الميزان في تفسير القرآن الجزء ١٧

الميزان في تفسير القرآن4%

الميزان في تفسير القرآن مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 419

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٤ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧ الجزء ١٨ الجزء ١٩ الجزء ٢٠
  • البداية
  • السابق
  • 419 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 167876 / تحميل: 6000
الحجم الحجم الحجم
الميزان في تفسير القرآن

الميزان في تفسير القرآن الجزء ١٧

مؤلف:
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

( سورة فصّلت الآيات ٤٠ - ٥٤)

إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا  أَفَمَن يُلْقَىٰ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ  اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ  إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ( ٤٠ ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ  وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ ( ٤١ ) لَّا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ  تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ( ٤٢ ) مَّا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ  إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَذُو عِقَابٍ أَلِيمٍ ( ٤٣ ) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَّقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ  أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ  قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ  وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى  أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ( ٤٤ ) وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ  وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ  وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ ( ٤٥ ) مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ  وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا  وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ( ٤٦ ) إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ  وَمَا تَخْرُجُ مِن ثَمَرَاتٍ مِّنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ  وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكَائِي قَالُوا آذَنَّاكَ مَا مِنَّا مِن شَهِيدٍ ( ٤٧ ) وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَدْعُونَ مِن قَبْلُ  وَظَنُّوا مَا لَهُم مِّن مَّحِيصٍ ( ٤٨ ) لَّا يَسْأَمُ الْإِنسَانُ مِن دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِن مَّسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ

٤٠١

قَنُوطٌ ( ٤٩ ) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ  فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ( ٥٠ ) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ ( ٥١ ) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُم بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ( ٥٢ ) سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ  أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ( ٥٣ ) أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ  أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ( ٥٤ )

( بيان)

عودة اُخرى إلى حديث القرآن و كفرهم به على ظهور آيته و رفعة درجته و ما فرّطوا في جنبه و رميهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و جحدهم الحقّ و كفرهم بالآيات و ما يتبع ذلك، و تختتم السورة.

و الآية الاُولى أعني قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا ) الآية كالبرزخ الرابط بين هذا الفصل و الفصل السابق من الآيات لما وقعت بين قوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ ) الآية و بين قوله:( وَ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ ) الآية و قوله:( وَ مِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَ النَّهارُ ) إلخ.

قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنا ) إلخ سياق تهديد

٤٠٢

لملحدي هذه الاُمّة كما يؤيّده الآية التالية، و الإلحاد الميل.

و إطلاق قوله:( يُلْحِدُونَ ) و قوله:( آياتِنا ) يشمل كلّ إلحاد في كلّ آية فيشمل الإلحاد في الآيات التكوينيّة كالشمس و القمر و غيرهما فيعدّونها آيات لله سبحانه ثمّ يعودون فيعبدونها، و يشمل آيات الوحي و النبوّة فيعدّون القرآن افتراء على الله و تقوّلاً من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو يلغون فيه لتختلّ تلاوته فلا يسمعه سامع أو يفسّرونه من عند أنفسهم أو يؤوّلونه ابتغاء الفتنة فكلّ ذلك إلحاد في آيات الله بوضعها في غير موضعها و الميل بها إلى غير مستقرّها.

و قوله:( أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) إيذان بالجزاء و هو الإلقاء في النار يوم القيامة قسراً من غير أيّ مؤمّن متوقّع كشفيع أو ناصر أو عذر مسموع فليس لهم إلّا النار يلقون فيها، و الظاهر أنّ قوله:( أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) لإبانة أنّهما قبيلان لا ثالث لهما فمستقيم في الإيمان بالآيات و ملحد فيها و يظهر به أنّ أهل الاستقامة في أمن يوم القيامة.

و قوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) تشديد في التهديد.

قوله تعالى: ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ - إلى قوله -مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) المراد بالذكر القرآن لما فيه من ذكر الله، و تقييد الجملة بقوله:( لَمَّا جاءَهُمْ ) يدلّ على أنّ المراد بالّذين كفروا هم مشركوا العرب المعاصرين للقرآن من قريش و غيرهم.

و قد اختلفوا في خبر( إِنَّ ) و يمكن أن يستظهر من السياق أنّه محذوف يدلّ عليه قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا ) إلخ فإنّ الكفر بالقرآن من مصاديق الإلحاد في آيات الله فالتقدير إنّ الّذين كفروا بالذكر لمّا جاءهم يلقون في النار يوم القيامة، و إنّما حذف ليذهب فيه وهم السامع أيّ مذهب ممكن و الكلام مسوق للوعيد.

و إلى هذا المعنى يرجع قول الزمخشريّ في الكشّاف: إنّ قوله:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ) إلخ بدل من قوله:( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آياتِنا ) .

