في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)

في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)10%

في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام) مؤلف:
الناشر: شارع معلّم
تصنيف: أمير المؤمنين عليه السلام
الصفحات: 390

في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)
  • البداية
  • السابق
  • 390 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 57295 / تحميل: 9163
الحجم الحجم الحجم
في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)

في الفكر الاجتماعي عند الإمام علي (عليه السلام)

مؤلف:
الناشر: شارع معلّم
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

آنذاك إذا ما علمنا أنّها يدويّةٌ وتحتاج إلى خُبرةٍ وتجربةٍ عِدّة سنوات، وإن لم يكن تعلّمها من الصغر تتوارثها العوائل من الأب إلى أولاده وأحفاده، ثُمّ هناك بعض الصناعات يُحتقر الإنسان العامل بها، وليس له منزلةٌ بين المجتمع، بحيث استمرت هذه النظرة وانتقلت إلى مُجتمعاتنا، وأصبحت أعرافاً اجتماعيةً لم تنقرض، إلاّ قبل أربعة عقود تقريباً في بعض المناطق من الدول الإسلاميّة، إن لم يكن بعضها لا زال مُتداولاً في بعض المناطق المتخلفة والقَبَليّة.

وقد أدركنا بعض هذه المفاهيم الخاطئة لدى المجتمع، فالاحتقار الاجتماعي هو صفةٌ ذميمةٌ وبعيدةٌ كلّ البُعد عن أصل المبادئ الإسلاميّة والإنسانية والخُلقيّة، وهذه متأتيةٌ إمّا من عاداتٍ وأعرافٍ قديمةٍ أو روّج إليها مَن رفضوا المُساواة بين البشر، والحقيقة أنّه لا فَرق بين هذا وذاك إلاّ بالتقوى والعمل الصالح.

النظرة العامّة للصنّاع عند اليونانيّين القُدماء

في الحضارة اليونانيّة القديمة في أثينا كانوا يعتبرون أنواع المِهن (دنيئة) (وها هوذا زنوفون يتحدّث في زهوٍ وفي غير مُجاملةٍ بوصفه واحداً من طبقة الفُرسان، فيقول: إنّ الجماعات المُتمدّنة ترى أنّ ما يُسمّونه بالفنون الإليّة الحقيرة تزري بصاحبها... وهي مُحقّةٌ في نظرتها هذه، ذلك بأنّ العَمل فيها يهلك أجسام القائمين به، سواء فيهم العمّال ومَن يُشرفون عليهم، فهي تضطرّهم إلى أن يقضوا وقتهم جالسين في نورٍ ضئيلٍ أو جاثمين أيّاماً طوالاً أمام الأفران، وهذا الضعف الجسمي يصحبه على الدوام ضعفٌ نفساني، وفوق هذا وذاك فإنّ ما تتطلّبه هذه الفنون الآليّة الحقيرة من الوقت لا يترك للمشتغلين بها فراغاً يُنفقونه في مطالب الصداقة أو الدولة. وكان ينظر إلى التجارة هذه النظرة نفسها، فكان اليوناني الارستقراطي النزعة أو الفيلسوف لا يعدّها إلاّ وسيلة لجمع المال مع إلحاق

٢٦١

الأذى بمن يُجمع منهم، وهو في رأي هذا وذاك لا تبغي خَلق السِلع، بل كل ما تبغيه هو شراءها رخيصةً وبيعها غاليةً، ولهذا فما مِن مواطن خليقٍ بالاحترام يرضى أن يعمل فيها). (١)

العربُ في الجاهليّة والحرف الصناعيّة

إنّ مَن يقرأ التاريخ القديم يجد أنّ العرب قبل الإسلام احتقروا الصُنّاع أيضاً، ونظروا إليهم نظرة استخفافٍ واستهجانٍ، (والحرف، أي العمل باليد، من الأمور المُستهجنة عند الأعراب وعند أكثر العرب أيضاً، فلا يليق بالعربي الشريف الحُرّ أن يكون صانعاً؛ لأنّ الصنعة من حِرف العبيد والخَدم والأعاجم والمستضعفين من الناس). (٢)

تطابق واختلاف

هناك حالتان تصور وضع المجتمع الطبقي، واحدة في أثينا القديمة والثانية عند العرب قبل الإسلام، والرابط بين الاثنين هو ازدراء الصُنّاع، لكن ما الذي جمع بين النظريتين في الدولة الأثينية القديمة والجاهلية الأولى؟ الحقيقة لا أعتقد أنّ هناك توافقاً سابقاً بهذا الشأن، وأنّ محور الربط بين النظرة الواحدة اتجاه الصنّاع الصراع الطبقي الموجود في كلّ مجتمع من هذه المجتمعات، ثُمّ الفراغ العقائدي السماوي الذي يُساوي بين الناس، بل إنّ الأديان دأبت على تشجيع العمل بين الأفراد، وإلاّ لو كان هناك مصدرٌ فكريٌّ واحدٌ لهذا التمييز الطبقي لظهر في جميع الجوانب الاجتماعية الأُخرى، إذ إنّ اليونانيين القدماء احتقروا الصنّاع والتجار

____________________

(١) ديوارنت - ول وايريل - قصة الحضارة ص ٦٢ المجلّد الرابع، ترجمة محمد بدران ١٤٠٨ - ١٩٨٨، بيروت.

(٢) علي - الدكتور جواد - المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج٧ ص ٢٦ الطبعة الثانية ١٤١٣ - ١٩٩٣.

٢٦٢

وأصحاب المصارف في آنٍ واحدٍ ولم يُسمح لهم بالانتخاب، في حين أنّ العرب قبل الإسلام كانت تزدري الصنّاع وأصحاب الحِرف في حين كانت تنظر إلى التجّار نظرة سُموٍّ وعُلوٍّ وتقدير، بل مارس أغلبهم العمل فيها.

إذن، المهنة الرئيسيّة كانت التجارة، ولهم أسواقٌ خاصّةٌ بذلك، (لقد كان الجاهليّون مثل غيرهم من الشعوب السامية نشطين في عالم التجارة. والتجارة تكاد تكون الحِرفة الوحيدة عند العرب التي لم ينظر العربي إليها وإلى المُشتغل بها نظرة استهجانٍ وانتقاصٍ، بل اعتُبرت عندهم من أشرف الحِرف قَدراً ومنزلةً، ونُظر إلى التاجر نظرة تقديرٍ وإجلالٍ، مع أنّها حِرفةٌ مثل سائر الحِرف، فيها من الحِيَل والخداع واللعب على الناس ما في أيّة حِرفةٍ أخرى، وفيها عمل وجهد على نحو ما نجد في الزراعة أو الصناعة، ولكنّها نظرةٌ واجتهادٌ إلى الحياة، وظروفٌ طبيعيةٌ جعلت العرب تجاراً في الغالب، فشرّفوا التجارة على غيرها من الحِرف وقدّموها في المنازل والدرجات، وقد بقيت على هذه المنزلة والدرجة في الإسلام كذلك، وأُشير إلى شرفها وسُموّ منزلتها في كُتب الحديث، ممّا يدلّ على ما كان للتجارة من منزلةٍ في نفوس الناس). (١)

على أنّ هذا لم يُعطنا العلّة من احتقار الصناعة واتخاذ التجارة، فالذي أعتقده أنّ مكّة المُكرّمة لَعبت دوراً بارزاً في تنمية التجارة والتشجيع عليها من خلال وجود المواسم الدينيّة الكُبرى، حيث تهرع القبائل العربية من كلّ حدبٍ وصوبٍ لأداء المراسيم الدينية في الأشهر المُعينة من السَنَة، وهذا يتطلّب بضائع جاهزةٍ للبيع والشراء حتى لا يتأخر البدوي في عودته إلى محلّه، فيأتون له بالبضائع من بلاد الروم وفارس حيث الصناعة المتطوّرة هناك، ثُمّ بعد ذلك لم

____________________

(١) المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام م٧ ص٢٢٧.

٢٦٣

يألف العرب الحِرف الصناعية بمعناها الكامل، فمثلاً في مجتمعاتنا قبل عدّة عُقود من الزمن - وليس ببعيد ذلك - كان بعض الصُنّاع تُحتقر أعمالهم، مثل الحائك الذي لا ينظر إليه بمنزلة اجتماعية إن لم يكن يُزدرى في بعض الأحيان، وكذلك بعض الصناعات الأُخرى، وفي حقل الزراعة أيضاً الذي سنتكلّم عنه في فصلٍ قادمٍ إن شاء الله.

وقد بحثتُ عن أصل ذلك في الكُتب التاريخية وما ورد عن الحضارات السابقة؛ لنربط ذلك مع موضوعنا الذي أكّد عليه إمامنا (عليه السلام)، والمقارنة بين القِيَم الاجتماعية التي طرحها الإمام (عليه السلام) والأعراف والعادات والتقاليد الموروثة في المجتمعات ومن ضمنها المجتمع العربي.

لقد كان إنسان الجزيرة العربية في غنىً عن الأمور والأعمال التي تحتاج إلى فنٍّ وممارسةٍ وخبرةٍ، فهو حينما يذهب إلى الحواضر يجد ما يحتاج إليه جاهزاً، فكان لا يرغب بتعلّمها، حيث إنّ المِهن تُقيّد حركته وتنقّله في البوادي، بالإضافة إلى النظرة السلبيّة العامّة، فلم يسع إلى العمل فيها ولم يُكلّف نفسه في التحري عن كيفيّة تصنيع المواد الأوّلية، وبالتالي ضعفت حيلته فقهرته فابتعد عنها فتركها لغيره، ثُمّ إنّه قبل الإسلام حينما دعت الحاجة إلى المواد المُصنعة هاجر أهل المِهَن الصناعيّة إلى الجزيرة العربيّة من العراق وإيران وبلاد الروم الذين وجدوا في الفراغ الصناعي عند أهل الجزيرة وما جاورها خير مكسبٍ يرتزقون به؛ لعدم معرفة أهل المنطقة بفنّ الصناعة، وعدم قبولهم تطويع أنفسهم لتعلّم هذه الحِرف، الأمر الذي جعل هؤلاء الصنّاع يكسبون الأرباح والمغانم لانفرادهم بهذه المهنة، وعدم وجود مُنافس لهم، وللخبرة العريقة التي كانت لديهم، بالإضافة إلى أنّ أصحاب هذه المهن أخذوا يستخدمون العبيد والضُعفاء والهاربين من بلادهم، وهؤلاء غالباً ما يكونون مقطوعي الأثر عن أهلهم وبُلدانهم مقابل عرب

٢٦٤

الجاهليّة الذين كانوا يعتزّون بقبيلتهم وأصلهم ونَسبهم الذي يمتدّ إلى عدّة أظُهرٍ من الأجداد، وأنسابهم هذه جعلتهم يستهزئون بل يسخرون ويحتقرون مَن لا أصل له ولا قبيلة تحميه، حيث كانت عندهم العصبيّة القبلية في أُوجها، وبما أنّ هؤلاء الصنّاع كانوا من الأجانب المقطوعين الأصل سرى عليهم الاستهجان والاحتقار، فأصبح أشبه ما يكون بالعُرف الاجتماعي السائد بين المجتمع، فلا يقوم بهذه الأعمال إلاّ مَن هو وضيعٌ وخسيس النسب، فالصناعات إذن خاصّةٌ بهؤلاء ولا تَليق بغيرهم، بحيث أصبح العرب في الجاهليّة ينظرون تلك النظرة إلى أصحاب هذه المهن، وربما يكون ما أوردناه هُنا هو الرأي الأصح.

