تذكرة الفقهاء الجزء ٩

تذكرة الفقهاء8%

تذكرة الفقهاء مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-319-008-0
الصفحات: 466

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧
  • البداية
  • السابق
  • 466 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 332030 / تحميل: 5649
الحجم الحجم الحجم
تذكرة الفقهاء

تذكرة الفقهاء الجزء ٩

مؤلف:
ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٠٠٨-٠
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

فيهرب أهله ويتركون أموالهم فيه فزعاً ، فإنّه يكون من جملة الغنائم التي تُخمّس ، وأربعة الأخماس للمقاتلة ، كالغنائم.

وقال الشافعي : إنّ ذلك من جملة الفي‌ء ؛ لأنّ القتال ما حصل فيه(١) .

قال الشيخرحمه‌الله : وهو الأقوى(٢) .

وقد كانت الغنيمة محرّمةً فيما تقدّم من الشرائع ، وكانوا يجمعون الغنيمة فتنزل النار من السماء فتأكلها ، فلمـّا أرسل الله محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله أنعم بها عليه ، فجعلها له خاصّةً.

قال الله تعالى :( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ ) (٣) .

وروي عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : « اُحلّ لي الخَمْس ولم يحل لأحد قبلي وجُعلت لي الغنائم»(٤) .

وقالعليه‌السلام : « اُعطيت خمساً لم يعطهنّ أحد قبلي » وذكر من جملتها « اُحلّت لي الغنائم»(٥) فاُعطيعليه‌السلام الغنائم بقوله :( قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ ) (٦) نزلت يوم بَدْر لمـّا تنازعوا في الغنائم ، فقسّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأدخل معهم جماعةً لم يحضروا الوقعة ؛ لأنّها كانت لهعليه‌السلام يصنع بها ما شاء ، ثمّ نسخ ذلك وجُعلت للغانمين أربعة‌

____________________

(١) الوجيز ١ : ٢٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ٧ : ٣٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٨ ، منهاج الطالبين : ١٩٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣١٦ ، الحاوي الكبير ٨ : ٣٨٨ ، حلية العلماء ٧ : ٦٩٠.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٤.

(٣) الأنفال : ١.

(٤) أورده الشيخ الطوسي في المبسوط ٢ : ٦٤.

(٥) صحيح البخاري ١ : ١١٩ ، صحيح مسلم ١ : ٣٧٠ - ٣٧١ / ٥٢١ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٢٤ ، مسند أحمد ١ : ٤٩٥ / ٢٧٣٧ ، و ٤ : ٢٣٧ / ١٣٨٥٢.

(٦) الأنفال : ١.

١٢١

أخماسها ، والخُمْس الباقي لمستحقّه(١) ، ولا نعلم فيه خلافاً.

مسألة ٧٦ : ما يحويه العسكر ممّا يُنقل ويُحوّل إن لم يصح تملّكه للمسلمين كالخمور والخنازير ، فليس غنيمةً ، وما يصحّ تملّكه غنيمة إن أخذته الفئة المجاهدة على سبيل الغلبة دون ما يُختلس ويُسرق ؛ فإنّه خاصّ للمختلس ، ودون ما ينجلي عنه الكفّار من غير قتال ؛ فإنّه في‌ء ، ودون اللقطة ؛ فإنّها لآخذها.

أمّا الغنيمة : فهي للغانمين خاصّة يخرج منها الخُمْس لأربابه ، والباقي للغانمين.

وأمّا الأشياء المباحة في الأصل - كالصيود والأحجار والأشجار - فإن لم يكن عليها(٢) أثر لهم ، فهي(٣) لواجدها(٤) ، وليست(٥) غنيمة ، وبه قال الشافعي ومكحول والأوزاعي(٦) ، خلافا لأبي حنيفة والثوري حيث جعلاها(٧) للمسلمين(٨) .

ولو كان عليها(٩) أثر - كالطير المقصوص والأشجار المقطوعة والأحجار المنحوتة - فهي(١٠) غنيمة.

____________________

(١) المغازي - للواقدي - ١ : ١٣١ ، أحكام القرآن - للجصّاص - ٣ : ٤٥ ، التفسير الكبير ١٥ : ١١٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٧ : ٣٦٠ ، أسباب النزول - للنيسابوري - : ١٣٢.

(٢ - ٥) في « ق ، ك ‍» والطبعة الحجريّة : عليه فهو لواجده ليس. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٦) روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، المغني ١٠ : ٤٧٧ - ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

(٧) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : جعلاه. وما أثبتناه لأجل السياق.

(٨) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

(٩ و ١٠) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : عليه فهو. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

١٢٢

ولو وُجد في دار الحرب شي‌ء يحتمل أن يكون للمسلمين والكفّار - كالخيمة والسلاح - فالوجه : أنّه لقطة.

وقال الشيخ : يعرّف سنة ثمَّ يلحق بالغنيمة(١) . وبه قال أحمد(٢) .

فإن وُجد قدح منحوت في الصحراء فعرفه المسلمون ، فهو لهم ، وإلّا فغنيمة ؛ لأنّه في دارهم.

ولو وجد صيداً في أرضهم لا مالك له واحتاج إلى أكله ، فإنّه له ، ولا يردّه إجماعاً ؛ لأنّه لو وجد طعاماً مملوكاً للكفّار ، كان له أكله إذا احتاج إليه ، فالصيد المباح أولى.

ولو أخذ من بيوتهم أو خارجها ما لا قيمة له في أرضهم كالمِسَنّ(٣) ، فهو أحقّ به إجماعاً. ولو صار له قيمة بنقله أو معالجته ، فكذلك ، وبه قال أحمد ومكحول والأوزاعي والشافعي(٤) .

وقال الثوري : إذا دخل به دار الإسلام ، دفعه في المغنم(٥) ، وإن عالجه فصار له ثمن ، اُعطي بقدر عمله فيه ، ودفع في المغنم(٦) (٧) .

وليس شيئاً ؛ لأنّ القيمة صارت له بعلمه ونقله ، فلم يكن غنيمةً حال أخذه.

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٠.

(٢) المغني ١٠ : ٤٨٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٦.

(٣) ورد في « ق ، ك ‍» والطبعة الحجريّة : كالمن. وذلك تصحيف. والصحيح ما أثبتناه. والمِسَنُّ : حجر يحدَّد به. الصحاح ٥ : ٢١٤٠ « سنن ».

(٤) المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

(٥) في « ق ، ك‍ » المقسم. وكذا في المصدر.

(٦) في المصدر : المقسم.

(٧) المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

١٢٣

ولو ترك صاحب المغنم(١) شيئاً من الغنيمة عجزاً عن حمله فقال : مَنْ حمله فهو له ، جاز ، وصار لآخذه. وبه قال مالك(٢) ، خلافاً لبعض العامّة(٣) .

ولو وجد في أرضهم ركازاً ، فإن كان في موضع يقدر عليه بنفسه ، فهو له ، كما لو وجده في دار الإسلام ، يخرج خمسه ، والباقي له.

وإن لم يقدر عليه إلّا بجماعة المسلمين ، فإن كان في مواتهم ، قال الشافعي : يكون كما لو وجده في دار الإسلام ، وإلّا فهو غنيمة(٤) .

وقال مالك والأوزاعي والليث وأحمد : هو غنيمة ، سواء كان في مواتهم أو غير مواتهم ؛ لأنّه مال مشترك ظهر عليه بقوّة جيش المسلمين ، فكان غنيمةً ، كالأموال الظاهرة(٥) .

مسألة ٧٧ : لا يجوز التصرّف في شي‌ء من الغنيمة قبل القسمة إلّا ما لابدّ للغانمين منه ، كالطعام ، وضابطه : القوت وما يصلح به القوت ، كاللحم والشحم ، وكلّ طعام يعتاد أكله ، وعلف الدوابّ : التبن والشعير وما في معناهما ، إجماعاً ، إلّا مَنْ شذّ(٦) - وبه قال سعيد بن المسيّب وعطاء والحسن البصري والشعبي والثوري والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي(٧) - لما رواه العامّة عن ابن عمر ، قال : كُنّا نصيب العسل‌

____________________

(١) في « ق ، ك » : المقسم.

(٢) المنتقى - للباجي - ٣ : ١٧٧ ، المغني ١٠ : ٤٧٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

(٣) المغني ١٠ : ٤٧٨ - ٤٧٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٧.

(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٤٧٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٦.

(٦) كما في المغني ١٠ : ٤٨٠ ، والشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠.

(٧) المغني ١٠ : ٤٨٠ - ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٧ - ١٧٨ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.

١٢٤

والفواكه في مغازينا فنأكله ولا نرفعه(١) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام في وصيّة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :

« ولا تحرقوا زرعاً لأنّكم لا تدرون لعلّكم تحتاجون إليه ، ولا تعقروا من البهائم ما يؤكل لحمه إلّا ما لا بدّ لكم من أكله »(٢) .

ولأنّ الحاجة تشتدّ إلى ذلك ، فإنّ نقل الميرة(٣) عسر جدّاً ، وقسمته تستلزم عدم الانتفاع بما يحصل منه.

وقال الزهري : لا يؤخذ إلّا بإذن الإمام ؛ لأنّه غنيمة ، فهو لأربابه(٤) .

وهو ممنوع ، لاشتداد الحاجة.

وهل يجوز أخذ الطعام أو العلف مع عدم الحاجة؟ الوجه : المنع ؛ لأنّه مغنوم لجماعة الغانمين غير محتاج إليه ، فأشبه سائر الأموال. نعم ، لهم التزوّد لقطع المسافة بين أيديهم.

وقال بعض العامّة : يجوز مع عدم الحاجة أيضاً(٥) ؛ لأن عمر سوّغ الأكل(٦) ، ولم يقيّد بالحاجة.

والحيوان المأكول يجوز ذبحه والأكل منه مع الحاجة ، ولا تجب القيمة ؛ لأصالة البراءة.

____________________

(١) صحيح البخاري ٤ : ١١٦.

(٢) الكافي ٥ : ٢٩ / ٨ ، التهذيب ٦ : ١٣٨ / ٢٣٢.

(٣) الميرة : الطعام. الصحاح ٢ : ٨٢١ « مير ».