و قيل: خبر إنّ قوله الآتي:( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) ، و قيل:

٤٠٣

الخبر قوله:( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) بحذف ضمير عائد إلى اسم إنّ و التقدير لا يأتيه منهم أي لا يأتيه من قبلهم ما يبطله و لا يقدرون على ذلك أو بجعل أل في الباطل عوضاً من الضمير و المعنى لا يأتيه باطلهم.

و قيل: إنّ قوله:( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ) إلخ قائم مقام الخبر، و التقدير إنّ الّذين كفروا بالذكر كفروا به و إنّه لكتاب عزيز.

و قيل: الخبر قوله:( ما يُقالُ لَكَ ) إلخ بحذف الضمير و هو( فيهم) و المعنى ما يقال لك في الّذين كفروا بالذكر إلّا ما قد قيل للرسل من قبلك إنّ لهم عذاب الاستئصال في الدنيا و عذاب النار في الآخرة، و وجوه التكلّف في هذه الوجوه غير خفيّة على المتأمّل البصير.

و قوله:( وَ إِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ ) الضمير للذكر و هو القرآن، و العزيز عديم النظير أو المنيع الممتنع من أن يغلب، و المعنى الثاني أنسب لما يتعقّبه من قوله:( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) .

و قوله:( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) إتيان الباطل إليه وروده فيه و صيرورة بعض أجزائه أو جميعها باطلاً بأن يصير ما فيه من المعارف الحقّة أو بعضها غير حقّة أو ما فيه من الأحكام و الشرائع و ما يلحقها من الأخلاق أو بعضها لغيً لا ينبغي العمل به.

و عليه فالمراد بقوله:( مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) زماناً الحال و الاستقبال أي زمان النزول و ما بعده إلى يوم القيامة، و قيل: المراد بما بين يديه و من خلفه جميع الجهات كالصباح و المساء كناية عن الزمان كلّه فهو مصون من البطلان من جميع الجهات و هذا العموم على الوجه الأوّل مستفاد من إطلاق النفي في قوله:( لا يَأْتِيهِ ) .

و المدلول على أيّ حال أنّه لا تناقض في بياناته، و لا كذب في إخباره، و لا بطلان يتطرّق إلى معارفه و حكمه و شرائعه، و لا يعارض و لا يغيّر بإدخال ما ليس منه فيه أو بتحريف آية من وجه إلى وجه.

٤٠٤

فالآية تجري مجرى قوله:( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ ) الحجر: ٩.

و قوله:( تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) بمنزلة التعليل لكونه كتاباً عزيزاً لا يأتيه الباطل إلخ أي كيف لا يكون كذلك و هو منزّل من حكيم متقن في فعله لا يشوب فعله وهن، محمود على الإطلاق.

قوله تعالى: ( ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ) إلخ( ما ) في( ما يُقالُ لَكَ ) نافية، و القائلون هم الّذين كفروا حيث قالوا: إنّه ساحر أو مجنون أو شاعر لاغ في كلامه أو يريد أن يتأمّر علينا، و القائلون لما قد قيل للرسل اُممهم.

و المعنى: ما يقال لك من قبل كفّار قومك حيث اُرسلت إليهم فدعوتهم فرموك بما رموك إلّا ما قد قيل للرسل من قبلك أي مثل ما قد قيل لهم.

و قوله:( إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وَ ذُو عِقابٍ أَلِيمٍ ) في موضع التهديد و الوعيد أي إنّ ربّك ذو هاتين الصفتين أي فانظر أو فلينظروا ما ذا يصيبهم من ربّهم و هم يقولون ما يقولونه لرسوله؟ أ هو مغفرة أم عقاب؟ فالآية في معنى قوله:( اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) أي ما عملتم من حسنة أو سيّئة أصابكم جزاؤه بعينه.

و قيل: المعنى ما يوحى إليك في أمر هؤلاء الّذين كفروا بالذكر إلّا ما قد اُوحي للرسل من قبلك و هو أنّ ربّك لذو مغفرة و ذو عقاب أليم فالمراد بالقول الوحي، و( إِنَّ رَبَّكَ ) إلخ بيان لما قد قيل.

قوله تعالى: ( وَ لَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ ءَ أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ ) قال الراغب: العجمة خلاف الإبانة. قال: و العجم خلاف العرب و العجميّ منسوب إليهم، و الأعجم من في لسانه عجمة عربيّاً كان أو غير عربيّ اعتباراً بقلّة فهمهم عن العجم. انتهى. فالأعجميّ غير العربيّ البليغ سواء كان من غير أهل اللغة العربيّة أو كان منهم و هو غير مفصح للكنة في لسانه، و إطلاق الأعجميّ على الكلام كإطلاق العربيّ من المجاز.