الإسلام والحِرف

لقد جاء الإسلام بمفاهيم إنسانيّةٍ إلهيّةٍ جعلت من الأفكار المُتخلّفة الجاهليّة موضع السُخريّة والرفض، وأعطت المفاهيم الجديدة لصور الحياة الاجتماعيّة، والتي رفعت من شأن العامل والصانع وغيره بنظرته الإنسانية العالميّة وإلغائه العصبيّة القبليّة، وجعلت من ذلك الأعرابي الذي كان يُفضّل قبيلته على كلّ شيءٍ إنساناً يعتزّ بإسلامه، ويفخر بأنّه ينتسب إليه لا إلى غيره، وذكر أنّ عليَّ بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: (إنّي لأرى الرجل فيعجبني، فأقول: هل له حرفة؟ فإن قالوا: لا، سقط من عيني). (١)

في كلامه هذا (عليه السلام) قلبَ كلّ الموازين الطبقيّة، وأعطى دفعاً معنويّاً للصنّاع وأهل الحِرف، وكذلك فقد أعطى أئمّةُ أهل البيت (عليهم السلام) دفعاً معنوياً كبيراً للرجل الذي له عملٌ معينٌ، فقد ورد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قوله إنّ (الكادّ على عياله

____________________

(١) المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام - م٧ - ص٥٠٥.

٢٦٥

كالمجاهد في سبيل الله) (١) ، ورغم كلّ ما ذكرناه، فهناك نقص في المعلومات الكاملة عن هذه المجتمعات والطبقات الموجودة فيها، وقد اطّلعنا على بعض الحقائق التاريخية التي تُدلّل على أنّ بعض المجتمعات لا تُزوّج الصنّاع النساء، ولا يتزوجون منهم لاحتقار حِرفهم، وتكاد هذه الحالة أن انقرضت في أغلب مُدُنِنا الإسلاميّة، في حين أنّ الإمام (عليه السلام) طلب رعايتهم والاهتمام بهم لعلاقتهم بحركة المجتمع وكيان الأمة، ثُمّ إنّهم صنفٌ متقدّم يُساعد على عمران البلاد، وكما هو معلوم أنّ كتبنا التاريخية، أي المصادر الرئيسية وأُمّهات الكتب ما عدا الدراسات المعاصرة لم تكتب سوى تاريخ النُخبة وترفِهم ولهوهم، وكم جاريةٍ لديهم، وكم قصر عندهم، وما يأكله السلطان، ثُمّ التحدّث عن عدل الخليفة الوهمي أو الصور المزيفة عن عدالة خلفاء بني أُميّة وبني العبّاس؛ لأنّ أغلب تلك الكُتب دوّنت في حياة هؤلاء السلاطين وتحت رعايتهم الماديّة ودعمهم المعنوي للمؤرّخين، وأهملوا كتابة التاريخ الاجتماعي للناس وحياتهم وصنوف وطبقات المجتمع وما يعملون وما يُنتجون والحالة الاقتصادية والمدنيّة السائدة آنذاك، سوى ما كتبه ابن خلدون في مُقدّمته وما تبعه في القرون الأخيرة من المؤرّخين والكُتّاب والمستشرقين أمثال ادم متز في كتابه (تاريخ الحضارة الإسلاميّة في القرن الرابع) الاجتماعية، فخلاصة الأمر أنّ الوضع الاجتماعي لم يتبدّل بسرعةٍ بعد قيام الإسلام، حيث انشغال المسلمين الأوائل بالفتوحات الإسلاميّة الكُبرى، وعدم توجههم إلى أمور قد استغنوا فيها عن التكلّف في البحث عنها أو تصنّيعها، حيث دخلوا البلدان العامرة بالصناعات وفنونها، وإنّ الكثير من أهل البلاد المفتوحة

____________________

(١) فروع الكافي - م٥ - ص٩٠ - باب من كدّ على عياله.

٢٦٦

أصبحوا مسلمين، وقسمٌ آخر بقي على دينه، سواء كان من أهل الذمّة أو غيرهم من القوميات والشعوب المفتوحة، وهؤلاء - كما قلنا - قد تفنّنوا في الصناعة والعُمران، وهم متخصّصون في ذلك، وعلى رغم ما جاء في الدين من مبادئ ساميةٍ إلاّ أنّه بقي هناك مَن يأنف العمل في الصناعات بل يستحقرها، ولهذا اتّسع نطاق الصنّاع من القوميّات الأُخرى والمناطق المفتوحة في الحواضر الإسلاميّة، وأبدعوا بذلك وتفننوا في بناء القصور والفُسيفساء والأواني والنجارة والحِدادة والأصباغ والأنسجة، حيث الموال الغزيرة التي تَتدفّق كلّ يومٍ على مراكز الدولة سواء كانت في دمشق أو بغداد في الفترات المتأخرة عن الخلافة الراشديّة.

عليٌّ (عليه السلام) والعملُ بصورةٍ عامّة

يقول الإمام عليٌّ (عليه السلام): (فإنّهم سِلمٌ لا تخافُ بائقته، وصُلحٌ لا تخشى غائلته، وتفقّد أُمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك)، فأمير المؤمنين (عليه السلام) يُعطي إرشاداته التطبيقيّة على ضوء المعرفة الكاملة بحياة المجتمعات، فيقول: (سِلمٌ لا تخافُ بائقته، وصُلحٌ لا تخشى غائلته)؛ لأنّ هؤلاء كانوا يعيشون تحت رعاية الدين الإسلامي، والبعض كانوا حديثي العهد بالإسلام، وجُلّ اهتمامهم في عملهم، ولم يستمِلهم الخوص في الصراعات السياسية، وكانوا أشبه ما يكون بالطبقات التي ابتعدت كُلّياً عن الصراعات والنزاعات، وما نقرأه من تدخّل بعض العناصر في الصراعات سواء من الذين دخلوا الإسلام حديثاً أو الموالي أو المُعاهدين في فترات مُتأخّرة لم يكونوا من تلك الفئات التي ذكرها الإمام وهم التجّار والصنّاع، إنّما هؤلاء فئةٌ جديدةٌ استحدثتها الأوضاع السياسيّة في البلاد الإسلاميّة، ووصول عناصر بعضها تُربّى في أحضان السلطة وتقدّم، والبعض الآخر كانت له صولاتٌ عسكريّةٍ وقياديةٍ في الجيوش الإسلاميّة، ويمتلك

٢٦٧

بعضهم خُبراتٍ إداريةٍ أو ثقافيةٍ أوصلته إلى قصر الخليفة، وأصبح بعضهم يُحيك المؤامرات أو يُشارك فيها لسببٍ أو آخر، فهؤلاء لم يكونوا من الذين خصّهم الإمام (عليه السلام) بالذِكر من الذين تطوّروا في مِهنهم وأصبح لهم وجودٌ خاصٌ واهتمامٌ لم يكن مألوفاً؛ للحاجة الماسة إليهم، فانحاز هؤلاء إلى أعمالهم خوفاً وتحرُّزاً من البَطش بهم وسلب أموالهم وهتك حُرماتهم، بل تحوّل قسمٌ من أبنائهم إلى دراسة العلوم العقليّة والنقليّة واللغويّة، وساهموا مساهمةً جادةً في تطوير هذه العلوم وأحسنوا العمل بها، فحازوا على الحضوة والجاه لدى السلطان أو الولاة.

إذن، بقيت الصناعات وتفرّعاتها بيدهم، وذكر الشيخ المطهّري حول ذلك أنّه (لم يكن للعرب على عهد رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فنون وصناعاتٌ، وإن كان فهو لم يكن، وإنّما اقتبسوا فنون ما بين النهرين ومصر وسورية وإيران، ونجد في صحف الصين، أنّ الخلفاء الأُمويّين كانوا يطلبون أساتذة الفنّ من جميع الولايات المفتوحة، ويستفيدون منهم في بناء المُدن والقصور والمساجد، فكانوا يطلبون الأساتذة البيزنطيّين في صناعة القاشاني والفُسيفساء المعرّق لتجميل مساجد دمشق، وكانوا يجعلون عليهم أساتذةً إيرانيّين، وكانوا يستخدمون لأبنية مكّة صُنّاعاً من مصر والقُدس ودمشق، وكان هذا مستمرّاً حتى عهد العباسيّين أيضاً). (١)

فالتجارة والصناعة إذن صنوان لا يفترقان في تقدّم العمران والمدنيّة وإدارة البلاد اقتصادياً، وهما بطبيعة الحال تُساهمان سويّةً في مجالات تقدّم البُلدان وتطوّرها.

____________________

(١) مطهري - الشيخ مرتضى - الإسلام وإيران، ج٣ ص١٧، ١٤٠٥ - ١٩٨٥ ترجمة هادي الغروي.

٢٦٨

الزِراعةُ والأرضُ والزُرّاع

لقد ذكرنا في باب الخراج وعمارة الأرض عن الزراعة والأراضي الزراعيّة الشيء اليسير، إلاّ أنّنا نقول في هذا الفصل: إنّ الإسلام قد أولى اهتمامه إلى هذه المِهنة، والأرض الزراعية، وقسّم الأراضي إلى عِدّة أنواع، ووضع لكلّ قِسمٍ حُكمه الشرعي، حيث الأراضي الواسعة التي دخلت الإسلام عُنوة وفتحاً أو صُلحاً وسِلماً، ومنها الصالحة والعامرة والموات، واعتُبِرت المورد المالي الرئيسي للدولة الإسلاميّة آنذاك.

إنّ عرب الجاهليّة كانوا لا يهتمّون بهذه المِهنة وانتاجها وتنوعه، بل تكاد تبدو غريبةً على البعض، إلاّ ما غُرس من نخيلٍ وأشجارٍ مثمرةٍ حول الواحات والينابيع التي كان بعضها ينمو تلقائيّاً، وإنّ ما وُجد من مزارع في الحواضر والمُدن سواء كانت في المدينة المُنوّرة أو الطائف أو غيرها من المناطق فإنّ أغلبها مِلك لليهود والنصارى المقيمين هناك، وإذا ما كانت بعض المزارع بيد العرب فإنّ أغلبهم يستخدم الموالي والعبيد والأحباش وغيرهم ممَن كانت لهم خبرةٌ في ذلك، أو للاستخدامات الأُخرى المتعلقة بالحرث ونقل الماء وغيره، إلاّ أنّ ذلك لا يعني أنّ عموم الجزيرة العربيّة وأطرافها لا تعرف الزراعة كلّها، إنّما كانت اليمن تُسمّى باليمن السعيد لكثرة زراعتها وتنوعها، والأطراف الساحلية الأُخرى من عمان، ثُمّ بلد السواد العراق، ثُمّ بلاد الشام في هوائها العَذب وزرعها المُتعدّد الألوان ناهيك عن بلاد النيل وزراعتها، إذن ما نتكلّم عنه هو منطقة الجزيرة العربيّة بالذات، الذي تحدّث عنها المؤرّخون وقالوا في أهلها حول الزراعة: (أمّا الأعراف، فكانوا يزدرون شأنها، وينقصون من قدر المُزارع (الخضّار)). (١)

____________________

(١) المُفصّل في تاريخ العَرب قبل الإسلام - م٧ - ص٢٦.