(٤) المغني ١٠ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ - ٤٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٧.

(٦) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٧٤ - ٢٧٥ / ٢٧٥٠ ، المغني ١٠ : ٤٨١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦١.

١٢٥

ولا فرق بين الغنم وغيرها.

وقال بعض الشافعيّة : ما يمكن سوقه يُساق ، وأمّا الغنم فتُذبح ؛ لأنّها كالأطعمة ، ولهذا قالعليه‌السلام حين سُئل عن ضالّتها : « هي لك أو لأخيك أو للذئب »(١) (٢) .

وقال بعض العامّة : تجب القيمة ؛ لندور الحاجة إليه ، بخلاف الطعام(٣) .

وليس بشي‌ء ؛ لأنّا فرضنا الحاجة.

وإذا ذبح الحيوان للأكل ، ردّ الجلود إلى المغنم ، ولا يجوز استعمالها ؛ لعدم الحاجة إليها. ولو استعمل الجلد في سقاء أو نعل أو شراك ، ردّه إلى المغنم مع اُجرة المثل لمدّة استعماله وأرش نقص أجزائه بالاستعمال. ولو زادت قيمته بالصنعة ، فلا شي‌ء له ؛ لأنّه متعدُّ.

وأمّا ما عدا الطعام والعلف واللحم فلا يجوز تناوله ولا استعماله ولا الانفراد به ؛ لقولهعليه‌السلام : « أدّوا الخيط والمخيط فإنّ الغلول عارٌ ونارٌ وشنارٌ يوم القيامة »(٤) .

وللشافعيّة في الفواكه وجهان(٥) .

____________________

(١) صحيح البخاري ٣ : ١٦٣ ، صحيح مسلم ٣ : ١٣٤٦ - ١٣٤٧ / ١٧٢٢ ، سنن أبي داوُد ٢ : ١٣٧ / ١٧١٢ ، سنن الترمذي ٣ : ٦٥٥ - ٦٥٦ / ١٣٧٢ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٣٦ - ٨٣٧ / ٢٥٠٤ ، الموطّأ ٢ : ٧٥٧ / ٤٦.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٠ - ٩٥١ / ٢٨٥٠.

(٥) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٧ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩.

١٢٦

ويمكن الفرق بين ما يسرع إليه الفساد ويشقّ نقله وبين غيره.

وأمّا الدهن المأكول فيجوز استعماله في الطعام مع الحاجة ؛ لأنّه نوع من الطعام. ولو كان غير مأكول ، فإن احتاج إلى أن يدهن به أو دابّته ، لم يكن له ذلك إلّا بالقيمة ، قاله الشافعي ؛ لأنّه ممّا لا تعمّ الحاجة إليه ، ولا هو طعام ولا علف(١) .

وقال بعض العامّة : يجوز ؛ لأنّ الحاجة إليه في إصلاح بدنه ودابّته كالحاجة إلى الطعام والعلف(٢) .

ويجوز أن يأكل ما يتداوى به أو يشربه - كالجُلاب والسكنجبين وغيرهما - عند الحاجة ؛ لأنّه من الطعام.

وقال أصحاب الشافعي : ليس له تناوله ؛ لأنّه ليس قوتاً ولا يُصلح به القوت(٣) .

والوجه : الجواز ؛ لأنّه يحتاج إليه ، فأشبه الفواكه.

وليس له غسل ثوبه بالصابون ؛ لأنّه ليس طعاماً ولا علفاً ، وإنّما يراد للتحسين والتزيين لا للضرورة.

ولا يجوز الانتفاع بجلودهم ولا اتّخاذ النعال منها ولا الجُرُب(٤) ولا الخيوط ولا الحبال - وبه قال الشافعي(٥) - لأنّه مال غنيمة لا تعمّ الحاجة‌

____________________

(١) الاُمّ ٤ : ٢٦٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، المغني ١٠ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.

(٢) المغني ١٠ : ٤٨٢ - ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.

(٣) المغني ١٠ : ٤٨٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٣.

(٤) الجُرُب جمع ، واحدها : الجِراب. وهو وعاء من إهاب الشاء. لسان العرب ١ : ٢٦١ « جرب ».

(٥) الاُمّ ٤ : ٢٦٣ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، المغني ١٠ : ٤٨٤.

١٢٧

إليه ، فلا يختصّ به البعض.

ورخّص مالك في الحبل يتّخذ من الشعر ، والنعل والخُفّ يتّخذ من جلود البقر(١) .

مسألة ٧٨ : الكتب التي لهم : فإن كان الانتفاع بها حلالاً - كالطبّ‌ والأدب والحساب والتواريخ - فهي غنيمة ، وإن حرم الانتفاع بها - مثل كتب الكفر والهجو والفحش المحض - فلا يترك(٢) بحاله ، بل يغسل إن كان على رقٌّ(٣) أو كاغذ ثخين يمكن غسله ، ثمّ هو كسائر أموال الغنيمة ، وإن لم يكن ، اُبطلت منفعته بالتمزيق ، ثم الممزَّق كسائر الأموال ؛ فإنّ للممزَّق قيمةً وإن قلَّت.

وكذا كُتب التوراة والإنجيل ؛ لأنّها مبدَّلة محرَّفة ، فلا يجوز الانتفاع بها ، وإنّما تُقرّ في أيدي أهل الذمّة ؛ لاعتقادهم ، كما يُقرّون على الخمر.

والأولى أنّها لا تُحرق ؛ لما فيها من أسماء الله تعالى.

وأمّا جوارح الصيد - كالفهد والبازي وكلب الصيد - فغنيمة. ولو لم يرغب فيها أحد من الغانمين ، جاز إرسالها وإعطاؤها غير الغانمين. ولو رغب فيها بعض الغانمين ، دُفعت إليه ، ولا تُحسب عليه من نصيبه ؛ لأنّه لا قيمة لها. وإن رغب فيها الجميع ، قُسّمت ، ولو تعذّرت القسمة أو تنازعوا في الجيّد منها ، اُقرع بينهم.

وقال بعض الشافعيّة : إنّ الإمام يخصّ بالكلاب مَنْ شاء(٤) .

____________________

(١) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٦ ، المغني ١٠ : ٤٨٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٤.

(٢) أي المكتوب.

(٣) الرَّقُّ : ما يكتب فيه وهو جلد رقيق. لسان العرب ١٠ : ١٢٣ « رقق ».

(٤) الوجيز ٢ : ١٩١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣.

١٢٨

قالوا : وللإمام أن يسلّمها إلى واحد من المسلمين لعلمه باحتياجه إليه(١) ، ولا يكون محسوباً عليه(٢) .

واعترض عليه : بأنّ الكلب منتفع به ، فليكن حقّ اليد فيه لجميعهم ، كما أنّ مَنْ مات وله كلب ، لا يستبدّ به بعض الورثة(٣) .

وقال بعضهم : إن أراده بعض الغانمين أو بعض أهل الخمس ولم ينازع فيه ، سُلّم إليه ، وإن تنازعوا ، فإن وجدنا كلاباً وأمكنت القسمة عدداً ، قُسّمت وإلّا اُقرع بينهم ، وقد تعتبر قيمتها عند مَنْ يرى لها قيمة أو ينظر إلى منافعها(٤) .

ولو وجدوا خنازير ، قتلوها ؛ لحصول الأذى منها.

ولو وجدوا خمراً ، أراقوه ، ولو كان لظروفه قيمة ، أخذوها غنيمةً ، إلّا أن تزيد مؤونة الحمل على قيمتها أو تساويها فيتلفها عليهم.

ولا يجوز لُبْس ثياب الغنيمة ولا ركوب دوابّها ؛ لأنّه مال مغنوم ، فلا يختصّ به أحد.

ولو كان للغازي دوابّ أو رقيق ، جاز له أن يُطعمهم ممّا يجوز له أكله ، سواء كانوا للقُنْية أو للتجارة ؛ للحاجة ، بخلاف ما لو كان معه بُزاة أو صُقور ؛ لعدم الحاجة إليها ، بخلاف الخيل.

ولا يجوز استعمال أسلحة الكفّار إلّا أن يضطرّ إليه في القتال ، فإذا انقضى الحرب ، ردّه إلى المغنم ، وبه قال الشافعي(٥) .

____________________

(١) تذكير الضمير باعتبار الكلب.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.

(٣) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٣ - ٤٢٤ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٩.

١٢٩

وقال أبو حنيفة : يجوز استعمال أسلحتهم(١) .

ولو جُمعت الغنائم وثبتت يد المسلمين عليها وفيها طعام أو(٢) علف ، لم يجز لأحد أخذه إلّا لضرورة ؛ لأنّا أبحنا له الأخذ قبل استيلاء يد المسلمين عليها مع الضرورة ، فبعد الاستيلاء أولى. ولأنّ الغانمين ملكوها بالحيازة ، فخرجت عن المباحات ، فلا يجوز الأكل منها إلّا أن لا يجد غيره؛ لأنّ حفظ النفس واجب ، سواء حِيزت في دار الحرب أو دار الإسلام.

وقال بعض العامّة : إن حِيزت في دار الحرب ، جاز الأكل ، كما جاز قبل الحيازة ؛ لأنّ دار الحرب مظنّة الحاجة(٣) .

وهو غلط ؛ لأنّ المسلمين ملكوه ، فلا يباح أخذه إلّا بإذنٍ. ولأنّ الحيازة في دار الحرب تُثبت الملك ، كالحيازة في دار الإسلام ، ولهذا جاز قسمته ، وتثبت فيه أحكام الملك.

مسألة ٧٩ : لو فضل معه من الطعام فضلة فأدخله دار الإسلام ، ردّه إلى المغنم وإن قلّ ، فإن كانت الغنيمة لم تقسّم ، ردّ في المغنم ، وإن قُسّمت ، ردّه إلى الإمام ، فإن أمكن تفريقه كالغنيمة ، فرّق ، وإن لم يمكن ؛ لتفرّق الغانمين وقلّة ذلك ، احتمل جعله في المصالح.

ولا خلاف في وجوب ردّ الكثير ؛ لأنّ المباح أخذ ما يحتاج إليه في دار الحرب ، فالفاضل غير محتاج إليه ، فيردّ.

