم عشرة و لا يبقى منهم عشرة . فلمّا سمع الناس ذلك حملوا عليهم فقتلوا ،

فقال : إنّ فيهم رجلا مخدج اليد أو مودن اليد فاتي به فقال عليه السّلام : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال : من رأى منكم هذا ؟ فاسكت القوم ، ثم قال من رأى منكم هذا ؟ فقال رجل منهم : رأيته جاء لكذا و كذا . قال : كذبت ما رأيته ،

و لكنّ هذا أمير خارجة خرجت من الجن .

الثانية : و روى الخطيب في أبي مؤمن الوائلي مسندا عنه قال : سمعت عليا عليه السّلام حين قتل الحرورية يقول : انظروا فيهم رجلا كأنّ ثدييه ثدي المرأة ،

أخبرني النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أنّي صاحبه . فقلبوا القتلى فلم يجدوه إلى أن قال فقالوا :

سبعة منهم لم نقلبهم . فأتوهم فقلبوهم فوجدوه ، قال أبو المؤمن : فرأيته حين جاؤوا به يجروّنه في رجله حبل ، فرأيت عليّا عليه السّلام حين جاؤوا به خرّ ساجدا .

الثالثة : و روى الخطيب أيضا في أبي كثير مولى الأنصار مسندا عنه قال : كنت مع سيدي مع عليّ عليه السّلام حين قتل أهل النهروان ، فكأنّ الناس وجدوا في أنفسهم عليه من قتلهم ، فقال عليه السّلام : أيّها الناس إنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله قد حدّثنا

٤٤٣

بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ثم لا يرجعون فيه حتى يرجع السهم على فوقه ، و أنّ آية ذلك أنّ فيهم رجلا أسود مخدج اليد ، إحدى يديه كثدي المرأة ، بها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، حوله سبع هلبات ، فالتمسوه فإنّي أراه فيهم . فالتمسوه فوجدوه في شفير النهر تحت القتلى ، فأخرجوه فكبّر عليّ عليه السّلام و قال : صدق اللّه و رسوله . و كان عليه السّلام متقلّدا قوسا عربية فأخذها بيده ، و جعل يطعن بها في مخدجته ، و كبّر الناس حين رأوه و استبشروا ، و ذهب عنهم ما كانوا يجدون .

الرابعة : و روى ١ في كثير أبي الحسن البجلي الأحمسي مسندا عنه قال : لمّا قتل عليّ عليه السّلام أهل النهروان خطب فقال : ألا إنّ الصادق المصدّق صلّى اللّه عليه و آله حدّثني أنّ هؤلاء القوم يقولون الحق بأفواههم لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، ألا و إنّ علامتهم ذو الخداجة . فطلبه الناس فلم يجدوا شيئا فقال : عودوا فإنّي و اللّه ما كذبت . و لا كذبت فعادوا فجي‏ء به حتى القي بين يديه ، فنظرت إليه و في يديه شعرات سود .

الخامسة : و روى ٢ في عباد بن نسيب أبي الوضي‏ء مسندا عنه قال :

شهدت عليا عليه السّلام يوم النهروان و هو يقول : اطلبوا المخدج فو اللّه ما كذبت و لا كذبت . و رواه ابن طلحة الشافعي عن مسند أبي داود زاد : قال أبو الوضي‏ء :

فكأنّي أنظر إلى المخدج : حبشي عليه قريطق ، إحدى يديه مثل ثدي المرأة ،

عليها شعرات مثل ذنب اليربوع .

السادسة : و روى ٣ في عبد اللّه بن شدّاد بن الهاد مسندا : أنّ عبد اللّه دخل

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١٢ : ٤٨٠ .

( ٢ ) الخطيب ١١ : ١٠١ .

( ٣ ) الخطيب ٩ : ٤٧٤ .

٤٤٤

على عايشة مرجعه من العراق ، ليالي قتل عليّ عليه السّلام فقالت له : هل أنت صادقي عما اسألك ؟ ما شي‏ء بلغني عن أهل العراق يقولون : ذو الثدي ذو الثدي ، هل رأيته و قمت مع عليّ عليه في القتلى ؟ إلى أن قال فدعا عليّ عليه السّلام الناس فقال :

أتعرفون هذا ؟ فما أكثر من جاء يقول : قد رأيته في مسجد بني فلان يصلي .

و لم يأتوا فيه بثبت يعرف إلاّ ذاك الخبر و في النسخة سقط .