٢٦٩

ونجد هذه النظرة الازدرائية إلى المُزارع عند أهل الحَضَر أيضاً، حتى أنّ بعض الصحابة كرهوا تعاطي العمل في الأرض. حتى بعد الفتح، تاركين ذلك إلى أهل الذِمّة، والتعليل لذلك كما يقول الدكتور جواد علي: (وكراهة الزرع، كراهة نشأت من عدم توفّر الماء والأرض لأكثر الناس). (١)

إلاّ أنّنا لا نتوافق مع الأستاذ الكبير الدكتور جواد علي في هذا الرأي، والسبب هو أنّ المسألة عند أهل الجزيرة هي نفسيّةٌ واجتماعيةٌ اتّجاه الزراعة، وأنّ القبائل كانت لا تهتمّ إلى هذا الأمر لعدم وجود الحاجة الماسة إليه، فما يحتاجه من الحنطة والشعير يكتاله الأعرابي أيّام المواسم من الحواضر التي تجلبه من المناطق الأُخرى، ثُمّ إنّ التمر موجودٌ بكثرةٍ، بالإضافة إلى اعتمادهم على أكل اللُحوم ومُنتجات الحيوان اللبنيّة، فالثريد هو غذائهم الرئيسي، والتمر والكروم هو فاكهتهم المُفضّلة، أمّا البقية فالأعشاب البريّة تسدّه، فالذي اعتقده أنّ تلك لم تجلب اهتمامه وتدفعه الحاجة إليها، ثُمّ إنّ العمل فيها كما في الصناعة يقوم به العبيد والموالي وأمثالهم، فهو لا يعتقد بشَرف تلك المِهنة وبوجود هؤلاء فيها، بعد ذلك إن القبليّ آنذاك كان همّه الغزو والقتال والغارة والغنيمة وأخذ الثأر، فلم يلتفت إلى هذه الناحية التي يعتبرها وضيعةً ويقوم بها غيره ممَن جُلبوا للعمل فيها من المناطق الأُخرى، ثُمّ عدم ثبات السَكن بالنسبة إليهم حيث إنّ لأغلبهم مواسم مُعينة ومناطق خاصة يتنقّلون فيها طلباً للماء والكلأ، وإنّما يكون الاستقرار في المُدن وقُرب الواحات الكبيرة والعيون الغزيرة، فكان ينظر إلى أهلها نظرة سخريّةٍ واستهزاءٍ؛ لأنّها تقف حائلاً بوجه الأصالة والشجاعة والبطولة التي لا تكون إلاّ من خلال الغزو المُستمر حسب اعتقاده، ثُمّ بعد ذلك إنّها كبقيّة المِهن

____________________

(١) المصدر السابق ص٢٦.

٢٧٠

تحتاج إلى خُبرةٍ وتمرّسٍ بمعرفة التُربة والبذور والمواسم الزراعيّة وتنشئة الزرع، ومراقبته، وتربيته التي لا يعرفها أغلبهم، فهو يعرف النخلة تُشتل وتُلقّح تلقائيّاً أحياناً، أو الأشجار التي تُغرس وتنشأ ذاتيّاً وهي تتحمل العطش الصحراوي، ومن خلال وجود هذه الحالات ولعدم معرفته بخصائص العمل الزراعي تجعله يزدري العمل به، وهذه حالةٌ نفسيّةٌ لدى الكثير من الناس حينما يحتاج إلى أمرٍ ما وهو لا يستطيع الوصول إليه أو الحصول عليه، فيُحاول أن يُقنع نفسه بأنّ هذا الشيء غير مفيد أو غير صالح، لا بل يبدأ يحتقره ويستهزئ بأمره، ليس كُرهاً له إنّما لأنّه لا يستطيع إدراكه، فيبقى ينظر إليه نظرةَ استخفافٍ ذاتيٍّ، ويحاول أن يُقنع نفسه بالعزوف والترفّع عنه وكراهيته إن أمكن، وأنّه لو أراد لاستطاع، ولكن في حقيقة الأمر لا يستطيع فعل شيءٍ، ويُقنع الآخرين بصواب رأيه إلى أن تتسع هذه الحالة النفسيّة البسيطة إلى حالةٍ اجتماعيةٍ وعُرف سائد، وقد أعطانا أمير المؤمنين (عليه السلام) صورةً لمثل هذا النوع من الناس (وَمِنْهُمْ مَنْ أَبْعَدَهُ عَنْ طَلَبِ الْمُلْكِ ضُؤُولَةُ نَفْسِهِ وَانْقِطَاعُ سَبَبِهِ فَقَصَرَتْهُ الْحَالُ عَلَى حَالِهِ، فَتَحَلَّى بِاسْمِ الْقَنَاعَةِ وَتَزَيَّنَ بِلِبَاسِ أهل الزَّهَادَةِ وَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ فِي مَرَاحٍ وَلا مَغْدًى). (١)

أبو جهل بعقليّته الجاهليّة

إنّ عمليّة الاحتقار لبعض المِهن عند بعض الناس اتخذت أشكالاً مُتعدّدة واتّسعت دائرتها، واعتبر البعض أنّ هذا الاستخفاف والسخرية بتلك المِهَن صفةٌ من صفات الأصالة والسُموّ (وقد استغلّ أهل الحواضر - وهُم قِلّةٌ - ما أنف منه أهل البادية - وهُم الأكثريّة - في الجزيرة العربية، فكان منهم الزُرّاع كأهل المدينة

____________________

(١) نهج البلاغة - ص٧٥، تحقيق د. صبحي الصالح.

٢٧١

والتُجّار كأهل مكّة، غير أنّه بمعنى أشمل ظلّت كثيرٌ من المِهن والحرف مزدراةً يُعيَّر بها أصحابها، فالتميميّون - بني تميم - كانوا يُعيّرون الأزديين بأنّهم بحّارةٌ، لأنّ أبناء عمومتهم في عُمان كانوا يشتغلون بالملاحة، والقرشيّون كانوا يحتقرون أهل المدينة لأنّهم زُرّاع، وحين لقيَ أبو جهلٍ مصرعه في غزوة بدر، لم يُؤسف على مقتله بقدر ما أُسف على انتهاء حياته بيد المسلم الأكار (الفلاح)، إذ يقول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة: (فلو غير أكار قتلني)، أراد به احتقاره وانتقاصه، أي: كيف مثل الأكار يقتل مثل أبي جهل؟!

كذلك قال أبو جهل عندما ارتقى ابن المسعود - الصحابي الجليل - عنقه: (لقد ارتقيت مرتقىً صعباً يا رويعي الغنم)، وهو قولٌ يعكس احتقار أبي جهلٍ العربي القرشي للإجارة على رعي الغنم وما أشبه من الإجارات، مَثَلُه في ذلك كَمَثل ما يُسمّون بـ (أشراف العرب) أي: الذين يترفّعون عن كلّ حِرفةٍ، أَوَلَم يعلم أبو جهل - لعنه الله - وأشراف العرب بأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان يرعى غنم أهل مكّة مُقابل بضع قراريط بجانب احتقارهم للعمل والمهن والحِرف؟! كانت العرب تبجّل الشعراء الذين يمدحون الناس مقابل الدراهم). (١)

زراعةُ الخضرواتِ والنَظرةُ الاجتماعيّة

إنّ الاحتقار والازدراء لا ينحصر في جانبٍ واحدٍ، بل تعدّى إلى زارع الخضروات أيضاً، ولا تعجّب من ذلك وأكثر من هذا، إنّ مَن يزرع الطماطم (البندورة) وبقيّة الخُضر كان يُنظر إليه نظرةَ استخفافٍ وسخريةٍ نتيجةً للجهل والتخلّف بين أغلب أهل الريف آنذاك، حيث كانوا يزرعون الحنطة والشعير والرُز وبقيّة الحبوب ولا يزرعون الطماطم، بل إنّ بعضهم لا يأكلها، حيث يعتمدون على

____________________

(١) النفيسي - الدكتور عبد الله - في السياسة الشرعية ص٤٩، الكويت ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٤م.

٢٧٢

السمن الحيواني والرُز والثريد، ويستهزئون بابن المدينة الذي يأكل الطماطم بأنّه لا أهليّة له ولا شجاعة ولا يفهم من الأمور الاجتماعية شيئاً؛ بسب أكله هذه المادّة، وأنّ مَن يزرعها ليست له منزلةٌ اجتماعيةٌ بين العشائر، وهذا ما أدركناه في أيّامه الأخيرة في العراق، إلاّ أنّه انقرض وأصبح كأنّه شيءٌ لم يكن، إلاّ عند بعض العقول المُتخلّفة جداً والمتمسّكة بأعرافها القديمة، وإلاّ إنّ أغلب مناطق العراق الآن تزرع الطماطم والخضروات، فبعد ما زالت الأسباب التي تُسيطر على أفكار الناس انتهت هذه الحالة العُرفيّة المستهجنة فعلاً، وعَقلَ الناس الكثير من الأمور وأدركوا سخافة الآراء التي كانوا يتلبّسون بها، وتوجّهوا بصورةٍ طوعيّةٍ إلى الأخذ بالآراء الصحيحة، وشعروا بالنقص الشديد نظراً للحاجة الواسعة، ثُمّ أحسّوا باعتقاداتهم الخاطئة بعد زوال المؤثّر النفسي والاجتماعي وقبول المجتمع ككلٍّ هذا التحوّل في الأعراف الاجتماعيّة.

الرسولُ الأعظم (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والعمل الزراعي

إنّ المبادئ الإسلاميّة بشخص الرسول العظيم محمّد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قد أعطت أهميّةً قصوى للزراعة والمزارعين، ودعا إلى الاهتمام بالأرض لأنّها مصدر الخير والبركة، وقوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) خير دليلٍ على ذلك: (مَن كانت له أرضٌ فليزرعها، فإن لم يستطع أن يزرعها وعَجز عنها فليمنحها أخاه المسلم، ولا يُؤجّره إيّاها) (١) .

(وظهر من روى عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنّه قال: الزراعة أفضل المكاسب؛ وذلك لِما فيها من عموم الانتفاع، حتى منهم من فضّلها على التجارة للتوسعة على الناس، ولِما للقوت الذي يأتي منها من صِله بحياة الناس، ومع ذلك بقي

____________________

(١) الصالح - الدكتور صبحي - النظم الإسلاميّة نشأتها تطوّرها ص ٣٧٩ الطبعة السادسة.

