تذكرة الفقهاء الجزء ٩

تذكرة الفقهاء8%

تذكرة الفقهاء مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-319-008-0
الصفحات: 466

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧
  • البداية
  • السابق
  • 466 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 332029 / تحميل: 5649
الحجم الحجم الحجم
تذكرة الفقهاء

تذكرة الفقهاء الجزء ٩

مؤلف:
ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٠٠٨-٠
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

الشرط فاسداً ؛ لأنّه يجب عليه أن يمنع أهل الحرب من دخول دار الإسلام ، فلا يجوز أن يشترط خلافه. وإن كانوا في دار الحرب أو بين دار الإسلام ودار الحرب ، كان الشرط جائزاً ؛ لعدم تضمّنه تمكين أهل الحرب من دار الإسلام.

إذا ثبت هذا ، فمتى قصدهم أهل الحرب ولم يدفعهم عنهم حتى مضى حول ، فلا جزية عليهم ؛ لأنّ الجزية تُستحقّ بالدفع ، فإن سباهم أهل الحرب ، فعليه أن يردّ ما سبي منهم من الأموال ؛ لأنّ عليه حفظ أموالهم. فإن كان في جملته خمر أو خنزير ، لم تلزمه استعادته(١) ؛ لأنّه لا يحلّ إمساكه.

وإذا أغار أهل الحرب على أهل الهدنة وأخذوا أموالهم وظفر الإمام بأهل الحرب واستنقذ أموال أهل الهدنة ، قال الشافعي : يردّها الإمام عليهم(٢) .

وكذا إذا اشترى مسلم من أهل الحرب ما أخذوه من أهل الهدنة ، وجب ردّه عليهم ، لأنّه في عهدٍ منه ، فلا يجوز أن يتملّك ما سبي منهم ، كأهل الذمّة.

وقال أبو حنيفة : لا يجب ردّ ما أخذوه من أهل الحرب من أموالهم ؛ لأنّه لا يجب عليه أن يدفعهم عنهم ، فلا يلزمه ردّ ما استنقذه منهم ، كما لو أغار أهل الحرب على أهل الحرب(٣) .

____________________

(١) في « ق ، ك» : « استيفاؤه » بدل « استعادته ».

(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٥٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣١.

(٣) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ٨٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٧.

٣٨١

وقول أبي حنيفة فيه قوّة.

مسألة ٢٢٧ : إذا انتقض العهد ، جاز قصد بلدهم وتبييتهم والإغارة عليهم في بلادهم‌ إن علموا أنّ ما أتوا به ناقض للعهد. وإن لم يعلموا ، فكذلك الحكم ، أو لا يقاتلون إلّا بعد الإنذار للشافعيّة وجهان(١) .

والأولى أنّه إذا لم يعلموا أنّه خيانة ، لا ينتقض العهد إلّا إذا كان المأتيّ به ممّا لا يشكّ في مضادّته للهدنة ، كالقتال.

فأمّا مَنْ دخل داراً بأمانٍ أو مهادنة ، فلا يغتال وإن انتقض عهده ، بل يبلغ المأمن.

ولو(٢) نقض السوقةُ العهد ولم يعلم الرئيس والأشراف بذلك ، احتمل النقض في حقّ السوقة ، وعدمه ؛ لأنّه لا اعتبار بعقدهم فكذا بنقضهم.

وللشافعيّة وجهان(٣) .

ولو نقض الرئيس وامتنع الأتباع وأنكروا ، ففي الانتقاض في حقّهم للشافعي قولان ، أحدهما : الانتقاض ؛ لأنّه لم يبق العهد في حقّ المتبوع فلا يبقى في حقّ التابع(٤) .

هذا حكم نقض عهد(٥) الهدنة ، وأمّا نقض الذمّة : فنقضه من البعض ليس بنقضٍ من الباقين ، وقد سلف الفرق.

والمعتبر في إبلاغ الكافر المأمن أن يمنعه من المسلمين ويلحقه بأوّل بلاد الكفر(٦) ، ولا يلزم إلحاقه ببلده الذي يسكنه فوق ذلك إلّا أن يكون بين‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٢.

(٢) في « ق » : « وإن » بدل « ولو ».

(٣ و ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٣.

(٥) كلمة « عهد » لم ترد في « ق ، ك».

(٦) في « ق » : الكفّار.

٣٨٢

أوّل بلاد الكفر وبلده الذي يسكنه بلدٌ للمسلمين يحتاج إلى المرور عليه.

وإذا هادنه الإمام مدّةً لضعفٍ وخوف ثمّ زال الخوف وقوي المسلمون ، وجب البقاء عليه ؛ لقوله تعالى :( فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلى مُدَّتِهِمْ ) (١) وإن كانت المدّة عشر سنين.

ويجب على الذين هادنّاهم الكفّ عن قبيح القول والعمل في حقّ المسلمين وبذل الجميل منهما. ولو كانوا يُكرمون المسلمين فصاروا يُهينونهم ، أو يضيفون الرسل ويصلونهم فصاروا يقطعونهم ، أو يعظّمون كتاب الإمام فصاروا يستخفّون ، أو نقصوا عمّا كانوا يخاطبونه به ، سألَهم الإمام عن سبب فعلهم ، فإن اعتذروا بما يجوز قبول مثله ، قَبِله ، وإن لم يذكروا عذراً ، أمرهم بالرجوع إلى عادتهم ، فإن امتنعوا ، أعلمهم بنقض الهدنة ونقَضَها ، عند الشافعيّة(٢) .

وسبُّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله تنتقض به الهدنة كالذمّة ، عند الشافعي(٣) ، خلافاً لأبي حنيفة فيهما(٤) .

مسألة ٢٢٨ : لو كان تحت كافرٍ عشرُ زوجات فأسلمن وهاجرن وجاء الزوج يطلبهنّ ، اُمر باختيار أربع منهنّ ، ويعطى مهورهنّ ، سواء اختار الأكثر مهراً أو الأقلّ ، وسواء اختار مَنْ دفع إليهنّ المهر أو بعضه أو مَنْ لم يدفع إليهنّ ، فإذا اختار مَنْ لم يدفع إليهنّ شيئاً ، لم يرجع بشي‌ء.

ولو جاءت مستولدةً ، فهي كالأمة.

____________________

(١) التوبة : ٤.

(٢) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٢٣ - ٥٢٤.

(٣ و ٤) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٣ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٦٣.

٣٨٣

وأمّا المكاتبة : فإن اقتضى الحال عتقها ، فكذلك ، وتبطل الكتابة ، وإلّا فهي على كتابتها. فإن أدّت مالَ الكتابة ، عُتقت بالكتابة. قال الشافعي : وللسيّد الولاء(١) . فإن عجزت ورُقّتْ ، حُسب ما أخذ من مال الكتابة بعد إسلامها من ضمانها ، ولا يُحسب منه ما اُخذ قبل الإسلام.

مسألة ٢٢٩ : لو عقدنا الهدنة بشرط أن يردّوا مَنْ جاءهم منّا مرتدّاً ويُسلّموه إلينا ، وجب عليهم الوفاء بما التزموه ، فإن امتنعوا ، كانوا ناقضين للعهد.

وإن عقدنا بشرط أن لا يردّوا مَنْ جاءهم ، ففي الجواز إشكال.

وللشافعي قولان :

أشهرهما : الجواز ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله شرط ذلك في مهادنة قريش(٢) .

والثاني : المنع ؛ لإعلاء الإسلام ، وإقامة حكم المرتدّين [ عليه ](٣) (٤) .

وقال بعضهم : هذا الشرط يصحّ في حقّ الرجال دون النساء كما لو شرط ردّ مَنْ جاءنا مسلماً ؛ لأنّ الإبضاع يحتاط لها ، ويحرم على الكافر من المرتدّة ما يحرم على المسلم(٥) .

فإن أوجبنا الردّ ، فالذي عليهم التمكين والتخلية دون التسليم.

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣٠.

(٢) المغازي - للواقدي - ٢ : ٦١١ ، السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣٢ ، دلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٤٧ ، صحيح البخاري ٣ : ٢٤٢ ، صحيح مسلم ٣ : ١٤١١ / ١٧٨٤.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : حكمهم. وما أثبتناه من المصادر.

(٤ و ٥) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣٠.

٣٨٤

وكذا الحكم لو جرت المهادنة مطلقاً من غير تعرّضٍ لردّ من ارتدّ بالنفي والإثبات.

وحيث لا يجب عليهم التمكين ولا التسليم فعليهم مهر مَنْ ارتدّ من نساء المسلمين ، وقيمة مَنْ ارتدّ من رقيقهم ، ولا يلزمهم غُرْم مَنْ ارتدّ من الرجال الأحرار.

ولو عاد المرتدّون إلينا ، لم نردّ المهر ، ورددنا القيمة ؛ لأنّ الرقيق بدفع القيمة يصير ملكاً لهم والنساء لا يصرن زوجاتٍ.

وحيث يجب التمكين دون التسليم فمكّنوا ، فلا غرم عليهم سواء وصلنا إلى المطلوبين أو لم نصل. وحيث يجب التسليم فنطالبهم به عند الإمكان.

فإن فات التسليم بالموت ، فعليهم الغرم.

وإن هربوا نُظر إن هربوا قبل القدرة على التسليم ، فلا يغرمون ، أو بعدها ، فيغرمون.

ولو هاجرت إلينا امرأة منهم مسلمة وطلبها زوجها وجاءتهم امرأة منّا مرتدّة ، لا نغرم لزوج المسلمة المهر ، ولكن نقول له : واحدة بواحدة ، ونجعل المهرين قصاصاً ، ويدفع الإمامُ المهر إلى زوج المرتدّة ، ويكتب إلى زعيمهم ليدفع مهرها إلى زوج المهاجرة المسلمة.

هذا إن تساوى القدران ، ولو كان مهر المهاجرة أكثر ، صرفنا مقدار مهر المرتدّة منه إلى زوجها والباقي إلى زوج المهاجرة. وإن كان مهر المرتدّة أكثر ، صرفنا مقدار مهر المهاجرة إلى زوجها والباقي إلى زوج المرتدّة.