السابعة : و روى ١ في أبي قتادة الأنصاري : أنّ عليّا عليه السّلام لمّا فرغ من قتال النهروان قفل أبو قتادة و معه ستون أو سبعون من الأنصار ، فبدأ بعايشة فقالت له : ما رواءك ؟ فقال لها : لمّا تفرقت المحكمة من عسكره عليه السّلام لحقناهم فقتلناهم إلى أن قال فاقمنا ندور على القتلى حتى وقفت بغلة النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و عليّ عليه السّلام راكبها ، فقال : أقلبوا القتلى . فقلبناهم في نهر حتى خرج في آخرهم رجل أسود على كتفه مثل حلمة الثدي ، فقال عليّ عليه السّلام : « اللّه أكبر و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، كنت مع النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و قد قسّم فيئا ، فجاء هذا فقال : يا محمد اعدل فو اللّه ما عدلت منذ اليوم . فقال : ثكلتك امّك و من يعدل إذا لم أعدل ؟

فقال عمر : إلاّ أقتله ؟ قال : لا ، دعه فإنّ له من يقتله » فقالت عايشة : يا أبا قتادة ما يمنعني ما بيني و بين عليّ أن أقول الحقّ : سمعت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله يقول : تفترق امّتي على فرقتين تمرق بينهما فرقة : محلقون رؤوسهم ، محفّون شواربهم ،

ازرهم إلى أنصاف سوقهم ، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يقتلهم أحبّهم إليّ و أحبهم إلى اللّه تعالى . قال أبو قتادة : فقلت : يا ام المؤمنين فأنت تعلمين هذا ، فلم كان الذي كان منك ؟ قالت : و كان أمر اللّه قدرا مقدورا و للقدر أسباب .

الثامنة : و روى ٢ في ابن عباس مسندا عنه قال : لمّا اصيب أهل

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١ : ١٦٠ .

( ٢ ) الخطيب ١ : ١٧٤ .

٤٤٥

النهروان خرج عليّ عليه السّلام و أنا خلفه فجعل يقول : ويلكم التمسوه يعني :

المخدج فالتمسوه و قالوا : لم نجده . فعرف ذلك في وجهه ، فقال : ويلكم ضعوا عليهم القصب . فجاؤوا به فلمّا رآه خرّ ساجدا .

التاسعة : و روى ١ في أبي جحيفة السوائي مسندا عنه قال : قال عليّ عليه السّلام حين فرغنا من الحرورية : إنّ فيهم رجلا مخدجا ليس في عضده عظم ، عضده حلمة كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف . فالتمسوه فلم يوجد ، و أنا في من يلتمس ، فما رأيت عليّا عليه السّلام جزع جزعا قط أشد من جزعه يومئذ ، فقالوا : ما نجده . قال : ويلكم ما اسم هذا المكان ؟ قالوا : النهروان . قال :

صدق اللّه و رسوله و كذبتم ، إنّه لفيهم فالتمسوه . فالتمسناه في ساقية فنظرت إلى عضده : ليس فيها عظم ، و عليها حلمة كحلمة ثدي المرأة ، عليها شعرات طوال عقاف.

العاشرة : و روى ٢ في عبد اللّه بن خباب مسندا عن أبي الأحوص قال :

كنّا مع عليّ عليه السّلام يوم النهروان فجاءت الحرورية ، فكانت من وراء النهر فقال:

و اللّه لا يقتل اليوم رجل من وراء النهر إلى أن قال فما لبثوا أن قتلهم فقال :

اطلبوا في القوم رجلا يده كثدي المرأة . فطلبوه فقالوا : ما وجدنا . فقال : و اللّه ما كذبت و لا كذبت ، و إنّه لفي القوم . ثلاث مرّات يجيئونه فيقول لهم هذا القول ، ثم قام هو بنفسه فجعل لا يمرّ بقتلى جميعا إلاّ بحثهم ، فلا يجده فيهم حتى انتهى إلى حفرة من الأرض فيها قتلى كثير ، فأمرهم فبحثوا فوجد فيهم .

و روى الطبري ٣ عن عبد الملك بن أبي جرة : أنّ عليا خرج في طلب ذي

ــــــــــــ

( ١ ) الخطيب ١ : ١٩٩ .

( ٢ ) الخطيب ١ : ٢٠٥ .

( ٣ ) تاريخ الطبري ٥ : ٨٨ .