٢٧٣

العُرف الجاهلي مسيطراً على عقليّة السادة الكبار، من افتخارهم بحيازة الأرض، ومن ازدرائهم من الاشتغال بأنفسهم بها، فكانوا يستخدمون العبيد للعمل بالأرض، أمّا هم فقد خُلقوا ليكونوا سادةً، عملهم امتلاك الأرض، وقد ظَهر من هؤلاء جيلٌ امتلك أراضاً واسعةً في البلاد المفتوحة شغّل فيها أهل الذمّة، والنبط سكان الأرض المفتوحة، ومئات وآلاف من الرقيق والعبيد) (١) ، وقد كان الأئمّة الأطهار (عليهم السلام) يؤكّدون على أهميّة الزراعة حتى رُوي عنهم (عليم السلام) قولهم: (الكيمياءُ الأكبر الزراعة) (٢) ، بل أعطوا المقامات السامية للمُزارعين قولهم: (الكيمياءُ الأكبر الزراعة) (٢) ، بل أعطوا المقامات السامية للمُزارعين، فقد ذكر يزيد بن هارون قال، سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: (الزرّاعون كنوز الأنام، يزرعون طيّباً أخرجه الله عزّ وجلّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقاماً، وأقربهم منزلةً، يُدعَون المباركين) (٣) .

عمارةُ الأرض الزِراعيّة

لقد وجّه الإمام (عليه السلام) أنظار ولاته وعُمّاله إلى مسألة إعمار الأرض والاهتمام بالفلاحين كفئةٍ اجتماعيّةٍ لها دورٌ مباشرٌ في حياة الدولة والمجتمع بما يُقدمونه من أموالٍ خراجيّةٍ وغيرها وتأمين الغذاء للبلاد، وكانوا هؤلاء من المسلمين ومن أهل الذمّة وغيرهم، واعتبر أنّ عمران البلاد وتقدّمها ومصدر قوّتها فيما تحصل عليه من خَراج هذه الأراضي، فلا بدّ إذن من بذل المال ومساعدة أهلها في الحالات الاستثنائيّة والحوادث غير المُتوقّعة التي ربما تحدث، وقد تحدّثنا عن بعضها في فصل الخراج (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إلاّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ

____________________

(١) المُفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام - ج ٧ ص٢٧.

(٢) فروع الكافي - م٥ ص٢٦١ - باب فضل الزراعة.

(٣) المصدر السابق - ٢٦٢.

٢٧٤

عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إلاّ قَلِيلاً، فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ بِهِ أَمْرُهُمْ).

إذن، الاهتمام بالأرض ومُعالجة مشاكل المزارعين هي الحلّ الأنجع لإعمار الأرض والبلاد بما تُعطيه الأرض من خيراتٍ كثيرةٍ، وقد عالج الإمام (عليه السلام) كلّ المشاكل التي قد تَحدث، متعرضاً لها واحدةً بعد أُخرى؛ لِما في هذه الحِرفة وأهلها من آثارٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ على البلاد والمُجتمع، وفي رسالةٍ منه (عليه السلام) إلى قرظة بن كعب الأنصاري (ره): (أمّا بعد، فإنّ رجالاً من أهل الذّمّة من عَمِلَك ذكروا (أنّ) نهراً في أرضهم قد عفا وأُدفن، وفيه لهم عِمارةٌ على المسلمين، فانظر أنت وهُم، ثُمّ أعمر وأصلح النّهر، فلعمري لئن يعمروا أحبّ إلينا من أن يخرجوا وأن يعجزوا أو (لئن) يقصروا في واجبٍ من صلاح البلاد، والسلام). (١)

إنّ قضيّةً مهمّةً كقضية إحياء أرضٍ أو كَري نهرٍ قد دُفن ومُحي أثره بفعل طمى أو غرين تجمع فيه أو ارتفاعه عن مستوى النهر الأصل فلا يصعد إليه الماء، فلا بدّ إذن من تنظيمه وتنظيفه في آنٍ واحدٍ رغم أنّ هؤلاء من المُعاهدين، إلاّ أنّ إحياء أرضهم هو فيه عمارةٌ للبلاد، وخير ذلك يعود على المسلمين، فيحثّ واليه بالتعاون معهم في إعمار وإصلاح هذا النهر، وعدم تركه ما دام لديهم همّةٌ في ذلك ورغبةٌ شديدة في إعماره التي هي أحبّ إلينا من أنّ يتركوا عجزاً ولا مُبالاة في الأمر، وبالتالي يقصروا عن عمل إحياء الأرض التي هي أهمّ الواجبات لصلاح وعمران البلاد.

____________________

(١) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة - المُجلّد ٤، ٥ ص ٢٩.

٢٧٥

٢٧٦

البابُ الرابِع

المواردُ الماليّةِ

والآثار العامّة

٢٧٧

٢٧٨

الفصلُ الأوّل

المالُ والإعمار

٢٧٩

٢٨٠

كان المال ولا يزال وسيبقى كذلك العصب الحياتيّ لكيان الدول، بل العمود الفقري للبناء والإعمار والتنمية الاقتصادية.

إنّ تقدّم البلدان وازدهارها منوطٌ بقدرتها الاقتصادية، وقوّة احتياطياتها من الذَهب والعملات الصعبة المودعة في البنوك العالميّة والوطنية، حيث تكتسب العُملة الوطنيّة من خلال ذلك قوّةً شرائيّةً إضافيةً كبيرةً بفعل ذلك الغطاء المالي الكبير، وأهميّة ذلك تعود على رفاهية المجتمع وسعادته من خلال الدعم المادّي الواسع لعمليات التنمية في البُنى التحتيّة للبلد في عصرنا الحالي، ثُمّ الصرف على المواضع الأُخرى، سواء كانت تربويّةً أو عسكريةً أو صناعيةً وغيرها،

أمّا في عهد الإمام عليٍّ (عليه السلام) والفترات التي سبقته، فتعتبر الزراعة من أهمّ الموارد التي تُشبع بيت مال المسلمين بالمال اللازم للعمران، ويأتي ذلك عن طريق الخراج بالدرجة الأُولى، وينعكس ذلك إيجابياً على التطوّر الحضاري والمدني.

ولهذا اهتمّ إمامنا (عليه السلام) بالخراج ثُمّ ربطه بالإعمار، وقد عبّر عن ذلك حينما خاطب الوالي بقوله: (وَتَفَقَّدْ أَمْرَ الْخَرَاجِ بِمَا يُصْلِحُ أَهْلَهُ، فَإِنَّ فِي صَلاحِهِ وَصَلاحِهِمْ صَلاحاً لِمَنْ سِوَاهُمْ، وَلا صَلاحَ لِمَنْ سِوَاهُمْ إِلاَّ بِهِمْ؛ لأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ عِيَالٌ عَلَى الْخَرَاجِ وَأَهْلِهِ، وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ

٢٨١

قَلِيلاً). (1)

في هذا المقطع الهامّ عناوين رئيسيّةٍ ومعانٍ حقيقيّةٍ لعلم الاجتماع والاقتصاد بأدق التعاريف وأفضل التفاصيل، وهذا المقطع من المحاور الرئيسيّة لحديثنا عن عِلم الاجتماع عند عليٍّ (عليه السلام)، فقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) بالحالة الاقتصاديّة، وكأنه يُناقش علم الاجتماع الاقتصادي ويُعطي الأفكار المُناسبة للعمل الصحيح، وقبل الدخول في التفاصيل أضع القارئ الكريم أمام مُقارنةٍ علميّةٍ، وليحكم ما ذُكر من أنّ ابن خلدون هو واضع الأُسس في علم الاجتماع وقال فيه قبل غيره من خلال ما عبّر عنه المتأخرون في كتاباتهم وفي عدّة مواطن، حيث قال كاتب موضوع (عِلم الاجتماع عند ابن خلدون): (رأينا أنّ ابن خلدون يربط بين الاقتصاد والمجتمع حين ربط اختلاف أحوال الناس واختلاف نِحَلهم من المعاش، ولكنّه ذهب أبعد من ذلك حينما ربط بين العمران من جهة، والعمل والأسعار من جهة أُخرى، والحقيقة أنّ العمل أساس الرزق (الدَخَل) بما يأتي والعمل والأسعار وهو خاضع في ذلك لطبيعة العمران (الحياة الاجتماعية). (2)

بعد قراءتنا لهذا المقطع نعود إلى عهد الإمام عليٍّ (عليه السلام) لمالك الأشتر، نجدان ابن خلدون قد اهتمّ بجانب المعاش الارتزاقي اليومي والعمران والأرباح والأسعار، ولكنّه لم يربط بين القدرة الماليّة في البلد وبين العمران الذي يُعتبر الأساس في البناء والعمران، وله التأثير الإيجابي على حركة السوق والأسعار وزيادة الأرباح وطلب الناس على الحاجات. وإذا قلّت موارد الإدارة الماليّة للبلد وشحّت خزينتها سينتقل الأثر السَلبي بالضرورة إلى العامّة والسوق

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

(2) عِلم الاجتماع عند ابن خلدون - ص158، الجامعة الإسلامية، العدد الثالث - مذكور سابقاً.

٢٨٢

ويُصيب التجارة الرُكود، وعند ذاك تدور الدورة السلبيّة على البلاد كلّها، فتنحى الدولة منحى آخر في استجلاب الأموال عن طريق التفنُّن في الضرائب، وسلب الأموال من الناس بغير حقٍّ، وذلك هو الظُلم الذي يتبعه الخراب والتدهور الاقتصادي والمعيشي، والإمام (عليه السلام) يُؤكّد على الخراج وصلاح أهله، ثُمّ إنّ صلاحه وصلاح الناس يعود على مَن سواهم - أي الوالي والولاية وبقيّة الرعيّة - بالخير، ومن هذه الصورة الموجزة نتساءل، لماذا التجاهل في ذِكر أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ أو عدم لفت النَظر إلى نهج البلاغة وما حوى من الفكر الخلاّب والمُحيّر للألباب!!.

ما هو الخَراج

إنّ الخراج: (عبارةٌ عن الأُجرة التي تستلمها الدولة عن الأرض التي تدخل في حِساب المسلمين نتيجة جهادٍ إسلاميٍّ مشروعٍ، ولمّا كان الانتفاع بسبب تلك الأمور سَمّوها - أي المنفعة - خَراجاً.

ولذا سُمّي بلسان اللُغاة بما يحصل من غلّة الأرض، كما أطلقوا على الخراج اسم الجزية أيضاً، ولمّا كانت الأرض هي المصدر الرئيسي للدولة - في حينه - كان صلاحها وصلاح القائمين عليها صلاحاً لمَن سِواهم من الرعيّة). (1)

إلاّ أنّ الماوردي في الأحكام السلطانيّة قد أعطى تفصيلاً أوضح من ذلك، حيث قال: (وأمّا الخراج، فهو ما وضع على رقاب الأرض من حقوقٍ تُؤدّى عنها وَفِيهِ مِنْ نَصِّ الكتَابِ بَيِّنَةٌ خَالَفَتْ نَصَّ الجزية، فلذلك كان موقوفاً على اجتهاد

____________________

(1) فضل الله - السيد عبد المحسن - نظرية الحكم والإدارة - ص109 - دار التعارف - بيروت.