٣٨٥

وبهذه المقاصّة فسّر أكثر الشافعيّة(١) قوله تعالى :( وَإِنْ فاتَكُمْ شَيْ‌ءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفّارِ فَعاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْواجُهُمْ مِثْلَ ما أَنْفَقُوا ) (٢) .

ولو قال زوج المسلمة : لا ذنب لي في التحاق المرتدّة بدار المهادنين فلِمَ منعتموني حقّي ، قلنا : ليس لك حقٌّ على قياس أعواض المتلفات ، وإنّما نغرم لك بحكم المهادنة ، وأهل المهادنة في موجب المهادنة كالشخص الواحد.

البحث السابع : في الحكم بين المعاهدين والمهادنين.

مسألة ٢٣٠ : إذا تحاكم إلينا أهل الذمّة بعضهم مع بعض ، تخيّر الحاكم‌ بين الحكم بينهم على مقتضى حكم الإسلام وبين الإعراض عنهم - وبه قال مالك(٣) - لقوله تعالى :( فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ ) (٤) .

ولقول الباقرعليه‌السلام : « إنّ الحاكم إذا أتاه أهل التوراة وأهل الإنجيل يتحاكمون إليه ، كان ذلك إليه إن شاء حكم بينهم وإن شاء تركهم »(٥) .

ولأنّهما لا يعتقدان صحّة الحكم ، فأشبها المستأمنين.

وقال المزني : يجب الحكم - وللشافعي قولان - لقوله تعالى :( وَأَنِ

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٥٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٥٣١.

(٢) الممتحنة : ١١.

(٣) أحكام القرآن - لابن العربي - ٢ : ٦٢٠ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ١٨٤ ، العزيز شرح الوجيز ٨ : ١٠٣.

(٤) المائدة : ٤٢.

(٥) التهذيب ٦ : ٣٠٠ / ٨٣٩.

٣٨٦

احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ ) (١) والأمر للوجوب.

ولأنّ دفع الظلم عنهم واجب على الإمام ، والحكم بينهم دفع لذلك عنهم ، فلزمهم(٢) كالمسلمين(٣) .

وآيتنا أخصّ ، والقياس باطل ؛ لأنّ المسلمين يعتقدون صحّة الحكم.

ولو تحاكم إلينا ذمّيُّ مع مسلم أو مستأمنٌ مع مسلم ، وجب على الحاكم أن يحكم بينهما على ما يقتضيه حكم الإسلام ؛ لأنّه يجب عليه حفظ المسلم من ظلم الذمّي ، وبالعكس.

ولو تحاكم إلينا مستأمنان حربيّان من غير أهل الذمّة ، لم يجب على الحاكم أن يحكم بينهما إجماعاً ؛ لأنّه لا يجب على الإمام دفع بعضهم عن بعض ، بخلاف أهل الذمّة. ولأنّ أهل الذمّة آكد حرمةً ؛ فإنّهم يسكنون دار الإسلام على التأبيد.

مسألة ٢٣١ : إذا استعدى أحد الخصمين إلى الإمام ، أعداه على الآخر‌ في كلّ موضع يلزم الحاكم الحكم بينهما ، فإذا استدعى خصمه ، وجب عليه الحضور إلى مجلس الحكم ؛ لأنّ هارون بن حمزة سأل الصادقَعليه‌السلام : رجلان من أهل الكتاب نصرانيّان أو يهوديّان كان بينهما خصومة ، فقضى بينهما حاكم من حُكّامهما بجَوْزٍ فأبى الذي قُضي عليه أن يقبل ، وسأل أن يردّ إلى حكم المسلمين ، قال : « يردّ إلى حكم المسلمين »(٤) .

____________________

(١) المائدة : ٤٩.

(٢) كذا ، والظاهر : فلزمه.

(٣) الحاوي الكبير ١٤ : ٣٨٥ - ٣٨٦ ، الوجيز ٢ : ١٥ ، العزيز شرح الوجيز ٨ : ١٠٣ ، الوسيط ٥ : ١٣٨ - ١٣٩ ، روضة الطالبين ٥ : ٤٩٠ - ٤٩١ ، المغني ١٠ : ١٩٠ ، التفسير الكبير ١١ : ٢٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ١٨٤.

(٤) التهذيب ٦ : ٣٠١ / ٨٤٢.

٣٨٧

ويجب إذا حكم بينهم أن يحكم بحكم المسلمين ، لقوله تعالى :( وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ) (١) وقال تعالى :( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ ) (٢) .

ولو جاءت ذمّيّة تستعدي على زوجها الذمّيّ في طلاقٍ أو ظهارٍ أو إيلاءٍ ، تخيّر في الحكم بينهم والردّ إلى أهل نحلتهم ليحكموا بينهم بمذهبهم. فإن حَكَم بينهم ، حَكَم بحكم الإسلام ، ويمنعه في الظهار من أن يقربها حتى يكفّر. ولا يجوز له أن يكفّر بالصوم ؛ لافتقاره إلى نيّة القربة ، ولا بالعتق ؛ لتوقّفه على ملك المسلم ، وهو لا يتحقّق في طرفه إلّا أن يسلم في يده أو يرثها ، بل بالإطعام.

مسألة ٢٣٢ : يجوز للمسلم أخذ مالٍ من نصرانيّ مضاربةً ، ولا يكره ذلك ؛ لأنّ المسلم لا يتصرّف إلّا فيما يسوغ.

ويكره للمسلم أن يدفع إلى المشرك مالاً مضاربةً ؛ لأنّ الكافر قد يتصرّف بما لا يسوغ في الشرع ، فإن فَعَل ، صحّ القراض.

وينبغي له إذا دفع إليه المال أن يشترط عليه أن لا يتصرّف إلّا بما يسوغ في شرعنا ، فإن شرط عليه ذلك فابتاع خمراً أو خنزيراً ، فالشراء باطل ، سواء ابتاعه بعين المال أو في الذمّة ؛ لأنّه خالف الشرطَ. ولا يجوز له أن يقبض الثمن ، فإن قَبَض الثمنَ ، ضمنه.

وإن لم يشترط عليه ذلك بل دفع المال إليه مطلقاً فابتاع ما لا يجوز ابتياعه ، فالبيع باطل ، فإن دفع الثمن ، فعليه الضمان أيضاً ؛ لأنّه ابتاع ما ليس بمباح عندنا.

وإطلاق العقد يقتضي أن يبتاع لربّ المال ما يملكه ربّ المال ،

____________________

(١) المائدة : ٤٢.

(٢) المائدة : ٤٩.

٣٨٨

فإذا(١) خالف ، ضمن.

فإن باع المضارب ونضّ المال ، فإن علم ربّ المال أنّه تصرّف في محظورٍ ، أو خالَط محظوراً ، لم يجز له قبضه ، كما لو اختلطت اُخته بأجنبيّاتٍ ، وإن علم أنّه عين المباح ، قَبَضه ، وإن شكّ ، جاز على كراهة.

ولو أكرى نفسه من ذمّيّ ، فإن كانت الإجارة في الذمّة ، صحّ ؛ لأنّ الحقّ ثابت في ذمّته. وإن كانت معيّنةً ، فإن استأجره ليخدمه شهراً أو يبني له شهراً ، صحّ أيضاً. وتكون أوقات العبادة مستثناةً منها.

مسألة ٢٣٣ : لو فَعَل الذمّيّ ما لا يجوز في شرع الإسلام ولا في شرعهم‌ - كالزنا واللواط والسرقة والقتل والقطع - كان الحكم في ذلك كالحكم بين المسلمين في إقامة الحدود ؛ لأنّهم عقدوا الذمّة بشرط أن يجرى عليهم أحكام المسلمين.

وإن كان ما يجوز في شرعهم - كشرب الخمر وأكل لحم الخنزير ونكاح المحارم - لم يتعرّض لهم ما لم يُظهروه ؛ لأنّا نُقرّهم عليه ، وترك التعرّض لهم فيه ؛ لأنّهم عقدوا الذمّة وبذلوا الجزية على هذا. فإن أظهروا ذلك وأعلنوه ، مَنَعهم الإمام وأدَّبهم على إظهاره.

قال الشيخ : وقد روى أصحابنا أنّه يُقيم عليهم الحدّ بذلك ، وهو الصحيح(٢) .

ولو جاء نصرانيّ باع من مسلم خمراً أو اشترى منه خمراً ، أبطلناه بكلّ حال تقابضا أو لا ، ورددنا الثمن إلى المشتري. فإن كان مسلماً ، استرجع الثمن ، وأرقنا الخمر ؛ لأنّا لا نقضي على المسلم بردّ الخمر ، وجاز إراقتها ؛ لأنّ الذمّيّ عصى بإخراجها إلى المسلم ، فيعاقب بإراقتها عليه. وإن‌

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : فإن.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦١.

٣٨٩

كان المشتري المشركَ ، رددنا إليه الثمن ، ولا نأمر الذمّيّ بردّ الخمر ، بل يُريقها ؛ لأنّها ليست كمال الذمّيّ.

ونمنع المشرك من شراء المصاحف إعزازاً للقرآن ، فإن اشترى ، لم يصح البيع.

وقال بعض الشافعيّة : يملكه ويلزم البيع(١) .

والأوّل أنسب بإعظام القرآن.

قال الشيخ : وكذا حكم الدفاتر التي فيها أحاديث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وآثار السلف وأقاويلهم - والأقوى عندي الكراهة - أمّا كتب النحو واللغة والشعر وباقي الأدب : فإنّ شراءها جائز لهم ؛ إذ لا حرمة لها(٢) .

مسألة ٢٣٤ : لو أوصى مسلم لذمّيٍّ بعبدٍ مسلم ، لم تصحّ الوصيّة ؛ لأنّ المشرك لا يملك المسلم.

وقال بعض الناس(٣) : تصحّ الوصيّة ، وتلزم برفع اليد عنه ، كما لو ابتاعه.

فعلى هذا لو أسلم وقَبِل الوصيّة ، صحّ ، وملكه بعد موت الموصي.

وعلى الأوّل لا يملكه وإن أسلم في حياة الموصي ؛ لأنّ الوصيّة وقعت في الأصل باطلةً.