٤٤٦

الثدية و معه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو جبرة و الرّيان بن صبرة بن هودة ، فوجده الريان في حفرة على شاطى‏ء النهر في أربعين أو خمسين قتيلا فلمّا استخرج نظر إلى عضده ، فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود ، فإذا مدّت امتدّت حتى تحاذي طول يده الاخرى ، ثم تترك فتعود إلى منكبه كثدي المرأة . . ..

و روى ١ عن أبي مريم قال : كان عليّ عليه السّلام يحدثنا قبل خروج الحرورية إلى حروراء : أنّ قوما يخرجون من الإسلام ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، علامتهم رجل مخدج اليد . سمعت ذلك مرارا و سمعه نافع المخدج أيضا ، حتى رأيته يتكرّه طعامه من كثرة ما سمعه يقول ، و كان نافع معنا يصلّي في المسجد بالنهار و يبيت فيه بالليل ، و قد كنت كسوته برنسا فلقيته من الغد فسألته : هل كان خرج مع الناس الذين خرجوا إلى حروراء ؟

فقال : خرجت اريدهم حتى إذا بلغت بني سعد ، لقيني صبيان فنزعوا سلاحي و تلعّبوا بي فرجعت ، حتى إذا كان الحول أو نحوه خرج أهل النهر و سار عليّ عليه السّلام إليهم ، فلم أخرج معه و خرج أخي أبو عبد اللّه فأخبرني : أنّ عليّا عليه السّلام سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل إليهم يناشدهم اللّه و يأمرهم أن يرجعوا ، فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله ، فلمّا رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم ، ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخدج فطلبوه . . . .

هذا ، و صريح خبر الخطيب الأول كون ذي الثدية من الجنّ ، و لم يره قبل أحد من الناس ، و هو مفاد خبره السادس ، و لكنّ خبره السابع تضمّن أنّه عليه السّلام قال : إنّه جاء إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله وقت تقسيم في‏ء و قال له : ما عدلت . كما أنّ خبر

ــــــــــــ

( ١ ) تاريخ الطبري ٥ : ٩١ .

٤٤٧

الطبري الثاني تضمّن أنّه كان مع الناس يصلّي في المسجد و اسمه نافع ،

و يمكن حمل الخبر الأخير من الخطيب على أنّه ظهر أيّام النبيّ صلّى اللّه عليه و آله أيضا وقتا ، ثم لم ير بعد . و أمّا خبر الطبري الثاني فغير قابل للحمل ، و رواه ( سنن أبي داود ) ١ مختصرا و قال : و اسمه عند الناس حرقوس .

و روى أيضا عن أبي سعيد الخدري قال : بعث عليّ عليه السّلام إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بذهية في تربتها ، فقسمها بين الأقرع الحنظلي و عيينية الفزاري و زيد الخيل الطائي و علقمة الكلابي ، فغضبت قريش و الأنصار و قالت : يعطي صناديد أهل نجد و يدعنا . فقال : إنّما اتالفهم فأقبل رجل غائر العينين ، مشرف الوجنتين ،

ناتى‏ء الجبين ، كث اللحية ، محلوق فقال : اتق اللّه يا محمّد . فقال : من يطع اللّه إذا عصيته ؟ أيأمنني اللّه على أهل الأرض و لا تأمنوني ؟ فسأل رجل قتله احسبه خالد بن الوليد فمنعه فلمّا ولّى قال : إنّ من ضئضي هذا أو في عقب هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم ، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية ، يقتلون أهل الإسلام و يدعون أهل الاوثان ، لئن أدركتهم قتلتهم قتل عاد .

« و لئن أذن اللّه في الكرة عليهم لاديلن منهم » في ( الصحاح ) : أدالنا اللّه من عدونا ، من الدولة ، و الإدالة : الغلبة .

« إلاّ ما يتشذّر في أطراف البلاد تشذّرا » أي : يتفرّق تفرّقا ، و ليس ( تشذرا ) في نسخة ابن ميثم ٢ .

كتب معاوية بعد قتل عثمان و انتقال الأمر إليه عليه السّلام إلى عبد اللّه بن عامر : و كأنّي بكم يا بني اميّة شعارير كأوراق تقودها الحداة ، أو كرخم

ــــــــــــ

( ١ ) السنن لأبي داود .

( ٢ ) شرح ابن ميثم ٤ : ٣٠٦ .

٤٤٨

الخندمة تذرق خوف العقاب ، فثب الآن قبل أن يستسري الفساد و ندب السوط جديد و الجرح لمّا يندمل ، و من قبل استضراء الأسد و التقاء لحييه على فريسته . و كتب إلى الوليد بن عقبة : فلو قد استتب هذا الأمر لمريده ألفيت كشريد النعام ، يفزع من ظل الطائر ، و عن قليل تشرب الرنق ، و تستشعر الخوف .