____________________

(١) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٤ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٤ ، شرح معاني الآثار ٣ : ٢٥١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٩.

(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجرية : « و » بدل « أو ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٣) المغني ١٠ : ٤٩١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦ - ٤٦٧.

١٣٠

وأمّا القليل فكذلك - وهو أحد قولي الشافعي وقول أبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر وأحمد في إحدى الروايتين(١) - لقولهعليه‌السلام : « أدّوا(٢) الخيط والمخيط »(٣) .

ولأنّه مال لم يقسّم ، فأشبه الكثير.

وقال مالك : يكون مباحاً لا يجب ردّه إلى المغنم - وبه قال الأوزاعي وعطاء الخراساني ومكحول والشافعي في القول الآخر ، وأحمد في الرواية الاُخرى - لأنّه اُبيح إمساكه عن القسمة ، فاُبيح في دار الإسلام ، كمباحات دار الحرب(٤) .

والفرق ظاهر.

وعن أبي حنيفة أنّه إن كان ذلك قبل قسمة الغنيمة ، ردّه إلى المغنم ، وإن كان بعدها ، باعه وتصدّق بثمنه(٥) .

مسألة ٨٠ : ما يؤخذ من أموال المشركين حال الحرب بالقهر ، فهو‌

____________________

(١) الاُمّ ٤ : ٢٦٢ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٩ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٢٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ ، المغني ١٠ : ٤٨٦ - ٤٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦.

(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجرية : « ردّوا » وما أثبتناه من المصدر ، وكما سبق في ص ١٢٥.

(٣) سنن ابن ماجة ٢ : ٩٥٠ / ٢٨٥٠.

(٤) المدوّنة الكبرى ٢ : ٣٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٦٩ ، الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ - ٤٣١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨ ، التنبيه في الفقه الشافعي : ٢٣٤ - ٢٣٥ ، المغني ١٠ : ٤٨٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٦٦.

(٥) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٨.

١٣١

للمقاتلة يؤخذ منه الخُمْس ، والباقي للغانمين. وما تأخذه سريّة بغير إذن الإمام ، فهو للإمام خاصّة عندنا. وما يتركه المشركون فزعاً ويفارقونه من غير حرب ، فهو للإمام أيضاً. وما يؤخذ صلحاً أو جزيةً ، فهو للمجاهدين ، ومع عدمهم يقسّم في فقراء المسلمين ، وما يؤخذ غيلةً من أهل الحرب إن كان في زمان الهدنة ، اُعيد إليهم ، فإن لم يكن كان لآخذه ، وفيه الخُمْس. ومَنْ مات من أهل الحرب وخلّف مالاً فمالُه للإمام إذا لم يكن له وارث.

وقال بعض الشافعيّة : لو دخل واحدٌ أو شِرْذِمةٌ دارَ الحرب مستخفين وأخذوا مالاً على صورة السرقة ، كان ملكاً لآخذه خاصّة ؛ لأنّ السارق يقصد تملك المال وإثبات اليد عليه ، ومال الحربي غير معصوم ، فكأنّه غير مملوك ، وصار سبيله سبيل الاستيلاء على المباحات ، بخلاف مال الغنيمة ؛ فإنّه وإن حصل في يد الغانمين فليس مقصودهم التملّك ؛ إذ لا يجوز التغرّر بالمهج لاكتساب الأموال ، وإنّما الغرض الأعظم رفع كلمة الله تعالى ، وقمع أعداء الدين ، وللقصد أثر ظاهر فيما يملك بالاستيلاء(١) .

وقال بعضهم : إنّه غنيمة مخمّسة ، كأنّهم جعلوا دخوله دارَ الحرب وتغريره بنفسه قائماً مقام القتال ، ولهذا قالوا : لو غزت طائفة بغير إذن الإمام متلصّصين وأخذت مالاً ، فهو غنيمة مخمّسة(٢) .

وروي عن أبي حنيفة أنّه لا يُخمّس ، بل ينفردون به إذا لم يكن لهم قوّة وامتناع(٣) .

وفي رواية اُخرى : يؤخذ الجميع منهم ، ويجعل في بيت المال(٤) .

وقال بعض الشافعيّة : إذا دخل الرجل الواحد دار الحرب وأخذ من‌

____________________

(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.

(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥.

١٣٢

حربيّ مالاً بالقتال ، اُخذ منه الخُمْس ، والباقي له ، وإن أخذه على جهة السوم ثمّ جحد أو هرب ، فهو له خاصّة ولا خُمْس(١) .

وقال بعضهم : ما يؤخذ بالاختلاس يملك المختلسون أربعة أخماسه ؛ لأنّهم ما وصلوا إليها إلّا بتغرير أنفسهم ، كما لو قاتلوا(٢) .

وعن أبي إسحاق أنّ المختلَس يكون فيئاً ؛ لأنّه حصل بغير إيجاف خيلٍ ولا ركاب(٣) ، كما هو مذهبنا.

وقال بعضهم : هذا إذا دخل الواحد أو النفر اليسير دارَ الحرب وأخذوا ، فأمّا إذا أخذ بعضُ الجند الداخلين بسرقةٍ واختلاسٍ ، فهو غلول ؛ لأنّهم قالوا : ما يهديه الكافر إلى الإمام أو إلى واحد من المسلمين والحرب قائمة لا ينفرد به المهدى إليه ، بل يكون غنيمةً ، بخلاف ما إذا أهدى من دار الحرب إلى دار الإسلام(٤) .

وقال أبو حنيفة : إنّه ينفرد المهدى إليه بالهديّة بكلّ حال(٥) .

والمال الضائع الذي يؤخذ على هيئة اللقطة إن عُلم أنّه للكفّار ، قال بعض الشافعيّة : إنّه يكون لواجده ؛ لأنّه ليس مأخوذاً بقوّة الجند أو قوّة الإسلام حتى يكون فيئاً ، ولا بالقتال حتى يكون غنيمةً(٦) .

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧.

(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٧ - ٤٥٨.

(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٦ - ٢٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨ ، وانظر : الحاوي الكبير ١٤ : ٢٢٣.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، وانظر : مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٤٩٨ / ١٦٥٠.

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.

١٣٣

وقال بعضهم : يكون غنيمةً لا يختصّ به الآخذ(١) .

ولو أمكن أن يكون للمسلمين ، وجب تعريفه يوماً أو يومين ؛ لأنّه يكفي إنهاء التعريف إلى الأجناد إذا لم يكن مسلم سواهم ، ولا ينظر إلى الاحتمال ( بطروق التجّار )(٢) .

وقال بعضهم : إنّه يعرَّف سنة على ما هو قاعدة التعريف(٣) .

وقال بعضهم : لو وجد ضالّةً في دار الحرب ، فهو غنيمة ، فالخُمس لأهله ، والباقي له ولمن معه. ولو وجد ضالّةً لحربيّ في دار الإسلام ، لا يختصّ هو به ، بل يكون فيئاً. وكذا لو دخل صبي أو امرأة بلادنا فأخذه رجل ، يكون فيئاً. ولو دخل منهم رجل فأخذه مسلم ، يكون غنيمةً ؛ لأنّ لآخذه مؤونةً ، ويرى الإمام فيه رأيه ، فإن رأى استرقاقه ، كان الخُمْس لأهله ، والباقي لمن أخذه، بخلاف الضالّة ؛ لأنّها مال الكفّار حصل في أيدينا من غير قتال(٤) .

مسألة ٨١ : لو أتلف بعض الغانمين من طعام الغنيمة شيئاً ، ضمن‌ ؛ لأنّه لم يستعمله في الوجه السائغ شرعاً ، وما يأخذه لا يملكه بالأخذ ولكن اُبيح له الأخذ والأكل.

ولو أخذ بعض الغانمين فوق ما يحتاج إليه وأضاف به غانماً أو غانمين ، جاز ، وليس فيه إلّا إتعاب نفسه بالطبخ وإصلاح الطعام.

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.

(٢) بدل ما بين القوسين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : بطرف التجاوز. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٢٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٨.

١٣٤

وليس له أن يضيف غير الغانمين ، فإن فَعَل ، فعلى الآكل الضمان إن كان عالماً ، وإن كان جاهلاً ، استقرّ الضمان على المضيف.

ولو لحق الجندَ مددٌ بعد انقضاء القتال وحيازة الغنيمة ، فالوجه : أنّ لهم الأكل في موضع يشاركون في القسمة. وللشافعيّة وجهان ، أحدهما : الجواز ؛ لحصوله في دار الحرب التي هي مظنّة عزّة الطعام. وأصحّهما عندهم : المنع ؛ لأنّه معهم كغير الضيف(١) .

مسألة ٨٢ : إنّما يسوغ للغانمين أكل ما سوّغناه إذا كانوا في دار الحرب‌ التي تعزّ فيها الأطعمة على المسلمين ، فإذا انتهوا إلى عمران دار الإسلام وتمكنوا من الشراء ، أمسكوا.

ولو خرجوا عن دار الحرب ولم ينتهوا إلى عمران دار الإسلام ، فالأقرب جواز الأكل ؛ لبقاء الحاجة الداعية إليه ، فإنّهم لا يجدون مَنْ يبيعهم ولا يصادفون سوقاً. وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) .

والثاني : المنع ؛ لأنّ مظنّة الحاجة دارُ الحرب ، فيناط الحكم بها(٣) .

ولو وجدوا سوقاً في دار الحرب وتمكّنوا من الشراء ، احتمل جواز الأكل ؛ للعموم.

وهو أظهر وجهي الشافعيّة ؛ لأنّهم جعلوا دارَ الحرب في إباحة الطعام بمنزلة السفر في الرخص؛ فإنّ الرخص(٤) وإن ثبتت(٥) لمشقّة السفر‌

____________________

(١) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠.

(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٠ - ٤٦١.

(٤) وردت العبارة في الطبعة الحجريّة و « ق ، ك» هكذا : في الترخّص ؛ فإنّ الترخّص. والصحيح ما أثبتناه لأجل السياق.

(٥) في « ق ، ك» : اُثبتت. وفي الطبعة الحجريّة : ثبت. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

١٣٥

فالمترفّه الذي لا مشقّة عليه يشارك فيها مَنْ حصلت له المشقّة(١) .