ولو كان العبد مشركاً فأسلم العبد قبل موت الموصي ثمّ مات ، فقَبِله الموصى له ، لم يملكه ؛ لأنّ الاعتبار في الوصيّة حال اللزوم ، وهي حالة الوفاة.

وعلى القول الثاني يملكه ويرفع يده عنه.

ولو أوصى الذمّيّ ببناء كنيسة أو بيعة أو موضع عبادة لهم ، لم تصحّ ؛

____________________

(١) الوجيز ١ : ١٣٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، حلية العلماء ٤ : ١١٨ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٧٤ ، المجموع ٩ : ٣٥٥ ، روضة الطالبين ٣ : ١١.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٢.

(٣) كما في المبسوط - للطوسي - ٢ : ٦٢ ، وانظر : الحاوي الكبير ١٤ : ٣٩٣ ، والعزيز شرح الوجيز ٤ : ١٧ ، وروضة الطالبين ٣ : ١١.

٣٩٠

لأنّها في معصية.

وكذا لو أوصى أن يستأجر خدماً للبِيعة والكنيسة ، أو يعمل صلباناً ، أو يشتري مصباحاً أو يشتري أرضاً فيوقف عليها.

ولو أوصى الذمّيّ ببناء كنيسة تنزلها المارّة من أهل الذمّة أو من غيرهم ، أو وقفها على قومٍ يسكنونها ، أو جعل اُجرتها للنصارى ، جازت الوصيّة ؛ لأنّ نزولهم ليس بمعصية ، إلّا أن تبنى لصلواتهم.

وكذا لو أوصى للرهبان بشي‌ء ، صحّت الوصيّة ؛ لجواز صدقة التطوّع عليهم.

ولو أوصى أن يكون لنزول المارّة للصلاة فيه ، قيل : تبطل الوصيّة في الصلاة ، وتصحّ ( في نزول )(١) المارّة ، فتبنى كنيسة بنصف الثلث لنزول المارّة خاصّةً ، فإن لم يمكن ذلك ، بطلت الوصيّة(٢) .

وقيل : تبنى الكنيسة بالثلث ، وتكون لنزول المارّة ، ويُمنعون من الاجتماع للصلاة فيها(٣) .

ولو أوصى بشي‌ء تكتب به التوراة أو الإنجيل أو الزبور أو غير ذلك من الكتب القديمة ، بطلت الوصيّة ؛ لأنّها كتب محرَّفة مبدَّلة منسوخة.

وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوماً من داره فوجد في يد عمر صحيفةً ، فقال :

« ما هي؟ » فقال : من التوراة ، فغضب عليه ورماها من يده ، وقال : « لو كان موسى أو عيسى حيّين لما وسعهما إلّا اتّباعي »(٤) .

إذا ثبت(٥) هذا ، فإنّه يكره للمسلم اُجرة رمّ ما يستهدم من الكنائس والبِيَع من بناء ونجارة وغير ذلك ، وليس محرَّماً.

____________________

(١) بدل ما بين القوسين في الطبعة الحجريّة : لنزول.

(٢ و ٣) لم نعثر على القائل فيما بين أيدينا من المصادر.

(٤) الجامع لأحكام القرآن ١٣ : ٣٥٥ باختصار.

(٥) في « ق » : « عرفت » بدل « ثبت ».

٣٩١

الفصل السادس : في قتال أهل البغي‌

الأصل في ذلك قول الله تعالى :( وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِي‌ءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (١) .

قيل : وردت في طائفتين من الأنصار وقع بينهم [ قتال ](٢) فلمـّا نزلت ، قرأها عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فأقلعوا. وليس فيها تعرّضٌ للخروج والبغي على الإمام ، ولكن إذا اُمرنا بقتال طائفة بغَتْ على طائفة اُخرى ، فلأن نقاتل الذين بغوا على الإمام إلى أن يفيئوا إلى أمر الله أولى(٣) .

والمراد بالباغي في عرف الفقهاء : المخالف للإمام العادل ، الخارج عن طاعته بالامتناع عن أداء ما وجب عليه بالشرائط الآتية. وسُمّي باغياً إمّا لتجاوزه الحدّ المرسوم له ، والبغي : مجاوزة الحدّ.

وقيل : لأنّه ظالم بذلك ، والبغي : الظلم. قال الله تعالى :( ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ ) (٤) أي : ظُلم(٥) .

وقيل : لطلبه الاستعلاء على الإمام ، من قولهم : بغى الشي‌ء ، أي : طلبه(٦) .

مسألة ٢٣٥ : قتال أهل البغي واجب بالنصّ والإجماع.

____________________

(١) الحجرات : ٩.

(٢) أضفناها من المصدر.

(٣) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٦٩ - ٧٠.

(٤) الحجّ : ٦٠.

(٥ و ٦) كما في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٦٩.

٣٩٢

قال الله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) (١) .

وروى العامّة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « مَنْ حمل علينا السلاح فليس منّا »(٢) .

ومن طريق الخاصّة : قول عليعليه‌السلام : « القتال قتالان : قتال لأهل الشرك لا ينفر عنهم حتى يُسلموا أو يؤدّوا الجزية عن يدٍ وهم صاغرون ، وقتال لأهل الزيغ لا ينفر عنهم حتى يفيئوا إلى أمر الله أو يُقتلوا »(٣) .

ولا خلاف بين المسلمين كافّة في وجوب جهاد البُغاة ، وقد قاتل عليٌّعليه‌السلام ثلاثَ طوائف : أهل البصرة يوم الجمل : عائشة وطلحة والزبير وعبد الله بن الزبير وغيرهم ، وهُم الناكثون الذين بايعوه ونكثوا بيعته. وقاتل أهلَ الشام معاوية ومَنْ تابعه ، وهُم القاسطون ، أي : الجائرون. وقاتل أهلَ النهروان : الخوارج ، وهُم المارقون ، وقد أخبره رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : « تقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين »(٤) .

قال الشيخرحمه‌الله : وهؤلاء كلّهم عندنا محكوم بكفرهم ، لكن ظاهرهم الإسلام. وعند الفقهاء أنّهم مسلمون لكن قاتلوا الإمامَ العادل ، فإنّ الإمامة كانت لعليُّعليه‌السلام بعد عثمان عندهم(٥) .

والأصل في ذلك : أنّ الإمامة عندنا من شرائط الإيمان ، فلا يستحقّ‌

____________________

(١) الحجرات : ٩.

(٢) صحيح البخاري ٩ : ٦٢ ، صحيح مسلم ١ : ٩٨ و ٩٩ / ٩٨ و ١٠٠ و ١٠١ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٦٠ / ٢٥٧٥ ، مسند أحمد ٣ : ١٤٤ / ٩١٢٩.

(٣) التهذيب ٤ : ١١٤ / ٣٣٥ ، و ٦ : ١٤٤ / ٢٤٧.

(٤) المستدرك - للحاكم - ٣ : ١٤٠.

(٥) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٤.

٣٩٣

الثواب الدائم إلّا به.

مسألة ٢٣٦ : قد جرت العادة بين الفقهاء أن يذكروا الإمامة في هذا الموضع‌ ليُعرف الإمام الذي يجب اتّباعه ، ويصير الإنسان باغياً بالخروج عليه ، وليست من علم الفقه ، بل هي من علم الكلام ، فلنذكر كلاماً مختصراً ، فنقول‌ يشترط في الإمام اُمور :

الأوّل : أن يكون مكلّفاً ؛ فإنّ غيره مولّى عليه في خاصّة نفسه ، فكيف يلي أمر الاُمّة!

الثاني : أن يكون مسلماً ليراعي مصلحة المسلمين والإسلام ، وليحصل الوثوق بقوله ، ويصحّ الركون إليه ؛ فإنّ غير المسلم ظالم وقد قال الله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .

الثالث : أن يكون عدلا ؛ لما تقدّم ؛ فإنّ الفاسق ظالم ولا يجوز الركون إليه والمصير إلى قوله ؛ للنهي عنه في قوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (٢) . ولأنّ الفاسق ظالم ، فلا ينال مرتبة الإمامة ، لقوله تعالى :( لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ ) (٣) .

الرابع : أن يكون حُرّاً ؛ فإنّ العبد مشغول بخدمة مولاه لا يتفرّغ للنظر في مصالح المسلمين. ولأنّ الإمامة رئاسة عامّة والعبد مرؤوس ، وهي من المناصب الجليلة ، فلا تليق به.

الخامس : أن يكون ذَكَراً ليُهاب ، وليتمكّن من مخالطة الرجال ،

____________________

(١ و ٢) هود : ١١٣.

(٣) البقرة : ١٢٤.

٣٩٤

ويتفرّغ للنظر ؛ فإنّ المرأة ناقصة العقل.

السادس : أن يكون عالماً ، ليعرف الأحكام ويعلّم الناس ، فلا يفوت الأمر عليه بالاستفتاء والمراجعة.

السابع : أن يكون شجاعاً ، ليغزو بنفسه ، ويعالج الجيوش ، ويقوى على فتح البلاد ، ويحمي بيضة الإسلام.

الثامن : أن يكون ذا رأي وكفاية ؛ لافتقار قيام نظام النوع إليه.

التاسع : أن يكون صحيح السمع والبصر والنطق ، ليتمكّن من فصل الاُمور. وهذه الشرائط غير مختلف فيها.

العاشر : أن يكون صحيح الأعضاء ، كاليد والرِّجْل والاُذن. وبالجملة اشتراط سلامة الأعضاء من نقصٍ يمنع من استيفاء الحركة وسرعة النهوض. وهو أولى قولي الشافعيّة(١) .

الحادي عشر : أن يكون من قريش ؛ لقولهعليه‌السلام : « الأئمّة من قريش »(٢) وهو أظهر قولي الشافعيّة(٣) .

وخالف فيه الجويني(٤) ، مع أنّه لا خلاف في أنّ أبا بكر احتجّ على‌

____________________

(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.

(٢) المستدرك - للحاكم - ٤ : ٧٦ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٢ : ١٦٩ - ١٧٠ / ١٢٤٣٨ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١ : ٢٥٢ / ٧٢٥ ، سنن البيهقي ٣ : ١٢١ ، و ٨ : ١٤٤ ، مسند أحمد ٤ : ٢٩ / ١٢٤٨٩ ، و ٥ : ٥٧٩ / ١٩٢٧٨.

