تذكرة الفقهاء الجزء ٩

تذكرة الفقهاء8%

تذكرة الفقهاء مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-319-008-0
الصفحات: 466

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧
  • البداية
  • السابق
  • 466 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 332037 / تحميل: 5649
الحجم الحجم الحجم
تذكرة الفقهاء

تذكرة الفقهاء الجزء ٩

مؤلف:
ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٠٠٨-٠
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

401

402

403

404

405

406

407

408

409

410

411

412

413

414

415

416

417

418

419

420

المنع ؛ لأنّ الكفّارة حقّ الله تعالى ، وهو أولى بالتساهل(١) .

ولو استولى باغٍ على أمة أو مستولدة لأهل العدل فوطئها ، فعليه الحدّ ، والولد رقيق بغير نسب.

وفي وجوب المهر مع إكراهها قولان للشافعي(٢) .

قال الشيخرحمه‌الله : لا خلاف في أنّ الحربيّ إذا أتلف شيئاً من أموال المسلمين ونفوسهم ثمّ أسلم ، فإنّه لا يضمن ولا يُقاد به(٣) .

وأمّا المرتدّ : فإنّه يضمن عندنا ما أتلفه حالة الحرب أو قبلها أو بعدها.

وأمّا الشافعي وأبو حنيفة : فأسقطا ضمان ما يُتلفه حالة الحرب من مالٍ ونفسٍ(٤) .

وأمّا الذين يخالفون الإمام بتأويلٍ يعتقدونه ولا شوكة لهم ولا امتناع ؛ لقلّة عددهم ، فإنّه يلزمهم ضمان ما أتلفوا من نفسٍ ومالٍ إن كان على صورة القتال. وإن لم يكن قتال ، فكذلك عندنا ، خلافاً للشافعي في أحد القولين(٥) .

وهو غلط ؛ إذ لا تعجز كلّ شِرْذِمةٍ تُريد إتلاف نفسٍ أو مال أن تُبدي تأويلاً وتفعل من الفساد ما تشاء ، وذلك يُفضي إلى إبطال السياسات.

وأمّا الذين لهم كثرة وشوكة ولا تأويل لهم : ففي ضمان ما أتلفوا من المال طريقان للشافعيّة :

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.

(٢) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٧ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٦.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٧.

(٤) اُنظر : الوجيز ٢ : ١٦٥ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٧٦ ، والهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٧ ، والمغني ١٠ : ٧٠.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨.

٤٢١

أحدهما : القطع بوجوبه ؛ لأنّهم ليسوا بأهل البغي ، كالذين لهم التأويل دون الشوكة.

وأظهرهما عندهم : طرد القولين في الباغي(١) .

وعندنا يجب عليهم الضمان.

مسألة ٢٤٨ : قد بيّنّا أنّه ينبغي للإمام وعظ أهل البغي وأمرهم بالطاعة‌ لتكون كلمة أهل الدين واحدةً ، فإن امتنعوا ، آذنهم بالقتال ، فإن طلبوا الإنظار ، بحث الإمام عن حالهم واجتهد ، فإن عرف عزمهم على الطاعة وطلبِ الإنظار لحلّ الشبهة ، أنظرهم. وإن ظهر له أنّهم يقصدون استلحاق مددٍ ، لم يُنظرهم. وإن سألوا ترك القتال أبداً ، لم يُجبهم.

وحيث لا يجوز الإنظار لو بذلوا مالاً أو رهنوا الأولاد والنساء ، لم يلتفت إليهم ؛ لأنّهم قد يقوون في المدّة ، ويتغلّبون على أهل العدل ، ويستردّون ما بذلوا.

ولو كان بأهل العدل ضعْفٌ ، أخّر الإمام القتال ، ولا يخطر بالناس.

مسألة ٢٤٩ : أهل البغي قسمان :

أحدهما : أن لا يكون لهم فئة يرجعون إليها‌ ولا رئيس يلجؤون(٢) إليه ، كأهل البصرة ، وأصحاب الجَمَل.

والثاني : أن يكون لهم فئة يرجعون إليها ورئيس يعتضدون به ويجيش لهم الجيوش ، كأهل الشام ، وأصحاب معاوية بصفّين.

فالأوّل لا يُجاز على جريحهم ، ولا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُقتل أسيرهم والثاني يُجاز على جريحهم ، ويُتبع مُدبرهم ، ويُقتل أسيرهم ، سواء‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٨ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٦.

(٢) في « ق ، ك» : يلتجؤون.