وليس للغانم أن يُقرض ما أخذه من الطعام أو العلف من غير الغانمين أو يبيعه ، فإن فَعَل ، فعلى مَنْ أخذه ردّه إلى المغنم. فإن أقرضه غانماً آخر ، فليس ذلك قرضاً حقيقيّاً ؛ لأنّ الآخذ لا يملك ما يأخذه حتى يملّكه غيره. وحينئذٍ فالأقرب أنّه ليس للمُقرض مطالبة المقترض بالعين أو المثل ماداما في دار الحرب ، ولا يلزم الآخذ الردّ ؛ لأنّ المستقرض من أهل الاستحقاق أيضاً ، فإذا حصل في يده ، فكأنّه أخذه بنفسه. وهو أحد وجهي الشافعيّة(٢) .

والثاني : أنّ له مطالبته بالعين أو المثل ما داما في دار الحرب ؛ لأنّه إذا أخذه صار أحقَّ به ، ولم تزل يده عنه إلّا ببدل.

وعلى هذا الوجه له مطالبته بردّ مثله من المغنم لا من خالص ملكه ، فلو ردّ عليه من خالص ملكه ، لم يأخذه المقرض ؛ لأنّ غير المملوك لا يقابل بالمملوك حتى لو لم يكن في المغنم طعام آخر سقطت المطالبة. وإذا ردّ من المغنم ، صار الأوّل أحقَّ به ، لحصوله في يده.

وعلى هذا الوجه إذا دخلوا دار الإسلام انقطعت حقوق الغانمين عن أطعمة المغنم ، فيردّ المستقرض على الإمام.

وإذا دخلوا دار الإسلام وقد بقي عين القرض في يد المستقرض ، بُني على أنّ الباقي من طعام المغنم هل يجب ردّه إلى المغنم؟ إن قلنا : نعم ، ردّه إلى المغنم ، وإن قلنا : لا ، فإن جعلنا للقرض اعتباراً ، فيردّه إلى المـُقرض ، وإن قلنا : لا اعتبار له ، فلا يلزمه شي‌ء(٣) .

مسألة ٨٣ : لو باع الغانم ما أخذه من غانم آخر بمال آخر أخذه‌ من‌

____________________

(١) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣١ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦١.

(٢ و ٣) الوجيز ٢ : ١٩٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦١.

١٣٦

الغنيمة ، فهو إبدال مباح بمباح ، كإبدال الضيوف(١) لقمةً بلقمة ، وكلُّ منهما أولى بما تناوله من يد الآخر.

ولو تبايعا صاعاً بصاعين ، لم يكن ذلك ربا ؛ لأنّه ليس معاوضةً حقيقيّة ، بل هو كما لو كان في يد عبده طعامُ فتقابضا صاعاً بصاعين.

قال بعض الشافعيّة : مَنْ جعل للقرض اعتباراً يلزمه أن يجعل للبيع(٢) اعتباراً حتى يجب على الآخذ تسليم صاع إلى بائعه. وإن تبايعا صاعاً بصاعين ، فإن سلّم بائع الصاع الصاعَ ، لم يملك إلّا طلب صاع تشبيهاً بالقرض ، وإن سلّم المشتري الصاعين ، لم يطلب إلّا صاعاً ، وملك الزائد على البذل(٣) .

إذا عرفت هذا ، فالمأخوذ حيث قلنا : إنّه مباح للغانم غير مملوك فليس له أن يأكل طعامه ويصرف المأخوذ إلى حاجة أخرى بدلا عن طعامه ، كما لا يتصرّف الضيف فيما قُدّم إليه إلّا بالأكل.

ولو قلّ الطعام وخاف قائد الجيش الازدحام والتنازع عليه ، جَعَله تحت يده وقسّمه على المحتاجين على إقدار الحاجات.

مسألة ٨٤ : الأقرب أنّ حقّ الغانم من الغنيمة يسقط بالإعراض عن الغنيمة وتركها قبل القسمة ؛ لأنّ المقصود الأعظم من الجهاد إعلاء الدين والذبّ عن الملّة ، والغنيمة تابعة ، فمن أعرض عنها فقد أخلص عمله بعض الإخلاص ، وجرّد قصده للمقصد الأعظم. ولأنّ الغنيمة لا تُملك قبل القسمة ، بل تُملك إن تملّك على قول(٤) ، فالحقّ فيه كحقّ الشفعة.

____________________

(١) كذا ، والظاهر : كإبدال الضيفين.

(٢) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : للبائع. وما أثبتناه من المصدر.

(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٣.

١٣٧

وبالجملة ، إن قلنا : تُملك إن تملّك فهو كحقّ الشفعة ، وإن قلنا : تُملك ، فلا ينبغي أن يكون مستقرّاً ، ليتمكّن من تمحيض الجهاد ليحصل المقصد الأعظم ، فلو قال أحد الغانمين : وهبت نصيبي من الغانمين ، صحّ ، وكان إسقاطاً لحقّه الثابت له ، وهو قول بعض الشافعيّة(١) .

وقال بعضهم : إنّه إن أراد الإسقاط ، صحّ ، وإن أراد التمليك ، لم يصح ؛ لأنّه مجهول(٢) .

مسألة ٨٥ : إذا حاز المسلمون الغنائم وجمعوها ، ثبت حقّهم فيها ، وملكوها ، سواء جمعوها في دار الحرب أو في دار الإسلام - وبه قال الشافعي(٣) - لأنّه يجوز القسمة في دار الحرب.

وقال أبو حنيفة : إذا حازوها في دار الحرب ، لا تُملك ، وإنّما تُملك بعد إحرازها في دار الإسلام(٤) . وليس بجيّد.

ومع الحيازة يثبت لكلّ واحد منهم حقّ الملك.

وقيل : لا يملك إلّا باختيار التملّك ؛ لأنّه لو قال واحد : أسقطت حقّي ، سقط ، ولو كان ملكاً له ، لم يزل بذلك ، كما لو قال الوارث : أسقطت حقّي في الميراث ، لم يسقط ؛ لثبوت الملك له واستقراره(٥) .

وفيه نظر ؛ لأنّه بالحيازة قد زال ملك الكفّار عنها ، ولا يزول إلّا إلى المسلمين. نعم ، ملك كلّ واحد منهم غير مستقرّ في شي‌ء بعينه ، أو جزء‌

____________________

(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٢.

(٤) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤٢ ، تحفة الفقهاء ٣ : ٢٩٨ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢١ ، المغني ١٠ : ٤٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٧٩.

(٥) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

١٣٨

مشاع ، بل للإمام أن يعيّن نصيب كلّ واحد بغير اختياره ، بل هو ملك ضعيف.

مسألة ٨٦ : مَنْ غلّ من الغنيمة شيئاً ، ردّه إلى المغنم ، ولا يُحرق رحله - وبه قال مالك والليث والشافعي وأصحاب الرأي(١) - لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يحرق رحل الغالّ(٢) . ولأنّ فيه إضاعة المال ، ولم يثبت لها نظير في الشرع.

وقال الحسن البصري وفقهاء الشام منهم ، مكحول والأوزاعي : إنّه يُحرق رحله ، إلّا المصحف وما فيه روح ؛ لما رواه عمر عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إذا وجدتم الرجل قد غلَّ فأحرقوا متاعه واضربوه »(٣) (٤) .

ونمنع صحّة السند.

قال أحمد : ولا تُحرق آلة الدابّة ، كالسرج وغيره ؛ لأنّه يحتاج إليه للانتفاع(٥) .

وقال الأوزاعي : يُحرق سرجه(٦) .

____________________

(١) شرح السنّة ٦ : ٣٦٨ ، المنتقى - للباجي - ٣ : ٢٠٤ ، الجامع لأحكام القرآن ٤ : ٢٦٠ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤.

(٢) سنن أبي داود ٣ : ٦٨ - ٦٩ - ٢٧١٢ ، سنن البيهقي ٩ : ٢ ، المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.

(٣) سنن أبي داوُد ٣ : ٦٩ / ٢٧١٣ ، سنن البيهقي ٩ : ١٠٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٢٨.

(٤) المغني والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٤ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٣٩ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.

(٥) المغني ١٠ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٦.

(٦) المغني ١٠ : ٥٢٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٦ ، معالم السنن - للخطابي - ٤ : ٤٠ ، شرح السنّة ٦ : ٣٦٨.

١٣٩

ولا تُحرق ثياب الغالّ التي عليه إجماعاً ؛ لأنّه لا يجوز تركه عرياناً ، ولا ما غلّ من الغنيمة إجماعاً؛ لأنّه مال المسلمين ، ولا يُحرق سلاحه ؛ لأنّه يحتاج إليه للقتال ، وهو منفعة للمسلمين عامّة ، ولا نفقته. ولو أبقت النار شيئاً - كالحديد - فهو لمالكه ؛ للاستصحاب.

ولا تُحرق كتُبُ العلم والأحاديث ؛ لأنّه نفع يرجع إلى الدين ، وليس القصد بالإحراق إضراره في دينه.

ولو لم يُحرق متاعه حتى تجدّد له آخر ، لم يُحرق المتجدّد إجماعاً.

وكذا لو مات لم يُحرق رحله إجماعاً ؛ لأنّها عقوبة ، فتسقط بالموت.

قال أحمد : ولو باعه أو وهبه ، نقض البيع والهبة واُحرق(١) .

ولو كان الغالّ صبيّاً ، لم يُحرق إجماعاً.

وكذا لو كان عبداً ؛ لأنّ المتاع لسيّده ، فلا يُعاقب بجناية عبده.

ولو غلّت امرأةٌ أو ذميُّ ، قال أحمد : يُحرق متاعهما(٢) .

ولو أنكر الغلول وادّعى ابتياعه ، لم يُحرق متاعه إجماعاً ، إلّا أن يثبت بالإقرار أو البيّنة ، فيُحرق عند أحمد(٣) .

ولا يحرم الغالّ سهمه من الغنيمة ، سواء كان صبيّاً أو بالغاً ؛ لأنّ سبب الاستحقاق - وهو حضور الحرب - ثابت ، والغلول لا يصلح مانعاً ، كغيره من أنواع الفسوق ، وهو إحدى الروايتين عن أحمد(٤) .