(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٢.

(٤) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٦ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١.

٣٩٥

الأنصار يوم السقيفة به(١) ، وبذلك أخذت الصحابة بعده.

قالت الشافعيّة : فإن لم يُوجد في قريش مَنْ يستجمع الصفات المعتبرة ، نُصب كنانيٌّ ، فإن لم يُوجد ، فرجلٌ من ولد إسماعيلعليه‌السلام (٢) .

وهو باطل عندنا ؛ لأنّ الإمامة عندنا محصورة في الاثني عشرعليهم‌السلام على ما يأتي.

ثمّ إنّ قريشاً ولد النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة ، فعلى قولهم : « إذا لم يُوجد قرشي ، ينبغي نصب كنانيّ » ينبغي أنّه إذا لم يُوجد كنانيٌّ ، نُصب خزيميّ وهكذا يرتقي إلى أبٍ بعد أبٍ إلى أن ينتهي إلى إسماعيلعليه‌السلام .

فإن لم يُوجد من ولد إسماعيل مَنْ يصلح لذلك ، قال بعضهم : يُولّى رجلٌ من العجم(٣) .

وقال بعضهم : يُولّى جُرْهُميٌّ ، وجُرْهُم أصل العرب ، وفيهم تزوّج إسماعيلعليه‌السلام حين أنزله أبوهعليه‌السلام أرضَ مكة. فإن لم يوجد جُرْهميُّ ، فرجلٌ من نسل إسحاق(٤) .

ولا يشترط أن يكون هاشميّاً عندهم(٥) .

الثاني عشر : يجب أن يكون الإمام معصوماً عند الشيعة ؛ لأنّ المقتضي لوجوب الإمامة ونصب الإمام جواز الخطأ على الاُمّة ، المستلزم لاختلال النظام ؛ فإنّ الضرورة قاضية بأنّ الاجتماع مظنّة التنازع والتغالب ، فإنّ كلّ‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧١ ، وانظر : تاريخ الطبري ٣ : ٢٢٠ ، والكامل في التاريخ ٢ : ٣٢٥.

(٢ - ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.

٣٩٦

واحد من بني النوع يشتهي ما يحتاج إليه ، ويغضب على مَنْ يزاحمه في ذلك ، وتدعوه شهوته وغضبه إلى الجور على غيره ، فيقع من ذلك الهرج والمرج ، ويختلّ أمر الاجتماع ، مع أنّ الاجتماع ضروريّ لنوع الإنسان ؛ فإنّ كلّ شخص لا يمكنه أن يعيش وحده ، لافتقاره إلى غذاء وملبوس ومسكن ، وكلّها صناعيّة لا يمكن أن تصدر عن صانعٍ واحد إلّا في مدّة لا يمكن أن يعيش تلك المدّة فاقداً لها ، أو يتعسّر إن أمكن ، وإنّما يتيسّر لجماعة يتعاونون ويتشاركون في تحصيلها ، يفرغ كلّ واحد منهم لصاحبه عن بعض ذلك ، فيتمّ النظام بمعاوضة عملٍ بعمل ومعاوضة عملٍ باُجرة ، فلهذا قيل : الإنسان مدنيُّ بالطبع ، فلا بدّ حينئذٍ من سلطانٍ قاهر ، مُطاع ، نافذ الأمر ، متميّز عن غيره من بني النوع ، وليس نصبه مفوّضاً إليه ، وإلّا وقع المحذور ، ولا إلى العامّة ؛ لذلك أيضاً ، بل يكون من عند الله تعالى.

ولا يجوز وقوع الخطأ منه ، وإلّا لوجب أن يكون له إمام آخر ، ويتسلسل ، فلهذا وجب أن يكون معصوماً.

ولأنّه تعالى أوجب علينا طاعته وامتثال أوامره ؛ لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (١) وذلك عامّ في كلّ شي‌ء ، فلو لم يكن معصوماً ، لجاز أن يأمر بالخطإ ، فإن وجب علينا اتّباعه ، لزم الأمر بالضدّين ، وهو محال ، وإن لم يجب ، بطل العمل بالنصّ.

ويجب عندهم أن يكون معصوماً من أوّل عمره إلى آخره ؛ لسقوط محلّه‌

____________________

(١) النساء : ٥٩.

٣٩٧

عند الناس لولاه.

الثالث عشر : أن يكون منصوصاً عليه من الله تعالى ، أو من النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أو ممّن ثبتت إمامته بالنصّ فيهما ؛ لأنّ العصمة من الاُمور الخفيّة التي لا يمكن الاطّلاع عليها ، فلو لم يكن منصوصاً عليه ، لزم تكليف ما لا يطاق. والنصّ من الله تعالى يُعلم إمّا بالوحي على نبيّهعليه‌السلام ، أو بخلق مُعجزٍ(١) على يده عقيب ادّعائه الإمامة.

الرابع عشر : أن يكون أفضلَ أهل زمانه ، ليتحقّق التميز عن غيره.

ولا يجوز عندنا تقديم المفضول على الفاضل - خلافاً لكثير من العامّة(٢) - للعقل والنقل.

أمّا العقل : فإنّ الضرورة قاضية بقبحه.

وأمّا النقل : فقوله تعالى :( أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) (٣) وهذه صيغة تعجّبٍ من الله تعالى ، دالّة على شدّة الإنكار ؛ لامتناعه في حقّه تعالى.

والأفضليّة تتحقّق بالعلم والزهد والورع وشرف النسب والكرم والشجاعة وغير ذلك من الأخلاق الحميدة(٤) .

الخامس عشر : أن يكون منزَّهاً عن القبائح ؛ لدلالة العصمة عليه. ولأنّه يكون مستحقّاً للإهانة والإنكار عليه ، فيسقط محلّه من قلوب العامّة ، فتبطل فائدة نصبه. وأن يكون منزَّهاً عن الدناءات والرذائل ، كاللعب‌

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : معجزة.

(٢) اُنظر : الأحكام السلطانيّة - للماوردي - ٨ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.

(٣) يونس : ٣٥.

(٤) في متن الطبعة الحجريّة : « الجميلة » بدل « الحميدة ». وفي هامشها كما هنا.

٣٩٨

والأكل في الأسواق وكشف الرأس بين الناس وغير ذلك ممّا يُسقط محلَّه ويوهن مرتبتَه. وأن يكون منزَّهاً عن دناءة الآباء وعهر الاُمّهات. وقد خالفت العامّة في ذلك كلّه.

مسألة ٢٣٧ : وإنّما تنعقد الإمامة بالنصّ عندنا على ما سبق. ولا تنعقد بالبيعة ، خلافاً للعامّة بأسرهم ؛ فإنّهم أثبتوا إمامة أبي بكر بالبيعة ، ووافقونا على صحّة الانعقاد بالنصّ ، لكنّهم جوّزوا انعقادها باُمور :

أحدها : البيعة(١) . واختلفوا في عدد الذين تنعقد الإمامة ببيعتهم.

فقال بعضهم : لا بدّ من أربعين ؛ لأنّ عهد الإمامة أعظم خطراً من عقد الجُمُعة ، وهذا العدد معتبر في الجُمُعة عند الشافعيّة ففي البيعة أولى(٢) .

وقال بعض الشافعيّة : إنّه يكفي أربعة ؛ لأنّه أكمل نُصُب الشهادات(٣) .

وقال بعضهم : ثلاثة ؛ لأنّ الثلاثة مطلق الجمع ، فإذا اتّفقوا ، لم يجز مخالفة الجماعة(٤) .

وقال بعضهم : اثنان ؛ لأنّ أقلّ الجمع اثنان(٥) .

وقال بعضهم : واحد ؛ لأنّ عمر بن الخطّاب بايع أبا بكر أوّلاً ثمّ وافقه الصحابة(٦) .

وقال بعضهم : يعتبر بيعة أهل الحلّ والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس الذين يسهل حضورهم ، ولا يشترط اتّفاق أهل الحلّ والعقد في سائر البلاد ، بل إذا وصل الخبر إلى أهل البلاد البعيدة ، فعليهم الموافقة والمتابعة(٧) . وعلى هذا فلا يتعيّن للاعتبار عدد ، بل لا يشترط العدد ، فلو تعلّق الحلّ والعقد بواحد مُطاع ، كفت بيعته لانعقاد الإمامة(٨) .

____________________

(١ - ٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ - ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.

(٧) في « ق » : « المبايعة » بدل « المتابعة ».

(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٤.

٣٩٩

قالوا : ولا بدّ وأن يكون الذين يبايعون بصفات الشهود حتى لو كان واحداً ، شرط ذلك فيه.

وهل يشترط في البيعة حضور شاهدين؟ وجهان للشافعيّة.

ويشترط في انعقاد البيعة أن يُجيب الذين يبايعونه ، فإن امتنع ، لم تنعقد إمامته(١) .

الأمر الثاني : استخلاف الإمام قبله ، وعهده إليه ، كما عهد أبو بكر إلى عمر. وانعقد الإجماع بينهم على جوازه(٢) .

قالوا : والاستخلاف أن يجعله خليفةً في حياته ثمّ يخلفه بعد موته(٣) .

ولو أوصى له بالإمامة من بعده ، ففيه وجهان عندهم ؛ لأنّه بالموت يخرج عن الولاية ، فلا يصحّ منه تولية الغير(٤) .

ويشكل بأنّ مرادهم بجعله خليفةً في حياته إن كان استنابه ، فلا يكون عهداً إليه بالإمامة ، أو جعله إماماً في الحال ، فهذا إمّا خلعٌ لنفسه أو اجتماع إمامين في وقتٍ واحد ، أو جعله إماماً بعد موته ، وهذا معنى لفظ الوصيّة(٥) .

ولو جعل الأمر شورى بين اثنين فصاعداً بعده ، كان كالاستخلاف ، إلّا أنّ المستخلَف غير معيّن ، فيحتاج إلى تشاورهم اتّفاقهم على جعل واحد منهم خليفة ، كقضيّة عمر حيث جعل الأمر شورى في ستّة(٦) .