٢٨٣

الأئمّة، قال الله تعالى: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) . (1)

وفي قوله: ( أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجاً ) وجهان:

أحدهما: أجراً، والثاني: نفعاً. وفي قوله: ( فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ) وجهان:

أحدهما: فرزق ربّك في الدنيا خيرٌ منه، وهذا قول الحَسن، قال أبو عمرو بن العلا: والفرق بين الخرج والخراج أنّ الخرج من الرِقاب والخراج من الأرض.

وفي لغة العرب اسم للكراء والغلّة، ومنه قول النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) (الخراج بالضّمان)، وأرض الخراج تتميّز عن أرض العشر في المِلك والحُكم. والأرضون كلّها تنقسم أربعة أقسام:

أحدهما: من استأنف المسلمون إحياءه، فهو أرض العشر لا يجوز أن يوضع عليها خَراج، والكلام فيها يُذكر في إحياء الموات من كتابنا هذا. والقسم الثاني: ما أسلم عليه أربابه فهُم أحقّ به، فتكون على مذهب الشافعي (رحمه الله) أرض عشر، ولا يجوز أن يوضع عليها خراج.... والقسم الثالث: ما مُلِك من المشركين عُنوةً وقهراً، فيكون على مذهب الشافعي (رحمه الله) غنيمةً تُقسّم بين الغانمين، وتكون أرض عشر ولا يجوز أن يوضع عليها خراجٌ، وجعلها (مالك) وقفاً على المسلمين بخراجٍ يوضع عليها. والقسم الرابع: ما صولح عليه المشركون من أرضهم، فهي الأرض المُختصّة بوضع الخراج عليها، وهي على ضربين:

أحدهما: ما خلا عنه أهله حصلت للمسلمين بغير قتال فتصير وقفاً على مصالح المسلمين ويُضرب عليها الخراج.

والضرب الثاني: ما أقام فيه أهله وصولحوا على إقراره في أيديهم بخراجٍ يُضرب عليهم، فهذا على ضربين:

أحدهما: أن ينزلوا عن ملكها لنا عند صُلحنا، فتُعتبر هذه الأرض وقفاً

____________________

(1) سورة المؤمنون: الآية 72.

٢٨٤

على المسلمين كالذي انجلى عنه أهله، ويكون الخَراج المضروب عليها أجرةً لا تسقط بإسلامهم ولا يجوز لهم بيع رقابها. والضرب الثاني: أن يستبقوها على أملاكهم ولا ينزلوا عن رقابها، ويُصالحوا عنها بخراجٍ يوضع عليها). (1)

أمّا السيد الشهيد الصدر (قدس سرّه)، فيذكر: (وفي خبر حمّاد أنّ الإمام موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: (وليس لمَن قاتل شيءٌ من الأرضين ولا ما غلبوا عليه، إلاّ ما احتوى عليه العسكر...، والأرض التي أُخذت عُنوةً بخيلٍ أو ركابٍ، فهي موقوفةٌ متروكة في يدي من يعمرها أو يُحييها ويقوم عليها، على ما يُصالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحقّ النصف والثُلث والثُلثين على قدر ما يكون لهم صالحاً ولا يضرّهم)، ويعني بذلك أنّ وليّ الأمر يدعُ الأراضي المفتوحة عُنوة إلى القادرين على استثمارها من أفراد المجتمع الإسلامي، ويتقاضى منهم أجرةً على الأرض لأنّها ملك مجموع الأمّة، فحينما ينتفع الزارعون باستثمارها يجب عليهم تقديم ثَمن انتفاعهم إلى الأمّة، وهذا الثمن أو الأجرة هو الذي أُطلق عليه في الخَبر اسم: الخراج، وجاء في الحديث: أنّ أبا برده سأل الإمام جعفر عن شراء الأرض من أرض الخراج، فقال: (ومَن يبيع ذلك وهي أرض المسلمين).

وأرض الخراج تعبيرٌ فقهيٌّ عن الأرض التي نتحدّث عنها؛ لأنّ الأرض التي تُفتح وهي عامرةٌ يُفرض عليها خراج، وتسمّى لأجل ذلك أرضاً خراجيّةً، وفي رواية أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) عليه، وهو يشرح أقسام الأرض وأحكامها: (وما أُخذ بالسيف فذلك إلى الإمام، يقبله بالذي يرى).

وعلى أيّ حال، فإنّ أكثر النصوص التي قدّمناها تُقرّر: أنّ رقبة الأرض - أي نفس الأرض - مِلكٌ لمجموع الأُمّة، ويتولّى الإمام رعايتها بوصفه

____________________

(1) الماوردي - الأحكام السلطانية - ص231 - بغداد 1989 - 1409هـ.

٢٨٥

ولي الأمر، ويتقاضى من المُنتفعين بها خَراجاً خاصّاً، يُقدّمه المزارعون أجرةً على انتفاعهم بالأرض. والأمّة هي التي تملك الخراج؛ لأنّها ما دامت تملك رقبة الأرض فمن الطبيعي أن تملك منافعها وخراجها أيضاً.

والنتيجة التي نخرج بها من كلّ ذلك هي: أنّ الأرض المفتوحة مملوكةٌ بالملكيّة العامّة للمسلمين إذا كانت عامرةً حال الفتح، وهي باعتبارها ملكاً عاماً للأمّة، ووقفاً على مصالحها العامّة، ولا تخضع لأحكام الإرث، ولا ينتقل ما يملكه الفرد المسلم منها - بوصفه فرداً من الأمّة - إلى ورثته، بل لكلّ مسلمٍ الحقّ فيها بوصفه مسلماً فحسب، وكما لا تورث الأرض الخراجيّة ولا تُباع أيضاً؛ لأنّ الوقف لا يجوز بيعة، فقد قال الشيخ الطوسي في المبسوط: أنّه (لا يصحّ التصرّف ببيعٍ فيها وشراءٍ، ولا هبةٍ، ولا مُعارضةٍ، ولا تمليكٍ، ولا إجارةٍ ولا إرثٍ).

وقال مالك: لا تُقسّم الأرض، وتكون وقفاً يُصرف خراجها في مصالح المسلمين، من أرزاق المُقاتلة وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سُبل الخير). (1)

لقد ارتأينا توضيح الآراء الفقهيّة حول الأرض الخراجيّة رغم تعدّدها وتنوّعها والآراء والروايات الواردة فيها للتعريف بالخراج ومصادره، إلاّ أنّ هناك تطابقاً واختلافاً في بعض الأحكام بشأنها، والواضح أنّ الخراج هو مركز الموارد الماليّة للبلاد التي تصرف على أمورهم وأحوالهم العامّة.

الأموالُ العامّة والاستغلال الخاطئ

إنّ لكلّ موردٍ من الموارد الماليّة تشرياً خاصاً بها للصرف لا يمكن

____________________

(1) اقتصادنا ج2 ص 444.

٢٨٦

التلاعب به، فقد نصّ عليه القرآن الكريم وعمل به الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) من بعده، فإذا اختلّ التوازن في التطبيق دخل مدخلاً مُحرّماً شرعاً يُؤثَم به صاحبه، إذ لا مجال للعَبَث بالمُقدّرات العامّة، وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) يُحاسب ولاته شخصيّاً حينما يصل إليه تلاعب أحدهم بمال المسلمين، وهو أشدّ شيءٍ عليه مثلما يتأثر لسوء معاملة رعيّته أو ظُلمهم في بعض الأحيان، فهو يقول لزياد بن أبيه، وهو خليفة عامله عبد الله بن عباس على البصرة.

(وَإِنِّي أُقْسِمُ بِاللَّهِ قَسَماً صَادِقاً لَئِنْ بَلَغَنِي أَنَّكَ خُنْتَ مِنْ فَيْ‏ءِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئاً صَغِيراً أَوْ كَبِيراً لأَشُدَّنَّ عَلَيْكَ شَدَّةً تَدَعُكَ قَلِيلَ الْوَفْرِ ثَقِيلَ الظَّهْرِ ضَئِيلَ الأَمْرِ وَالسَّلامُ). (1)

فعليٌّ (عليه السلام) يُقسم بالله هُنا، إذا بلغه خيانته - أي: زياداً - من خلال التلاعب بمال المسلمين من غنيمةٍ أو خراجٍ وأخذه له، ويقول له: لئن كان هذا المال صغيراً أو كبيراً فهو واحدٌ لديه، فيُهدّده بالعقوبة الشديدة التي لا تفل أو تقلّ حتى تدعه قليل المال، لا يستطيع على مؤونة عياله ويصبح بعد ذلك حقيراً.

إذن، من خلال النصّ أعلاه نجد أنّ الإمام (عليه السلام) كم كان يؤكّد على مسألة الأمانة الشرعيّة، ووضع الموارد الماليّة التي تعود للمسلمين جميعاً في محلّها المنصوص عليه، ويلتفت أمير المؤمنين (عليه السلام) كذلك إلى ناحيةٍ أُخرى وهو أنّه لا يكون الاهتمام بأمر الخَراج والتأكيد عليه يدفع الجُباة والعُمّال للضغط على الناس، ويُرهق كاهلهم ويسلبهم تحت عباءة الضرائب الخراجيّة أموالهم، فإذا كان الأمر هكذا فسَدّ الغرض من الأصل، الهدف ليس تحميل الناس ما لا طاقة لهم إنّما المعنى هو صلاح الناس، وليس الانقضاض على معائشهم وخراب ديارهم، والأعمال التي نتحدّث عنها

____________________

(1) نهج البلاغة - تحقيق د. صبحي الصالح ص 377.

٢٨٧

ونُفصّلها هدفها هو استقرار المجتمع وتقدّمه لا تحطيم المصالح العامّة ودمارها، وإلاّ انتفت الأسباب من جَمع أموال الخراج، فإنّ عِمارة الأرض كانت الأصل المُهم للاستفادة من خيراتها للإنفاق على مصالح الأُمّة الإسلاميّة، والقرآن الكريم يُحذّر دائماً من الاستعمال والاستثمار الخاطئ لموارد الطبيعة، واستغلال طاقة الإنسان استغلالاً سيّئاً بما لم يأتِ به نصٌّ ولا جاء به رسولٌ، لأنّ ذلك معناه تدمير الحالة المعنويّة للإنسان الذي تربّى على هُدى القرآن والسُنّة المحمديّة، والفساد لا يأتي من الأسفل، بل من الأعلى إلى ما هو دون، وأوّل ما يدخل يكون على العقل الذي تُسيطر عليه قوى الضلالة بحيث لا يُميز الخبيث من الطيّب.