وفي الثانية : يحرم سهمه(٥) .

وقال الأوزاعي : إن كان صبيّاً ، حُرم سهمه(٦) .

وإذا أخذ سهمه ، لم يُحرق إجماعاً.

____________________

(١ - ٦) المغني ١٠ : ٥٢٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٧.

١٤٠

مسألة ٨٧ : إذا تاب الغالّ قبل القسمة ، وجب ردّ ما غلّة في المغنم إجماعاً ؛ لأنّه حقُّ لغيره، فيجب عليه ردّه إلى أربابه.

ولو تاب بعد القسمة ، فكذلك - وبه قال الشافعي(١) - لأنّه مالٌ لغيره ، فيجب ردّه إلى أربابه ، كما لو تاب قبل القسمة.

وقال مالك : إذا تاب بعد القسمة ، أدّى خُمْسه إلى الإمام ، وتصدّق بالباقي - وبه قال الحسن البصري - بناءً على فعل معاوية(٢) (٣) . وليس حجّةً.

فإن تمكّن الإمام من قسمته ، فَعَل ، وإلّا تصدّق به بعد الخُمْس ؛ لأنّ تركه تضييع له وتعطيل لمنفعته التي خلق لها ، ولا يتخفّف به شي‌ء من إثم الغالّ ، وفي الصدقة به نفع لمن يصل إليه من المساكين ، وما يحصل من أجر الصدقة يصل إلى صاحبه ، فيذهب به الإثم عن الغالّ ، فيكون أولى.

مسألة ٨٨ : لو سرق من الغنيمة شيئاً ، فإن كان له نصيب من الغنيمة بقدره أو أزيد بما لا يبلغ نصاب القطع ، لم يجب عليه القطع ؛ لأنّه وإن لم يملكه لكن شبهة الشركة درأت عنه الحدّ ، وإن زاد على نصيبه بمقدار النصاب الذي يجب فيه القطع ، وجب عليه القطع ؛ لأنّه سارق.

هذا إذا لم يعزل منه الخُمْس ، ولو عزل الإمام الخُمْس ثمّ سرق ولم يكن من أهل الخُمْس ، فإن كان من الخُمْس ، قُطع ، وإن كان من أربعة الأخماس ، قُطع إن زاد على نصيبه بقدر النصاب.

____________________

(١) صحيح مسلم بشرح النووي - هامش إرشاد الساري - ٨ : ٢٤ ، وانظر : المغني ١٠ : ٥٢٧ ، والشرح الكبير ١٠ : ٥٢٨.

(٢) سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٧٠ / ٢٧٣٢.

(٣) المغني ١٠ : ٥٢٦ - ٥٢٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٧ - ٥٢٨ ، الجامع لأحكام القرآن ٤ : ٢٦١ ، صحيح مسلم بشرح النووي - هامش إرشاد الساري - ٨ : ٢٤.

١٤١

وللشافعي وجهان :

أحدهما : إذا سرق من أربعة الأخماس ما يزيد على نصيبه بقدر النصاب ، وجب القطع.

والثاني : لا يُقطع ؛ لأنّ حقّه لم يتعيّن ، فكلّ جزء مشترك بينه وبينهم ، فكان كالمال المشترك - وهو رواية(١) عندنا - ولأنّا لو قلنا : إنّه يُقطع في المشترك ، فإنه لا يُقطع هنا ؛ لأنّ حقّ كلّ واحد من الغانمين متعلّق بجميع المغنم ؛ لأنّه يجوز أن يُعرض الباقون ، فيكون الكلّ له. وعلى كلّ حال فيُستردّ المسروقُ إن كان [ باقياً ، وبدلُه إن كان ](٢) تالفاً ، ويُجعل في المغنم(٣) .

ولو كان السارق عبداً ، فهو كالحُرّ ؛ لأنّه يُرضخ له ، فإن كان ما سرقه أزيد ممّا يُرضخ له بقدر النصاب ، وجب القطع ، وإلّا فلا. وكذا المرأة.

ولو سرق عبد الغنيمة منها ، لم يُقطع ؛ لئلّا يزيد ضرر الغانمين. نعم ، يؤدّب حسماً للجرأة.

ولو كان السارق ممّن لم يحضر الوقعة ، فلا نصيب له منها ، فيُقطع.

ولو كان أحد الغانمين ابناً للسارق ، لم يُقطع إلّا إذا زاد ما سرقه عن نصيب ولده بمقدار النصاب ؛ لأنّ مال الولد في حكم ماله.

ولو كان السارق سيّد عبدٍ [ له نصيب ](٤) في الغنيمة ، كان حكمه حكم‌

____________________

(١) الكافي ٧ : ٢٢٣ / ٧ ، التهذيب ١٠ : ١٠٤ - ١٠٥ / ٤٠٦ ، الاستبصار ٤ : ٢٤١ / ٩١٠.

(٢) أضفناها من العزيز شرح الوجيز.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، حلية العلماء ٧ : ٦٦٩ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٧ - ٢٠٨.

(٤) ما بين المعقوفين لم يرد في « ق ، ك» ومتن الطبعة الحجريّة ، وورد في هامشها وعليه علامة « ظ ».

١٤٢

مَنْ له نصيب ؛ لأنّ مال العبد لسيّده. وبذلك كلّه قال الشافعي وأبو حنيفة(١) . وزاد الشافعي : الابن إذا سرق وللأب سهم في الغنيمة أو أحد الزوجين(٢) . وزاد أبو حنيفة : إذا كان لذي رحم محرم منه فيها حقّ ، لم يُقطع(٣) .

والغالّ هو الذي يكتم ما أخذه من الغنيمة ولا يطّلع الإمام عليه ولا يضعه مع الغنيمة. ولا ينزّل منزلة السارق في القطع ، إلّا أن يغلّ على وجه السرقة ؛ فإنّ الغلول أخْذُ مالٍ لا حافظ له ولا يُطّلع عليه غالباً ، والسرقة أخْذُ مالٍ محفوظ.

والسارق عندنا لا يُحرق رحله.

وقال بعض العامّة : يُحرق(٤) .

مسألة ٨٩ : ليس لأحد الغانمين أن يبيع غانماً آخرَ شيئاً من الغنيمة ، فإن باعه ، لم يصح؛ لأنّ نصيبه مجهول ، وكذا وقوعه في نصيبه. وكذا لا يصحّ لو كان طعاماً ؛ لأنّ إباحة التناول لا تقتضي إباحة البيع ، فيُقرّ في يد المشتري ، وليس للمشتري ردّه إلى البائع ولا للبائع قهره عليه ؛ لأنّه أمانة في يدهما لجميع المسلمين. ولو لم يكن من الغانمين. لم تقرّ يده عليه.

ولو أقرضه الغانم لمن لا سهم له ، لم يصح ، واستُعيد من القابض. وكذا لو باعه منه. وكذا لو جاء رجل من غير الغانمين فأخذ من طعام الغنيمة ، لم تقرّ يده عليه ؛ إذ لا نصيب له ، وعليه ضمانه.

____________________

(١) المغني ١٠ : ٥٥١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٢٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤.

(٢) الاُمّ ٧ : ٣٦٥ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٠٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٨ - ٤٣٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، وانظر : المغني ١٠ : ٥٥١ ، والشرح الكبير ١٠ : ٢٧٥.

(٣) المغني ١٠ : ٥٥١ ، الاُم ٧ : ٣٦٥.

(٤) المغني ١٠ : ٥٥١.

١٤٣

ولو باعه من غير الغانمين ، بطل البيع ، واستُعيد.

ويجوز للإمام أن يبيع من الغنيمة شيئاً قبل القسمة لمصلحةٍ ، فلو عاد الكفّار وأخذوا المبيع من المشتري في دار الحرب ، فضمانه على المشتري ، وبه قال الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين.

وفي الاُخرى : ينفسخ البيع ، ويكون من ضمان أهل الغنيمة ، فإن كان المشتري قد وزن الثمن ، استعاده ، وإلّا سقط إن كان [ لا ](١) لتفريطٍ منه ، وإن كان لتفريطٍ منه ، مثل أن خرج به من العسكر وحده ، فكقولنا(٢) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ التلف في يد المشتري ، فلا يرجع بالضمان على غيره ، كغيره من المبيعات.

وإذا قُسّمت الغنائم في دار الحرب ، جاز لكلّ مَنْ أخذ منهم التصرّفُ فيه كيف شاء بالبيع وغيره ، فلو باع بعضهم شيئاً فغُلب المشتري عليه ، لم يضمنه البائع.

ولأحمد روايتان(٣) .

ويجوز لأمير الجيش أن يشتري من مال الغنيمة شيئاً قبل القسمة وبعدها.

وقال أحمد : ليس له ذلك ؛ لأنّه يحابي(٤) .

ويندفع الخيال بأخذه بالقيمة العدل.

مسألة ٩٠ : لا يسقط حقّ الغانم من الغنيمة بالإعراض بعد القسمة ،

____________________

(١) أثبتناها لأجل السياق.

(٢) المغني ١٠ : ٤٩١ - ٤٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٨.

(٣) المغني ١٠ : ٤٩٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٩ - ١٥٠ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٣.

(٤) المغني ١٠ : ٤٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥١٩ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٥٠.

١٤٤

كسائر الأملاك ، وأمّا قبلها فالأقرب سقوطه.

ولو اُفرز الخُمْس ولم تقسّم الأخماس الأربعة بعدُ ، فالأقرب أنّ الإعراض مُسقط ؛ لأنّ إفراز الخُمْس لا يعيّن حقوق الواحد فالواحد من الغانمين ، فلا يلزمهم في حقوقهم عكس ما كانوا عليه من قبل ، وهو أصحّ قولي الشافعي(١) .

والثاني : أنّه لا يسقط ؛ لأنّ بإفراز الخُمْس تتميّز حقوقهم عن الجهات العامّة ، ويصير الباقي لهم ، كسائر الأملاك المشتركة(٢) .

وقال بعض الشافعيّة : إذا استقسم الغانمون الإمامَ ، لم يسقط حقّ أحدهم بالإعراض ؛ لأنّه يشعر باختيار التملّك وتأكيد الحق ، دون ما إذا استبدّ الإمام بإفراز الخمس ، فإنّهم لم يحدثوا ما يشعر بقصد التملّك(٣) (٤) .