و مرّ في ( ٧ ) من الفصل التاسع عنوانان ، و في ( ٨ ) منه عنوان ، و في ( ٩ ) عنوان .

٤٤٩

الفصل الرابع و الثلاثون في ما يتعلق بالغارات

٤٥٠

١

الخطبة ( ٢٥ ) و من خطبة له عليه السّلام و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد ، و قدم عليه عاملاه على اليمن ، و هما عبيد اللّه بن عباس و سعيد بن نمران لمّا غلب عليهما بسر بن أبي أرطاة ،

فقام عليه السّلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد ، و مخالفتهم له في الرأي، فقال :

مَا هِيَ إِلاَّ ؟ اَلْكُوفَةُ ؟ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلاَّ أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اَللَّهُ وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ اَلشَّاعِرِ

لَعَمْرُ أَبِيكَ اَلْخَيْرِ يَا ؟ عَمْرُو ؟ إِنَّنِي

عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا اَلْإِنَاءِ قَلِيلِ

ثُمَّ قَالَ ع أُنْبِئْتُ ؟ بُسْراً ؟ قَدِ اِطَّلَعَ ؟ اَلْيَمَنَ ؟ وَ إِنِّي وَ اَللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلاَءِ اَلْقَوْمَ سَيُدَالُونَ

٤٥١

مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي اَلْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي اَلْبَاطِلِ وَ بِأَدَائِهِمُ اَلْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ وَ بِصَلاَحِهِمْ فِي بِلاَدِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ فَلَوِ اِئْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلاَقَتِهِ اَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي اَللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَمَا يُمَاثُ اَلْمِلْحُ فِي اَلْمَاءِ أَمَا وَ اَللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ ؟ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ ؟

هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ

فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ اَلْحَمِيمِ

ثُمَّ نَزَلَ ع مِنَ اَلْمِنْبَرِ . قال الشّريف : « أقول : الأرمية جمع رميّ ، و هو السحاب ، و الحميم هاهنا : وقت الصّيف ، و إنّما خصّ الشاعر سحاب الصيف بالذّكر لأنّه أشدّ جفولا ، و أسرع خفوفا لأنّه لا ماء فيه ، و إنّما يكون السحاب ثقيل السّير بالماء ، و ذلك لا يكون في الأكثر إلاّ زمان الشّتاء ، و إنّما أراد الشّاعر وصفهم بالسّرعة إذا دعوا ، و الإغاثة إذا استغيثوا ،

و الدليل على ذلك قوله :

( هنالك لو دعوت أتاك منهم )

» . أقول : رواها ( مروج المسعودي ) ١ مع اختلاف ، روى عن المنقري عن عبد العزيز بن الخطاب الكوفي عن فضيل بن مرزوق قال : لمّا غلب بسر على اليمن و كان قتله لا بني عبيد اللّه بن العباس ، و لأهل مكة و المدينة ما كان قام عليّ عليه السّلام خطيبا ثم قال : « إنّ بسر بن أرطاة قد غلب على اليمن ، و اللّه ما أرى هؤلاء القوم إلاّ سيغلبون على ما في أيديكم ، و ما ذلك بحق في أيديهم ، و لكن بطاعتهم و استقامتهم ( لمعاوية ظ ) و معصيتكم لي ، و تناصرهم و تخاذلكم ،

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ١٤٢ .

٤٥٢

و إصلاح بلادهم و إفساد بلادكم ، و تاللّه يا أهل الكوفة لوددت أنّي صرفتكم صرف الدنانير العشرة بواحد ثم رفع يديه فقال اللهم إنّي قد مللتهم و ملّوني و سئمتهم و سئموني فأبدلني بهم خيرا و أبدلهم بي شرّا مني . اللهم عجّل عليهم بالغلام الثقفي الذيال الميال ، يأكل خضراها و يلبس فرواها و يحكم فيها بحكم الجاهلية ، لا يقبل من محسنها و لا يتجاوز عن مسيئها » و ما كان ولد الحجاج يومئذ .