والعقل أمّا أن يكون عقل الإنسان أو العقل الذي يُدير المجتمع وهو القائد أو الوالي، فإذا شعر الإنسان البسيط بذلك الانحراف الصادر من الرمز الأوّل في المجتمع والمخالف لإرادة الباري عزّ وجل، فالابتعاد عن أصل الاعتقادات والإيمان بتلك المبادئ السامية للدين يولّد انحرافاً خطيراً وعامّاً ومُستمراً، وتُصبح العفونة عامّةً وسائدةً إن لم تُعالج قبل الوصول إلى حالة الاحتضار ثُمّ الموت، أي موت المجتمع والحضارة معاً، ولهذا يؤكّد الإمام (عليه السلام) على تفقّد أمر الخراج لصلاح أهله، ويتبع ذلك المردود الايجابي الصالح على الجميع، أي للصالح العام، فالإحساس بالإنصاف في التعامل هو دفعٌ معنويٌّ للالتزام الخُلقي بما فرضته الشريعة، والإخلال العام الذي يحدث من خلال عمليّة الجِباية، والتحايل السلطاني والتلاعب الدهقاني كلّ ذلك سوف يدفع الناس إلى التهرّب من المفروض الشرعي إلى العمل الشيطاني، وبالتالي فالتمرّس على هذه المفاهيم الخاطئة، والتي سببها الولاة في أحيانٍ كثرةٍ، يؤدّي إلى فساد الأمّة والإقلال ممّا تجمعه خزينة بيت المال إن لم يؤدِّ إلى عدم دفع ما يتوجّب دفعة وما يؤدّي ذلك

٢٨٨

إلى اضطرابات ومشاكل وتحدٍ للسلطة القائمة والتي إمّا أن تتراجع وتسقط هيبتها، وإمّا أن تستمر في الجور والظُلم ومعناه الثورة والاضطرابات وضياع كلّ شيءٍ، وإمّا أن يُعزل الوالي ويأتي مَن هو أكثر سياسةً وعدلاً منه، ومعناه فقدانه مكانته، والنتيجة كلّها خسارةٌ بنسبٍ مُتفاوتةٍ، وهي في نفس الوقت خسارة للمجتمع بصورةٍ أعم، لأنّ الاعتماد الرئيسي في تقدّم الحياة العامّة ودوام مسيرتها على الخراج، أي ما يدور من مالٍ في كيان الدولة، وقد ذَكر ذلك الإمام (عليه السلام) في فصل الجُند وارتباط أعمالهم وجهادهم: (ثُمّ لا قِوَامَ لِلْجُنُودِ إِلاَّ بِمَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْخَرَاجِ الَّذِي يَقْوَوْنَ بِهِ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّهِمْ وَيَعْتَمِدُونَ عَلَيْهِ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَيَكُونُ مِنْ وَرَاءِ حَاجَتِهِمْ) (1) بما أنّ الدولة الإسلامية تسدّ أكثر حاجاتها من الخراج لسعة الأراضي الزراعيّة وخُصوبتها ووجود العاملين عليها، فقد اهتمّ الإمام (عليه السلام) بهذا الأمر وتابع ولاته شخصيّاً، ثُمّ يدفع الوالي إلى العدالة في الجباية بحيث يستشعر الناس بالرحمة والمراعاة، وقد بيّن الإمام (عليه السلام) صورةَ التعامل وكيفيّة المسير إلى جباية الخراج والمهام المُلقاة على عاتق جُباة الخَراج في مُراعاتهم الناس والإحسان إليهم في معاملتهم أثناء جمع الخراج، وقد قال (عليه السلام) في ذلك:

(مِنْ عَبدِ اللهِ عَلِيٍّ أميرِ المُؤمِنينَ إلى أصحابِ الخَراجِ، أمّا بَعْدُ، فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَحْذَرْ مَا هُوَ صَائِرٌ إِلَيْهِ لَمْ يُقَدِّمْ لِنَفْسِهِ مَا يُحْرِزُهَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ يَسِيرٌ وَأَنَّ ثَوَابَهُ كَثِيرٌ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيمَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ مِنَ الْبَغْيِ وَالْعُدْوَانِ عِقَابٌ يُخَافُ لَكَانَ فِي ثَوَابِ اجْتِنَابِهِ مَا لا عُذْرَ فِي تَرْكِ طَلَبِهِ، فَأَنْصِفُوا النَّاسَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَاصْبِرُوا لِحَوَائِجِهِمْ فَإِنَّكُمْ خُزَّانُ الرَّعِيَّةِ وَوُكَلاءُ الأُمَّةِ وَسُفَرَاءُ الأَئِمَّةِ، وَلا تُحْشِمُوا أَحَداً عَنْ حَاجَتِهِ

____________________

(1) نص العهد للاشتر.

٢٨٩

وَلا تَحْبِسُوهُ عَنْ طَلِبَتِهِ، وَلا تَبِيعُنَّ لِلنَّاسِ فِي الْخَرَاجِ كِسْوَةَ شِتَاءٍ وَلا صَيْفٍ وَلا دَابَّةً يَعْتَمِلُونَ عَلَيْهَا وَلا عَبْداً، وَلا تَضْرِبُنَّ أَحَداً سَوْطاً لِمَكَانِ دِرْهَمٍ، وَلا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَلا مُعَاهَدٍ إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإِسْلامِ فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ، وَلا تَدَّخِرُوا أَنْفُسَكُمْ نَصِيحَةً وَلا الْجُنْدَ حُسْنَ سِيرَةٍ وَلا الرَّعِيَّةَ مَعُونَةً وَلا دِينَ اللَّهِ قُوَّةً، وَأَبْلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا اسْتَوْجَبَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ اصْطَنَعَ عِنْدَنَا وَعِنْدَكُمْ أَنْ نَشْكُرَهُ بِجُهْدِنَا وَأَنْ نَنْصُرَهُ بِمَا بَلَغَتْ قُوَّتُنَا، وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ). (1)

إذا قيل إنّ عهد الإمام (عليه السلام) للأشتر يجب أن يُكتب بماء الذهب، فالأحرى أن يكون كلّ كلامه (عليه السلام) كذلك، ففي كلّ كتابٍ وخُطبةٍ وفصلٍ وكلامٍ حكمةٌ وعلمٌ ومعرفةٌ وهِدايةٌ، فكُلّه مُتناسقٌ مترابطٌ يَسند بعضه بعضاً، ويشرح كلامه بكلامه، ويُعبّر عن القرآن والسُنّة الطاهرة بالتفصيل والتعريف والتعليل، فما تنتقل من خُطبةٍ إلى أخرى أو كتابٍ إلى آخر إلاّ وتكتشف حقائق مجهولةٍ أخرى تُغنيك عن كثيرٍ من المعارف والعلوم.

وصايا إنسانيّة لعُمّال الخَراج

إنّ الكتاب الذي أرسله سيّد الموحّدين (عليه السلام) إلى عُمّاله على الخراج حوى مفاهيم إسلاميّةٍ أساسيةٍ من التقوى والإيمان والعمل الصالح والرحمة والإنسانيّة، ابتداءً من العلوم اللغويّة إلى العلوم الاقتصاديّة والنفسيّة والاجتماعيّة، ونُلاحظ

____________________

(1) نهج البلاغة ص425، تحقيق د. صبحي الصالح.

٢٩٠

فيه أيضاً الاهتمام بالأمن الوقائي والعسكري وأمن الدولة بصورةٍ واضحةٍ، فبعد أن يُبيّن أهميّة مسير عُمّال الخراج، ويؤكّد عليه - العامل على الخراج - أن يفهم إلى أين هو سائرٌ؟ ومع مَن يتعامل؟ وكيف يتعامل؟ يُحذّر من العواقب والمخاطر التي يواجهها العامل، فالعامل هُنا هو في مهمّةٍ صعبةٍ يجب أن يُراعي فيها جوانب مُتعدّدةٍ، وأن يلتفت إلى كثيرٍ من القضايا التي وضّحها إليه الإمام (عليه السلام)، فيذكر ابن أبي الحديد في شرحه، يقول: (لو قدّرنا أنّ القبائح العقليّة كالظُلم والبغي لا عقاب على فعلها بل في تركها ثوابٌ فقط، لم يكن الإنسان معذوراً إذا فرّط في ذلك الترك؛ لأنّه يكون قد حَرَم نفسه نفعاً هو قادرٌ على إيصاله إليه). (1)

إذن، الطريق الذي يَسلكه صاحب الخراج فيه مخاطر معنويةٌ مرتبطة بين ذات الإنسان وربّه وما أمره وما نهاه، ففيه الموازنة الخاصّة في التعامل مع الرعية، وعدالة تطبيقيّة تحتاج إلى إيمانٍ الهيٍّ عالٍ، ومراقبة النفس وصيانتها من الانحراف، ثُمّ يقول الإمام (عليه السلام): (فأنصفوا الناس من أنفسكم) أي: أنّ الإنصاف يكون لهؤلاء الناس من العمّال، فإنّ مَن يتوق إلى بناء مجتمعٍ سليمٍ متكاملٍ يجب أن ينتبه إلى حالة الإنسانيّة والسلوك الأخلاقي للمجتمع، ثُمّ تكريم الإنسان لكونه مخلوقاً عُزِّز بالكرامة والحرمة وكذلك عدم انتهاكهما.

وقد قال الله تعالى في كتابه المجيد: ( وَلَقَدْ كَرّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِنَ الطّيّبَاتِ وَفَضّلْنَاهُمْ عَلَى‏ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) . (2)

وقد ذكر الطبري حول الإمام عليّ (عليه السلام) قائلاً: (حدّثني محمّد بن عمارة

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - المجلد 17 - ص20.

(2) سورة الإسراء: الآية 70.

٢٩١

الأسدي، قال حدّثني عثمان بن عبد الرحمان الأصبهاني، قال حدّثنا المسعودي، عن ناجية، عن أبيه، قال: كنّا قياماً على باب القصر، إذ خرج عليٌّ علينا، فلمّا رأيناه تنحينا عن وجهه هيبةً له، فلمّا جاز صرنا خلفه، فبينا هو كذلك إذ نادى رجلٌ يا غوثاه بالله، فإذا رجلان يقتتلان، فلكز صدر هذا وصدر هذا، ثُمّ قال لهما: (تنحيا)، فقال أحدهما: يا أمير المؤمنين، إنّ هذا اشترى منّي شاةً، وقد شرطتُ عليه ألاّ يعطيني مغموزاً ولا محذقاً، فأعطاني درهماً مغموزاً فرددته عليه فلطمني، فقال للآخر: (ما تقول؟) قال: صدق يا أمير المؤمنين، قال: (فأعطه شرطه)، ثُمّ قال للاّطم: (اجلس)، وقال للملطوم: (اقتص)، قال: أوَ أعفو يا أمير المؤمنين؟ قال: (ذاك إليك)، قال: فلمّا جاز الرجل قال عليٌّ: (يا معشر المسلمين، خذوه)، قال فأخذوه، فحُمل على ظهر رجلٍ كما يُحمل صبيان الكتاب، ثُمّ ضربه خمس عشرة درّة، ثُمّ قال: (هذا نكالٌ لِما انتهكت من حُرمته). (1)

إذن، احترام حقوق الإنسان وحرمته والمحافظة على ذلك هو أساس العدل الاجتماعي. وهذه كلّها عوامل أساسيّةٍ لبناء ذات الإنسان وتقدير أهميّة وجوده وصون كرامته.