ولو قال : اخترت الغنيمة ، ففي منعه من الإعراض للشافعيّة وجهان :

أحدهما : لا ، فقد يتغيّر الرأي في الشي‌ء المقدور(٥) عليه ، والاستقرار لا يحصل قبل القسمة.

والثاني : نعم ، كما أنّ ذا الخيار في العقود إذا اختيار أحد الطرفين لا يعدل إلى الآخر(٦) .

ولو أعرض الغانمون بأجمعهم ففي صحّة إعراضهم لهم وجهان :

أحدهما : لا يصحّ ، وإلّا لاستحقها أرباب الخُمْس ، فيزيد حقّهم والله تعالى قد عيّن لهم الخُمْس.

وأصحّهما : الصحّة ، وتُصرف الأخماس الأربعة إلى مصارف‌

____________________

(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.

(٣) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الملك. وما أثبتناه من المصدر.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤.

(٥) في المصدر : « المعزوم » بدل « المقدور ».

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.

١٤٥

الخُمْس ؛ لأنّ المعنى المصحّح للإعراض يشمل الواحد والجمع(١) .

وأمّا الخُمْس : فسهم الله تعالى وسهم رسوله وسهم ذوي القُربى للإمام عندنا خاصّة ، فيصحّ إعراضه ، كما يصحّ إعراض الغانم.

وعند العامّة أنّ سهم ذوي القُربى لكلّ مَنْ يستحقّ الخُمْس.

وفي صحّة إعراضهم وجهان :

أحدهما : يصحّ ، كما يصحّ إعراض الغانمين.

والثاني : المنع ؛ لأنّ سهمهم منحة أثبتها الله تعالى لهم من غير معاناة وشهود وَقْعةٍ ، فليسوا كالغانمين الذين يُحمل حضورهم على إعلاء الكلمة(٢) .

والمفلس الذي حَجَر عليه القاضي لإحاطة الديون به يصحّ إعراضه ؛ لأنّ اختيار التملّك بمنزلة ابتداء الاكتساب ، وليس على المفلس الاكتساب.

وفي صحّة إعراض السفيه المحجور عليه نظر ، أقربه : أنّه ليس له إسقاط الملك ولا إسقاط حقّ الملك ، فلو صار رشيداً قبل القسمة وانفكّ عنه الحَجْر ، صحّ إعراضه.

ولا يصحّ إعراض الصبي عن الرضخ ولا إعراض الوليّ عنه ، فإن بلغ قبل القسمة ، صحّ إعراضه.

ولا يصحّ إعراض العبد عن الرضخ ، ويصحّ إعراض السيّد ؛ فإنّه حقّه.

والأقرب : صحّة إعراض السالب عن السَّلَب - وهو أصحّ وجهي الشافعي(٣) - كإعراض الغانمين.

والثاني : لا يصحّ ؛ لأنّه متعيّن له ، فأشبه الوارث(٤) .

مسألة ٩١ : مَنْ أعرض من الغانمين يُقدّر كأنّه لم يحضر الوقعة ،

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٢.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٤ - ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

(٣ و ٤) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

١٤٦

ويقسّم المال أخماساً : خُمسه لمستحقّيه ، وأربعة أخماسٍ لباقي الغانمين ، وهو أصحّ قولي الشافعي(١) .

والثاني : أنّ نصيب المـُعْرض يُضمّ إلى الخُمْس ؛ لأنّ الغنائم في الأصل لله تعالى ؛ لقوله تعالى :( قُلِ الْأَنْفالُ لِلّهِ ) (٢) فمن أعرض رجعت حصّته إلى أصلها(٣) .

ولو مات واحد من الغانمين ولم يُعرض ، انتقل حقّه إلى الورثة ؛ لأنّه ثبت له ملك أو حقّ ملك ، وكلاهما موروث ، فإن شاؤا أعرضوا ، وإن شاؤا طلبوا.

وللشافعيّة ثلاثة أوجه في أنّه هل يملك الغانمون قبل القسمة؟

أظهرها : أنّهم لا يملكون بل يملكون إن تملّكوا ؛ بدليل صحّة الإعراض ، ولو ملكوا بالاستيلاء ، لما سقط عنهم بالإعراض. ولأنّ للإمام أن يخصّ كلّ طائفة بنوعٍ من المال ، ولو ملكوا لم يجز إبطال حقّهم عن بعض الأنواع بغير اختيارهم.

والثاني : يملكون بالحيازة والاستيلاء ؛ لأنّ الاستيلاء على ما ليس بمعصوم من الأموال سببٌ للملك(٤) . ولأنّ ملك الكفّار زال بالاستيلاء ، فلو لم يملكه الغانمون ، بقي الملك(٥) لا مالك له. نعم ، هو مِلْكٌ ضعيف يسقط بالإعراض ، ولا تجب الزكاة فيه قبل اختيار التملّك على الأظهر.

والثالث : أنّ ملكهم موقوف ، إن سلمت الغنيمة إلى أن اقتسموا ، ظهر‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

(٢) الأنفال : ١.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

(٤) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الملك. وما أثبتناه من العزيز شرح الوجيز.

(٥) في « ق ، ك» : ملك.

١٤٧

أنّهم ملكوها بالاستيلاء ، وإلّا بانّ بالموت أو الإعراض عدم الملك ؛ لأنّ قصد الاستيلاء على المال لا يتحقّق إلّا بالقسمة ؛ لما تقدّم من أنّ الغرض إعلاء كلمة الله تعالى ، فإذا اقتسموا تبيّنّا قصد التملّك بالاستيلاء.

وإذا قلنا بالوقف ، قال الجويني : لا نقول : نتبيّن بالقسمة أنّ حصّة كلّ واحد من الغانمين على التعيين صارت ملكاً بالاستيلاء ، بل نقول : إذا اقتسموا ، تبيّنّا أنّهم ملكوا الغنائم أوّلاً ملكاً مشاعاً ثمّ تتميّز الحصص بالقسمة(١) .

مسألة ٩٢ : لو وقع في المغنم مَنْ يُعتق على بعض الغانمين ، لم يُعتق حصّته ما لم يقع في حصّته ، ولم يمنعه ذلك عن الإعراض ، قاله بعض الشافعيّة(٢) .

وقال الشيخرحمه‌الله : الذي يقتضيه المذهب أن نقول : ينعتق منه نصيبه منه ، ويكون الباقي للغانمين(٣) . وبه قال أحمد(٤) .

وقال الشافعي : إنّه لا ينعتق عليه لا كلّه ولا بعضه(٥) . وهو مقتضى قول أبي حنيفة(٦) .

لنا : ما تقدّم من أنّ الملك يثبت للغانمين بالاستيلاء التامّ وقد وُجد ،

____________________

(١) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٣.

(٢) الوجيز ٢ : ١٩٣.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢ - ٣٣.

(٤) المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٤٩.

(٥) مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٨ ، المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.

(٦) المغني ١٠ : ٥٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.

١٤٨

ولأنّ ملك الكفّار قد زال ولا يزول إلّا إلى المسلمين ، وهو أحدهم ، فيكون له نصيب مشاع في الغنيمة ، فينعتق عليه ذلك النصيب.

احتجّ الشافعي : بأنّه لم يحصل تملّك تام ؛ إذ للإمام أن يعطيه حصّته من غيره ، فنصيبه غير متميّز من الغنيمة.

قال الشيخرحمه‌الله : والأوّل أقوى(١) .

ثمّ قال الشيخ(٢) : ينعتق نصيبه ، ولا يلزمه قيمة ما يبقى للغانمين ؛ لأصالة البراءة ، ولا دليل على شغلها(٣) . والقياس على المعتق باطل ؛ لأنّ هناك إنّما وجب عليه التقويم ؛ لأنّ العتق صدر عنه.

أمّا لو جعله الإمام في نصيبه أو نصيب جماعة هو أحدهم ، فإنّه ينعتق نصيبه قولاً واحد.

ولو رضي بالقسمة ، فالأقرب التقويم عليه ؛ لأنّ ملكه برضاه.

هذا إذا كان موسراً ، ولو كان معسراً ، عُتق قدر نصيبه ، ولم يقوّم عليه الباقي.

ولو أسر أباه منفرداً به ، لم ينعتق عليه ؛ لأنّ الأسير لا يصير رقيقاً بالأسر ، بل باختيار الإمام؛ لأنّ للإمام حقّ الاختيار إن شاء قَتَله ، وإن شاء استرقّه ، وان شاء منَّ عليه ، وإن شاء فاداه ، فإن اختار الإمام استرقاقه ، عُتق على السبابي أربعة أخماسه ، وقوّم الخُمْس عليه إن كان موسراً ، قاله بعض الشافعيّة(٤) .

قال : ولو أسر اُمّه ، أو ابنه الصغير ، فإنّه يصير رقيقاً بالأسر ، فإن‌

____________________

(١ و ٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢ - ٣٣.

(٣) أي : شغل الذمّة.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.

١٤٩

اختار تملّكهما ، عُتق عليه أربعة أخماسهما ، وقوّم الباقي عليه إن كان موسراً ، وإن كان معسراً ، رقّ الباقي ، وإن لم يختر(١) التملّك ، كان أربعة الأخماس لمصالح المسلمين وخُمْسه لأهل الخُمْس(٢) .

قال : ولو أنّ حربيّاً باع من المسلمين امرأته وقد قهرها ، جاز. ولو باع أباه أو ابنه بعد قهرهما ، لم يجز ؛ لأنّه إذا قهر زوجته ، ملكها ، فيصحّ بيعها ، وإذا قهر أباه أو ابنه ، ملكه فعُتق عليه فلا يجوز بيعه(٣) .

ولو أعتق بعض الغانمين عبداً من الغنيمة قبل القسمة ، فإن كان ممّن لم يثبت فيه الرقّ ، كالرجل قبل استرقاقه ، لم يُعتق ؛ لأنّهعليه‌السلام قال : « لا عتق إلّا في ملك »(٤) وإن كان ممّن يملك، كالصبي والمرأة ، فالوجه عندنا أنّه يُعتق عليه قدر حصّته ويسري إلى الباقي ، فيقوّم عليه ، ويطرح باقي القيمة في المغنم.