فالمعنى: و لو جعلنا القرآن أعجميّاً غير مبين لمقاصده غير بليغ في نظمه لقال

٤٠٥

الّذين كفروا من قومك: هلّا فصّلت و بيّنت آياته و أجزاؤه فانفصلت و بانت بعضها من بعض بالعربيّة و البلاغة أ كتاب مرسل أعجميّ و مرسل إليه عربيّ؟ أي يتنافيان و لا يتناسبان.

و إنّما قال:( عَرَبِيٌّ ) و لم يقل: عربيّون أو عربيّة مع كون من أرسل إليه جمعاً و هم جماعة العرب، إذ القصد إلى مجرّد العربيّة من دون خصوصيّة للكثرة بل المراد بيان التنافي بين الكلام و بين المخاطب به لا بيان كون المخاطب واحداً أو كثيراً.

قال في الكشّاف: فإن قلت: كيف يصحّ أن يراد بالعربيّ المرسل إليهم و هم اُمّة العرب؟ قلت: هو على ما يجب أن يقع في إنكار المنكر لو رأى كتاباً عجميّاً كتب إلى قوم من العرب يقول: كتاب أعجميّ و مكتوب إليه عربيّ و ذلك لأنّ مبني الإنكار على تنافر حالتي الكتاب و المكتوب إليه لا على أنّ المكتوب إليه واحد أو جماعة فوجب أن يجرّد لما سيق إليه من الغرض و لا يوصل به ما يخلّ غرضاً آخر أ لا تراك تقول و قد رأيت لباساً طويلاً على امرأة قصيرة: اللباس طويل و اللابس قصير و لو قلت: و اللابس قصيرة جئت بما هو لكنة و فضول قول لأنّ الكلام لم يقع في ذكورة اللابس و اُنوثته إنّما وقع في غرض وراءهما.

و قوله:( قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَ شِفاءٌ ) بيان أنّ أثر القرآن و خاصّته لا يدور مدار لغته بل الناس تجاهه صنفان و هم الّذين آمنوا و الّذين لا يؤمنون، و هو هدى و شفاء للّذين آمنوا يهديهم إلى الحقّ و يشفي ما في قلوبهم من مرض الشكّ و الريب. و هو عمى على الّذين لا يؤمنون - و هم الّذين في آذانهم وقر - يعميهم فلا يبصرون الحقّ و سبيل الرشاد.

و في توصيف الّذين لا يؤمنون بأنّ في آذانهم وقرا إيماء إلى اعترافهم بذلك المنقول عنهم في أوّل السورة:( وَ فِي آذانِنا وَقْرٌ ) .

و قوله:( أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ ) أي فلا يسمعون الصوت و لا يرون الشخص و هو تمثيل لحالهم حيث لا يقبلون العظة و لا يعقلون الحجّة.

قوله تعالى: ( وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ ) إلخ تسلية للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

٤٠٦

عن جحود قومه و كفرهم بكتابه.

و قوله:( وَ لَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ) الكلمة هي قوله:( وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى‏ حِينٍ ) الأعراف: ٢٤.

و قوله:( وَ إِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ ) أي في شكّ مريب من كتاب موسىعليه‌السلام . بيان حال قومه ليتسلّى به النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيما يرى من قومه.

قوله تعالى: ( مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها ) إلخ أي إنّ العمل قائم بصاحبه ناعت له فلو كان صالحاً نافعاً انتفعت به نفسه و إن كان سيّئاً ضارّاً تضرّرت به نفسه فليس في إيصاله تعالى نفع العمل الصالح إلى صاحبه و هو الثواب و لا في إيصال ضرر العمل السيّئ إلى صاحبه و هو العقاب ظلم و وضع للشي‏ء في غير موضعه.

و لو كان ذلك ظلماً كان تعالى في إثابته و تعذيبه من لا يحصى من العباد في ما لا يحصى من الأعمال ظلّاماً للعبيد لكنّه ليس بظلم و لا أنّه تعالى ظلّام لعبيده و بذلك يظهر وجه التعبير باسم المبالغة في قوله:( وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ) و لم يقل: و ما ربّك بظالم.

قوله تعالى: ( إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ - إلى قوله -إِلَّا بِعِلْمِهِ ) ارتداد علم الساعة إليه اختصاصه به فلا يعلمها إلّا هو، و قد تكرّر ذلك في كلامه تعالى.

و قوله:( وَ ما تَخْرُجُ مِنْ ثَمَراتٍ مِنْ أَكْمامِها ) ( ثَمَراتٍ ) فاعل( تَخْرُجُ ) و( مِنْ ) زائدة للتأكيد كقوله:( وَ كَفى‏ بِاللهِ شَهِيداً ) النساء: ٧٩، و أكمام جمع كمّ و هو وعاء الثمرة و( ما ) مبتدأ خبره( إِلَّا بِعِلْمِهِ ) و المعنى و ليس تخرج ثمرات من أوعيتها و لا تحمل اُنثى و لا تضع حملها إلّا مصاحباً لعلمه أي هو تعالى يعلم جزئيات حالات كلّ شي‏ء.