ثمّ اختلفوا في أنّه هل يشترط في المـُولّى شروط الإمامة من وقت العهد إليه حتى لو كان صغيراً أو فاسقاً عند العهد ، بالغاً عدلاً عند موت المـُولّي ، لم ينصب إماماً إلّا أن يبايعه أهل الحلّ والعقد؟(٧) وبعضهم لم يشترط ذلك(٨) .

____________________

(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٤.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٣ - ٧٤.

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٦٤ - ٢٦٥.

(٧ و ٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.

٤٠٠

ولو عهد إلى غائبٍ مجهول الحياة ، لم يصحّ. ولو كان معلومَ الحياة ، صحّ.

فإن مات المستخلف وهو غائبٌ بعدُ ، [ استقدمه ](١) أهل الاختيار ، فإن بعدت غيبته واستضرّ المسلمون بتأخير النظر في اُمورهم ، اختار أهل الحلّ والعقد نائباً له يبايعونه بالنيابة دون الخلافة ، فإذا قدم ، انعزل النائب(٢) .

ولو خلع الخليفة نفسَه ، كان كما لو مات ، فتنتقل الخلافة إلى وليّ العهد على خلافٍ(٣) .

ويجوز أن يفرق بين أن يقول : الخلافة بعد موتي لفلان ، أو بعد خلافتي(٤) .

واختلفوا في أنّه هل يجوز العهد إلى الوالد والولد كما يجوز إلى غيرهما؟

فقال بعضهم بالمنع كالتزكية والحكم لهما عندهم(٥) .

وقال آخرون بالفرق بين الوالد والولد ، لأنّ الميل إلى الولد أشدّ(٦) .

واختلفوا في أنّ وليّ العهد لو أراد أن ينقل ما إليه من ولاية العهد إلى غيره ، لم يجز ، لأنّه إنّما يجوز له النظر وتثبت الولاية بعد موت المـُولّي.

ولو عهد إلى اثنين أو أكثر على الترتيب ، فقال : الخليفة بعدي فلان ،

____________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : أن تقدمه. وهي كما ترى ، وما أثبتناه من المصدر.

(٢ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.

(٥) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.

٤٠١

وبعد موته فلان ، جاز ، وانتقلت الخلافة إليهم على ما رتّب.

ولو مات الأوّل في حياة الخليفة ، فالخلافة بعده للثاني. ولو مات الأوّل والثاني في حياته ، [فهي ](١) للثالث على خلافٍ ؛ لأنّ المفهوم من اللفظ جَعْل الثاني خليفةً بعد خلافة الأوّل(٢) .

ولو مات الخليفة والثلاثة أحياء وصارت الخلافة إلى الأوّل فأراد أن يعهد بها إلى غير الآخَرَيْن ، فالظاهر من مذهب الشافعي جوازه ؛ لأنّه إذا انتهت الخلافة إليه ، صار أملك بها ويوصلها إلى مَنْ شاء ، بخلاف ما إذا مات ولم يعهد بها إلى أحدٍ ، ليس لأهل البيعة أن يبايعوا غير الثاني ، ويقدّم عهد الأوّل على اختيارهم.

وليس لأهل الشورى أن يعيّنوا واحداً منهم في حياة الخليفة إلّا أن يأذن لهم في ذلك ، فإن خافوا انتشار الأمر بعده ، استأذنوه ، فإن أذن ، فَعَلوا.

وأنّه يجوز للخليفة أن ينصّ على مَنْ يختار الخليفة بعده ، كما يجوز له أن يعهد إلى غيره حتى لا يصحّ إلّا اختيار مَنْ نصّ عليه ، كما لا يصحّ إلّا تقليد مَنْ عهد إليه ؛ لأنّهما من حقوق خلافته.

وإذا عهد بالخلافة إلى غيره ، فالعهد موقوف على قبول المـُولّى(٣) . واختلفوا في وقت القبول.

فقيل : بعد موت المـُولّي ؛ لأنّه وقت نظره وقيامه بالاُمور(٤) .

والأصحّ عندهم : أنّ وقته ما بين عهد المـُولّي وموته(٥) .

____________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : فهو. وما أثبتناه أنسب بسياق العبارة.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥.

(٣ - ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٤ - ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٥ - ٢٦٦‌

٤٠٢

وقيل : إذا امتنع المـُولّى من القبول فيبايع غيره ، فكأنّه لا تولية(١) .

وكذا إذا جعل الأمر شورى فترك القوم الاختيار ، لا يجبرون عليه ، فكأنّه ما جعل الأمر إليهم(٢) .

الأمر الثالث : القهر والاستيلاء. فإذا مات الإمام فتصدّى للإمامة مَنْ يستجمع شرائطها من غير استخلافٍ وبيعةٍ ، وقَهَر الناس بشوكته وجنوده ، انعقدت الخلافة ؛ لانتظام الشمل بما فَعَل(٣) .

ولو لم يكن مستجمعاً للشرائط بل كان فاسقاً أو جاهلاً ، فللشافعيّة وجهان ، أظهرهما : أنّ الحكم كذلك وإن كان عاصياً بما فَعَل(٤) .

وهذا من أغرب الأشياء إيجاب المعصية(٥) ، فهذا كلّه ساقط عندنا ؛ لأنّا قد بيّنّا أنّ الإمامة لا تثبت إلّا بالنصّ ؛ لوجوب العصمة ، وأنّ البيعة لا تصلح للتعيين. قال الله تعالى :( ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ) (٦) والأمر الثالث أبلغ في المنع والبطلان.

مسألة ٢٣٨ : تجب طاعة الإمام عندنا وعند كلّ أحد أوجب نصب الإمام ما لم يخالف المشروع‌ - وهذا القيد يفتقر إليه غيرنا حيث جوّزوا إمامة الفاسق - لقوله تعالى :( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) (٧) .

وقالعليه‌السلام : « مَنْ نزع يده من طاعة إمامه فإنّه يأتي يوم القيامة ولا حجّة‌

____________________

(١ - ٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٦.

(٥) كذا في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة.

(٦) القصص : ٦٨.

(٧) النساء : ٥٩.

٤٠٣

له »(١) .

ولا فرق عندهم بين أن يكون عادلاً أو جائراً(٢) .

ولا يجوز عندهم نصب إمامين في وقتٍ واحد ؛ لما فيه من اختلاف الرأي وتفرّق الشمل(٣) .

وجوَّز أبو إسحاق من الشافعيّة نصبَ إمامين في إقليمين ؛ لأنّه قد يحدث في أحد الإقليمين ما يحتاج إلى نظر الإمام ويفوت المقصود بسبب البُعْد(٤) .

فإن عُقدت البيعة لرجلين معاً ، فالبيعتان باطلتان. وإن ترتّبتا ، فالثانية باطلة. ويُنظر إن جهل الثاني ومَنْ بايعه تقدُّمَ بيعةِ الأوّل ، لم يعزَّر ، وإلّا عُزّر(٥) .

ولما روي من قولهعليه‌السلام : « إذا بُويع الخليفتان فاقتلوا الأخير منهما »(٦) .

وتأوَّله بعضُهم بما إذا أصرّ ولم يبايع الأوّل ، فإنّه يكون باغياً يُقاتَل(٧) .

وقال بعضهم : لا تطيعوه ولا تقبلوا قولَه ، فيكون كمن مات أو قُتل(٨) .

ولو عُرف سبقُ أحدهما ولم يتعيّن ، أو لم يُعلم أوَقعا معاً أو على التعاقب ، فالحكم كالجُمعتين.

____________________

(١) أورده الرافعي في العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، وفي مسند أحمد ٢ : ٢٢٣ / ٥٦٤٣ ، و ٢٢٩ / ٥٦٨٥ نحوه.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٥ - ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

(٤ و ٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

(٦) صحيح مسلم ٣ : ١٤٨٠ / ١٨٥٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٥٦ ، سنن البيهقي ٨ : ١٤٤ بتفاوت يسير.

(٧ و ٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦.

٤٠٤

ولو سبق أحدهما على التعيين واشتبه السابق ، وقف الأمر إلى أن ينكشف الحال ، فإن طالت المدّة أو لم يمكن الانتظار ، قال بعض الشافعيّة : تبطل البيعتان ، وتستأنف بيعة أحدهما(١) . وفي جواز العدول إلى غيرهما خلاف(٢) .

وذكر أنّه لو ادّعى كلٌّ منهما أنّه الأسبق ، لم تسمع الدعوى ولم يحلف [ الآخر ](٣) لأنّ الحقّ يتعلّق بجميع المسلمين. وأنّه لو قطعا التنازع وسلّم أحدهما [ الأمر ](٤) إلى الآخر ، لم تستقرّ الإمامة له ، بل لا بدّ من بيّنة تشهد بتقدّم بيعته. وأنّه لو أقرّ أحدهما للآخر بتقدّم بيعته ، خرج منها المـُقرّ ، ولا بدّ من البيّنة ليستقرّ الأمر للآخر ، فإن شهد له المـُقرّ مع آخَرَ ، قُبلت شهادته إن كان يدّعي اشتباه الأمر قبل الإقرار ، وإن كان يدّعي التقدّم ، لم تُسمع ؛ لما في القولين من التكاذب(٥) .

وإذا ثبتت الإمامة بالقهر والغلبة فجاء آخر فقهره ، انعزل ، وصار القاهر إماماً.

ولا يجوز خلع الإمام بلا سبب ولو خلعوه ، لم ينفذ ؛ لأنّ الآراء تتغيّر ، فلا نأمن تكرّر التولية والعزل ، وفي ذلك سقوط الهيبة والوقْع من القلب.

ولو عزل الإمام نفسَه ، نُظر إن عزل للعجز عن القيام باُمور المسلمين من‌

____________________

(١) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

(٣ و ٤) أضفناها من المصدر.

(٥) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧.

٤٠٥

هرمٍ أو مرضٍ ، انعزل عندهم. ثمّ إن ولّى غيره ، انعقدت الإمامة لمن ولّاه ، وإلّا بايع الناس غيره.

وإن عزل نفسَه من غير عذرٍ ، ففي انعزاله وجهان :

أحدهما : ينعزل ، ولا يكلّف أن يترك مصلحة نفسه محافظةً على مصلحة غيره ، وصار كما لو لم يُجبْ إلى المبايعة ابتداءً.