و جعل البلاذري غارة بسر الخامس من غارات معاوية ، و روى عن أبي مخنف باسناده : أنّه عليه السّلام لمّا بلغه خبر بسر صعد المنبر ثم قال : أمّا بعد فإنّي دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، فما زادكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، أما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا أرى إصلاحكم بفساد نفسي . إنّ من ذلّ المسلمين و هلاك هذا الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون قول المصنف : « و من خطبة له عليه السّلام » و له عليه السّلام خطبة اخرى في مسير بسر إلى اليمن ، رواها ( الإرشاد ) ١ فقال : و من كلامه عليه السّلام في استنفار القوم و استبطائهم عن الجهاد ، و قد بلغه مسير بسر إلى اليمن : « أمّا بعد أيّها الناس ،

فإنّ أوّل رفثكم و بدء نقضكم ذهاب اولي النهى و أهل الرأي منكم ، الذين كانوا يلقون فيصدقون ، و يقولون فيعدلون ، و يدعون فيجيبون ، و إنّي و اللّه قد دعوتكم عودا و بدءا و سرا و جهرا ، و في الليل و النهار و الغدو و الآصال ، ما يزيدكم دعائي إلاّ فرارا و إدبارا ، اما ينفعكم العظة و الدعاء إلى الهدى و الحكمة ؟ و إنّي لعالم بما يصلحكم و يقيم أودكم و لكنّي و اللّه لا اصلحكم

ــــــــــــ

( ١ ) الإرشاد : ١٤٥ .

٤٥٣

بفساد نفسي ، و لكن أمهلوني قليلا فكأنّكم و اللّه بامرى‏ء قد جاءكم يحرمكم و يعذبكم ، فيعذّبه اللّه كما يعذبكم إنّ من ذل المسلمين و هلاك الدين أنّ ابن أبي سفيان يدعو الأرذال الأشرار فيجاب ، و أدعوكم و أنتم الأفضلون الأخيار فتراوغون و تدافعون و ما هذا بفعل المتقين » :

و الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت في أوّل مسير بسر و خطبة المتن في آخره .

« و قد تواترت » قال ابن أبي الحديد ١ : عدّه بعضهم من أغلاط الخاصة .

و قال : التواتر لا يكون إلاّ مع فترات ، فقوله تعالى : ثم أرسلنا رسلنا تترى . . . ٢ ليس المراد أنّهم مترادفون ، بل بين كل نبيين فترة لأنّ تترى : من الوتر .

قلت : ممّن قاله الثعالبي ، و ليس كما قال ، ففي خبر نعي محمّد بن أبي بكر إليه عليه السّلام حدثه الفزاري : أنّه لم يخرج من الشام حتى قدمت البشراء من قبل عمرو بن العاص تترى يتبع بعضها بعضا بفتح مصر و قتل محمّد .

و في ( الأغاني ) ٣ قالت زوجة عبيد اللّه بن العباس في ابنيها اللذين قتلهما بسر:

تتابع بين و لولة

و بين مدامع تترى

« عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد » في ( الطبري ) ٤ :

في سنة ( ٣٩ ) كان تفريق معاوية جيوشه في أطراف عليّ عليه السّلام فوجّه النعمان بن بشير في الفين إلى عين التمر ، و بعث سفيان بن عوف في ستة آلاف إلى

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٣ .

( ٢ ) المؤمنون : ٤٤ .

( ٣ ) الأغاني ١٦ : ٢٦٥ .

( ٤ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٣ .

٤٥٤

هيت و الأنبار و المدائن ، و وجّه عبد اللّه بن مسعدة الفزاري في ألف و سبعمائة رجل إلى تيماء ، و وجّه الضحّاك بن قيس إلى واقصة و الأعراب و الثعلبيّة و القطقطانة .

« و قدم عليه عاملاه على اليمن » الأوّل على صنعاء اليمن ، و الثاني على جند اليمن و جند أعظم من صنعاء .

« و هما عبيد اللّه بن عباس » هكذا في ( المصرية ) ١ و الصواب : ( العباس ) كما في ( ابن أبي الحديد ٢ و ابن ميثم ٣ و الخطية ) .

و في ( الإستيعاب ) ٤ : كان عبيد اللّه أصغر من أخيه عبد اللّه بسنة ،

استعمله عليّ عليه السّلام على اليمن و أمّره على الموسم ، فحج بالناس سنة ( ٣٦ ) و ( ٣٧ ) ، و كان أحد الأجواد و كان يقال : من أراد الجمال و الفقه و السخاء فليأت دار العباس . الجمال للفضل و الفقه لعبد اللّه و السخاء لعبيد اللّه ، و عبيد اللّه هو الذي ترك عسكر الحسن عليه السّلام و لحق بمعاوية .

« و سعيد بن نمران » كان سعيد من سبعة من أصحاب حجر نجوا من القتل ، استشفع له إلى معاوية حمزة بن مالك ، لكون كلّ منهما من همدان ،

فوهبه له .