فهو تعالى على كونه خالقاً للأشياء محوّلاً لأحوالها عالم بها و بجزئيّات حالاتها مراقب لها، و هذا هو أحسن التدبير فهو الربّ وحده، ففي الآية إشارة إلى توحّده تعالى في الربوبيّة و الاُلوهيّة، و لذا ذيّل هذا الصدر بقوله:( وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي ) إلخ.

٤٠٧

قوله تعالى: ( وَ يَوْمَ يُنادِيهِمْ أَيْنَ شُرَكائِي قالُوا آذَنَّاكَ ما مِنَّا مِنْ شَهِيدٍ - إلى قوله -مِنْ مَحِيصٍ ) الظرف متعلّق بقوله:( قالُوا ) و قيل: ظرف لمضمر مؤخّر قد ترك إيذاناً بقصور البيان عنه كما في قوله تعالى:( يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ ) ، و قيل: متعلّق بمحذوف نحو اذكر، و لعلّ الوجه الأوّل أنسب لصدر الآية بالمعنى الّذي ذكرناه فتكون الآية مسوقة لنفي الشركاء ببيان قيام التدبير به تعالى و اعتراف المشركين بذلك يوم القيامة.

و الإيذان الاعلام، و المراد بالشهادة الشهادة القوليّة أو الشهادة بمعنى الرؤية الحضوريّة و على الثاني فقوله:( وَ ضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَدْعُونَ مِنْ قَبْلُ ) عطف تفسير يبيّن به سبب انتفاء الشهادة.

و قوله:( وَ ظَنُّوا ما لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ ) الظنّ - على ما قيل - بمعنى اليقين، و المحيص المهرب و المفرّ، و المعنى: و يوم ينادي الله المشركين: أين شركائي؟ على زعمكم - قالوا: أعلمناك ما منّا من يشهد عليك بالشركاء - أو ما منّا من يشاهد الشركاء و غاب عنهم ما كانوا يدعون من دون الله في الدنيا، و أيقنوا أن ليس لهم مهرب من العذاب.

قوله تعالى: ( لا يَسْأَمُ الْإِنْسانُ مِنْ دُعاءِ الْخَيْرِ وَ إِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَؤُسٌ قَنُوطٌ ) السأمة الملال، و اليأس و القنوط بمعنى و هو انقطاع الرجاء، و الدعاء الطلب.

شروع في ختم الكلام في السورة ببيان ما هو السبب في جحودهم و دفعهم الحقّ الصريح، و هو أنّ الإنسان مغترّ بنفسه فإذا مسّه شرّ يعجز عن دفعه يئس من الخير و تعلّق بذيل الدعاء و المسألة و توجّه إلى ربّه، و إذا مسّه خير اشتغل به و أعجب بنفسه و أنساه ذلك كلّ حقّ و حقيقة.

و المعنى: لا يملّ الإنسان من طلب الخير و هو ما يراه نافعاً لحياته و معيشته و إن مسّه الشرّ فكثير اليأس و القنوط لما يرى من سقوط الأسباب الّتي كان يستند إليها، و هذا لا ينافي تعلّق رجائه إذ ذاك بالله سبحانه كما سيأتي.

قوله تعالى: ( وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هذا لِي )

٤٠٨

إلخ الأصل بالنظر إلى مضمون الآية السابقة أن يقال: و إن ذاق خيرا قال: هذا لي لكن بدّل ذاق من( أَذَقْناهُ ) و خيراً من قوله:( رَحْمَةً مِنَّا ) ليدلّ على أنّ الخير الّذي ذاقه هو رحمة من الله أذاقه إيّاها و ليس بمصيبة برأسه و لا هو يملكه و لو كان يملكه لم ينفكّ عنه و لم يمسسه الضرّاء، و لذا قيّد قوله:( وَ لَئِنْ أَذَقْناهُ ) إلخ بقوله:( مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ ) .

و قوله:( لَيَقُولَنَّ هذا لِي ) أي أنا أملكه فلي أن أفعل فيه ما أشاء و أتصرّف فيه كيف اُريد، فليس لأحد أن يمنعني من شي‏ء منه أو يحاسبني على فعل، و لهذا المعنى عقّبه بقوله:( وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) فإنّ الساعة هي يوم الحساب.

و قوله:( وَ لَئِنْ رُجِعْتُ إِلى‏ رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى) أي للمثوبة الحسنى أو للعاقبة الحسنى، و هذا مبنيّ على ما يراه لنفسه من الكرامة و استحقاق الخير كأنّه يقول: ما ملكته من الخير لو كان من الله فإنّما هو لكرامة نفسي عليه و على هذا فإن قامت الساعة و رجعت إلى ربّي كانت لي عنده العاقبة الحسنى.

