توحيد المفضل

توحيد المفضل20%

توحيد المفضل مؤلف:
الناشر: مكتبة الداوري
تصنيف: التوحيد
الصفحات: 189

توحيد المفضل
  • البداية
  • السابق
  • 189 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 112624 / تحميل: 7304
الحجم الحجم الحجم
توحيد المفضل

توحيد المفضل

مؤلف:
الناشر: مكتبة الداوري
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

بين العرب(١) وهذا الآخر النضر بن الحارث وهو ابن خالة النبي سافر إلى البلاد الفارسية كأبيه، واجتمع مع الأفاضل والعلماء بمكة وغيرها، وعاشر الأحبار والكهنة، واشتغل وحصل من العلوم القديمة أشياء جليلة القدر، واطلع على علوم الفلسفة واجزاء الحكمة، وتعلم من أبيه أيضا ما كان يعلمه من الطب وغيره(٢)

وحتى بعد الإسلام بوقت غير طويل ظل العرب متصلين بالثقافة اليونانية فقد كان الحكيم الأمير خالد بن يزيد بن معاوية الأموي المتوفى عام ٨٥ ه‍ من أعلم قريش بفنون العلم، وله كلام في صنعة(٣) الكيمياء والطب وقد ترجمت له جمهرة كبيرة من الكتب الفلسفية والطبية والكيماوية وخالد هذا أول من عنى بعلوم الفلسفة عناية تامة، وكان قد أمر باحضار جماعة من فلاسفة اليونانيين ممن كان ينزل مصر ويتفصح بالعربية، وقد اخذ هؤلاء بدورهم من نقل الكتب في اللسان اليوناني

__________________

(١) اخبار الحكماء لابن القفطي ص ١١١ - ١١٢ ط السعادة، وطبقات الاطباء لابن أبي اصيبعة ج ١ ص ١١٠، ومجلة المرشد ص ٦ من المجلد الثاني، والاعلام للزركلي ج ١، وشعراء النصرانية للويس شيخو.

(٢) زهر الآداب للحصري ج ١ ص ٢٧ ط التجارية وطبقات الأطباء

(٣) غلب استعمال هذه الكلمة لما يطلق عليه الآن ( علم الكيمياء ) وقد أكثر من استعمالها العرب الأوائل. والمراد بها اليوم هي الكيمياء القديمة.

٢١

والقبطي إلى العربى(١) .

ويحكى ان ماسرجويه البصري(٢) كان عالما في الطب، وكان في أيامه كتابه في الطب هو كناش(٣) من أفضل الكنانيش، الفها اهرون ابن أعين(٤) في اللغة السريانية، فنقلها ماسرجويه إلى العربية، وهى تحتوي على ثلاثين مقالة، وزاد عليها ماسرجويه مقالتين(٥) .

__________________

(١) تجد ترجمة خالد وما كان من امر الترجمة والنقل في أيّامه في اخبار الحكماء ص ٢٨٩، وفهرست ابن النديم ص ٣٣٨ و٤٩٧، ومعجم الأدباء لياقوت ج ٤ ص ١٦٥، وشرح لامية العرب للصفدي ج ١ ص ١٢، ووفيات الأعيان ج ١ ص ١٦٨، وخطط الشام لمحمّد كرد علي ج ٤ ص ٢١، وتاريخ آداب اللغة العربية لجرجي زيدان ج ١ ص ٢٢٨، وعصر المأمون لرفاعي ج ١ ص ٤٧ وضحى الإسلام لاحمد امين ج ١ ص ٢٧٠.

(٢) هو من معاصر الخليفة الاموي مروان بن الحكم، وقد يكتب اسمه ما سرجيس.

(٣) الكناش: بضم فتشديد - مجموعة كالدفتر تدرج فيها الشوارد والفوائد. والوارد في اللغة تأنيث هذا الاسم.

(٤) قال ابن النديم في الفهرست ص ٤٣١ ط مصر: اهرون القص في صدر الدولة - اي الدولة الاموية - وعمل. كتابه بالسرياني، ونقله ما سرجيس إلخ

(٥) طبقات الاطباء ج ١ ص ١٠٩ قال ابن النديم في الفهرست -

٢٢

ولما تولى الخلافة عمر بن عبد العزيز، وجد هذه الكناش في خزائن الكتب بالشام، فحرضه ذلك على اخراجها إلى المسلمين للانتفاع بها، فاستخار الله في ذلك أربعين يوما ثم اخرجها إلى الناس، وبثها في أيديهم(١) .

وممن عرف بالفلسفة أيام الامويين يحيى النحوي وكان أسقفا في الكنائس بمصر، ويعتقد مذهب النصارى اليعاقبة(٢) ثم رجع عما يعتقده النصارى في التثليث(٣) وعاش إلى ان فتحت مصر على يد عمرو بن العاص فدخل إليه وأكرمه، ورأى له موضعا وعرف عنه انه فسر كتب أرسطو(٤) .

ومنهم اصطفن الحراني الراهب كان بالموصل في عمر(٥) يقال

__________________

- ص ٤١٣: ماسرجيس من الاطباء. وكان ناقلا من السرياني إلى العربي وله من الكتب: كتاب قوى الاطعمة ومنافعها ومضارها، كتاب قوى العقاقير ومنافعها ومضارها.

(١) فجر الإسلام ج ١ ص ١٩٢، وتاريخ التمدن الإسلامي لزيدان ج ٣ ص ١٣٥ ط الهلال نقلا عن تاريخ الحكماء المخطوط.

(٢) انظر عن اليعاقبة الفصل لابن حزم ج ١ ص ٤٩ ط الأولى.

(٣) التثليث هو القول بان الله ثالث ثلاثة هم: الأب، والابن والروح القدس.

(٤) فهرست ابن النديم ص ٣٥٦.

(٥) عمر: بضم فسكون - البيعة او الكنيسة.

٢٣

له ميخاييل، وقد نقل لخالد بن يزيد كتاب الصنعة، ذكره ابن بختيشوع في كتابه، وقال عنه انه كان طبيبا(١) .

ومنهم يعقوب الرهاوي السرياني، وقد ترجم كثيرا من كتب الالهيات اليونانية(٢) .

ومنهم أبو العلاء سالم كاتب هشام بن عبد الملك. وقد نقل من رسائل أرسطو الى الاسكندر(٣) .

وأول كتاب ترجم من اليونانية إلى العربية - بقطع النظر عن كتب الكيمياء - هو على المحتمل كتاب عرض مفتاح النجوم المنسوب إلى هرمس الحكيم(٤) وقد فرغ من ترجمته في ذي القعدة سنة ١٢٥ ه‍(٥) .

__________________

(١) اخبار الحكماء ص ٤٢، والفهرست ص ٥٠٥، وعصر المأمون ج ١ ص ٤٩، وطبقات الاطباء.

(٢) فجر الإسلام ج ١ ص ١٥٦، وعلم الفلك لكرلونلينو ص ٢٧٩ ط روما.

(٣) الوزراء والكتاب للجهشياري ص ٣٩ - ٤٠ ط الأولى، وفهرست ابن النديم ص ١٧١.

(٤) وجدت نسخة من هذا الكتاب في جملة من نيف والف وستمائة مجلد عربية خطّ يد، اقتنتها في شهر نوفمبر عام ١٩٠٩ م الامبرسيانيه في ميلانو من مدن ايطاليا.

(٥) علم الفلك لكرلونلينو ص ١٤٢ - ١٤٣.

٢٤

وهكذا تبين لنا ان الثقافة اليونانية انتشرت في العصر الاموي في كثير من الحواضر العربية، كالشام والاسكندرية والعراق، وامتزج العلماء السريانيون بالولاة الحاكمين من الامويين، فكان لذلك اثر كبير في تزاوج عقول المسلمين، وتفتحها على آفاق - تكاد تكون بعيدة - من المعرفة والعلم ومن يرجع إلى فهرست ابن النديم، وإلى الكتب التاريخية الأخرى، ويتصفح ما فيها من أسماء المؤلفات المترجمة من السريانية واليونانية، يجد ان لرجال الدولة الاموية قسطا وفيرا في امتداد العقل العربى، واتصاله بالعقول المثقفة الأخرى.

وما كان تمضي على سقوط الدولة الاموية في الشام ثمانون سنة، إلا وكان بين يدي العرب مترجمات من كثير مما كتب ارسطو، وتعليقات الذين اشتهروا من رجال « الافلاطونية الجديدة » وقسم من كتب أفلاطون، والجزء الأكبر من كتب جالينوس، وأجزاء أخر نقلت عن كتب الاطباء، وطائفة غيرها من كتب اليونانيين وكتب الهند وفارس(١) .

ويقسم المؤرخون أدوار الترجمة في العهد العباسي إلى ثلاثة أقسام، يهمنا هنا ذكر اولها، وهو يبتدأ من خلافة المنصور، وينتهى بعهد هارون الرشيد أي من عام ١٣٦ ه‍ إلى عام ١٩٣ ه‍.