وُكلاء الأُمّة وسُفراء الأئمّة

في كلام بليغ لأمير المؤمنين (عليه السلام) ينطبق بمفاهيمه على المعاني الأخلاقيّة والسياسيّة والاجتماعيّة بحقيقتها السامية التي تُعطي الأُمّة الروح المعنويّة العالية والاستقرار النفسي والطمأنينة الكاملة، فعَليٌّ (عليه السلام) قبل الشروع بتعريف الموقع

____________________

(1) الطبري، محمد بن جرير - تاريخ الأُمم والملوك - الجزء الخامس - ص 157 - تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، لبنان.

٢٩٢

الخطير لعمّال الخراج يأمر أولاً بالصبر على حوائج الناس (واصبر لحوائجهم، فإنّكم خُزّان الرعيّة، ووكلاء الأُمّة، وسُفراء الأئمّة)، فالصبر هُنا مطلوب لأنّهم خُزّان الرعيّة، أي المحافظون على أموالهم في بيت المال حتى توزّع في مواردها المُحدّدة، والذين لديهم هذه المُهمّة هُم من أهل الأمانة والصدق حتماً، كذلك هُم وكلاء الأُمّة وسفراء الأئمة - كما يُخاطبهم الإمام (عليه السلام) - لأنّهم يتوكّلون جمع المال نيابةً عن الأُمّة الذين هُم خزّانها، وسفراء أئمّتكم الذين أعطوكم التخويل الشرعي لجمع هذه الأموال، والسفير يجب أن يتحلّى بنفس صفات وليّ أمره الذي عَيّنه في هذا المنصب، وأن لا يُسيء استخدام تلك المُهمّة الشرعيّة.

ثُمّ (لا تحشموا أحداً) أي: لا تُغضبوا طالب حاجةٍ فتقطعوه عن طلبه، أي افسحوا المجال لتقديم طلبه واستعراض حاجته وحلّ مُشكلته إن استطعتم.

(ولا تبيعنّ الناس في الخراج كسوة شتاءٍ ولا صيفٍ، ولا دابةً يعتملون عليها، ولا عبداً، ولا تضربّنّ أحداً سوطاً لمكان درهم)، فالرحمة والرأفة ورعاية حقوق الناس هي العامل المُهمّ في التطوّر والتقدّم؛ لأنّ استقرار الذِهن وصفاءه وعدم وجود القَلَق المُستمر من نزول الظُلم يُعطينا عقليّةً إنسانيّةً مُبدعةً، وإذا حدث العكس فحينئذٍ تقع الطامّة الكُبرى على مستقبل تلك الأُمّة وكيانها العام، ولهذا فقد نهاهم الإمام (عليه السلام) من أنّ يُجبروا الناس على بيع مُمتلكاتهم الضروريّة التي يقومون بها على مصاعب الأعمال ويستجلبون الرزق ويحافظون على أنفسهم فيها كثياب أبدانهم التي لا يُمكن الاستغناء عنها الشتويّة والصيفية منها، ولا دوابّهم التي يستخدمونها في أعمالهم الخاصّة من حَرث الأرض أو دوس سنابل الحبوب بعد حصاده أو نقل الماء عليها وكذلك حمل أثقالهم، وكذلك العبد الذي يستخدمونه في قضاء أعمالهم ويقدّم لهم الخدمة ويقلّل عليهم التعب والإنهاك.

ثُمّ (ولا تضربنّ أحداً سوطاً

٢٩٣

لمكان درهم) ثُمّ الرأفة والعفو عند مواضعها، فلا تعذيب ولا سوط جلاّد ولا قوّة قهريّة على الناس لاستحلابهم وأخذ أموالهم، بل لم يُعطِ الحقّ لعامل الخراج بضرب الإنسان لأجل درهم.

ثُمّ (لا تمس مال أحدٍ من الناس مُصّلٍ ولا معاهدٍ) كذلك ليس من حقّه أن يسلب مال أحدٍ من المسلمين والمعاهدين ظُلماً وعدواناً، فهو ليس جبّاراً عنيداً مُسلطاً على رقاب الناس وأموالهم، بل عليه أن يسير في عمله بما أوصاه وليه من احترام أعراض وأموال الناس.

العدالةُ والمخاطِرُ الأُخرى

الحدّ الفاصل بين المسموح واللا مسموح هو سلامة البلد الإسلامي من مخاطر التعدّي والغَدر، فأهل الذمّة كفئةٌ من المجتمع يجب أن تتمتّع بالعدالة الحقوقيّة والعيش بسلامٍ وأمن، والدفاع عنها في الوقت العصيب، إلاّ أن يُهدّدوا المجتمع الإسلامي في أمنه فعند ذاك أمرٌ آخر، فأمير المؤمنين (عليه السلام) أوصى بحُسن معاملة أهل الذمّة في جباية الخراج كما هو الحامل مع المسلم الذي سمّاه بـ (مُصّل)، حيث لم يفصلهم الإمام (عليه السلام)، وعاملهم بمنتهى العدالة الإنسانيّة (لا تَمَسُّنَّ مَالَ أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ مُصَلٍّ وَلا مُعَاهَدٍ) على حدٍّ سواءٍ (إِلاَّ أَنْ تَجِدُوا فَرَساً أَوْ سِلاحاً يُعْدَى بِهِ عَلَى أَهْلِ الإِسْلامِ، فَإِنَّهُ لا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَدَعَ ذَلِكَ فِي أَيْدِي أَعْدَاءِ الإِسْلامِ فَيَكُونَ شَوْكَةً عَلَيْهِ) يصلُ الإمام (عليه السلام) إلى هذا المطلب الحسّاس فيطرح بعضاً من المفاهيم العسكرية والنظر الاستراتيجي لدفع الأخطار عن الإسلام والأُمة من جرّاء انتهاز العدو الفرصة بتسليح نفسه للغيلة بالمسلمين، ومحاولة المُعاهد جمع المال والسلاح والخيل وهي عِدّة القتال والحرب آنذاك، أو تظنّوا منهم وثبةً على بلدٍ من بلدان المسلمين، فإنّه حينئذٍ لا يمكن غضّ الطَرَف

٢٩٤

عن أعمالهم أو التغافل عنهم، فيجب ردعهم بالطُرق المشروعة التي حدّدها الإمام (عليه السلام)، وحذّر من مخاطر بقاء السلاح في أيدي أعداء الدين، بعد ذلك يوصيهم أن: ابذلوا النصيحة واسدوها لغيركم ولا تمنعوا أنفسكم شيئاً منها، وكذلك المُعاملة الحسنة مع الجُند ومساعدة الناس فيما استطعتُم، قال ابن أبي الحديد: قوله (وأبلوا في سبيل الله) أي: اصطنعوا من المعروف في سبيل الله ما استوجب عليكم، يُقال: هو يبلوه معروفاً، أي يصنعه إليه). (1)

وأحسن الله إلينا لنشكره وننصره بكامل قوانا، فنصرة دين الله وإعلاء رايته فوق كلّ الآمال والمُنى، وبعد ذلك ويُنهي كتابه هذا بأنّه (لا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم) هذا التفصيل العميق في المعنى الذي أوضحه أمير المؤمنين (عليه السلام) بما حواه الكتاب من مضامين دينيّةٍ واجتماعيّةٍ ونفسيةٍ يُدلّل لنا أهمية السير على هدى الأئمة الأطهار أئمّة الهدى من أهل البيت (عليهم السلام) ابتداءً من عليٍّ (عليه السلام) حتى صاحب الأمر المهدي (عج)، فإنّهم نِعَمُ الله إلينا، والهداة المهديّين، عروة الله الوثقى التي لا تنفصم، إنّهم أساس العدل الاجتماعي، والمعاني الخُلقيّة الرفيعة، والأنوار البهيّة في ظُلم الليل الداجي، بهم يُهتدى إلى دين الله.

عِمارةُ الأرضِ والخَراج

وصف بعض الكُتّاب عِلم الاجتماع بالعمران، والعمران يتبعه التطوّر الحضاري والمَدني، ويُرافق ذلك الكثير من الآثار الإيجابيّة والسلبيّة على حياة المجتمع ومعايشه وخُلقه، وقد نظر عليٌّ (عليه السلام) إلى أمرِ العِمارة والخراج فربط بين الاثنين كأساسٍ لبناء البلد واستمرارية الحياة المدنية المتطورة، فقد قال (عليه السلام) في

____________________

(1) شرح نهج البلاغة - المجد 17 - ص21.

٢٩٥

العهد: (وَلْيَكُنْ نَظَرُكَ فِي عِمَارَةِ الأرض أَبْلَغَ مِنْ نَظَرِكَ فِي اسْتِجْلابِ الْخَرَاجِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ لا يُدْرَكُ إِلاَّ بِالْعِمَارَةِ، وَمَنْ طَلَبَ الْخَرَاجَ بِغَيْرِ عِمَارَةٍ أَخْرَبَ الْبِلادَ وَأَهْلَكَ الْعِبَادَ وَلَمْ يَسْتَقِمْ أَمْرُهُ إِلاَّ قَلِيلاً). (1)

فهذه التفاتةٌ رائعةٌ فيها دقّةٌ مُتناهية في النظرة العامّة لمستقبل البلاد، فعمارة الأرض هي شاملةٌ هنا للأرض الزراعيّة وتطوير الحياة المدنيّة في البلاد، فالوالي المُشرف على قيادة أمر ولايته يجب أن يهتمّ وينظر إلى عمران البلد والمحافظة على أهله، فلا يكن الهمّ الأوّل للوالي هو جباية الضرائب وترك العمارة جانباً، فإذا ما أُهملت عِمارة الأرض، فإنّها لا تُنتج ولا تدرّ، وإذا ما تراجعت في إنتاجها وفيضها فإنّ ذلك سيقطع المال المطلوب للحياة العامّة للبلد، فمسيرة الحياة في البلد تعتمد كامل الاعتماد على القوّة الاقتصاديّة، فيجب أن يكون هناك توازنٌ بين ما يأخذه من الخراج وما يُنفقه على أعمال تطوير البلد وبنائه، أي ما يُعبر عنه في مصطلحاتنا الحاليّة (ميزانيّة عامّة) هذه الميزانيّة تضعها الدولة لموازنة وضعها المالي مع البناء والتطوير والخدمات العامّة ودعم الاقتصادي لتسيير الأعمال اليوميّة للمجتمع.