و في ( الطبري ) ٥ : لمّا أقبل الأعور الذي بعثه معاوية لقتل حجر و أصحابه ، قال كريم بن عفيف الخثعمي : حين رأى الأعور يقتل نصفنا و ينجو نصفنا فقال سعيد بن نمران : اللهم اجعلني ممّن ينجو و أنت عنه راض .

ــــــــــــ

( ١ ) المصرية ١ : ٥٩ .

( ٢ ) شرح ابن أبي الحديد ١ : ٣٣٢ .

( ٣ ) شرح ابن ميثم ٢ : ١٦ .

( ٤ ) الإستيعاب ٢ : ٤٣٠ .

( ٥ ) تاريخ الطبري ٥ : ٢٧٤ .

٤٥٥

و في ( الإستيعاب ) ١ : كان سعيد كاتبا لعليّ عليه السّلام .

« لمّا غلب عليهما » هكذا في ( المصرية ) و الصواب : ( عليها ) أي : على اليمن كما في المدرك ( ابن أبي الحديد و ابن ميثم و الخطية ) .

« بسر بن أبي أرطاة » كونه بسر بن أبي أرطاة في ( الطبري ٢ و انساب البلاذري ) . و رواه عن أبي مخنف ، و بعضهم جعله ابن أرطاة .

و روى البلاذري : أنّ بسرا لمّا قتل عمرو بن أراكة خليفة عبيد اللّه بن عباس على اليمن قال أبوه :

لعمري لقد اردى ابن أرطاة فارسا

بصنعاء كالليث الهزبر إلى اجر

و في ( الإستيعاب ) ٣ : بسر بن أرطاة بن أبي أرطاة عويمر بن عمران من عامر بن لؤي .

و فيه ذكر ابن الكلبي في ( صفينه ) : أنّ بسرا بارز عليّا عليه السّلام فطعنه عليّ عليه السّلام فصرعه فكفّ عنه ، كما عرض له عليه السّلام مع عمرو بن العاص .

قال الحارث بن النضر السهمي :

أ في كل يوم فارس ليس ينتهي

و عورته وسط العجاجة باديه

يكف لها عنه على سنانه

و يضحك عنه في الخلاء معاويه

بدت أمس من عمرو فقنّع رأسه

و عورة بسر مثلها حذو حاذيه

فقولا لعمرو ثم بسر ألا انظرا

سبيلكما لا تلقيا الليث ثانيه

و لا تحمدا إلاّ الحيا و خصاكما

هما كانتا و اللّه للنفس واقيه

و إنّما انصرف عليّ عليه السّلام عنهما لأنّه كان يرى في قتال الباغين عليه ألاّ

ــــــــــــ

 ( ١ ) الإستيعاب ٢ : ١٤ .

( ٢ ) تاريخ الطبري ٥ : ١٣٩ .

( ٣ ) الإستيعاب ١ : ١٥٤ .

٤٥٦

يتبع مدبرا ، إلاّ أنّ أبا حنيفة قال : ان انهزم الباغي إلى فئة أتبع و إلى غير فئة لم يتبع .

قلت : لا يدري صاحب ( الإستيعاب ) ما يقول ، فأبو حنيفة و غيره إنّما عرفوا أحكام جهاد الباغين من سيرته عليه السّلام مع أهل الجمل و صفّين ،

فالنبيّ صلّى اللّه عليه و آله لم يبيّن أحكامهم قولا و لا اتّفق له ذلك فعلا ، و إنّما كف عن عمرو بن العاص و بسر بن ارطاة لانّهما كشفا دبرهما ، لا أنّهما أدبرا من الحرب .

و في ( الإستيعاب ) ١ عن أبي مخنف : لمّا توجّه بسر بن أرطاة إلى اليمن هرب عبيد اللّه ، فأتى بسر بابني عبيد اللّه فذبحهما ، فنال امّهما من ذلك أمر عظيم ، فأنشأت تقول:

يا من أحس بابنيّ اللذين هما

سمعي و عقلي فقلبي اليوم مزدهف

حدثت بسرا و ما صدقت ما زعموا

من فعلهم و من الإثم الذي اقترفوا

أنحى على ودجي ابني مرهفة

مشحوذة و كذاك الإثم يقترف

ثم وسوست فكانت تقف في الموسم تنشد هذا الشعر ، و تهيم على وجهها .