وفي هذا الدور ترجم كتاب كليلة ودمنة(٢) من الفارسية،

__________________

(١) تاريخ الفكر العربي لإسماعيل مظهر ص ٢٧ - ٢٨.

(٢) ترجمه ابن المقفع، انظر الكلام عن الكتاب - ضحى الإسلام لأحمد أمين ج ١ ص ٢١٦ - ٢٢٢ ط الثانية.

٢٥

والسند هند(١) من الهندية، وترجمت باقة من كتب ارسطو في المنطق، وترجم أيضا كتاب المجسطي في الفلك(٢) .

وكان المنصور الدوانيقي اول من اهتم من خلفاء العباسيين بالنقل والترجمة، وكان جل اهتمامه بالنجوم والطب. وقد رغب نقلة العلم في ذلك

__________________

(١) في الكلام عن صيغة هذه اللفظة واصلها راجع كتاب علم الفلك للسنيور كرلونلينو ص ١٥٠ - ١٥١ وقد نقل الأب انستاس الكرملي في مقال له نشر في مجلة المعلم الجديد جزء ٣ سنة ٤ هامش ص ٢٥٧ جميع ما حققه السنيور نلينو، ولم يعزوه إلى مصدره، وهذا عمل يخالف ما تقتضيه الأمانة التأريخية، ويدعو إليه الضمير العلمي.

(٢) ضحى الإسلام ج ١ ص ٢٦٤ - وكتاب المجسطي لبطليموس هو الذي عرفنا بتطبيق البراهين على بيان الحركات السماوية، ووضح كيفية الارصاد، إلى غير هذا من البحوث التي جعلت الكتاب أشرف وأحسن ما صنف في علم الفلك حتّى ذلك الزمن والظاهر ان كتاب المجسطي قد ترجم إلى العربية في الزمن الأول ثلاث مرّات، فالاولى ترجمة ثابت بن قرة، والثانية ترجمة قسطا بن لوقا البعلبكي، والثالثة ترجمة حنين بن إسحاق العبادي ثم ترجم بعد ذلك عدة مرّات، حتى وقع في الترجمات شيء كثير من الاختلاف واللبس، فانبرى الى تنقيح الكتاب العلامة الخواجة نصير الدين الطوسيّ وطبع كتابه بعنوان - تحرير المجسطي - ثمّ جاء العالم الفاضل عبد العلي بن محمّد بن الحسين فشرح التحرير وشرحه مخطوط محفوظ في خزانة معالي السيّد صادق كمونة.

٢٦

بالبذل الكثير، وجعل لبعضهم رواتب وجواريا، وبالغ في إكرام النقلة ومحاسنتهم، وأكثرهم كان من السريان النساطرة، لانهم اقدر من غيرهم على الترجمة من اليونانية. وأكثرهم اطلاعا على كتب الفلسفة والعلم اليونانى اشهرهم آل بختيشوع سلالة جورجيس بن بختيشوع السريانى النسطورى طبيب المنصور، ومنهم من نقل من الفارسية إلى العربية، كابن المقفع وآل نوبخت(١) ، وترجم ابن المقفع كتب ارسطو المنطقية الثلاثة التي في صورة المنطق(٢) وقبل انتهاء القرن الثاني نقل من اليونانية كتاب الاسرار لمؤلف مجهول الاسم(٣) .

وتطرق الى ما في العصر العباسي الأول من العلوم المؤرخ المسعودي(٤) فانه قال: - ان ذلك العصر كان خصيبا في الترجمة والانتاج الادبى، فنقل فيه عدة مقالات عن ارسطو، وكتاب المجسطي لبطليموس في الفلك، وكتاب اقليدس في الهندسة، ومواد اخرى عن اليونانية -.

وبعد فان الدكتور مصطفى جواد يرد نفسه بنفسه، وذلك في كتاب - تاريخ العرب - الذي اشترك في تأليفه هو وجماعة من إخوانه الفضلاء فجاء في الكتاب المذكور ص ٢٦ ط العاني في الكلام عن سيرة العرب قبل الإسلام - وكان للعرب ثقافة تمثل نتيجة ما افادوه من

__________________

(١) تأريخ آداب اللغة العربية ج ٢ ص ٣٢.

(٢) طبقات الأمم لصاعد الاندلسى ص ٧٧ ط السعادة.

(٣) علم الفلك لكرلونلينو ص ٢١٩.

(٤) في كتابه مروج الذهب ج ٨ ص ١٩١ - ١٩٢ ط ليبزج.

٢٧

الأمم، فكانوا يعرفون اخبار الأمم، كما كانوا يعرفون شيئا من السير والتاريخ والقصص والاساطير. وكان منهم من يعرف اللغات الأجنبية الآرامية والفارسية والرومية، وعددهم قليل - ثم يتطرق الدكتور ناعته في ص ١٦٢ - ١٦٣ الى حديث الترجمة في العصر الأموى، انقل من الكتب الطبيعية والكيماوية.

وهكذا يظهر لما واضحا جليا ان حركة الترجمة والنقل كانت تسبق عهد الإمام الصادق، بل ان العرب كانوا على علم تام بالثقافة اليونانية في زمانه والامام عاصر تلك النهضة العلمية في عصر المنصور، وكان له في دفتها نصيب كبير، حتى قال عنه السيد امير علي(١) : - ولا يفوتنا ان نشير الى ان الذي تزعم تلك الحركة هو حفيد علي بن أبي طالب المسمى بالامام جعفر والملقب بالصادق، وهو رجل رحب افق التفكير بعيد اغوار العقل ملم، كل الالمام بعلوم عصره، ويعتبر في الواقع أنه أول من اسس المدارس المشهورة في الإسلام -.

يضاف الى ذلك انه ورد في اخبار الإمام الصادق ما يدل على اطلاعه الوافر على جملة من اللغات الأجنبية(٢) فلا نستبعد معرفته باللغة اليونانية، والعقل لا يمنع ذلك على مثل الصادق وما له من المنزلة الثقافية

__________________

(١) في كتابه - مختصر تاريخ العرب والتمدن الإسلامي - ص ١٧٩ لجنة التأليف والترجمة والنشر بمصر.

(٢) انظر في ذلك ما رواه عمّار الساباطي عن معرفة الصادق القبطية، وما رواه أبان بن تغلب عن الإمام الصادق باللسان الفارسيّ -

٢٨

الكبيرة، وعن طريق معرفته باللغة اليونانية اتصل بآدابها وعلومها، واثبت عددا من أسماء اليونانيين وكلماتهم في كتاب « توحيد المفضل » ولا يفوتنا أن نشير إلى ان للشيعة الإمامية رأيا خاصا في أئمتهم، ويذهبون في علمهم مذهبا لا يخضع لما يقرره الدكتور مصطفى جواد، من لزوم انتشار العلم بين الناس، حتى يتسنى للامام أن يحصله على يد أساتذة علماء، ثم يمليه على تلاميذه وطلابه(١) والامام يجب أن يكون - على رأي الإمامية - عالما بكل شيء، واعلم الناس في علم وفي لسان وفي لغة(٢) وان الامام مرجع العالم في كل شيء، ويجوز ان يسألوه عن كل شيء، فيجب أن يكون عنده علم كل شيء(٣) .

٧ - كتاب توحيد المفضل:

كان الباعث للإمام الصادق على وضع كتاب التوحيد: ان المفضل كان جالسا ذات يوم في روضة القبر النبوي فإذا هو بجماعة من الزنادقة

__________________

- والنبطي والحبشي والصقلبي ( البحار مج ١١ ص ٩٥ - ٩٦. وبصائر الدرجات ج ٧ الباب ١١ ).

(١) راجع مقال السيّد محمّد حسين الصافي المنشور في مجلة الغريّ العدد ٢ - ٣ السنة ١١.

(٢) كتاب الصادق للشيخ محمّد حسين المظفر ج ١ ص ٢١٢.

(٣) الشيعة والإمامة للمظفر ص ٢٠ ط الغري.

٢٩

فيهم عبد الكريم بن أبي العوجاء(١) فيدور الحديث بينهم في قضايا الحادية عنيفة، تثور لها ثائرة الايمان في قلب المفضل، ويتوجه - بعد نقاش حاد جرى بينه وبين ابن أبي العوجاء - الى دار الإمام الصادق ليخبره بجلية الأمر. فما عتم الصادق ان أملى عليه كتاب التوحيد الذي ينتظم من أربعة مجالس في أربعة أيام، من الغدوة إلى الزوال.