فالمعنى: و اُقسم لئن أذقنا الإنسان رحمة هي منّا و لا يستحقّها و لا يملكها فأذقناها من بعد ضرّاء مسّته و ذلك يدلّه على أنّه لا يملك ما اُذيقه نسي ما كان من قبل و قال: هذا لي - يشير إلى شخص النعمة و لا يسمّيها رحمة - و ليس لأحد أن يمنعني عمّا أفعل فيه و يحاسبني عليه و ما أظنّ الساعة - و هي يوم الحساب - قائمة، و اُقسم لئن رُجعت إلى ربّي و قامت ساعة كانت لي عنده العاقبة الحسنى لكرامتي عليه كما أنعم عليّ من النعمة.

و الآية نظيرة قوله في قصّة صاحب الجنّة:( ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وَ ما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً وَ لَئِنْ رُدِدْتُ إِلى‏ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً ) الكهف: ٣٦. و قد تقدّم بعض الكلام فيه.

و قوله:( فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا وَ لَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) تهديد و وعيد.

قوله تعالى: ( وَ إِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَ نَأى‏ بِجانِبِهِ وَ إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ

٤٠٩

فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) النأي الابتعاد، و المراد بالجانب الجارحة و هي الجنب أو المراد الجهة و المكان فقوله:( نَأى‏ بِجانِبِهِ ) كناية عن الابتعاد بنفسه و هو كناية عن التكبّر و الخيلاء، و المراد بالعريض الوسيع، و الدعاء العريض كالدعاء الطويل كناية عمّا استمرّ و أصرّ عليه الداعي، و الآية في مقام ذمّ الإنسان و توبيخه أنّه إذا أنعم الله عليه أعرض عنه و تكبّر و إذا سلب النعمة ذكر الله و أقبل عليه بالدعاء مستمرّاً مصرّاً.

قوله تعالى: ( قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) ( أَ رَأَيْتُمْ ) أي أخبروني، و الشقاق و المشاقّة الخلاف، و الشقاق البعيد الخلاف الّذي لا يقارب الوفاق و هو شديدة، و قوله:( مِمَّنْ هُوَ فِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ) كناية عن المشركين و لم يقل: منكم بل أتى بالموصول و الصلة و ذلك في معنى الصفة ليدلّ على علّة الحكم و هو الشقاق البعيد من الحقّ.

و المعنى: قل للمشركين أخبروني إن كان هذا القرآن من عند الله ثمّ كفرتم به من أضلّ منكم؟ أي لا أضلّ منكم لأنّكم في خلاف بعيد من حقّ ما فوقه حقّ.

فمفاد الآية أنّ القرآن يدعوكم إلى الله ناطقاً بأنّه من عندالله فلا أقلّ من احتمال صدقه في دعواه و هذا يكفي في وجوب النظر في أمره دفعاً للضرر المحتمل و أيّ ضرر أقوى من الهلاك الأبديّ فلا معنى لإعراضكم عنه بالكليّة.

قوله تعالى: ( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) إلخ، الآفاق جمع اُفق و هو الناحية، و الشهيد بمعنى الشاهد أو بمعنى المشهود و هو المناسب لسياق الآية.

و ضمير( أَنَّهُ ) للقرآن على ما يعطيه سياق الآية و يؤيّده الآية السابقة الّتي تذكر كفرهم بالقرآن، و على هذا فالآية تعد إراءة آيات في الآفاق و في أنفسهم حتّى يتبيّن بها كون القرآن حقّاً، و الآيات الّتي شأنها إثبات حقّيّة القرآن هي الحوادث و المواعيد الّتي أخبر القرآن أنّها ستقع كإخباره بأنّ الله سينصر نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم و المؤمنين و يمكّن لهم في الأرض و يظهر دينهم على الدين كلّه و ينتقم من مشركي قريش إلى غير ذلك.

٤١٠

فأمر الله تعالى نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالهجرة إلى المدينة و قد اشتدّ الأمر عليه و على من آمن به غايتها فلا سماء تظلّهم و لا أرض تقلّهم ثمّ قتل صناديد قريش في بدر و لم يزل يرفع ذكره و يفتح على يديه حتّى فتح مكّة و دانت له جزيرة العرب ثمّ فتح بعد رحلته للمسلمين معظم المعمورة فأرى سبحانه المشركين آياته في الآفاق و هي النواحي الّتي فتحها للمسلمين و نشر فيها دينهم، و في أنفسهم و هو قتلهم الذريع في بدر.

و ليست هذه آيات في أنفسها فكم من فتح و غلبة يذكره التاريخ و مقاتل ذريعة يقصّها لكنّها آيات بما أنّ الله سبحانه وعد بها و القرآن الكريم أخبر بها قبل وقوعها ثمّ وقعت على ما أخبر بها.