و في ( الأغاني ) ٢ قال الاصمعي : و سمع رجل من أهل اليمن و قد قدم مكة امرأة عبيد اللّه تندب ابنيها اللذين قتلهما بسر بن أرطاة بقولها : « يا من أحس . . . » فرقّ لها و اتصل ببسر حتى وثق به ، ثم احتال لقتل ابنيه فخرج بهما إلى وادي أوطاس ، فقتلهما و هرب ، و قال :

يا بسر بسر بني أرطاة ما طلعت

شمس النهار و لا غابت على الناس

خير من الهاشميين الذين همو

عين الهدى و سمام الأسوق القاس

ــــــــــــ

( ١ ) الإستيعاب ١ : ١٥٦ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٧٢ .

٤٥٧

ماذا أردت إلى طفلي مولّهة

تبكى و تنشد من انكلت في الناس

إمّا قتلتهما ظلما فقد شرقت

من صاحبيك قناتي يوم أوطاس

فاشرب بكأسهما ثكلا كما شربت

امّ الصبيين أو ذاق ابن عباس

و في ( المروج ) ١ : كان عليّ عليه السّلام حين اتاه خبر قتل بسر ابني عبيد اللّه دعا على بسر فقال : اللهم اسلبه دينه و عقله . فخرف حتى ذهل عقله و كان لا يفارقه السيف ، فجعل له سيف من خشب ، و جعل في يديه زقّ منفوخ كلمّا تخرّق ابدل ، فلم يزل يضرب ذلك الزقّ بذلك السيف حتى مات ذاهل العقل يلعب بخرئه ، و ربّما كان يتناول ثم يقبل على من يراه فيقول : انظروا كيف يطعمني هذان الغلامان ابنا عبيد اللّه . و كان ربّما شدّت يداه إلى وراء منعا من ذلك ، فأنجى ذات يوم في مكانه ثم أهوى بفيه فتناول منه ، فبادروا إلى منعه فقال : أنتم تمنعونني و عبد الرحمن و قثم ابني عبيد اللّه يطعماني . مات في أيام الوليد بن عبد الملك .

و فيه و في ( الأغاني ) ٢ : دخل عبيد اللّه يوما على معاوية و عنده بسر بن أرطاة ، فقال له عبيد اللّه : أنت قاتل الصبيين ؟ قال : نعم . قال : و اللّه لوددت أنّ الأرض انبتتني عندك يومئذ . فقال له بسر : قد أنبتتك الساعة . فقال عبيد اللّه : ألا سيف ؟ فقال : هاك سيفي . فلمّا أهوى عبيد اللّه إلى السيف ليتناوله قبض معاوية على يد عبيد اللّه قبل أن يقبض على السيف ، ثم أقبل على بسر فقال : أخزاك اللّه من شيخ قد كبرت و ذهل عقلك ، تعمد إلى رجل موتور من بني هاشم فتدفع إليه سيفك ؟ إنّك لغافل عن قلوب بني هاشم ، و اللّه لو تمكن من السيف لبدأ بي قبلك . قال عبيد اللّه : ذلك و اللّه أردت .

ــــــــــــ

( ١ ) مروج الذهب للمسعودي ٣ : ١٧٢ .

( ٢ ) الأغاني ١٦ : ٢٧٢ .

٤٥٨

قال ابن أبي الحديد ١ : إنّ الذي هاج معاوية على تسريح بسر إلى اليمن :

أنّ قوما بصنعاء كانوا من شيعة عثمان يعظّمون قتله ، و لكن لم يكن لهم رأس فبايعوا لعليّ عليه السّلام على ما في أنفسهم ، و عامله عليه السّلام على صنعاء يومئذ عبيد اللّه ، و على الجند سعيد ، فلمّا اختلف الناس عليه بالعراق ، و قتل محمّد بن أبي بكر بمصر ، و كثرت غارات أهل الشام دعوا إلى الطلب بدم عثمان ، فبلغ ذلك عبيد اللّه فأرسل إلى وجوههم فقال : ما الذي بلغني عنكم ؟ قالوا : إنّا لم نزل ننكر قتل عثمان و نرى مجاهدة من سعى عليه . فحبسهم فكتبوا إلى من بالجند من أصحابهم ، فثاروا بسعيد و اخرجوه من الجند و أظهروا أمرهم ، و خرج إليهم من كان بصنعاء و انضمّ إليهم كلّ من كان على رأيهم ، و لحق بهم قوم لم يكونوا على رأيهم لكن ارادوا منع الصدقة ، فالتقى عبيد اللّه و سعيد فقال عبيد اللّه لسعيد : لقد اجتمع هؤلاء و إنّهم لنا لمقاربون ، و إن قاتلناهم لا ندري على من تكون الدبرة ؟ فهلمّ فكتب إلى أمير المؤمنين عليه السّلام بخبرهم فكتبا ذلك ،