وهذا الذي بين ايدينا من كتاب التوحيد له تتمة او جزء ثان، لأن الامام وعد المفضل ان يملي عليه حديثا آخر عن علم ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله بينهما إلخ. وقد رأينا هذا الجزء الثاني من التوحيد مطبوعا بتمامه في « تباشير الحكمة » - فارسي طبع بايران سنة ١٣١٩ ه‍ - تأليف السيد ميرزا أبى القاسم الذهبي الشيرازي المتوفى سنة ١٢٨٦ ه‍. ولم يمكنا الوقت الضيق من درس هذا الجزء والوقوف على ابحاثه بشكل دقيق ولم يغفل العلماء والفضلاء عن مراجعة كتاب التوحيد، والارتشاف من منهل علم الامام، وقد تطرق إلى ذكره جماعة من اولئك العلماء والفضلاء نذكر منهم:

١ - أبو العباس أحمد بن علي النجاشي المتوفى عام ٤٥٠ ه‍ في رجاله ص ٢٩٦ ط بمبي.

__________________

(١) انظر احواله وآراءه في كتاب الاحتجاج للطبرسيّ ص ١٨٠ و١٨١ ط ايران وتاريخ الطبريّ ج ٣ ص ٣٧٥ وما بعدها ط ليدن وفهرست ابن النديم ص ٣٣٨، والفرق بين الفرق للبغدادي ص ٢٥٥ ط محمّد بدر، ودائرة المعارف الإسلامية مج ١ ص ٨١، وأمالي المرتضى ج ١.

٣٠

٢ - رضي الدين علي بن طاوس المتوفى عام ٦٦٤ ه‍ في كتابه الأمان من اخطار الاسفار والازمان ص ٧٨ ط الحيدرية في النجف وفي كتابه الآخر كشف الحجة ص ٩ ط الحيدرية في النجف.

٣ - محمد تقي المجلسي المتوفى عام ١٠٧٠ ه‍ في كتاب شرح المشيخة - مخطوط - وقد شرحه باللغة الفارسية.

٤ - محمد باقر المجلسي المتوفى عام ١١١٠ ه‍ في كتابه بحار الأنوار ج ٢ ص ١٧ - ١٨.

وطبع كتاب التوحيد نحو سبع مرات، منها طبعة مصر على الحجر وطبعة النفاسة باستنبول والجوائب المصرية وطهران والهند والآداب ببغداد، والحيدرية بالنجف، وكانت مظنته في الطبعة الأخيرة كتاب ( بحار الأنوار ) وقوبلت بنسخة خطية من كتاب التوحيد هي ملك الصديق الأستاذ الخطيب السيد عبد الامير الاعرجي كتبت في ١٤ جمادى الأولى عام ١٢٦٨ ه‍.

٨ - مقارنة بين توحيد المفضل وأسلوب الجاحظ:

ما كان الوهم ليختلج في ذهن الدكتور مصطفى جواد عن توحيد المفضل، لو لا ان محمد راغب الطباخ قد طبع التوحيد منسوبا إلى الجاحظ بالمطبعة العلمية بحلب في ٢٩ شعبان سنة ١٣٤٦ ه‍ - ١٩٢٨ م تحت عنوان ( الدلائل والاعتبار على الخلق والتدبير ) وما ان رأى الدكتور هذه

٣١

النسخة حتى راح يعتقد ان كتاب التوحيد من تأليف الجاحظ حقا وحقيقة مع انه سبق ان ذكرنا انه طبع في مختلف مطابع العالم الإسلامي وفي شتى أنحائه منذ نيف ومائة وخمسين عاما، ولو لم يكن مشهورا ومعروفا عند اهل النظر والعلم في الهند ومصر وتركيا وايران والعراق لما قاموا بطبعه وصححوا لسبته إلى الإمام الصادقعليه‌السلام .

ونحن إذا أجلنا الطرف بين صفحات كتاب التوحيد، واستقرينا جميع ما فيه من بحوث ومسائل، وقارناها بكتابات الجاحظ، وتمعنا في كل ذلك تمعنا بسيطا، لرأينا البون شاسعا بينهما، والفرق كبيرا ظاهرا لكل ذي بصيرة وللتثبت من ذلك والاستدلال عليه نحيل القارئ الى ما كتبه الجاحظ في صدد الكلام عن مشفر الفيل وخرطومه(١) وما كتبه الإمام الصادق في الموضوع نفسه(٢) وقارن أيضا بين ما قاله الجاحظ عن النحل(٣) وما خاطب به الصادق المفضل في البحث ذاته(٤) ، وقارن مرة ثالثة بين ما ذكره الجاحظ في وصف العنكبوت(٥) وما وصف به الصادق طبائع هذا الحيوان العجيب(٦) .

__________________

(١) كتاب الحيوان للجاحظ ج ٧ ص ٣٨ ط السعادة بمصر.

(٢) راجع توحيد المفضل ص ٤١.

(٣) كتاب الحيوان ج ٥ ص ١١٦.

(٤) توحيد المفضل ص ٥٢ - ٥٣.

(٥) كتاب الحيوان ج ٥ ص ١٢٤.

(٦) توحيد المفضل ص ٤٧.

٣٢

ان هذه المقارنة تعطينا نظرة اجمالية عما بين أسلوب الجاحظ والصادق من التنافر والبعد، فان الجاحظ في مثل هذه الموضوعات يبدو حريصا على تجميل الكلام وتنميق الأسلوب، وطالما نراه يستعمل الحذلقة والتظرف في المناقشة مع شيء غير قليل من التماجن والدعابة والسخرية.

أما الإمام الصادق فانه مسترسل في كلامه كل الترسل، سمح في عبارته كل السماحة.

ثم ان في كتاب التوحيد تناسق في البحوث، ووحدة موضوعية منعدمة في مؤلفات الجاحظ، لان الجاحظ يتبع طريقة الاستطراد ويبتعد كثيرا عن صلب الموضوع.

ولو كان كتاب التوحيد للجاحظ حقا، لأودع فيه شيئا من آرائه الخاصة في الاعتزال، او آراء بعض أئمة المعتزلة، وما لهم من عقائد في باب الحكمة والتدبير في الخلق، كما هو شأنه في بحوثه الكلامية وبعكس ذلك نرى روح التشيع متجلية ظاهرة في كتاب التوحيد، وان سهولة عبارته اقرب ما تكون ميلا إلى أسلوب الإمام الصادق والأفكار التي كان يمليها على المآت من تلاميذه وأصحابه.

والجاحظ كان يتناول الأفكار بروح يبدو انه خال من حرارة الايمان، وانه يأتي الفن بقصد العبث والتلاعب، واظهار المقدرة البيانية، وهي روح تقصيه عن مكان الكاتب ذي الرسالة السامية، والذي يقول ويعنى ما يقول، ثم يؤمن بما يقول، لذلك لا يحس قارئ الجاحظ إلا بالنشوة تخامره، وباللذة تساوره، وبالاعجاب بقدرة هذا

٣٣

الفنان، ان اخرج من الحق باطلا، ومن الباطل حقا. لكنه مع هذا يعجز ان يحمل القارئ على الايمان بما يرى، والتصديق لما يقول(١) والجاحظ إذا اخضع مختلف المواضيع لاسلوبه، لم يخضع بينها الفلسفة بحدودها ومصطلحاتها وتعاريفها وانما تناولها تناول أديب يتفلسف(٢)

وكتاب التوحيد وان لم يكن موضوعه فلسفيا، فهو من النتائج الفلسفية البعيدة الاغوار التي لا ينتهى إليها إلا من أوتي حظا عظيما من الفهم والدراية بشئون هذا الخلق، وأحوال هذا العالم، مما هو داخل في حظيرة علم المعقول والجاحظ ليس اهلا لخوض مثل موضوع كتاب التوحيد والوقوف عند أمثاله موقف العاجم لعوده، الغائص في اغواره الكاشف عن مبهماته، العارف باصوله وفروعه.

٩ - مقارنة أخرى بين توحيد المفضل وأخبار الصادق:

ولقد جاء في أخبار الإمام الصادق - المروية في الموسوعات الكبيرة والمثبتة في أمهات الكتب - الكثير مما يشابه المسائل العلمية التي تضمنها توحيد المفضل، ويقارب ما احتوى عليه من موضوعات في الطبيعة من ذلك ما أثبته المجلسي(٣) في حديث رواه سالم الضرير في ان نصرانيا سأل الصادق عن تفصيل الجسم، وجواب الامام له جوابا لا يعدو المراد

__________________

(١، ٢) أبو حيان التوحيدى لعبد الرزاق محي الدين ص ٣٥٠ ط السعادة.

(٣) راجع بحار الأنوار مج ١١ ص ١٢٨.

٣٤

منه ما حدث به المفضل في موضوع أعضاء البدن وفوائد كل منها(١) ومثل ذلك ما سأل به أبو حنيفة الإمام الصادق عن الشمس والقمر وحديث هشام الخفاف، وتوجيه الصادق إليه بعض الأسئلة في حركات النجوم، وعجزه عن الجواب، ثم تفصيله هو الجواب عما سأل به(٢) وهذا كله مشابه كل الشبه لما تكلم به الصادق مع المفضل في المجلس الثالث(٣) بل لا يعدو أن تكون المضامين متفقة اتفاقا يدل دلالة قوية على ان البحثين قد صدرا من فيض علم رجل واحد.