و يمكن أن يكون المراد بإراءة الآيات و تبيّن الحقّ بذلك ما يستفاد من آيات اُخرى أنّ الله سيظهر دينه بتمام معنى الظهور على الدين كلّه فلا يعبد على الأرض إلّا الله وحده و تظلّ السعادة على النوع الإنسانيّ و هي الغاية لخلقتهم، و قد تقدّم استفادة ذلك من قوله تعالى:( وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ) الآية النور: ٥٥ و غيره و أيّدناه بالدليل العقليّ.

و الفرق بين الوجهين أنّ وجه الكلام على الأوّل إلى مشركي مكّة و من يتبعهم خاصّة و على الثاني إلى مشركي الاُمّة عامّة و الخطاب على أيّ حال اجتماعيّ، و يمكن الجمع بين الوجهين.

و يمكن أن يكون المراد ما يشاهده الإنسان في آخر لحظة من لحظات حياته الدنيا حيث تطير عنه الأوهام و تضلّ عنه الدعاوي و تبطل الأسباب و لا يبقى إلّا الله عزّ اسمه و يؤيّده ذيل الآية و الآية التالية، و ضمير( أَنَّهُ الْحَقُّ ) على هذا لله سبحانه.

و لهم في الآية أقوال اُخرى أغمضنا عن إيرادها.

و قوله:( أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) فاعل( لَمْ يَكْفِ ) هو( بِرَبِّكَ ) و الباء زائدة، و( أَنَّهُ عَلى‏ كُلِّ شَيْ‏ءٍ شَهِيدٌ ) بدل من الفاعل، و الاستفهام للإنكار، و المعنى أ و لم يكف في تبيّن الحقّ كون ربّك مشهوداً على كلّ شي‏ء إذ ما

٤١١

من شي‏ء إلّا و هو فقير من جميع جهاته إليه متعلّق به و هو تعالى قائم به قاهر فوقه فهو تعالى معلوم لكلّ شي‏ء و إن لم يعرفه بعض الأشياء.

و اتّصال الجملة أعني قوله:( أَ وَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ ) إلخ بقوله:( سَنُرِيهِمْ ) إلخ على الوجه الأخير من الوجوه الثلاثة الماضية ظاهر، و أمّا على الوجهين الأوّلين فلعلّ الوجه فيه أنّ المشركين إنّما كفروا بالقرآن لدعوته إلى التوحيد فانتقل من الدلالة على حقّيّة القرآن للدلالة على حقّيّة ما يدعو إليه إلى الدلالة على حقّيّة ما يدعو إليه مستقيماً من غير واسطة كأنّه قيل: سنريهم آياتنا ليتبيّن لهم أنّ القرآن الّذي يخبرهم بها حقّ فيتبيّن أنّ ربّك واحد لا شريك له ثمّ قيل: و هذا طريق بعيد هناك ما هو أقرب منه أ و لم يكفهم أنّ ربّك مشهود على كلّ شي‏ء؟

قوله تعالى: ( أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ ) إلخ الّذي يفيده السياق أنّ في الآية تنبيها على أنّهم لا ينتفعون بالاحتجاج على وحدانيّته تعالى بكونه شهيداً على كلّ شي‏ء و هو أقوى براهين التوحيد و أوضحها لمن تعقّل لأنّهم في مرية و شكّ من لقاء ربّهم و هو كونه تعالى غير محجوب بصفاته و أفعاله عن شي‏ء من خلقه.

ثمّ نبّه بقوله:( أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ مُحِيطٌ ) على ما ترتفع به هذه المرية و تنبّت من أصلها و هو إحاطته تعالى بكلّ شي‏ء على ما يليق بساحة قدسه و كبريائه فلا يخلو عنه مكان و ليس في مكان و لا يفقده شي‏ء و ليس في شي‏ء.

و للمفسّرين في الآية أقوال لو راجعتها لرأيت عجباً.

( بحث روائي)

في الدرّ المنثور، أخرج ابن عساكر عن عكرمة: في قوله:( أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) نزلت في عمّار بن ياسر و في أبي جهل.

أقول: و رواه أيضاً عن عدّة من الكتب عن بشر بن تميم، و روي أيضاً عن ابن مردويه عن ابن عبّاس:( أَ فَمَنْ يُلْقى‏ فِي النَّارِ ) قال: أبوجهل بن هشام، و( أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيامَةِ ) قال: أبوبكر الصدّيق، و الروايات من التطبيق.

٤١٢

و في تفسير القمّيّ، في رواية أبي الجارود عن أبي جعفرعليه‌السلام : في قوله تعالى:( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جاءَهُمْ ) يعني القرآن( لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ ) قال: لا يأتيه الباطل من قبل التوراة و لا من قبل الإنجيل و الزبور( وَ لا مِنْ خَلْفِهِ ) قال: لا يأتيه من بعده كتاب يبطله.