فكتب عليه السّلام إليهما :

أتاني كتابكما تذكران خروج هذه الخارجة و تعظّمان من شأنها صغيرا ، و تكثّران من عددها قليلا ، و قد علمت أنّ نحب أفئدتكما و صغر أنفسكما ، و عدم ثبات رأيكما و سوء تدبيريكما هو الذي أفسد عليكما من لم يكن عليكما فاسدا ، و جرّأ عليكما من كان عن لقائكما جبانا ، فإذا قدم رسولي عليكما فامضيا إلى القوم حتى تقرئا عليهم كتابي ، و تدعواهم إلى حظهم و تقوى ربهم ، فإن أجابوا حمدنا اللّه و قبلناهم ، و ان حاربوا استعنا باللّه عليهم و نابذناهم على سواء ، إنّ اللّه لا يحب الخائنين .

قالوا : و قال عليه السّلام ليزيد بن قيس الأرحبي : ألا ترى إلى ما صنع قومك ؟

ــــــــــــ

( ١ ) شرح ابن أبي الحديد ٢ : ٢ .

٤٥٩

فقال : إنّ ظنّي بقومي لحسن في طاعتك ، فإن شئت خرجت إليهم فكففتهم ، و إن شئت كتبت إليهم فننظر ما يجيبون ؟ و كتب عليه السّلام إليهم : من عبد اللّه عليّ أمير المؤمنين إلى من شاقّ و غدر من أهل الجند و صنعاء ، أمّا بعد ، فإنّي أحمد اللّه الذي لا إله إلاّ هو الذي لا يعقب له حكم ، و لا يرد له قضاء و لا يرد بأسه عن القوم المجرمين ، و قد بلغني تجرّيكم و شقاقكم و إعراضكم عن دينكم بعد الطاعة و إعطاء البيعة ، فسألت أهل الدين الخالص و الورع الصادق و اللب الراجح ، عن بدء محرككم و ما نويتم به و ما أحمشكم له ، فحدثت عن ذلك بما لم أر لكم في شي‏ء منه عذرا مبينا ، و لا مقالا جميلا و لا حجة ظاهرة ، فإذا أتاكم رسولي فتفرقوا و انصرفوا إلى رحالكم ، أعف عنكم و أصفح عن جاهلكم و أحفظ قاصيكم و أعمل فيكم بحكم الكتاب ، فإن لم تفعلوا فاستعدوا لعدو من جيش جمّ الفرسان ، عظيم الأركان يقصد لمن طغى و عصى فتطحنوا كطحن الرحى ، فمن أحسن فلنفسه و من اساء فعليها . . . و ما ربك بظلاّم للعبيد ١ .

و وجّه الكتاب مع رجل من همدان فقدم عليهم بالكتاب فلم يجيبوه إلى خير ،

فقال لهم : إنّي تركت أمير المؤمنين عليه السّلام يريد أن يوجّه إليكم يزيد بن قيس الأرحبي في جيش كثيف ، فلم يمنعه إلاّ انتظار جوابكم ، فقالوا : نحن سامعون مطيعون إن عزل عنا هذين الرجلين : عبيد اللّه و سعيد . فرجع و أخبره عليه السّلام .

قالوا و كتب تلك العصابة حين جاءهم كتاب عليّ عليه السّلام إلى معاوية يخبرونه ، و كتبوا في كتابهم :

معاوي ألاّ تسرع السير نحونا

نبايع عليّا أو يزيد اليمانيا

فلمّا قدم كتابهم دعا بسر بن أبي أرطاة و كان قاسي القلب فظّا غليظا سفّاكا للدماء، لا رأفة عنده و لا رحمة فأمره أن يأخذ طريق الحجاز و المدينة

ــــــــــــ

( ١ ) فصّلت : ٤٦ .

٤٦٠

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530

531

532

533

534

535

536

537

538

539

540

541

542

543

544

545

546

547

548

549

550

551

552

553

554

555

556

557

558

559

560

561

562

563

564

565

566

567

568

569

570

571

572

573

574

575

576

577

578

579

580

581

582

583

584

585

586

587

588

589

590

591

592

593

594

595

596

597

598

599

600

601

602

603

604

605

606

607

608

609

610

611

612

613

614

615

616

617