أما كتاب الاحتجاج للطبرسي ١٨٠ - ٢٠٦ ط النجف فتجد فيه كثيرا من أحاديث الإمام الصادق، واحتجاجاته الجمة مع كثير من زنادقة عصره، وأنت تستطيع ان ترى شدة المشابهة بين تلك الاحتجاجات وبين أكثر المواضيع التي طرقها الامام في كتاب التوحيد.

١٠ - الاسماعيلية وكتاب التوحيد:

كان الاسماعيليون في المرحلة الأولى من دعوتهم الثورية العقائدية قد تبنوا مكافحة الالحاد، والقيام بصد الموجة الطاغية التي اجتاحت الفكر الإسلامي من جماعة الشكاكين والملحدين الذين كانوا يذهبون إلى انكار القوة الخالقة وبعث الرسل، وأمثال ذلك من الأمور التي تتصل بالغيبيات والالهيات.

__________________

(١) توحيد المفضل ص ١١ ط الحيدريّة.

(٢) انظر البحار مج ١١ ص ١٢٧ وص ١٣٠.

(٣) توحيد المفضل ص ٥٥ وص ٥٦.

٣٥

وقد ابتدأت هذه الحركة من جانب الاسماعيليين منذ ان وضعت الرسائل الرمزية بالاسم الموهوم جابر بن حيان في أوائل القرن الرابع للهجرة، وامتدت إلى عهد داعي دعاتهم الأول ذي العقل الموسوعي ( الانسكلوبيدي ) مؤيد الدين الشيرازي(١) ومجالسه المؤيدية المعروفة صورة واضحة تمثل لنا الحرب العوان التي شنها الاسماعيليون على الإلحاد والملحدين والتشكيك والشكاكين.

والذي يظهر لدينا ان الاسماعيليين قد ظفروا بكتاب التوحيد، فوجدوا فيه ضالتهم المنشودة واملهم المرجو، فكتبوا منه عدة مئات من النسخ، وبثوه بين جماعاتهم وعمموه على انصارهم، للدرس عليه والأخذ منه

ويظهر لدينا مرة اخرى بان واحدا من اولئك الدعاة الاسماعيليين المثقفين قد قرأ كتاب التوحيد، وسحره كثيرا، حتى لقد بدا له ان يغشيه ثوبا اسماعيليا خاصا، فكتب له مقدمة قصيرة حشاها ببعض المصطلحات الاسماعيلية وأضاف له الآراء العامة التي

يعتقدها أصحاب هذه الفرقة فعل ذلك من اجل الدعوة إلى مذهبه، واشاعته في أكثر عدد ممكن من الناس.

__________________

(١) المؤيد في الدين هبة الله بن أبي عمران الشيرازي الاسماعيلي، داعي الدعاة في عصر الخليفة المستنصر بالله الفاطمي، ولد في شيراز وتنقل في أكثر المناطق الإسلامية، حتى سكن مصر وتوفي بها عام ٤٧٠ ه‍ اما مجالسه التي أشرنا إليها فقد عثر الدكتور حسين الهمداني على ثمانية مجلدات منها وهي تشتمل على ٨٠٠ مجلس وكل مجلس عبارة عن محاضرة كان يلقيها مؤيد الدين في دار العلم بالقاهرة.

٣٦

ونحن نستطيع ان نتعرف على هذه الزيادات التي اضافها الاسماعيليون على أصل كتاب التوحيد، كالذي جاء في مقدمة المجلس الرابع من كلمات مثل هذه ( صاحب السر المستور(١) والغيب المحظور ).

بل ان الشك ليساورنا في المجلس الرابع كله فالذي نخاله ان هذا المجلس كله من وضع الاسماعيليين، فهو لا ينسجم مع مجالس الكتاب الأولى من جهة، وما فيه من آراء لم تعرف عن الإمام الصادق من جهة أخرى، مع ملاحظة ان موضوعات هذا المجلس متأثرة بفلسفة فيثاغورس العددية التي كان ينهل من نميرها الاسماعيليون، بينما الشيعة الاثنى عشرية يواكبون المشائين والرواقيين والاشراقيين.

أما المقدمة التي أضافها أحد الاسماعيليين فتجد فيها مثل هذه الكلمات ( امام عصرنا المقيم دعوة الحق بالمطلقين الدعاة ) وكذلك هذه الكلمات:

( أيد الله داعي هذا الوقت بالمواد اللطيفة والبركات ) ومثل هذه المقدمة وتلك الكلمات تبدو لنا دخيلة على كتاب التوحيد، ولا صلة لها بصلب البحث الذي تدور حوله موضوعات الكتاب.

ولما رجعنا إلى النسخة الخطية من كتاب التوحيد التي يقتنيها الأخ الأستاذ الاعرجي، وجدناها خالية من المقدمة الاسماعيلية، وكذلك لم نجدها في كتاب بحار الأنوار، فاقتضى التنبيه على ذلك.

النجف الأشرف

١٠ / ٧ / ١٩٥٠

كاظم المظفر

__________________

(١) يقول مؤيد الدين الشيرازي عن نفسه كما في ديوانه المخطوط:

رضيت التستر لي مذهبا

وما أبتغي عنه من معدل

٣٧

بسم الله الرحمن الرحيم

قلنا فيما سبق ان هذه المقدمة ليست لها أية صلة بالكتاب، وانما وضعها أحد الاسماعيليين في عصر متأخر عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

الحمد الله الذي اوجد الموجودات، وجعل فيها دلائل ربوبيته واضحات شاهدات، وصلى الله تعالى على محمد رسوله إلى كافة الناس بالبينات الجالية القلوب الى الإقرار بالباري، وللجاحدين رادعات صادات، وعلى الأئمة من ذريته سادة الخلق ولهم إلى ذي الحق هداة، وعلى امام عصرنا المقيم دعوة الحق بالمطلقين الدعاة، وايد الله داعي هذا الوقت بالمواد اللطيفة والبركات.

( أما بعد ): فهذا كتاب يشتمل على حكمة الباري جل وعلا في خلق العالم ومواليده، الذي يسكن إليه المؤمنون. ويتحير فيه الملحدون لما فيه من صواب القول وسديده، الذي ذكره الصادقعليه‌السلام للمفضل وهو مقطوع اول ورقة منه والموجود ما يليه هذا وهو نصه وشرحه:

٣٨

كتاب توحيد المفضل

بسم الله الرحمن الرحيم

( كلام ابن أبي العوجاء مع صاحبه)

روى محمد بن سنان(١) قال حدثني المفضل بن عمر(٢) قال كنت ذات يوم بعد العصر جالسا في الروضة بين القبر والمنبر وأنا مفكر فيما خص الله تعالى به سيدنا محمداً صلى الله عليه وعلى آله، من الشرف

__________________

(١) هو أبو جعفر الزاهري. ذكر الكشّيّ في شأنه ما يدلّ على مدح عظيم وعلى قدح ايضا، وذكر انه روي عنه جماعة من العدو والثقاة من أهل العلم والإنصاف، وجميع الروايات المجرحة له واهية ساقطة، فقد أشار الكثير إلى قوته والذب عنه، وتفنيد ما قيل فيه من الضعف. وان اجتماع الأعيان على الرواية عنه ادل شيء على كمال قوته عده الشيخ المفيد من خاصّة الإمام الكاظم وثقاته وأهل الورع والعلم والفقه من شيعته كما عده الشيخ في الغيبة من الوكلاء المرضيين الذين لم يغيروا ولم يبدلوا، بل مضوا على منهاج الأئمّة، وفي الخلاصة كان مكفوف البصر اعمى توفى عام ٢٢٠ ه‍.

(٢) مضت ترجمة المفضل بصورة مفصلة في المقدّمة.

٣٩

والفضائل وما منحه وأعطاه وشرفه وحباه مما لا يعرفه الجمهور من الأمة وما جهلوه من فضله وعظيم منزلته وخطير مرتبته فإني لكذلك إذ أقبل ابن أبي العوجاء فجلس بحيث أسمع كلامه فلما استقر به المجلس إذ رجل من أصحابه قد جاء فجلس إليه فتكلم ابن أبي العوجاء(١) فقال لقد بلغ صاحب هذا القبر العز بكماله وحاز الشرف بجميع خصاله ونال الحظوة في كل أحواله فقال له صاحبه إنه كان فيلسوفا ادعى المرتبة العظمى والمنزلة الكبرى وأتى على ذلك بمعجزات بهرت العقول وضلت فيها الأحلام وغاصت الألباب على طلب علمها

__________________

(١) هو عبد الكريم بن أبي العوجاء ربيب حماد بن سلمة على ما يقول ابن الجوزي ومن تلامذة الحسن البصري، وذكر البغداديّ انه كان ما نويا يؤمن بالتناسخ ويميل إلى مذهب الرافضة (!) ويقول بالقدر، ويتخذ من شرح سيرة مانى وسيلة للدعوة، وتشكيك الناس في عقائدهم، ويتحدث في التعديل والتجوير على ما يذكر البيرونى. ومن هنا يتبين ان ابن أبي العوجاء هذا كان زنديقا مشهورا بذلك وله مواقف حاسمة مع الإمام الصّادق، أفحمه الامام في كل مرة منها، سجنه والي الكوفة محمّد بن سليمان ثمّ قتله في أيّام المنصور عام ١٥٥ ه‍، وقيل عام ١٦٠ ه‍ في أيّام المهدى تجد ذكره في تاريخ الطبريّ ج ٣ ص ٣٧٥ ط ليدن، وفهرست ابن النديم ص ٣٣٨، والفرق بين الفرق ص ٢٥٥ ط محمّد بدر، ودائرة المعارف الإسلامية مج ١ ص ٨١، واحتجاج الطبرسيّ ص ١٨٢ و١٨٣ ط النجف، وما للهند من مقولة ص ١٢٣.