والثاني : المنع ؛ لما رُوي أنّ أبا بكر قال : أقيلوني(١) . ولو تمكّن من عزل نفسه ، لما طلب الإقالة(٢) .

وقال بعضهم : للإمام أن يعزل وليَّ العهد ؛، لأنّ الخلافة لم تنتقل إليه ، فلا يخشى من تبديله الفساد والفتنة(٣) .

وقال بعضهم : ليس له ذلك ما لم يتغيّر حاله وإن جاز له عزل من استنابه في إشغاله في الحال؛ لأنّه يستنيبه لنفسه ، واستخلاف وليّ العهد يتعلّق بالمسلمين عامّةً ، فصار كأهل البيعة يبايعون ، ولا يعزلون مَنْ بايعوه(٤) .

مسألة ٢٣٩ : الإمام عندنا لا يتحقّق منه صدور الفسق ؛ لأنّه واجب العصمة من أوّل عمره إلى آخره.

أمّا مَنْ لم يشترط عصمته : فالأظهر عند الشافعيّة منهم : أنّ الإمام لا ينعزل بالفسق ؛ لأنّهم يُجوزون إمامة الفاسق(٥) ، فإذا كان لا يمنع الفسق من الابتداء فأولى أن لا يمنع من الاستدامة. ولا ينعزل بالإغماء ؛ لأنّه‌

____________________

(١) شرح نهج البلاغة - لابن أبي الحديد - ١ : ١٦٩.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٦ - ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٧ - ٢٦٨.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.

(٤) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٣.

٤٠٦

متوقَّع الزوال.

قالوا : وينعزل بالمرض الذي يُنسيه العلوم ، وبالجنون(١) .

وقال بعضهم : لو كان الجنون منقطعاً وكان زمان الإفاقة أكثر وتمكّن معه من القيام بالاُمور ، لم ينعزل. وينعزل بالعمى والصمم والخرس ، ولا ينعزل بثقل السمْع وتمتمة اللسان(٢) .

وبينهم خلاف في أنّهم هل يمنعان ابتداء التولية؟ وفي أنّ قطع إحدى اليدين أو الرِّجْلين هل يؤثّر في الدوام(٣) .

مسألة ٢٤٠ : يثبت وصف البغي بشرائط ثلاثة :

أحدها : أن يكونوا في كثرةٍ ومنْعةٍ لا يمكن كفّهم وتفريق جمعهم‌ إلّا بإنفاقٍ وتجهيز جيوشٍ وقتالٍ، فأمّا إن كانوا نفراً يسيراً كالواحد والاثنين والعشرة وكيدها كيد ضعيف. فليسوا أهل بغي(٤) ، وكانوا قُطّاع طريقٍ ، ذهب إليه الشيخ في المبسوط(٥) وابن إدريس(٦) ، وهو مذهب الشافعي(٧) ؛ لأنّ عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله لمـّا جرح عليّاًعليه‌السلام ، قال لابنه الحسنعليه‌السلام : « إن برئت رأيت رأيي ، وإن متُّ فلا تمثلوا به »(٨) .

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.

(٢) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.

(٣) الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ١٨ - ١٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٦٨.

(٤) في « ق » : البغي.

(٥) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٤.

(٦) السرائر : ١٥٨.

(٧) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢ ، المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.

(٨) الكامل في التاريخ ٣ : ٣٩١ ، المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.

٤٠٧

وقال بعض الجمهور : يثبت لهم حكم البغاة إذا خرجوا عن قبضة الإمام(١) . وفيه قوّة.

الثاني : أن يخرجوا عن قبضة الإمام منفردين عنه في بلدٍ أو بادية ، أمّا لو كانوا معه وفي قبضته ، فليسوا أهل بغي(٢) ؛ لأنّ عليّاًعليه‌السلام كان يخطب ، فقال رجل بباب المسجد : لا حكم إلّا لله ، تعريضاً بعليّعليه‌السلام أنّه حكم في دين الله ، فقال عليّعليه‌السلام : « كلمة حقّ اُريد بها باطل ، لكم علينا ثلاث : أن لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا اسم الله فيها ، ولا نمنعكم الفي‌ء ما دامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال »(٣) فقولهعليه‌السلام : « مادامت أيديكم معنا » يعني لستم منفردين.

الثالث : أن يكونوا على المباينة بتأويلٍ سائغ عندهم‌ بأن تقع لهم شبهة تقتضي الخروج على الإمام ، فأمّا إذا لم يكن لهم تأويلٌ سائغ وباينوا ، فهم قُطّاع طريقٍ حكمهم حكم المحارب.

والشافعيّة اعتبروا في أهل البغي صفتين :

إحداهما : أن يكون لهم تأويلٌ يعتقدون بسببه جواز الخروج على الإمام ، أو منع الحقّ المتوجّه عليهم ؛ لأنّ مَنْ خالف الإمام(٤) من غير تأويلٍ ، كان معانداً ، ومَنْ يتمسّك بالتأويل ، يطلب الحقّ على اعتقاده ، ولا يكون معانداً ، فيثبت له نوع حرمةٍ ، كما في حقّ مَنْ خرج على عليّعليه‌السلام حيث اعتقدوا أنّه يعرف قَتَلة عثمان ، ويقدر عليهم ولا يقتصّ منهم ؛ لرضاه‌

____________________

(١) المغني ١٠ : ٤٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٤٩.

(٢) في « ق » : البغي.

(٣) تاريخ الطبري ٥ : ٧٣ ، الكامل في التاريخ ٣ : ٣٣٥ ، سنن البيهقي ٨ : ١٨٤ ، الأحكام السلطانيّة - للماوردي - : ٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩.

(٤) كلمة « الإمام » لم ترد في « ق ، ك» والعزيز شرح الوجيز.

٤٠٨

بقتله ومواطأتهم إيّاه.

وكذا مانعو أبي بكر عن الزكاة ، حيث قالوا : اُمرنا بدفع الزكاة إلى مَنْ صلاته سَكَنٌ(١) لنا ، وهو رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأنت لسْتَ كذلك.

والتأويل المشروط في أهل البغي إذا كان بطلانه مظنوناً ، فهو معتبر. وإن كان بطلانه مقطوعاً به ، فوجهان :

أظهرهما : أنّه لا يعتبر ، كتأويل أهل الردّة.

والثاني : يعتبر ، ويكتفى بغلطهم فيه(٢) .

قالوا : ولهذا كان معاوية وأصحابه بغاةً. واستدلّوا عليه : بقولهعليه‌السلام : « إنّ عمّاراً تقتله الفئة الباغية »(٣) .

ثمّ قالوا : إن شرطنا في البغي أن يكون بطلان التأويل مظنوناً ، كان معاوية [ مبطلاً ](٤) فيما ذهب إليه ظنّاً ، وإن شرطنا العلم ، قلنا : إنّ معاوية كان مبطلاً قطعاً(٥) .

وأمّا الخوارج : فهُمْ صنفٌ مشهور من المبتدعة يعتقدون تكفير أصحاب الكبائر واستحقاق الخلود في النار بها ، كشرب الخمر والزنا والقذف ، ويستحلّون دماء المسلمين وأموالهم ، إلّا مَنْ خرج معهم ، وطعنوا في‌

____________________

(١) إشارة إلى الآية ١٠٣ من سورة التوبة.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٨ - ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧١ - ٢٧٢.

(٣) صحيح مسلم ٤ : ٢٢٣٦ / ٧٣ ، المستدرك - للحاكم - ٢ : ١٤٩ ، ١٥٥ ، ١٥٦ ، و ٣ : ٣٨٦ ، ٣٨٧ ، ٣٩٧ ، سنن البيهقي ٨ : ١٨٩ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٤ : ٨٥ / ٣٧٢٠ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ١٥ : ٢٩١ / ١٩٦٩١ ، الطبقات الكبرى - لابن سعد - ٣ : ٢٥٢ ، مسند أحمد ٢ : ٣٥٠ / ٦٥٠٢ ، و ٣ : ٤٠٠ / ١٠٧٨٢ ، و ٥ : ٢٢١ / ١٧٣١٢ ، و ٦ : ٢٨١ / ٢١٣٦٦.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩.

٤٠٩

عليّعليه‌السلام وعثمان ، ولا يجتمعون معهم في الجُمُعات والجماعات.

وللشافعيّة خلاف في تكفيرهم(١) .

وهل حكمهم إذا لم يكفّروهم حكم أهل البغي ، أو حكم أهل الردّة؟ الأصحّ عندهم : الثاني(٢) ، وعلى هذا تنفذ أحكامهم ، بخلاف أحكام البُغاة.

وأكثر الشافعيّة : [ على ](٣) أنّه إن أظهر قومٌ رأي الخوارج وتجنّبوا الجماعات وكفّروا الإمامَ ومَنْ معه ، فإن لم يقاتلوا وكانوا في قبضة الإمام ، فلا يُقتلون ولا يقاتلون(٤) ؛ لقول عليّعليه‌السلام للخارجيّ : « لكم علينا ثلاث : أن لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله ، ولا نمنعكم الفي‌ء ما دامت أيديكم معنا ، ولا نبدؤكم بقتال »(٥) .

ثمّ إنّهم إن صرّحوا بسبّ الإمام أو غيره من أهل العدل ، عُزّروا ، وإن عرّضوا ، فوجهان(٦) .

وعندنا : أنّ الخوارج كُفّار وأنّ مَنْ سبَّ الإمامَ وجب قتله.

ولو بعث الإمام إليهم والياً فقتلوه ، فعليهم القصاص.

وهل يتحتّم قَتْل قاتله ، كقاطع الطريق ؛ لأنّه شهر السلاح ، أو لا ؛ لأنّه لا يقصد إخافة الطريق؟ للشافعيّة أقوال ثلاثة(٧) ، أحدها : فيه وجهان(٨) .

____________________

(١ و ٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.

(٣) أضفناها لأجل السياق.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.

(٥) تقدّمت الإشارة إلى مصادره في ص ٤٠٦ ، الهامش (٣)

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٧٩ - ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.

(٧) كلمة « ثلاثة » لم ترد في « ق ، ك».