و في المجمع، في الآية قيل فيه أقوال - إلى أن قال - و ثالثها معناه: أنّه ليس في إخباره عمّا مضى باطل و لا في إخباره عمّا يكون في المستقبل باطل بل أخباره كلّها موافقة لمخبراتها،: و هو المرويّ عن أبي جعفر و أبي عبداللهعليهما‌السلام .

و في تفسير القمّيّ في قوله تعالى:( أَعْجَمِيٌّ وَ عَرَبِيٌّ ) قال: لو كان هذا القرآن أعجميّاً لقالوا: كيف نتعلّمه و لساننا عربيّ و أتيتنا بقرآن أعجميّ فأحبّ الله أن ينزّله بلسانهم و قد قال الله عزّوجلّ:( وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ ) .

و في روضة الكافي، بإسناده عن الطيّار عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في قول الله عزّوجلّ:( سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) قال خسف و مسخ و قذف. قال: قلت:( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ ) قال: دع ذا ذاك قيام القائم.

و في إرشاد المفيد، عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام : في الآية قال: الفتن في آفاق الأرض و المسخ في أعداء الحقّ.

و في روضة الكافي، بإسناده عن أبي عبداللهعليه‌السلام : في الآية قال: يريهم في أنفسهم المسخ، و يريهم في الآفاق انتقاض الآفاق عليهم فيرون قدرة الله عزّوجلّ في أنفسهم و في الآفاق. قلت له:( حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ) ؟ قال: خروج القائم هو الحقّ عندالله عزّوجلّ يراه الخلق.