٤٠

في بحار الفكر فرجعت خاسئات وهي حسر فلما استجاب لدعوته العقلاء والفصحاء والخطباء دخل الناس في دينه أفواجا فقرن اسمه باسم ناموسه(١) فصار يهتف به على رءوس الصوامع في جميع البلدان والمواضع التي انتهت إليها دعوته وعلتها كلمته وظهرت فيها حجته برا وبحرا سهلا وجبلا في كل يوم وليلة خمس مرات مرددا في الأذان والإقامة ليتجدد في كل ساعة ذكره ولئلا يخمل أمره فقال ابن أبي العوجاء دع ذكر محمد ص فقد تحير فيه عقلي وضل في أمره فكري وحدثنا في ذكر الأصل الذي نمشي له ثم ذكر ابتداء الأشياء وزعم أن ذلك بإهمال لا صنعة فيه ولا تقدير ولا صانع ولا مدبر بل الأشياء تتكون من ذاتها بلا مدبر وعلى هذا كانت الدنيا لم تزل ولا تزال

( محاورة المفضل مع ابن أبي العوجاء)

قال المفضل فلم أملك نفسي غضبا وغيظا وحنقا فقلت يا عدو الله ألحدت في دين الله وأنكرت الباري جل قدسه الذي خلقك( فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ) وصورك في أتم صورة ونقلك في أحوالك حتى بلغ إلى حيث انتهيت فلو تفكرت في نفسك وصدقك(٢) لطيف حسك لوجدت دلائل الربوبية وآثار الصنعة فيك قائمة وشواهده جل وتقدس في خلقك

__________________

(١) الناموس: الشريعة.

(٢) صدقك: اي قال لك صدقا.

٤١

واضحة وبراهينه لك لائحة فقال يا هذا إن كنت من أهل الكلام كلمناك فإن ثبتت لك حجة تبعناك وإن لم تكن منهم فلا كلام لك وإن كنت من أصحاب جعفر بن محمد الصادق فما هكذا تخاطبنا ولا بمثل دليلك تجادل فينا ولقد سمع من كلامنا أكثر مما سمعت فما أفحش في خطابنا ولا تعدى في جوابنا وإنه الحليم الرزين العاقل الرصين لا يعتريه خرق(١) ولا طيش ولا نزق(٢) يسمع كلامنا ويصغي إلينا ويتعرف حجتنا حتى إذا استفرغنا(٣) ما عندنا وظننا أنا قطعناه دحض حجتنا بكلام يسير وخطاب قصير يلزمنا به الحجة ويقطع العذر ولا نستطيع لجوابه ردا فإن كنت من أصحابه فخاطبنا بمثل خطابه

( سبب إملاء الكتاب على المفضل)

قال المفضل فخرجت من المسجد محزونا مفكرا فيما بلي به الإسلام وأهله من كفر هذه العصابة وتعطيلها(٤) فدخلت على مولايعليه‌السلام فرآني منكسرا فقال: ما لك فأخبرته بما سمعت من الدهريين(٥) وبما

__________________

(١) الخرق: ضعف الرأي وسوء التصرف والحمق.

(٢) النزق: هو الطيش والخفة عند الغضب.

(٣) لعله من الافراغ بمعنى الصب. يقال: استفرغ مجهوده، أي بذل طاقته

(٤) التعطيل: مصدر، وفي الاصطلاح الديني هو انكار صفات الخالق الباري، والمعطلة: هم أصحاب مذهب التعطيل.

(٥) واحده الدهري، وهو الملحد الذي يزعم بان العالم موجود ازلا وابدا.

٤٢

رددت عليهما فقال يا مفضل لألقين عليك من حكمة الباري جل وعلا وتقدس اسمه في خلق العالم والسباع والبهائم والطير والهوام وكل ذي روح من الأنعام والنبات(١) والشجرة المثمرة وغير ذات الثمر والحبوب والبقول المأكول من ذلك وغير المأكول ما يعتبر به المعتبرون ويسكن إلى معرفته المؤمنون ويتحير فيه الملحدون فبكر علي غدا

__________________

(١) العطف التشريكي هنا يكشف عن رأي الإمام الصّادق في النبات وان له روحا، وبعبارة اخرى ان لديه حسا وحركة. ولم تكتشف هذه النظرية العلمية إلاّ في اواخر القرن الثامن عشر الميلادي، واول من فاك بان في النبات حسا تشله السموم وتميته الكهربية هو « بيشا » العالم الفصيولوجي الفرنسي المتوفى عام ١٨٠٢ م ( عجائب الخلق لزيدان ص ١٩٣ ) وقد ثبتت هذه النظرية بوجود بعض الأزهار المتفتحة نهارا والمقفلة ليلا ( ص ٦٢٥ من كتاب التأريخ الطبيعي ) وقام عالم هندي هو ( السرجفادس بوز ) بوضع آلة دقيقة تظهر بها حركات النبات، وما يتأثر به من المؤثرات الخارجية، كالمنبهات والمخدرات، وانشأ هذا العالم معهدا كبيرا في ( كلكتة ) لدرس حركات النبات، وانفعاله بالحر والبرد والظلمة والنور - فصول في التاريخ الطبيعي للدكتور يعقوب صروف ص ٤٩ - وقد أصبح من المشهور وجود بعض نباتات تفترس بعض الحشرات والحيوانات الصغيرة، وتوجد أيضا ازهار تضحك واخرى تبكي - ص ١٠٢٠ من السنة السادسة والثلاثين لمجلة الهلاك - وامثلة ذلك النبتة المستحبة وندى الشمس واعجوبة القدر والاباريق ومصيدة الذباب واللقاح وغير هذه. -

٤٣

المجلس الأول

قال المفضل فانصرفت من عنده فرحا مسرورا وطالت علي تلك الليلة انتظارا لما وعدني به فلما أصبحت غدوت فاستوذن لي فدخلت وقمت بين يديه فأمرني بالجلوس فجلست ثم نهض إلى حجرة كان يخلو فيها ونهضت بنهوضه فقال اتبعني فتبعته فدخل ودخلت خلفه فجلس وجلست بين يديه فقال يا مفضل كأني بك وقد طالت عليك هذه الليلة انتظارا لما وعدتك فقلت أجل يا مولاي فقال يا مفضل إن الله تعالى كان ولا شيء قبله وهو باق ولا نهاية له فله الحمد على ما ألهمنا والشكر على ما منحنا فقد خصنا من العلوم بأعلاها ومن المعالي بأسناها واصطفانا على جميع الخلق بعلمه وجعلنا مهيمنين(١) عليهم بحكمه فقلت يا مولاي أتأذن لي أن أكتب ما تشرحه وكنت أعددت معي ما أكتب فيه فقال لي افعل يا مفضل

( جهل الشكاك بأسباب الخلقة ومعانيها)

إن الشكاك جهلوا الأسباب والمعاني في الخلقة وقصرت أفهامهم

__________________

- وفي مقدمات كتابنا ( في دنيا النبات ) وضعنا فصلا طريفا عن طبائع النبات وحركاته، ومنه اقتبسنا هذه الكلمات.

(١) جمع مهيمن، وهو الأمين والمؤتمن والشاهد.