(٨) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.

٤١٠

الصفة الثانية : أن يكون لهم شوكة وعدد بحيث يحتاج الإمام في ردّهم إلى الطاعة‌ إلى كلفة ببذل مالٍ وإعداد رجالٍ ونصب قتالٍ(١) .

وشرط جماعة من الشافعيّة في الشوكة أن ينفردوا ببلدةٍ أو قريةٍ أو موضعٍ من الصحراء. وربما قالوا : ينبغي أن يكونوا بحيث لا يحيط بهم أجناد الإمام(٢) .

والمحقّقون لم يعتبروا ذلك ، بل اعتبروا استعصاءهم وخروجهم عن قبضة الإمام حتى لو تمكّنوا من المقاومة - مع كونهم محفوفين بجند الإمام - قاوَمُوهم(٣) .

وهل يشترط أن يكون بينهم إمام منصوب أو منتصب؟ قولان : الأكثر على المنع - وهو قول أكثر الشافعيّة(٤) - لأنّه ثبت لأهل الجمل وأهل النهروان حكم البغاة ولم يكن فيما بينهم إمام.

وقال بعضهم : يعتبر في أهل البغي وراء ما سبق أمران : أن يمتنعوا من حكم الإمام ، وأن يظهروا لأنفسهم حكماً. ولا يعتبر أن يكون عددهم عددَ أجناد الإمام ، بل يكفي أن يتوقّعوا الظفر(٥) .

مسألة ٢٤١ : كلّ مَنْ خرج على إمامٍ عادلٍ ثبتت إمامته بالنصّ عندنا ، والاختيار عند العامّة وجب قتاله إجماعاً ، وإنّما يجب قتاله بعد البعث إليه والسؤال عن سبب خروجه وإيضاح ما عرض له من الشبهة وحلّها له وكشف الصواب إلّا أن يخاف كَلَبهم ولا يمكنه ذلك في حقّهم ، أمّا‌

____________________

(١ - ٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٢.

(٤) الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.

٤١١

إذا أمكنه تعريفهم ، وجب عليه أن يُعرّفهم.

فإذا عرّفهم ، فإن رجعوا ، فلا بحث ، وإن لم يرجعوا ، قاتَلَهم ؛ لأنّ الله تعالى أمر بالصلح ، فقال( فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُما ) (١) قبل الأمر بالقتال.

ولأنّ الغرض كفّهم ودفع شرّهم ، فإذا أمكن بمجرّد القول ، لم يعدل إلى القتل ، وإذا أمكن بالإثخان ، لم يعدل إلى التذفيف ، فإن التحم القتال واشتدّ الحرب ، خرج الأمر عن الضبط.

ولمـّا أراد أمير المؤمنين عليّعليه‌السلام قَتْلَ(٢) الخوارج ، بعث إليهم عبد الله بن عباس ليناظرهم فلبس حلّةً حسنة ومضى إليهم ، فقال : هذا عليّ بن أبي طالب ابن عمّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وزوج ابنته فاطمةعليها‌السلام ، وقد عرفتم فضله ، فما تنقمون منه؟ قالوا : ثلاثاً : إنّه حَكّم في دين الله ، وقتل ولم يَسْب ، فإمّا أن يقتل ويسبي أو لا يقتل ولا يسبي ، إذا حرمت أموالهم حرمت دماؤهم ، والثالث : محا اسمه من الخلافة. فقال ابن عباس : إن خرج عنها رجعتم إليه؟ قالوا : نعم.

قال ابن عباس : أمّا قولكم : حكّم في دين الله تعنون الحَكَمين بينه وبين معاوية ، وقد حكّم الله في الدين ، فقال( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها ) (٣) وقال :( يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ ) (٤) فحكم في أرنب قيمته درهم ، فبأن يحكم في هذا الأمر العظيم أولى. فرجعوا عن هذا.

____________________

(١) الحجرات : ٩.

(٢) كذا ، والظاهر : قتال.

(٣) النساء : ٣٥.

(٤) المائدة : ٩٥.

٤١٢

قال : وأمّا قولكم : كيف قتل ولم يَسْب! فأيّكم لو كان معه فوقع في سهمه عائشة زوج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فكيف يصنع وقد قال الله تعالى :( وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً ) (١) ؟ قالوا : رجعنا عن هذا.

قال : وقولكم : محا اسمه من الخلافة ، تعنون أنّه لمـّا وقعت المواقفة بينه وبين معاوية كتب بينهم: هذا ما واقف عليه أمير المؤمنين عليّ معاوية ، قال له : لو كنت أمير المؤمنين ما نازعناك ، فمحا اسمه ، فقال ابن عباس : إن كان محا اسمه من الخلافة ، فقد محا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اسمه من النبوّة لمـّا قاضى سهيل بن عمرو بالحديبيّة كتب الكتاب علي : هذا ما قاضى عليه رسول الله سهيل بن عمرو ، فقالوا له : لو كنت نبيّا ما خالفناك ، فقال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لعليّ : « امحه » فلم يفعل فقال لعليّ : « أرنيه » فأراه إيّاه ، فمحاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بإصبعه ، وقال : « ستدعى إلى مثلها » فرجع بعضهم ، وبقي منهم أربعة آلاف لم يرجعوا ، فقاتلهم عليّعليه‌السلام فقتلهم(٢) .

مسألة ٢٤٢ : ويجب قتال أهل البغي على كلّ من ندبه الإمام لقتالهم عموما أو خصوصا أو من نصبه الإمام. والتأخير عن قتالهم كبيرة.

ويجب على الكفاية إذا قام به البعض سقط عن الباقين ما لم يستنهضه الإمام على التعيين فيجب عليه ، ولا يكفيه قيام غيره ، كما قلنا في جهاد المشركين.

____________________

(١) الأحزاب : ٥٣.

(٢) الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٢ - ١٠٤ ، المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، وانظر : السيرة النبويّة - لابن هشام - ٣ : ٣٣١ - ٣٣٢ ، وسنن البيهقي ٧ : ٤٢ ، ودلائل النبوّة - للبيهقي - ٤ : ١٤٦ و ١٤٧ ، وصحيح البخاري ٣ : ٢٤٢ ، و ٤ : ١٢٦ ، ومسند أحمد ٥ : ٣٧٠ / ١٨٠٩٥.

٤١٣

والفرار في حربهم كالفرار في حرب المشركين ، تجب مصابرتهم حتى يفيئوا إلى الحقّ ويرجعوا إلى طاعة الامام أو يُقتلوا ، بغير خلافٍ في ذلك. فإذا رجعوا ، حرم قتالهم ؛ لقوله تعالى :( حَتّى تَفِي‌ءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) (١) وكذا إن ألقوا السلاح وتركوا القتال ، أمّا لو انهزموا ، فإنّه يجب قتالهم إن كان لهم فئة يرجعون إليها.

ولو استعان أهل البغي بنسائهم وصبيانهم وعبيدهم في القتال وقاتلوا معهم أهل العدل ، قُوتلوا مع الرجال وإن أتى القتل عليهم ؛ لأنّ العادل يقصد بقتاله الدفع عن نفسه وماله.

ولو أرادت امرأة أو صبي قَتْل إنسان ، كان له قتالهما ودفعهما عن نفسه وإن أتى على أنفسهما.

مسألة ٢٤٣ : لو استعان أهل البغي بأهل الحرب وعقدوا لهم ذمّةً أو أماناً على هذا ، كان باطلاً ، ولا ينعقد لهم أمان ولا ذمّة ؛ لأنّ من شرط عقد الذمّة والأمان أن لا يجتمعوا على قتال المسلمين ، فحينئذٍ يقاتل الإمام وأهل العدل المشركين مُقبلين ومُدبرين ، كالمنفردين عن أهل البغي. وإذا وقعوا في الأسر ، تخيّر الإمام فيهم بين المنّ والفداء والاسترقاق والقتل.

وليس لأهل البغي أن يتعرّضوا لهم - قاله الشيخ(٢) رحمه‌الله - من حيث إنّهم بذلوا لهم الأمان وإن كان فاسداً ، فلزمهم الكفّ عنهم ؛ لاعتمادهم على قولهم ، لا من حيث صحّة أمانهم.

فإن استعانوا بأهل الذمّة فعاونوهم وقاتلوا معهم أهل العدل ، راسَلهم‌

____________________

(١) الحجرات : ٩.

(٢) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٢ - ٢٧٣.

٤١٤

الإمام وسألهم عن فعلهم ، فإن ادّعوا الشبهة المحتملة بأن يدّعوا الجهل واعتقاد أنّ الطائفة من المسلمين إذا طلبوا المعونة جازت معونتهم ، أو ادّعوا الإكراه على ذلك ، كانت ذمّتهم باقيةً ، وقبل قولهم ، ولم يكن ذلك نقضاً للعهد.

وإن لم يدّعوا شيئاً من ذلك ، انتقض عهدهم ، وخرقوا الذمّة - وهو أحد قولي الشافعي(١) - لأنّهم لو انفردوا وقاتلوا الإمام خرقوا الذمّة ، وانتقض عهدهم ، فكذا إذا قاتلوا مع أهل البغي.

والثاني للشافعي : لا يكون نقضاً ؛ لجهل أهل الذمّة بالمـُحقّ ، فيكون شبهةً(٢) .

وليس جيّداً ؛ لاعتقادهم بطلان الطائفتين.

إذا عرفت هذا ، فإنّه بمجرّد قتالهم مع أهل البغي من غير شبهة يجوز قتلهم مقبلين ومُدبرين. ولو أتلفوا أموالاً وأنفساً ، ضمنوها عندنا.

وأمّا الشافعي في أحد قوليه : فإنّه لا يجعل القتال نقضاً ، فيكون حكمهم حكم أهل البغي في قتالهم مُقبلين لا مُدبرين(٣) .

وأمّا ضمان الأموال : فإنّ أهل الذمّة يضمنونها عنده قولاً واحداً(٤) . وأمّا أهل البغي : فقولان ، وفرّق بأمرين :

أحدهما : أنّ لأهل البغي شبهةً دون أهل الذمّة.