هذا إذا كان موسراً ، وإن كان معسراً ، عُتق عليه قدر نصيبه ؛ لأنّه موسر بقدر حصّته من الغنيمة ، فإن كان بقدر حصّته من الغنيمة ، عُتق ولم يأخذ من الغنيمة شيئاً ، وإن كان دون حصّته(٥) ، أخذ باقي نصيبه ، وإن كان أكثر ، عُتق قدر نصيبه.

ولو أعتق عبداً آخر وفضل من حقّه عن الأوّل شي‌ء ، عُتق بقدره من‌

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : لم يتخيّر.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٦ - ٤٤٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٩.

(٣) لم نعثر عليه في المصادر المتوفّرة لدينا.

(٤) سنن أبي داوُد ٢ : ٢٥٨ / ٢١٩٠ ، سنن الترمذي ٣ : ٤٨٦ / ١١٨١ ، سنن البيهقي ٧ : ٣٢٠ ، سنن سعيد بن منصور ١ : ٢٥٣ / ١٠٢٧ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ٤١٩ بتفاوت يسير.

(٥) في « ق ، ك» : « حقّه » بدل « حصّته ».

١٥٠

الثاني ، وإن لم يفضل شي‌ء ، كان عتق الثاني باطلاً.

مسألة ٩٣ : ليس للغانم وطء جارية المغنم قبل القسمة ، فإن وطئ عالماً بالتحريم ، حُدّ بقدر نصيب غيره من الغانمين قلّوا أو كثروا ، وبه قال مالك وأبو ثور والشافعي في القديم(١) .

وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد : لا حدّ ؛ للشبهة(٢) .

قال الشافعي : بل يعزّر ، ولا ينفذ الاستيلاد في نصيبه. وإن قلنا : يملك ، ففي نفوذه للشافعيّة وجهان ؛ لضعف الملك(٣) .

وقيل : إن قلنا : يملك ، نفذ ، وإن قلنا : لا يملك ، فوجهان ، كاستيلاد الأب جارية الابن ، فإن نفذ في نصيبه وهو موسر بما يخصّه من الغنيمة أو بغيره ، سرى ، والولد جميعه حُرُّ ، وفي وجوب قيمة حصّة غيره من الولد إشكال ينشأ من أنّه ينتقل الملك إليه قبل العلوق أو بعده؟

وأمّا الحدّ : فلا يجب ، والمهر يجب جميعه إن قلنا : لا ملك له ، ويوضع في المغنم ، وإن قلنا : يملك ، حُطّ عنه قدر حصّته(٤) .

____________________

(١) المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤.

(٢) الاُمّ ٤ : ٢٦٩ - ٢٧٠ ، مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧٠ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٢٢ ، المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.

(٣ و ٤) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، وانظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ وما بعدها ، وروضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ وما بعدها ، والحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ وما بعدها.

١٥١

ولو وطئها جاهلاً بالتحريم ، فلا حدّ إجماعاً ؛ لأنّ الشركة شبهة ، وهو غير عالم.

وأمّا المهر : فقال الشيخ : لا يجب عليه المهر ، لعدم الدلالة على شغل الذمّة به(١) .

وقال الشافعي : يجب عليه ؛ لأنّه وطئ(٢) في غير ملكٍ سقط فيه الحدّ عن الواطئ ، فيجب المهر ، كوطىء الأب جارية ابنه(٣) .

ولو أوجبنا المهر ثمّ قسّمت الغنيمة فحصلت الجارية في نصيبه ، لم يسقط ؛ لأنّه وجب بالوطىء السابق.

ولو أحبلها ، قال الشيخرحمه‌الله : يكون حكم ولدها حكمها ، فيكون له منه بقدر نصيبه من الغنيمة ، ويقوّم بقيّة سهم الغانمين عليه ، ويلزمه سهم الغانمين ، وينظر فإن كانت القيمة قدر حقّه ، فقد استوفى حقّه ، وإن كان أقلّ ، اُعطي تمام حقّه ، وإن كان أكثر ، ردّ الفضل ، ويلحق به الولد لحوقاً صحيحاً ؛ لأنّه شبهة ، وتكون الجارية اُمَّ ولده(٤) . وبه قال الشافعي وأحمد(٥) .

وقال أبو حنيفة : يكون الولد رقيقاً ولا يلحق نسبه ؛ لأنّ وطئه لم يصادف‌

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

(٢) في « ق » : وطؤٌ.

(٣) الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٣٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٧١ ، المغني ١٠ : ٥٥٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.

(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

(٥) مختصر المزني : ٢٧٤ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٦ و ٢٣٧ ، الوجيز ٢ : ١٩٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١.

١٥٢

ملكاً ؛ لأنّ الغانم يملك بالقسمة(١) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ ملكهم(٢) يتحقّق بالاستيلاء ، فلهُمْ نصيبٌ.

قال الشيخرحمه‌الله : هذه الجارية تصير اُمّ ولده في الحال(٣) . وبه قال أحمد(٤) .

وقال الشافعي : لا تصير اُمّ ولد في الحال ، لأنّها ليست ملكاً له ، فإذا ملكها بعد ذلك ، ففي صيرورتها اُمّ ولد قولان(٥) .

فعلى قول الشيخرحمه‌الله تُقوّم الجارية عليه ، ويغرم سهم الغانمين(٦) . وبه قال أحمد(٧) . وللشافعي قولان(٨) .

قال الشيخرحمه‌الله : إذا وضعت ، نُظر فإن كانت قُوّمت عليه قبل الوضع ، فلا يُقوّم عليه الولد ؛ لأنّ الولد إنّما يُقوّم إذا وَضَعَتْ وفي هذه الحال وَضَعَتْه في ملكه ، وإن كانت بعدُ لم تُقوّم عليه ، قُوّمت هي والولد معاً بعد الوضع ، واُسقط منه نصيبه ، واُغرم الباقي للغانمين(٩) ؛ لأنّه منع من رقّه ؛ لشبهةٍ بالوطىء.

____________________

(١) بدائع الصنائع ٧ : ١٢٢ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٢ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٦ و ٢٣٧.

(٢) أي : ملك الغانمين.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

(٤) المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤٠ و ٤٤١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٤ ، المغني ١٠ : ٥٥٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.

(٦) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

(٧) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.

(٨) الحاوي الكبير ١٤ : ٢٣٧ و ٢٣٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤٤١ و ٤٤٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٦٦.

(٩) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

١٥٣

وعن أحمد روايتان :

إحداهما : أنّه تلزمه قيمته حين الوضع تُطرح في المغنم ؛ لأنّه فوّت رقّه ، فأشبه ولد المغرور.

والثانية : لا ضمان عليه بقيمته ؛ لأنّه ملكها حين علِقَتْ ، ولم يثبت ملك الغانمين في الولد بحال ، فأشبه ولد الأب من جارية ابنه إذا وطئها ، ولأنّه يُعتق حين علوقه ولا قيمة له حينئذٍ(١) .

والحقّ ما قاله الشيخ ؛ لأنّها قبل التقويم ملك الغانمين. ونمنع عتقه من حين علوقه ، وبعد التقويم ولدت على ملكه ، فكان الولد له ، ولا قيمة عليه للغانمين.

ولو وطئها وهو معسر ، قال الشيخرحمه‌الله : تُقوّم عليه مع ولدها ، ويستسعى في نصيب الباقين ، فإن لم يسع في ذلك ، كان له من الجارية مقدار نصيبه والباقي للغانمين ، ويكون الولد حُرّاً بمقدار نصيبه ، والباقي يكون مملوكاً لهم ، والجارية اُمّ ولد وإن ملكها فيما بعدُ(٢) .

وقال بعض العامّة : إذا وطئها وهو معسر ، كان في ذمّته قيمتها وتصير اُمَّ ولد ؛ لأنّه استيلاد جعل بعضها اُمّ ولد ، فجعل جميعها اُمّ ولد ، كاستيلاد جارية الابن(٣) .

وقال آخرون : يحسب عليه قدر حصّته من الغنيمة ، ويصير ذلك المقدار اُمَّ ولد ، والباقي رقيق للغانمين(٤) .

____________________

(١) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٣.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٣٢.

(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٥٥٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٢٢.

١٥٤

ولو وطئ الأب جاريةً من المغنم وليس له نصيب فيها بل لولده ، كان الحكم فيه كما لو وطىء الابن.

البحث الثاني : في الاُسارى.

مسألة ٩٤ : الاُسارى ضربان : ذكور وإناث ، والذكور إمّا بالغون أو أطفال ، وهُمْ مَنْ لم يبلغ خمس عشرة سنة.

فالنساء والأطفال يُملكون بالسبي ، ولا يجوز قتلهم إجماعاً ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نهى عن قتل النساء والولدان(١) . ويكون حكمهم مع السبي حكم سائر أموال الغنيمة : الخُمْس لأهله ، والباقي للغانمين.

ولو أشكل أمر الصبي في البلوغ وعدمه ، اعتبر بالإنبات ، فإن أنبت الشعر الخشن على عانته ، حُكم ببلوغه ، وإن لم ينبت ذلك ، جُعل من جملة الذرّيّة ؛ لأنّ سعد بن معاذ حكم في بني قريظة بهذا ، وأجازه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

ومن طريق الخاصّة : رواية الباقرعليه‌السلام ، قال : « إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عرضهم يومئذٍ على العانات ، فمَنْ وجده أنبت قَتَله ، ومَنْ لم يجده أنبت ألحقَه بالذراري »(٣) .

وأمّا البالغون الأحرار : فإن اُسروا قبل تقضّي الحرب وانقضاء القتال ، لم يجز إبقاؤهم بفداء ولا بغيره ، ولا استرقاقهم ، بل يتخيّر الإمام بين قتلهم‌

____________________

(١) سنن أبي داوُد ٣ : ٥٤ / ٢٦٧٢ ، سنن سعيد بن منصور ٢ : ٢٣٩ / ٢٦٢٦ و ٢٦٢٧ ، المصنّف - لعبد الرزّاق - ٥ : ٢٠٢ / ٩٣٨٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٩ : ٧٥ / ١٥٠.