٤٤

عن تأمل الصواب والحكمة فيما ذرأ(١) الباري جل قدسه وبرأ(٢) من صنوف خلقه في البر والبحر والسهل والوعر فخرجوا بقصر علومهم إلى الجحود وبضعف بصائرهم إلى التكذيب والعنود حتى أنكروا خلق الأشياء وادعوا أن تكونها بالإهمال لا صنعة فيها ولا تقدير ولا حكمة من مدبر ولا صانع تعالى الله عما يصفون و( قاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (٣) فهم في ضلالهم وغيهم وتجبرهم بمنزلة عميان دخلوا دارا قد بنيت أتقن بناء وأحسنه وفرشت بأحسن الفرش وأفخره وأعد فيها ضروب الأطعمة والأشربة والملابس والمآرب التي يحتاج إليها ولا يستغنى عنها ووضع كل شيء من ذلك موضعه على صواب من التقدير وحكمة من التدبير فجعلوا يترددون فيها يمينا وشمالا ويطوفون بيوتها إدبارا وإقبالا محجوبة أبصارهم عنها لا يبصرون بنية الدار وما أعد فيها وربما عثر بعضهم بالشيء الذي قد وضع موضعه وأعد للحاجة إليه وهو جاهل للمعنى فيه ولما أعد ولما ذا جعل كذلك فتذمر وتسخط وذم الدار وبانيها فهذه حال هذا الصنف في إنكارهم ما أنكروا من أمر الخلقة وثبات الصنعة فإنهم لما عزبت(٤) أذهانهم عن معرفة الأسباب والعلل في الأشياء صاروا يجولون في هذا العالم حيارى فلا يفهمون

__________________

(١) ذرأ الله الخلق: خلقهم.

(٢) برأه: خلقه من العدم.

(٣) أي ينصرفون عن الحق.

(٤) أي غابت.

٤٥

ما هو عليه من إتقان خلقته وحسن صنعته وصواب هيئته وربما وقف بعضهم على الشيء يجهل سببه والإرب(١) فيه فيسرع إلى ذمه ووصفه بالإحالة والخطإ كالذي أقدمت عليه المنانية(٢) الكفرة وجاهرت به الملحدة المارقة الفجرة وأشباههم من أهل الضلال المعللين أنفسهم بالمحال(٣) فيحق على من أنعم الله عليه بمعرفته وهداه لدينه ووفقه لتأمل التدبير في صنعة الخلائق والوقوف على ما خلقوا له من لطيف التدبير وصواب التقدير بالدلالة القائمة الدالة على صانعها أن

__________________

(١) الارب: - بالفتح - المهارة او الحاجة.

(٢) او المانوية: هم أصحاب الحكيم الفارسيّ مانى بن فاتك الذي ظهر في أيّام سابور « ثانى ملوك الدولة الساسانية » ومذهبة مزيج من المجوسية والنصرانية، وقد تبعه في معتقده خلق كثير، وبقى قسم كبير منهم في الدور العباسيّ الأول ثمّ تسربت آراؤه إلى أوربا وبقية الاقطار الاسيوية ومانى هذا كان راهبا بحران ولد حوالي عام ٢١٥ م وقتله بعدئذ بهرام بن هرمز. انظر في ذلك الملل والنحل للشهرستانى ج ٢ ص ٨١ ومروج الذهب ج ١ ص ١٥٥، والفهرست ص ٤٥٦، ومعرب الشاهنامه ج ٢ ص ٧١، والفرق بين الفرق ص ١٦٢ و٢٠٧، والآثار الباقية للبيرونى ص ٢٠٧، وتاريخ الفكر العربى لإسماعيل مظهر ص ٣٩، وحرية الفكر لسلامة موسى ص ٥٥.

(٣) أي الشاغلين انفسهم عن طاعة ربهم بأمور يحكم العقل السليم باستحالتها.

٤٦

يكثر حمد الله مولاه على ذلك ويرغب إليه في الثبات عليه والزيادة منه فإنه جل اسمه يقول -( لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ ) (١)

( تهيئة العالم وتأليف أجزائه)

يا مفضل أول العبر والدلالة على الباري جل قدسه تهيئة هذا العالم وتأليف أجزائه ونظمها(٢) على ما هي عليه فإنك إذا تأملت العالم بفكرك وخبرته بعقلك وجدته كالبيت المبني المعد فيه جميع ما يحتاج إليه عباده فالسماء مرفوعة كالسقف والأرض ممدودة كالبساط والنجوم مضيئة(٣) كالمصابيح والجواهر مخزونة كالذخائر وكل شيء فيها لشأنه معد والإنسان كالملك ذلك البيت والمخول(٤) جميع ما فيه وضروب النبات مهيأة لمآربه وصنوف الحيوان مصروفة في مصالحه ومنافعه ففي هذا دلالة واضحة على أن العالم مخلوق بتقدير وحكمة ونظام وملائمة وأن الخالق له واحد وهو الذي ألفه ونظمه بعضا إلى بعض جل قدسه وتعالى جده وكرم وجهه ولا إله غيره تعالى عما يقول الجاحدون وجل وعظم عما ينتحله الملحدون.

__________________

(١) سورة إبراهيم آية ٧.

(٢) الضمير راجع إلى الاجزاء.

(٣) في نسخة منضودة اي جعل بعضها فوق بعض فهي منضودة.

(٤) من التخويل وهو الاعطاء والتمليك.

٤٧

( خلق الإنسان وتدبير الجنين في الرحم)

نبدأ يا مفضل بذكر خلق الإنسان فاعتبر به فأول ذلك ما يدبر به الجنين في الرحم وهو محجوب( فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ) ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة(١) حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء ولا دفع أذى ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه الماء والنبات فلا يزال ذلك غذاؤه

( كيفية ولادة الجنين وغذائه وطلوع أسنانه وبلوغه)

حتى إذا كمل خلقه واستحكم بدنه وقوي أديمه(٢) على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق(٣) بأمه فأزعجه أشد إزعاج وأعنفه حتى يولد فإذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم أمه إلى ثديها وانقلب الطعم واللون إلى ضرب آخر من الغذاء وهو أشد موافقة للمولود من الدم فيوافيه في وقت حاجته إليه فحين يولد قد تلمظ(٤) وحرك شفتيه طلبا للرضاع فهو يجد ثدي أمه كالإداوتين(٥) المعلقتين لحاجته فلا يزال يتغذى باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء لين الأعضاء -

__________________

(١) المشيمة: غشاء ولد الإنسان يخرج معه عند الولادة، جمعه مشيم ومشايم.

(٢) الاديم: الجلد المدبوغ.

(٣) الطلق « بسكون الثاني » وجع الولادة.

(٤) تلمظ: إذا أخرج لسانه فمسح به شفتيه.

(٥) الاداوة: - بكسر ففتح - إناء صغير من جلد يتخذ للماء، جمعه أداوى.

٤٨

حتى إذا يحرك واحتاج إلى غذاء فيه صلابة ليشتد ويقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان والأضراس(١) ليمضغ(٢) بها الطعام فيلين عليه ويسهل له إساغته فلا يزال كذلك حتى يدرك فإذا أدرك وكان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر وعز الرجل الذي يخرج به من جد الصبا وشبه النساء وإن كانت أنثى يبقى وجهها نقيا من الشعر لتبقى لها البهجة والنضارة التي تحرك الرجل لما فيه دوام النسل وبقاؤه.

اعتبر يا مفضل فيما يدبر به الإنسان في هذه الأحوال المختلفة هل ترى مثله يمكن أن يكون بالإهمال أفرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم وهو في الرحم ألم يكن سيذوي ويجف كما يجف النبات إذا فقد الماء ولو لم يزعجه المخاض عند استحكامه ألم يكن سيبقى في الرحم كالموءود(٣) في الأرض ولو لم يوافقه اللبن مع ولادته ألم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه ولا يصلح عليه بدنه ولو لم تطلع له الأسنان في وقتها ألم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام وإساغته أو يقيمه على الرضاع فلا يشتد بدنه ولا يصلح لعمل ثم كان يشغل أمه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد،

__________________

(١) الطواحن: هي الأضراس، وتطلق الأضراس غالبا على المآخير والأسنان على المقاديم، كما هو الظاهر هنا، وان لم يفرق اللغويون بينهما.

(٢) مضغ الطعام: لاكه بلسانه.

(٣) وأد البنت: دفنها في التراب وهي حية، كما كان العرب يفعلون ذلك في العهد الجاهلي.

٤٩

( حال من لا ينبت في وجهه الشعر وعلة ذلك)

ولو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته ألم يكن سيبقى في هيئة الصبيان والنساء فلا ترى له جلالة ولا وقاراً؟

قال المفضل فقلت له يا مولاي فقد رأيت من يبقى على حالته ولا ينبت الشعر في وجهه وإن بلغ الكبر فقالعليه‌السلام ( ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ ) (١) فمن هذا الذي يرصده(٢) حتى يوافيه بكل شيء من هذه المآرب إلا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن ثم توكل له بمصلحته بعد أن كان فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد والتقدير يأتيان بالخطإ والمحال لأنهما ضد الإهمال وهذا فظيع من القول وجهل من قائله لأن الإهمال لا يأتي بالصواب والتضاد لا يأتي بالنظام(٣) تعالى الله عما يقول الملحدون علوا كبيراً

__________________

(١) سورة آل عمران آية ١٨٢.

(٢) يرصده: أي يرقبه.