الثاني : أنّا أسقطنا الضمان عن أهل البغي لئلّا تحصل لهم نفرة عن‌

____________________

(١ و ٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨٠.

(٣ و ٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨١.

٤١٥

الرجوع إلى الحقّ ، وأمّا أهل الذمّة فلا يتحقّق هذا المعنى فيهم(١) .

وأمّا نحن : فلا فرق بينهما في وجوب الضمان عليهما.

وإن استعانوا بالمستأمنين ، انتقض أمانهم ، وصاروا حَرْباً لا أمان لهم. فإن ادّعوا الإكراه ، قُبل بالبيّنة لا بمجرّد الدعوى ، بخلاف أهل الذمّة ؛ لأنّ الذمّة أقوى حكماً.

مسألة ٢٤٤ : يجوز للإمام أن يستعين بأهل الذمّة على حرب أهل البغي ، وبه قال أصحاب الرأي(٢) .

وقال الشيخرحمه‌الله في المبسوط : ليس له ذلك(٣) . وهو خلاف ما عليه الأصحاب.

والشافعي خرّج ذلك أيضا ، لأنّ أهل الذمّة يجوّزون قتل أهل البغي مقبلين ومدبرين وذلك لا يجوز(٤) .

وهو ممنوع على ما يأتي تفصيله.

أمّا لو استعان من المسلمين بمن يرى قَتْلَهم مُقبلين ومُدبرين في موضعٍ لا يجوز ذلك ، لم يجز إلّا بأمرين : أحدهما : فَقْدُ مَنْ يقوم مقامهم. الثاني : أن يكون مع الإمام قوّة متى علم منهم قَتْلهم مُدبرين كفَّهم عنه.

مسألة ٢٤٥ : إذا افترق أهل البغي طائفتين ثمّ اقتتلوا ، فإن كان للإمام قوّة على قهرهما ، فعل ، ولم يكن له معاونة إحداهما على الاُخرى ؛ لأنّ كلّ‌

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨١ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.

(٢) المغني ١٠ : ٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٤.

(٤) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٩ - ٢٨٠ ، المغني ١٠ : ٥٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٦.

٤١٦

واحدة على خطأ ، والإعانة على الخطأ من غير حاجة خطأ ، بل يقاتلهما معاً حتى يعودوا إلى طاعته ، وإن لم يتمكّن من ذلك ، تَرَكهما ، فأيّهما قهرت الاُخرى دعاها إلى الطاعة ، فإن أبتْ ، قاتَلَهم.

وإن ضعف عنهما وخاف من اجتماعهما عليه ، جاز أن يضمّ إحداهما إليه ويقاتل الاُخرى ، ويقصد كسرها ومنعها عن البغي ، لا معاونة مَنْ يقاتل معها. وينبغي أن يعاون التي هي إلى الحقّ أقرب.

فإن انهزمت التي قاتَلَها أو رجعتْ إلى طاعته ، كفّ عنها ، ولم يجز له قتال الطائفة الاُخرى التي ضمّها إليه إلّا بعد دعائها إلى طاعته ؛ لأنّ ضمّها إليه يجري مجرى أمانه إيّاها.

مسألة ٢٤٦ : إذا لم يمكن دفع البُغاة إلّا بالقتل ، وجب ، ولا يقاتلون بما يعمّ إتلافه ، كالنار والمنجنيق والتغريق ؛ لأنّ القصد بقتالهم فلُّ(١) جَمْعهم ورجوعهم إلى الطاعة ، والنار تهلكهم وتقع على المقاتل وغيره ، ولا يجوز قَتْل مَنْ لا يقاتل.

ولو احتاج أهل العدل إلى ذلك واضطرّوا إليه بأن يكون قد أحاط بهم البُغاة من كلّ جانب وخافوا اصطدامهم ، ولا يمكنهم التخلّص إلّا برمي النار أو المنجنيق ، جاز ذلك. وكذا إن رماهم أهل البغي بالنار أو المنجنيق ، جاز لأهل العدل رميهم به.

إذا عرفت هذا ، فلا إثم على قاتلي أهل البغي إذا لم يندفعوا إلّا به ، ولا ضمان مال ولا كفّارة؛ لأنّه امتثل الأمر بقتل مباح الدم ؛ لقوله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي ) (٢) وإذا لم يضمنوا النفوس فالأموال أولى بعدم الضمان.

____________________

(١) الفلّ : الكسر. وفلّ القوم : هزمهم. لسان العرب ١١ : ٥٣٠ « فلل ».

(٢) الحجرات : ٩.

٤١٧

والقتيل من أهل العدل شهيد ؛ لأنّه قُتل في قتالٍ أمَر الله تعالى به ، ولا يُغسَّل ولا يُكفَّن ، ويصلّى عليه ، عندنا ؛ لأنّه شهيد معركةٍ اُمر بالقتال فيها ، فأشبه معركة الكفّار.

وقال الأوزاعي وابن المنذر : يُغسَّل ويُصلّى عليه ؛ لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أمر بالصلاة على مَنْ قال : لا إله إلّا الله(١) (٢) .

ونحن نقول بموجَبه ؛ لأنّا نوجب الصلاة على الشهيد ، وليس في الخبر الأمر بالغسل والتكفين.

إذا ثبت هذا ، فإنّ ما يُتلفه أهل العدل من أموال أهل البغي حال الحرب غير مضمون ؛ لأنّه مأمور بالقتال ، فلا يضمن ما يتولّد منه. ولا نعلم فيه خلافاً ؛ لأنّ أبا بكر قال للّذين قاتلهم بعد ما تابوا : تَدُونَ قَتْلانا ، ولا نَدِي قَتْلاكم(٣) .

ولأنّهما فرقتان من المسلمين : محقّة ومبطلة ، فلا تستويان في سقوط الغرم ، كقطّاع الطريق.

وأمّا ما يُتلفه أهل العدل من أموال أهل البغي قبل الشروع في القتال أو بعد تقضّي الحرب : فإنّه يكون مضموناً ؛ لأنّه ليس لأهل العدل ذلك ، فكان إتلافاً بغير حقّ ، فوجب عليهم الضمان.

ويحتمل أن يقال : إن احتاج أهل العدل إلى قَتْلٍ أو إتلافِ مالٍ في تفرّقهم وتبديل كلمتهم ، جاز لهم ذلك ، ولا ضمان.

____________________

(١) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣ و ٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٤٧ / ١٣٦٢٢ ، حلية الأولياء ١٠ : ٣٢٠.

(٢) المغني ١٠ : ٥٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩.

(٣) المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦.

٤١٨

ولو أتلف أهل البغي مالَ أهل العدل أو نفسَه قبل الشروع في القتال أو بعد تقضّيه ، فإنّه يضمنه إجماعاً.

وأمّا ما يُتلفه الباغي على العادل من مالٍ ونفسٍ حالةَ الحرب : فإنّه مضمون عليه عندنا بالغرامة والدية - وهو قول مالك وأحد قولي الشافعي(١) - لقوله تعالى :( وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها ) (٢) .

ولأنّها أموالٌ معصومة وأنفسٌ معصومة اُتلفت بغير حقٌّ ولا ضرورة ، فوجب ضمانها ، كالتالف في غير الحرب.

وقال أبو حنيفة وأحمد والشافعي في الثاني : لا يكون مضموناً لا في المال ولا في النفس ؛ لأنّه لم يُنقل عن عليّعليه‌السلام أنّه ضمّن أحداً من أهل البصرة ولا أهل الشام ما أتلفوه. ولأنّ فيه تنفيراً عن طاعة الإمام ، فأشبه أهل الحرب(٣) .

ونمنع أنّهعليه‌السلام لم يضمّن فجاز [ أنّهعليه‌السلام ضمّن ](٤) ولم يُنقل ، أو لم يحصل إتلافُ مالٍ ، أو جُهل المـُتلف. وعدم الغرم يُفضي إلى كثرة الفساد بإتلاف أموال أهل العدل ، مع أنّ الآية - وهي قوله تعالى :

____________________

(١) المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٦ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤١.

(٢) الشورى : ٤٠.

(٣) بدائع الصنائع ٧ : ١٤١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٩ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٠٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.

(٤) أضفناها لأجل السياق وكما في منتهى المطلب ٢ : ٨٩٦.

٤١٩

( النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ) (١) وقوله تعالى :( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً ) (٢) - تدلّ على وجوب الضمان.

ولأنّ الضمان يتعلّق بأهل البغي قبل الحرب وبعده ، فكذا حالة الحرب ؛ لأنّها أكثر الحالات معصيةً ، فلا تتعقّب سقوط العقاب.

مسألة ٢٤٧ : لو قتل الباغي واحداً من أهل العدل ، وجب عليه القصاص ؛ لما تقدّم(٣) من الآيات. ولعموم قولهعليه‌السلام : « لو قتله ربيعة ومُضر لأقدتهم به »(٤) .

وللشافعيّة طريقان ، أظهرهما : طرد القولين في وجوب المال. والثاني : القطع بالمنع ؛ لأنّ القصاص سقط بالشبهة ، وتأويلهم موجب للشبهة(٥) .

وعلى القول بوجوب القصاص لو آل الأمر إلى المال ، فهو في مال الباغي. وعلى القول بعدمه فهل سبيله سبيل دية العمد حتى تجب في مال القاتل ولا تتأجّل ، أو دية شبيه العمد حتى تكون على العاقلة وتتأجّل؟ لهم خلاف(٦) .

وتجب الكفّارة على الباغي عندنا وعند الشافعي(٧) على تقدير حكمه [ بوجوب ](٨) القصاص أو الدية ، وإلّا فوجهان ، أشبههما عندهم(٩) :

____________________

(١) المائدة : ٤٥.

(٢) الإسراء : ٣٣.

(٣) تقدّم آنفاً.

(٤) لم نعثر عليه في المصادر الحديثيّة المتوفّرة لدينا.

(٥) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥ ، المغني ١٠ : ٥٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.

(٦) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.

(٧) في « ك» والطبعة الحجريّة : الشافعيّة.

(٨) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : يوجب. وذلك تصحيف ما أثبتناه.

(٩) أي : الشافعيّة.

٤٢٠

421

422

423

424

425

426

427

428

429

430

431

432

433

434

435

436

437

438

439

440

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466