إنّ النظر إلى عمارة الأرض أبلغ من النظر إلى جباية الخراج؛ لأنّ العمارة والتطوير هي التي تزيد الإنتاج وتُضاعفه أضعافاً، وكذلك فدعم الفلاح أو العامل على الأرض وإسناده وتشجيعه سيدفعه حتماً إلى بذل أقصى الجهد لتحسين الأرض وطرق الإنتاج وزيادته. إذن، الحالة الفائضة للإنتاج الوفير ستعود بآثارها الحسنة على البلد والحكومة نفسها، فإذا ما زاد الإنتاج زاد خراجه وزكاته، وإذا ما زاد ذلك تطوّرت البلاد، واستقرّت العِباد، وتحسّنت التجارة، وقوى عَضُد الجيش، وانتشر الأمن، وبُني المصر، وتحسّنت

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

٢٩٦

الأحوال، وأبدعت العقول، وزادت الصناعات، وهكذا نحن في دورةٍ مترابطةٍ كاملةٍ، فالبناء والتقدّم يأتي من الأرض وتطويرها ومساعدة العامل عليها، وبغير ذلك يحدث العكس تماماً (والحضارة الإسلامية هي عمارة الأرض، وترقية الحياة على ظهرها: إنسانيّاً، وخُلقيّاً، وعلميّاً، وأدبيّاً، وفنيّاً، واجتماعيّاً، وفق منهج الله وشريعته، وبناءً على هذا المفهوم، فإنّ المجتمع الإسلامي هو المجتمع الذي يُطبّق شريعة الله في كلّ جوانب الحياة، وهو وحده المجتمع المتحضّر، والمجتمع المُتحضّر هو الذي تكون القِيَمُ الإنسانيّة والأخلاق الإنسانيّة السائدةً فيه، وهذه القيم هي التي تُنمّي خصائص إنسانيّة الإنسان، وهي التي تُميّزه عن غيره من المخلوقات). (1)

إنّ طلب الخراج وجبايته ثُمّ دثر الأموال وإخفائها في الصناديق المُقفلة وعدم صرفها في مواضعها هو خراب البلاد بعينه، وهلاك العباد، إنّ ذلك يُعتبر مستوىً مُنحطّاً من التفكير وسذاجةً في الرأي وعدم مبالاةٍ بأمر الدين والمجتمع.

الكَوارثُ الطبيعيّةِ ومسؤوليّةُ الدولَةِ

إنّ البُلدان تتعرّض في بعض الأحيان إلى كوارث طبيعيّةٍ تؤثّر على الوضع الاقتصادي والاجتماعي وتنشر الخراب، وخصوصاً الأرض الزراعيّة، فإلى هنا يحدّد الإمام (عليه السلام) (فَإِنْ شَكَوْا ثِقَلاً أَوْ عِلَّةً أَوِ انْقِطَاعَ شِرْبٍ أَوْ بَالَّةٍ أَوْ إِحَالَةَ أَرْضٍ اغْتَمَرَهَا غَرَقٌ أَوْ أَجْحَفَ بِهَا عَطَشٌ خَفَّفْتَ عَنْهُمْ بِمَا تَرْجُو أَنْ يَصْلُحَ

____________________

(1) السايح، الدكتور احمد عبد الرحيم - الحوار الحضاري ضرورة إنسانيّة ص 21 مجلةّ الجامعة الإسلاميّة، العدد 6 السنة الثانية 1995.

٢٩٧

بِهِ أَمْرُهُمْ). (1)

إنّ الأرض مُعرّضةٌ أكثر الأحيان إلى جفافٍ قد يحدث، أو إعصارٍ مُدمّرٍ، أو صقيعٍ قاتلٍ للزرع، أو أمطارٍ في غير موعدها أو زلازل أرضيّةٍ وما شابه ذلك، فالإمام (عليه السلام) يؤكّد هنا إن شَكَوا علّةً من هذه العِلل وأحسّوا بثقل الوطأة عليهم، أو عدم وجود مياهٍ لشربهم أو سقي مزروعاتهم، سواء كانت (بالّة) مقطوعة، أي عدم وجود المَطر والندى ما يُبلّ به الأرض والزرع، أو تَعفّن البذور بسبب الفيضان وعدم الاستفادة منها، أو أُتلفت الأرض بسبب عطشها، ففي مِثل هذه الحالات التي قد تحدث تكون مهامّ الدولة رعاية الناس أصحاب هذه المِهنة، ومساعدتهم في تخفيف العبء الثقيل الواقع عليهم حتّى يصلح أمرهم ويقوون على تجاوز المِحَن والكوارث التي حلّت بهم؛ لأنّ الفرد إذا أحسّ بالرعاية الأبويّة للدولة والاهتمام به كإنسانٍ عضو في المجتمع، وكمُزارع يحرث الأرض إلى جانب مُساعدته الماديّة والمعنويّة، فإنّ ذلك يُعطيه زخماً قويّاً للعمل الجادّ على إعادة الإعمار والبناء وتعويض ما خِسر بالجُهد الإضافي المبذول، وبزيادته الإنتاجيّة سوف يستخرج ما وقع عليه من خَراجٍ طواعيّةً وبإرادةٍ ذاتيّةٍ يدفعه إلى ذلك حُبّه للدولة والوالي لمساعدته إيّاه في وقت الشدّة، فلا خسارة أبداً فيما أنفقت الدولة من بيت المال على مُساعدة المُتضرّرين، وإن حصل نقصٌ فيه، فإنّ العائد والربح في المُستقبل هو أكثر، وسيُعوّض ما خسرته الدولة سابقاً.

الادّخارُ النافِع

(وَلا يَثْقُلَنَّ عَلَيْكَ شَيْ‏ءٌ خَفَّفْتَ بِهِ الْمَئُونَةَ عَنْهُمْ، فَإِنَّهُ ذُخْرٌ يَعُودُونَ

____________________

(1) نص العهد للاشتر.

٢٩٨

بِهِ عَلَيْكَ فِي عِمَارَةِ بِلادِكَ وَتَزْيِينِ وِلايَتِكَ مَعَ اسْتِجْلابِكَ حُسْنَ ثَنَائِهِمْ وَتَبَجُّحِكَ بِاسْتِفَاضَةِ الْعَدْلِ فِيهِمْ مُعْتَمِداً فَضْلَ قُوَّتِهِمْ بِمَا ذَخَرْتَ عِنْدَهُمْ مِنْ إِجْمَامِكَ لَهُمْ وَالثِّقَةَ مِنْهُمْ بِمَا عَوَّدْتَهُمْ مِنْ عَدْلِكَ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِكَ بِهِمْ). (1)

أيّة صورةٍ رائعةٍ هذه؟! فلو أنّ الباحثين والدارسين جهدوا أنفسهم لاستنتاج دراسةٍ اجتماعيةٍ كاملةٍ لا يمكن أن يصلوا إلى قِسمٍ من عُمق فكر هذا الإمام (عليه السلام).

إنّ المعاني في هذه النصوص تُناغم العقل وتحرّك سواكنه وتدفع كوامِنه باتّجاه التفكير بالحلّ العِلمي الصحيح لجميع مشاكل المجتمع.

حيث قدّم الإمام (عليه السلام) الطريق الأنسب الذي ينتفع به الوالي مُستقبلاً، فمع حالة الإعمار يُقدّم المساعدات لأبناء شعبه، فإنّ هذا التقديم وإن كان من النَزر اليسير فإنّه سوف يَجلب حُسن الثناء والإطراء للوالي، وإنّه سوف يتبجّح بعمله هذا مُستقبلاً، وبصنعه العدل معهم سيفتخر ويسر لذلك أمام رعيته ذاخراً قوّتهم ووجودهم عند الحاجة.

إنّ استقرار وطمأنينة وقت الشدّة والعُسر من خلال مواقف الوالي السليم والمساعدات التي قدّمها لهم، ستجعله يحصل على قوةٍ احتياطيةٍ جاهزةٍ من أبناء الشعب وقت تعرّض البلاد إلى المخاطر؛ لإيمانهم بعدالة الحاكم وحكمه السوي.

إنّ ذلك يجلب الناس ويخلق فيهم محبّةً خاصةً لصاحب السلطة تساهم فيها وبقوّةٍ بالمحافظة على كيان الولاية، ويُخلصون لها أيما إخلاصٍ لإيمانهم بأنّ العدالة ما دامت سائدةً في البلاد فإنّهم بخيرٍ وارتياحٍ دائمٍ.

____________________

(1) نص العهد للاشتر.

٢٩٩

الفَقرُ والحاجَةُ وتراجُعِ العِمران

هناك ارتباطٌ واضحٌ في الحالة الاجتماعيّة بين العوز والعِمران.

وهذا الترابط يتناسب على شكلين، فإذا كان هناك إهمالٌ وتباطؤٌ في دعم الوضع الاقتصادي والاجتماعي للبلد، والذي يؤدّي أحياناً كثيرة إلى الفقر والحاجة، فإنّ ذلك يتناسب عكسيّاً مع العمران بحيث يؤدّي هذا الأمر إلى خراب البلاد، وإذا ما حدث العكس فإنّ التناسب بين العمران والوضع الاجتماعي والاقتصادي يكون طرديّاً، وبذلك يَحلّ الإعمار بدل الدمار والخراب، وقد وضّح ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) (فَرُبَّمَا حَدَثَ مِنَ الأُمُورِ مَا إذا عَوَّلْتَ فِيهِ عَلَيْهِمْ مِنْ بَعْدُ احْتَمَلُوهُ طَيِّبَةً أَنْفُسُهُمْ بِهِ، فَإِنَّ الْعُمْرَانَ مُحْتَمِلٌ مَا حَمَّلْتَهُ وَإِنَّمَا يُؤْتَى خَرَابُ الأرض مِنْ إِعْوَازِ أَهْلِهَا، وَإِنَّمَا يُعْوِزُ أَهْلُهَا لإِشْرَافِ أَنْفُسِ الْوُلاةِ عَلَى الْجَمْعِ وَسُوءِ ظَنِّهِمْ بِالْبَقَاءِ وَقِلَّةِ انْتِفَاعِهِمْ بِالْعِبَرِ). (1)

فقد ورد عن الشيخ محمّد عَبده في هذا النص من أنّ (العمران ما دام قائماً ونامياً، فكل ما حملت أهله سهل عليهم أن يحتملوا).

هذا إذا كان الوالي في الحالة الايجابيّة، أمّا إذا كان في الوسط السلبي من التفكير، فإنّه يسعى ويبذل الجُهد لجمع الأموال وخزنها لنفسه خوفاً من المُستقبل القائم الذي ملأ ذهنه نتيجةً لضعف الإيمان وسوء الظنّ والوضع المُتزعزع الذي يعيشه، فيضغط وبصورةٍ ظالمةٍ غير آبهٍ بما يؤول إليه الوضع العامّ، وما ينتج عن ذلك من فاقةٍ وعوزٍ لدى الناس، وترك العمران الذي يُعتبر أساس التنمية والتطوّر، وما أكثر العِبَر في التاريخ وما أقل الاعتبار، فكم من جامعٍ للمال لم

____________________

(1) نص العهد للأشتر.

٣٠٠

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390