(٣) أي إذا لم تكن الأشياء منوطة باسبابها، ولم ترتبط الأمور بعللها، فكما جاز ان يحصل هذا الترتيب والنظام التام بلا سبب، فجاز أن يصير التدبير في الأمور سببا لاختلافها. وهذا خلاف ما يحكم به العقلاء لما يرون من سعيهم في تدبير الأمور وذمهم من يأتي بها على غير تأمل وروية ويحتمل أن يكون المراد ان الوجدان يحكم بتضاد آثار الأمور -

٥٠

( حال المولود لو ولد فهما عاقلا وتعليل ذلك)

ولو كان المولود يولد فهما(١) عاقلا لأنكر العالم عند ولادته ولبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف وورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم والطير إلى غير ذلك مما يشاهده ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم.

واعتبر ذلك بأن من سبي من بلد وهو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع إلى تعلم الكلام وقبول الأدب كما يسرع الذي سبي صغيرا غير عاقل ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة(٢) إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصبا بالخرق مسجى(٣) في المهد لأنه لا يستغني عن هذا كله لرقة بدنه ورطوبته حين يولد ثم كان لا يوجد له من الحلاوة والوقع من القلوب ما يوجد للطفل فصار يخرج إلى الدنيا غبيا(٤) غافلا عما فيه أهله فيلقى الأشياء بذهن ضعيف ومعرفة ناقصة ثم لا يزال يتزايد في المعرفة قليلا

__________________

- المتضادة، وربما أمكن اقامة البرهان عليه أيضا، فإذا أتي الاهمال بالصواب يجب ان يأتي ضده وهو التدبير بالخطإ، وهذا أفظع وأشنع.

( من تعليقات البحار )

(١) الفهم: - بفتح فكسر - السريع الفهم.

(٢) الغضاضة: هى الذلة والمنقصة - جمعها غضائض.

(٣) التسجية: هى التغطية بثوب يمد على الجسم.

(٤) على وزن فعيل - وهو القليل الفطنة.

٥١

قليلا وشيئا بعد شيء وحالا بعد حال حتى يألف الأشياء ويتمرن ويستمر عليها فيخرج من حد التأمل لها والحيرة فيها إلى التصرف والاضطرار إلى المعاش بعقله وحيلته وإلى الاعتبار والطاعة والسهو والغفلة والمعصية وفي هذا أيضا وجوه أخر فإنه لو كان يولد تام العقل مستقلا بنفسه لذهب موضع حلاوة تربية الأولاد وما قدر أن يكون للوالدين في الاشتغال بالولد من المصلحة وما يوجب التربية للآباء على الأبناء من المكافأة بالبر والعطف عليهم عند حاجتهم إلى ذلك منهم(١) ثم كان الأولاد لا يألفون آباءهم ولا يألف الآباء أبناءهم لأن الأولاد كانوا يستغنون عن تربية الآباء وحياطتهم فيتفرقون عنهم حين يولدون فلا يعرف الرجل أباه وأمه ولا يمتنع من نكاح أمه وأخته وذوات المحارم منه إذا كان لا يعرفهن وأقل ما في ذلك من القباحة بل هو أشنع وأعظم وأفظع وأقبح وأبشع لو خرج المولود من بطن أمه وهو يعقل أن يرى(٢) منها ما لا يحل له ولا يحسن به أن يراه أفلا ترى كيف أقيم كل شيء من الخلقة على غاية الصواب وخلا من الخطإ دقيقه وجليله(٣)

__________________

(١) أي بان يبر الابناء بآبائهم والعطف عليهم عند حاجة الآباء إلى ذلك في كبرهم وضعفهم، وجزاء لما عانوا من الشدائد في سبيل تربية الابناء

(٢) خبر لقوله: أقل ما في ذلك.

(٣) ان بعض هذا البيان البديع من الامام عن تدرج الإنسان في نموه، ونموه في أوقاته، كاف في حكم العقل، بان له صانعا صنعه عن علم وحكمة وتقدير وتدبير. ( عن كتاب الإمام الصّادق ) للشيخ محمّد حسين المظفر ج ١ ص ١٧١.

٥٢

( منفعة الأطفال في البكاء)

اعرف يا مفضل ما للأطفال في البكاء من المنفعة واعلم أن في أدمغة الأطفال رطوبة إن بقيت فيها أحدثت عليهم أحداثا جليلة وعللا عظيمة من ذهاب البصر وغيره والبكاء يسيل تلك الرطوبة من رءوسهم فيعقبهم ذلك الصحة في أبدانهم والسلامة في أبصارهم أفليس قد جاز أن يكون الطفل ينتفع بالبكاء ووالداه لا يعرفان ذلك فهما دائبان(١) ليسكتانه ويتوخيان(٢) في الأمور مرضاته لئلا يبكي وهما لا يعلمان أن البكاء أصلح له وأجمل عاقبة فهكذا يجوز أن يكون في كثير من الأشياء منافع لا يعرفها القائلون بالإهمال ولو عرفوا ذلك لم يقضوا على الشيء أنه لا منفعة فيه من أجل أنهم لا يعرفونه ولا يعلمون السبب فيه فإن كل ما لا يعرفه المنكرون يعلمه العارفون(٣) وكثيرا ما يقصر عنه علم المخلوقين محيط به علم الخالق جل قدسه وعلت كلمته.

فأما ما يسيل من أفواه الأطفال من الريق ففي ذلك خروج الرطوبة التي لو بقيت في أبدانهم لأحدثت عليهم الأمور العظيمة كمن تراه قد غلبت عليه الرطوبة فأخرجته إلى حد البله والجنون والتخليط إلى غير ذلك من الأمراض المتلفة كالفالج(٤)

__________________

(١) الدءوب: الجد والتعب.

(٢) التوخي. التحرّي والقصد

(٣) أي ان ذلك ممّا لا يقصر عن ادراكه ذو العلم والفهم.

(٤) الفالج: داء يحدث في أحد شقى البدن، فيبطل احساسه وحركته.

٥٣

واللقوة(١) وما أشبههما فجعل الله تلك الرطوبة تسيل من أفواههم في صغرهم لما لهم في ذلك من الصحة في كبرهم فتفضل على خلقه بما جهلوه ونظر لهم بما لم يعرفوه ولو عرفوا نعمه عليهم لشغلهم ذلك من التمادي في معصيته فسبحانه ما أجل نعمته وأسبغها على المستحقين وغيرهم من خلقه تعالى عما يقول المبطلون(٢) علوا كبيراً.

( آلات الجماع وهيئتها)

انظر الآن يا مفضل كيف جعلت آلات الجماع في الذكر والأنثى جميعا على ما يشاكل ذلك عليه فجعل للذكر آلة ناشرة تمتد حتى تصل النطفة(٣) إلى الرحم إذا كان محتاجا إلى أن يقذف ماءه في غيره وخلق للأنثى وعاء قعرا(٤) ليشتمل على الماءين جميعا ويحتمل الولد ويتسع له ويصونه حتى يستحكم أليس ذلك من تدبير حكيم لطيفسُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ؟.

( أعضاء البدن وفوائد كل منها)

فكر يا مفضل في أعضاء البدن أجمع وتدبير كل منها للإرب

__________________

(١) اللقوة: - بفتح فسكون - داء يصيب الوجه، يعوج منه الشدق إلى أحد جانبي العنق، جمعه لقاء والقاء.

(٢) يقال: أبطل اي جاء بالباطل.

(٣) النطفة: ماء الرجل او المرأة، والجمع نطاف ولطف.

(٤) القعر من كل شيء: عمقه ونهاية أسفله.

٥٤

فاليدان للعلاج والرجلان للسعي والعينان للاهتداء والفم للاغتذاء والمعدة للهضم والكبد للتخليص والمنافذ(١) لتنفيذ الفضول والأوعية لحملها والفرج لإقامة النسل وكذلك جميع الأعضاء إذا ما تأملتها وأعملت فكرك فيها ونظرك وجدت كل شيء منها قد قدر لشيء على صواب وحكمة

( زعم الطبيعيين وجوابه)

قال المفضل فقلت يا مولاي إن قوما يزعمون أن هذا من فعل الطبيعة فقالعليه‌السلام : سلهم عن هذه الطبيعة أهي شيء له علم وقدرة على مثل هذه الأفعال أم ليست كذلك فإن أوجبوا لها العلم والقدرة فما يمنعهم من إثبات الخالق فإن هذه صنعته(٢) وإن زعموا أنها تفعل هذه الأفعال بغير علم ولا عمد وكان في أفعالها ما قد تراه من الصواب والحكمة علم أن هذا الفعل للخالق الحكيم فإن الذي سموه طبيعة هو سنته في خلقه الجارية على ما أجراها عليه(٣) .

__________________

(١) المنافذ هنا بمعنى النوافذ من الإنسان، اى كل سم او خرق فيه كالفم والأنف، والظاهر ان المراد بها هنا محل خروج البول والغائط.