تمّ و الحمد لله

٤١٣

الفهرس

( سورة فاطر مكّيّة و هي خمس و أربعون آية )   ٢

( سورة فاطر آية ١ ). ٢

( بيان ). ٢

( بحث روائي ). ٤

( كلام في الملائكة ). ٩

( سورة فاطر الآيات ٢ - ٨ ). ١١

( بيان ). ١١

( سورة فاطر الآيات ٩ - ١٤ ). ١٨

( بيان ). ١٩

( بحث روائي ). ٢٩

( سورة فاطر الآيات ١٥ - ٢٦ ). ٣١

( بيان ). ٣١

( كلام في معنى عموم الإنذار ). ٣٧

( بحث روائي ). ٣٨

( سورة فاطر الآيات ٢٧ - ٣٨ ). ٤٠

( بيان ). ٤١

( بحث روائي ). ٤٩

( سورة فاطر الآيات ٣٩ - ٤٥ ). ٥٢

( بيان ). ٥٣

( بحث روائي ). ٦١

( سورة يس مكّيّة و هي ثلاث و ثمانون آية )   ٦٣

( سورة يس الآيات ١ - ١٢ ). ٦٣

( بيان ). ٦٣

( بحث روائي ). ٧٠

٤١٤

( سورة يس الآيات ١٣ - ٣٢ ). ٧٣

( بيان ). ٧٤

( بحث روائي ). ٨٤

( سورة يس الآيات ٣٣ - ٤٧ ). ٨٧

( بيان ). ٨٨

( بحث روائي ). ٩٨

( سورة يس الآيات ٤٨ - ٦٥ ). ١٠١

( بيان ). ١٠٢

( بحث روائي ). ١٠٨

( سورة يس الآيات ٦٦ - ٨٣ ). ١١٠

( بيان ). ١١١

( بحث روائي ). ١٢٧

( سورة الصافّات الآيات ٧١ - ١١٣ ). ١٣٠

( بيان ). ١٣١

( بحث روائي ). ١٤٠

( سورة الصافّات الآيات ١١٤ - ١٣٢ ). ١٤٣

( بيان ). ١٤٣

( بحث روائي ). ١٤٥

( كلام في قصّة إلياس عليه‌السلام ). ١٤٦

١- قصّته في القرآن: ١٤٦

٢- الأحاديث فيه: ١٤٦

٤١٥

( سورة الصافّات الآيات ١٣٣ - ١٤٨ ). ١٤٩

( بيان ). ١٤٩

( كلام في قصّة يونس عليه‌السلام في فصول ). ١٥٣

١- قصّته في القرآن: ١٥٣

٢- قصّته عند أهل الكتاب: ١٥٥

٣- ثناؤه تعالى عليه: ١٥٧

( بحث روائي ). ١٥٧

( سورة الصافّات الآيات ١٤٩ - ١٨٢ ). ١٥٩

( بيان ). ١٦٠

( بحث روائي ). ١٦٨

( سورة ص مكّيّة و هي ثمان و ثمانون آية )   ١٦٩

( سورة ص الآيات ١ - ١٦ ). ١٦٩

( بيان ). ١٧٠

( بحث روائي ). ١٧٥

( سورة ص الآيات ١٧ - ٢٩ ). ١٧٨

( بيان ). ١٧٩

( بحث روائي ). ١٨٨

( كلام في قصص داود في فصول ). ١٩١

١- قصّته في القرآن: ١٩١

٢- جميل الثناء عليه في القرآن: ١٩١

٣- حول قصّة المتخاصمين: ١٩٢

( سورة ص الآيات ٣٠ - ٤٠ ). ١٩٣

( بيان ). ١٩٣

( بحث روائي ). ١٩٧

٤١٦

( سورة ص الآيات ٤١ - ٤٨ ). ٢٠٠

( بيان ). ٢٠٠

( كلام في قصّة أيّوب عليه‌السلام في فصول ). ٢٠٤

١- قصته في القرآن: ٢٠٤

٢- جميل ثنائه: ٢٠٤

٣- قصّته في الروايات: ٢٠٥

( خبر اليسع و ذي الكفل عليهما‌السلام ). ٢٠٨

( سورة ص الآيات ٤٩ - ٦٤ ). ٢١٠

( بيان ). ٢١٠

( سورة ص الآيات ٦٥ - ٨٨ ). ٢١٤

( بيان ). ٢١٥

( بحث روائي ). ٢٢٢

( سورة الزمر مكّيّة و هي خمس و سبعون آية )   ٢٢٤

( سورة الزمر الآيات ١ - ١٠ ). ٢٢٤

( بيان ). ٢٢٥

( كلام في معنى الرضا و السخط من الله ). ٢٣٥

( بحث روائي ). ٢٣٩

( سورة الزمر الآيات ١١ - ٢٠ ). ٢٤١

( بيان ). ٢٤١

( بحث روائي ). ٢٤٦

( سورة الزمر الآيات ٢١ - ٣٧ ). ٢٤٨

( بيان ). ٢٤٩

( بحث روائي ). ٢٥٧

( سورة الزمر الآيات ٣٨ - ٥٢ ). ٢٦٠

( بيان ). ٢٦١

( بحث روائي ). ٢٧١

٤١٧

( سورة الزمر الآيات ٥٣ - ٦١ ). ٢٧٤

( بيان ). ٢٧٤

( بحث روائي ). ٢٨١

( سورة الزمر الآيات ٦٢ - ٧٥ ). ٢٨٣

( بيان ). ٢٨٤

( بحث روائي ). ٢٩٧

( سورة المؤمن مكّيّة و هي خمس و ثمانون آية )   ٢٩٩

( سورة غافر الآيات ١ - ٦ ). ٢٩٩

( بيان ). ٢٩٩

( سورة غافر الآيات ٧ - ١٢ ). ٣٠٥

( بيان ). ٣٠٥

( سورة غافر الآيات ١٣ - ٢٠ ). ٣١٤

( بيان ). ٣١٤

( بحث روائي ). ٣١٩

( سورة غافر الآيات ٢١ - ٥٤ ). ٣٢٢

( بيان ). ٣٢٥

( بحث روائي ). ٣٣٧

( سورة غافر الآيات ٥٥ - ٦٠ ). ٣٣٩

( بيان ). ٣٣٩

( بحث روائي ). ٣٤٢

( سورة غافر الآيات ٦١ - ٦٨ ). ٣٤٤

( بيان ). ٣٤٤

( بحث روائي ). ٣٤٨

( سورة غافر الآيات ٦٩ - ٧٨ ). ٣٥٠

( بيان ). ٣٥٠

( سورة غافر الآيات ٧٩ - ٨٥ ). ٣٥٦

( بيان ). ٣٥٦

٤١٨

( سورة حم السجدة مكّيّة و هي أربع و خمسون آية )   ٣٦٠

( سورة فصّلت الآيات ١ - ١٢ ). ٣٦٠

( بيان ). ٣٦١

( كلام فيه تتميم ). ٣٧٢

( في معنى السماء ). ٣٧٢

( بحث روائي ). ٣٧٤

( سورة فصّلت الآيات ١٣ - ٢٥ ). ٣٧٨

( بيان ). ٣٧٩

( بحث إجمالي قرآني ). ٣٨٥

( في سراية العلم ). ٣٨٥

( بحث إجمالي فلسفي ). ٣٨٦

( في سراية العلم ). ٣٨٦

( بحث روائي ). ٣٩٠

( سورة فصّلت الآيات ٢٦ - ٣٩ ). ٣٩٢

( بيان ). ٣٩٣

( بحث روائي ). ٣٩٩

( سورة فصّلت الآيات ٤٠ - ٥٤ ). ٤٠١

( بيان ). ٤٠٢

( بحث روائي ). ٤١٢

٤١٩