(٢) شرح معاني الآثار ٣ : ٢١٦ ، المغني ٤ : ٥٥٦ ، الشرح الكبير ٤ : ٥٥٧ ، وانظر : سنن البيهقي ٦ : ٥٨.

(٣) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٣٩.

١٥٥

وبين قطع أيديهم وأرجلهم من خلاف فيتركهم حتى ينزفوا بالدم ويموتوا.

وإن اُسروا بعد أن وضعت الحرب أوزارها وانقضى القتال ، لم يجز قتلهم ، ويتخيّر الإمام بين أن يمنّ عليهم فيطلقهم ، وبين أن يفاديهم على مالٍ ويدفعونه إليه ، ويخلص به رقابهم من العبوديّة ، وبين أن يسترقّهم ويستعبدهم. ذهب إليه علماؤنا أجمع.

وقال الشافعي : يتخيّر الإمام بين أربعة أشياء : أن يقتلهم صبراً بضرب الرقبة ، لا بالتحريق ولا بالتغريق ، ولا يمثّل بهم ، أو يمنّ عليهم بتخلية سبيلهم ، أو يفاديهم بالرجال أو بالمال على ما يراه من المصلحة لا على اختيار الشهوة ، أو يسترقّهم ، ويكون مال الفداء ورقابُهم إذا استُرقّوا كسائر أموال الغنيمة(١) . وهو رواية عن أحمد(٢) ، ولم يفرّقوا بين أن يستأسروا قبل انقضاء القتال أو بعده.

وقال أبو حنيفة : ليس له المنّ والفداء ، بل يتخيّر بين القتل والاسترقاق لا غير(٣) .

وقال أبو يوسف : لا يجوز المنّ ، ويجوز الفداء بالرجال دون الأموال(٤) .

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٨ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥٠ - ٤٥١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٣ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٣١ ، المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٢) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨ ، الكافي في فقه الإمام أحمد ٤ : ١٢٧ ، المحرّر في الفقه ٢ : ١٧٢.

(٣) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠١ - ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ - ١٢٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤١ - ١٤٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٤ ، الأحكام السلطانية - للماوردي - : ١٣١ ، المغني ١٠ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ - ١٢٠ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٤١ - ١٤٢.

١٥٦

وقال مالك : يتخيّر بين القتل والاسترقاق والفداء بالرجال دون المال(١) . وهو رواية عن أحمد(٢) ، وبه قال الأوزاعي وأبو ثور(٣) .

وفي رواية عن مالك : لا يجوز المنّ بغير فداء(٤) .

وحكي عن الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير كراهة قتل الاُسارى(٥) .

لنا : قوله تعالى :( فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٦) .

وقتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم بَدْر عقبة بن أبي مُعيط والنضر بن الحارث(٧) .

وروى العامّة : أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قَتَل عقبة صبراً(٨) . وقَتَل أبا عزّة يوم اُحد(٩) . ومَنَّ على ثمامة بن أثال(١٠) . وقال في اُسارى بَدْر : « لو كان مُطعم ابن عَدي حيّاً ثمّ سألني في هؤلاء النتنى(١١) لأطلقتهم له »(١٢) وفادى اُسارى‌

____________________

(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٣١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.

(٢ - ٥) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٦) سورة محمد : ٤.

(٧) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٠.

(٨) المغني ١٠ : ٣٩٤.

(٩) سنن البيهقي ٩ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.

(١٠) سنن البيهقي ٦ : ٣١٩ ، و ٩ : ٦٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.

(١١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « السبي » بدل « النَتْنى ». وما أثبتناه من المصادر. وفي النهاية - لابن الأثير - ٥ : ١٤ « نتن » : النَتْنى يعني اُسارى بَدْر ، واحدهم نَتِنُ ، كزَمِنٍ وزَمْنى ، سمّاهم نَتْنى ؛ لكفرهم. انتهى.

(١٢) سنن أبي داوُد ٣ : ٦١ / ٢٦٨٩ ، سنن البيهقي ٦ : ٣١٩ ، مسند أحمد ٥ : ٣٥ / ١٦٢٩١ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ١١٧ / ١٥٠٥ ، المغني ١٠ : ٣٩٤.

١٥٧

بَدْر - وكانوا ثلاثةً وسبعين رجلاً - كلّ واحد بأربعمائة(١) . وفادى رجلاً أسره أصحابه برجلين أسرتهما ثقيف من أصحابه(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « لم يقتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رجلاً صبراً قطّ غير رجل واحد عقبة بن أبي معيط ، وطعن ابن أبي خلف فمات بعد ذلك »(٣) .

ولأنّ كلّ خصلة من هذه الخصال قد تكون أصلح من غيرها في بعض الأسرى ، فإنّ ذا القوّة والنكاية في المسلمين قتله أنفع وبقاؤه أضرّ ، والضعيف ذا المال لا قدرة له على الحرب ، ففداؤه أصلح للمسلمين ، ومنهم مَنْ هو حسن الرأي في الإسلام ويرجى إسلامه ، فالمنّ عليه أولى أو يرجى بالمنّ عليه المنّ على الاُسارى من المسلمين(٤) ، أو يحصل بخدمته نفع ويؤمن ضرره ، كالصبيان والنساء ، فاسترقاقه أولى ، والإمام أعرف بهذه المصالح ، فكان النظر إليه في ذلك كلّه.

وأمّا الذي يدلّ على التفصيل : قول الصادقعليه‌السلام : « كان أبي يقول : إنّ للحرب حكمين : إذا كانت الحرب قائمةً لم تضع أوزارها ولم تضجر أهلها ، فكلّ أسير اُخذ في تلك الحال فإنّ الإمام فيه بالخيار إن شاء ضرب عنقه ، وإن شاء قطع يده ورجله من خلاف بغير حسم وتركه يتشحّط في دمه حتى يموت » إلى أن قال : « والحكم الآخر : إذا وضعت الحرب أوزارها وأثخن أهلها فكلّ أسير اُخذ على تلك الحال وكان في أيديهم فالإمام فيه‌

____________________

(١) المغني ١٠ : ٣٩٤.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.

(٣) التهذيب ٦ : ١٧٣ / ٣٤٠.

(٤) في « ق ، ك» : على اُسارى المسلمين.

١٥٨

بالخيار إن شاء مَنَّ عليهم(١) ، وإن شاء فاداهم أنفسهم ، وإن شاء استعبدهم ، فصاروا عبيداً»(٢) .

احتجّ مالك بأنّه لا مصلحة في المنّ بغير عوض(٣) . وهو ممنوع.

واحتجّ عطاء بقوله تعالى :( فَشُدُّوا الْوَثاقَ فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٤) فخيّره بعد الأسر بين هذين لا غير(٥) .

وهو تخيير في الأسير بعد انقضاء الحرب.

واحتجّ أبو حنيفة : بقوله تعالى :( اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ )(٦) بعد قوله (فَإِمّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمّا فِداءً ) (٧) لأنّ آية المنّ نزلت بمكة وآية القتل نزلت بالمدينة في آخر سورة نزلت ، وهي براءة ، فيكون ناسخاً(٨) .

ونمنع النسخ ؛ فإنّ العامّ والخاصّ إذا تعارضاً ، عُمل بالعامّ في غير صورة الخاصّ.

وهذا التخيير ثابت في كلّ أصناف الكفّار ، سواء كانوا ممّن يُقّر على دينه بالجزية ، كأهل الكتاب ، أو لا ، كأهل الحرب - وبه قال الشافعي(٩) - لأنّ الحربيّ كافر أصلي ، فجاز استرقاقه كالكتابيّ ، ولأنّ حديث الصادق(١٠) عليه‌السلام

____________________

(١) في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : « عليه » بدل « عليهم ». وما أثبتناه من المصادر.

(٢) الكافي ٥ : ٣٢ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٤٣ / ٢٤٥ بتفاوت يسير في بعض الألفاظ.

(٣) المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٤) سورة محمد : ٤.

(٥) المغني ١٠ : ٣٩٣ - ٣٩٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٦) التوبة : ٥.

(٧) سورة محمّد : ٤.

(٨) اُنظر : بدائع الصنائع ٧ : ١٢٠ ، والمغني ١٠ : ٣٩٤ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٩٩.

(٩) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، روضة الطالبين. ٧ : ٤٥١ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المغني ١٠ : ٣٩٣ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.

(١٠) اُنظر الهامش (٢)

١٥٩

عامّ في كلّ أسير.

وقال الشيخرحمه‌الله : إن اُسر رجل بالغ ، فإن كان من أهل الكتاب أو ممّن له شبهة كتاب ، فالإمام مخيّر فيه على ما مضى بين الأشياء الثلاثة ، وإن كان من عَبَدة الأوثان ، تخيّر الإمام فيه بين المفادة والمنّ ، ويسقط الاسترقاق(١) . وبه قال أبو سعيد الاصطخري(٢) . وعن أحمد روايتان(٣) .

وقال أبو حنيفة : يجوز في العجم دون العرب(٤) . وهو قول الشافعي في القديم(٥) .

واحتجّ الشيخرحمه‌الله بأنّه لا يجوز له إقرارهم بالجزية ، فلا يجوز له إقرارهم بالاسترقاق.

ونمنع الملازمة ، ويبطل بالنساء والصبيان ، فإنّهم يسترقّون ولا يُقرّون بالجزية.

وهذا التخيير تخيير مصلحة واجتهاد لا تخيير شهوة ، فمتى رأى الإمام المصلحة في خصلة من هذه الخصال ، تعيّنت عليه ، ولم يجز العدول عنها ، ولو تساوت المصالح ، تخيّر تخيير شهوة.

وقال مالك : القتل أولى(٦) .

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٢٠.

(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١٠.

(٣) المغني ١٠ : ٣٩٣ و ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.

(٤) تحفة الفقهاء ٣ : ٣٠٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١١٩ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١١٧ - ١١٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٦٠ ، الحاوي الكبير ١٤ : ١٧٦ ، المغني ١٠ : ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٩٨.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٤١١ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٣٧ ، حلية العلماء ٧ : ٦٥٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٤٥١.

(٦) المغني ١٠ : ٣٩٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٠٠.

١٦٠

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466