(٢) لعل المراد انهم إذا قالوا بذلك فقد اثبتوا الصانع، فلم يسمونه بالطبيعة، وهي ليست بذات علم ولا إرادة ولا قدرة؟.

(٣) أي ظاهر بطلان هذا الزعم، والذي صار سببا لذهولهم إلى ان الله تعالى اجرى عادته بأن يخلق الأشياء باسبابها، فذهبوا إلى استقلال

٥٥

( عملية الهضم وتكون الدم وجريانه في الشرايين والأوردة)

فكر يا مفضل في وصول الغذاء إلى البدن وما فيه من التدبير فإن الطعام يصير إلى المعدة فتطبخه وتبعث بصفوه إلى الكبد في عروق دقاق واشجة(١) بينهما قد جعلت كالمصفي للغذاء لكيلا يصل إلى الكبد منه شيء فينكاها(٢) - وذلك أن الكبد رقيقة لا تحتمل العنف ثم إن الكبد تقبله فيستحيل بلطف التدبير دما وينفذه إلى البدن كله في مجاري مهيأة لذلك بمنزلة المجاري التي تهيأ للماء ليطرد في الأرض كلها وينفذ ما يخرج منه من الخبث والفضول إلى مفايض(٣) قد أعدت لذلك

__________________

- تلك الأسباب في ذلك. وبعبارة أخرى ان سنة الله وعادته قد جرت لحكم كثيرة، فتكون الأشياء بحسب بادي النظر مستندة إلى غيره تعالى، ثم - يعلم - بعد الاعتبار والتفكر - ان الكل مستند إلى قدرته وتأثيره تعالى، وانما هذه الأشياء وسائل وشرائط لذلك ومن هنا تحير وافي الصانع تعالى

« من تعليقات البحار »

(١) الواشجة: مؤنث الواشج اسم فاعل بمعنى المشتبك، يقال: وشجت العروق والاغصان إذا اشتبكت. والمراد بالواشجة هنا الموصلة او الواصلة.

(٢) نكأ القرحة قشرها قبل ان تبرأ فندبت.

(٣) المفايض: المجارى، مأخوذة من فاض الماء، وفي بعض النسخ بالغين من غاض الماء غيضا، أي نضب وذهب في الأرض.

٥٦

فما كان منه من جنس المرة(١) الصفراء جرى إلى المرارة(٢) وما كان من جنس السوداء جرى إلى الطحال وما كان من البلة والرطوبة جرى إلى المثانة(٣) .

فتأمل حكمة التدبير في تركيب البدن ووضع هذه الأعضاء منه مواضعها وإعداد هذه الأوعية فيه لتحمل تلك الفضول لئلا تنتشر في البدن فتسقمه وتنهكه فتبارك من أحسن التقدير وأحكم التدبير وله الحمد كما هو أهله ومستحقه.

( أول نشوء الأبدان تصوير الجنين في الرحم)

قال المفضل فقلت صف نشوء الأبدان ونموها حالا بعد حال حتى تبلغ التمام والكمال قالعليه‌السلام : أول ذلك تصوير الجنين في

__________________

(١) المرة: بكسر ففتح - خلط من اخلاط البدن وهو الصفراء أو السوداء، جمعه مرار.

(٢) المرارة: هنة شبه كيس لاصقة بالكبد تكون فيها مادة صفراء هي المرة أشار إليها الامام، جمعها مرائر ومرارات.

(٣) في كلام الإمامعليه‌السلام هنا معان صريحة عن الدورة الدموية - التي اكتشفها العالم الانكليزي وليم هار في « ١٥٧٨ - ١٦٥٧ » بل ان الامام قد فصل القول - كما ترى هنا - عن جريان الدم في الاوردة والشرايين، وان مركزه هو القلب فنستطيع إذن ان نقول بان الامام هو المكتشف الأول للدورة الدموية ...

٥٧

الرحم حيث لا تراه عين ولا تناله يد ويدبره حتى يخرج سويا مستوفيا جميع ما فيه قوامه وصلاحه من الأحشاء والجوارح والعوامل إلى ما في تركيب أعضائه من العظام واللحم والشحم والعصب والمخ والعروق والغضاريف(١) فإذا خرج إلى العالم تراه كيف ينمو بجميع أعضائه وهو ثابت على شكل وهيئة لا تتزايد ولا تنقص إلى أن يبلغ أشده إن مد في عمره أو يستوفي مدته قبل ذلك هل هذا إلا من لطيف التدبير والحكمة

( اختصاص الإنسان بالانتصاب والجلوس دون البهائم)

انظر يا مفضل ما خص به الإنسان في خلقه تشرفا وتفضلا على البهائم فإنه خلق ينتصب قائما ويستوي جالسا ليستقبل الأشياء بيديه وجوارحه ويمكنه العلاج والعمل بهما فلو كان مكبوبا على وجهه كذوات الأربع لما استطاع أن يعمل شيئا من الأعمال

( تخصص الإنسان بالحواس وتشرفه بها دون غيره)

انظر الآن يا مفضل إلى هذه الحواس(٢) التي خص بها الإنسان في خلقه وشرف بها على غيره كيف جعلت العينان في الرأس كالمصابيح فوق المنارة ليتمكن من مطالعة الأشياء ولم تجعل في الأعضاء

__________________

(١) الغضاريف: جمع غضروف وهو كل عظم رخص لين.

(٢) هى الأعضاء التي تؤمن مناسباتنا مع المحيط الخارجي، وهى خمسة أعضاء اللمس والذوق والشم والبصر والسمع

٥٨

التي تحتهن كاليدين والرجلين فتعترضها الآفات ويصيبها من مباشرة العمل والحركة ما يعللها ويؤثر فيها وينقص منها ولا في الأعضاء التي وسط البدن كالبطن والظهر فيعسر تقلبها واطلاعها نحو الأشياء.

( الحواس الخمس وأعمالها وما في ذلك من الأسرار)

فلما لم يكن لها في شيء من هذه الأعضاء موضع كان الرأس أسنى المواضع للحواس وهو بمنزلة الصومعة لها فجعل الحواس خمسا تلقى خمسا لكي لا يفوتها شيء من المحسوسات فخلق البصر ليدرك الألوان فلو كانت الألوان ولم يكن بصر يدركها لم تكن فيها منفعة وخلق السمع ليدرك الأصوات فلو كانت الأصوات ولم يكن سمع يدركها لم يكن فيها إرب وكذلك سائر الحواس ثم هذا يرجع متكافيا فلو كان بصر ولم تكن الألوان لما كان للبصر معنى ولو كان سمع ولم تكن أصوات لم يكن للسمع موضع.

( تقدير الحواس بعضها يلقى بعضاً)

فانظر كيف قدر بعضها يلقى بعضا فجعل لكل حاسة محسوسا(١) يعمل فيه ولكل محسوس(٢) حاسة تدركه ومع هذا فقد جعلت

__________________

(١ - ٢) لعل الأصل في كلمة محسوس هنا هو « حس » ولا تأتي كلمة محسوس هنا، لان حس بمعنى شعر وعلم فعل لازم، ومن البديهي عدم جواز صيغة اسم المفعول من الفعل اللازم، إلاّ إذا عدي بحرف -

٥٩

أشياء متوسطة بين الحواس والمحسوسات لا تتم الحواس إلا بها كمثل الضياء والهواء فإنه لو لم يكن ضياء يظهر اللون للبصر لم يكن البصر يدرك اللون ولو لم يكن هواء يؤدي الصوت إلى السمع لم يكن السمع يدرك الصوت فهل يخفى على من صح نظره وأعمل فكره أن مثل هذا الذي وصفت من تهيئة الحواس والمحسوسات بعضها يلقى بعضا وتهيئة أشياء أخر بها تتم الحواس لا يكون إلا بعمل وتقدير من لطيف خبير

( فيمن عدم البصر والسمع والعقل وما في ذلك من الموعظة)

فكر يا مفضل فيمن عدم البصر من الناس وما يناله من الخلل في أموره فإنه لا يعرف موضع قدميه ولا يبصر ما بين يديه فلا يفرق بين الألوان وبين المنظر الحسن والقبيح ولا يرى حفرة إن هجم عليها ولا عدوا إن أهوى إليه بسيف ولا يكون له سبيل إلى أن يعمل شيئا من هذه الصناعات مثل الكتابة والتجارة والصياغة حتى أنه لو لا نفاذ ذهنه لكان بمنزلة الحجر الملقى.

وكذلك من عدم السمع يختل في أمور كثيرة فإنه يفقد روح المخاطبة والمحاورة ويعدم لذة الأصوات واللحون المشجية والمطربة وتعظم المئونة على الناس في محاورته حتى يتبرموا به ولا يسمع شيئا من أخبار الناس وأحاديثهم حتى يكون كالغائب وهو شاهد أو كالميت

__________________

- الجر او جاء مع المصدر او للظرف، ويأتي فعل حس متعديا بغير هذا المعنى، فيقال: حصه إذا قتله واستأصله.

٦٠

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189