٤٢٢

كانت الفئة حاضرةً أو غائبة ، قريبة أو بعيدة(١) ، ذهب إلى هذا التفصيل علماؤنا أجمع - وبه قال ابن عباس وأبو حنيفة وأبو إسحاق من الشافعيّة(٢) - لأنّا لو لم نقتلهم لم نأمن عَوْدَهم(٣) وقتالَهم.

[ و ](٤) لأنّ حفص بن غياث سأله عن طائفتين ، إحداهما باغية ، والاُخرى عادلة ، فهزمت العادلة الباغيةَ ، قال : « ليس لأهل العدل أن يتبعوا مُدبراً ، ولا يقتلوا أسيراً ، ولا يُجيزوا(٥) على جريح »(٦) .

هذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد ولم تكن لهم فئة يرجعون إليها ، فإذا كانت لهم فئة يرجعون إليها ، فإنّ أسيرهم يُقتل ، ومُدبرهم يُتبع ، وجريحهم يُجاز عليه.

وقال الشافعي : لا يُجاز على جريح الفريقين معاً ، ولا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُقتل أسيرهم(٧) ؛ لقول عليّعليه‌السلام : « لا يُذفَّف على جريحٍ ، ولا يُتبع مُدبر »(٨) .

ونقول بموجبه ؛ لأنّه قاله في الفئة التي لا رئيس لها.

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : بعيدة أو قريبة.

(٢) المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٢٦ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤٠ - ١٤١ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١.

(٣) في الطبعة الحجريّة : لم نأمن من عودهم.

(٤) أضفناها لأجل السياق.

(٥) في الكافي : « ولا يجهزوا ».

(٦) التهذيب ٦ : ١٤٤ / ٢٤٦ ، الكافي ٥ : ٣٢ / ٢ وفيه عن الإمام الصادقعليه‌السلام .

(٧) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ و ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٦ و ٦١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩٠ و ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٨ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٨.

(٨) سنن البيهقي ٨ : ١٨١.

٤٢٣

مسألة ٢٥٠ : لو وقع أسير من أهل البغي في يد أهل العدل وكان شابّاً من أهل القتال ، جَلِداً ، حُبس وعرض عليه المبايعة ، فإن بايع على الطاعة والحرب قائمة ، قُبل منه واُطلق. وإن لم يبايع ، تُرك في الحبس.

فإذا انقضت الحرب فإن تابوا وطرحوا السلاح وتركوا القتال أو ولّوا مدبرين إلى غير فئةٍ ، اُطلق. وإن ولّوا مُدبرين إلى فئة ، لم يُطلق عندنا في الحال.

وقال بعضهم : يُطلق ؛ لأنّه لا يُتبع مُدبرهم(١) . وقد بيّنّا خلافه.

وهل يجوز قتله؟ الذي يقتضيه مذهبنا : التفصيل ، فإن كان ذا فئة ، جاز قتله ، وإلّا فلا - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّ في ذلك كسراً لهم.

وقال الشافعي : لا يجوز قتله(٣) ؛ لأنّ ابن مسعود قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا بن اُمّ عبد ما حكْمُ مَنْ بغى من اُمّتي؟ » قلت : الله ورسوله أعلم ، قال : « لا يُتبع مُدبرهم ، ولا يُجاز على جريحهم ، ولا يُقتل أسيرهم ، ولا يُقسم فيئهم »(٤) .

وهو محمول على ما إذا لم تكن له فئة.

ولو كان الأسير صبيّاً أو عبداً أو امرأةً اُطلقوا ؛ لأنّهم لا يُطالبون بالبيعة ؛ لأنّهم ليسوا من أهل الجهاد ، وإنّما يُبايعون على الإسلام خاصّة.

وقال بعضهم : يُحبسون كالرجال ؛ لأنّ فيه كسْرَ قلوبهم(٥) .

____________________

(١) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، وروضة الطالبين ٧ : ٢٧٨.

(٢) بدائع الصنائع ٧ : ١٤٠ - ١٤١ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.

(٣) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٨ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.

(٤) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ - ٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ - ٥٨.

(٥) الحاوي الكبير ١٣ : ١٢٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٩١ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٩.

٤٢٤

وكذا الزَّمن والشيخ الفاني.

ولو أسر كلٌّ من الفريقين اُسارى من الآخر ، جاز فداء اُسارى أهل العدل باُسارى أهل البغي.

ولو امتنع أهل البغي من المفاداة وحبسوهم ، جاز لأهل العدل حبس مَنْ معهم ؛ توصّلاً إلى تخليص اُساراهم.

وقال بعض العامّة : لا يجوز ؛ لأنّ الذنب في حبس اُسارى أهل العدل لغيرهم(١) .

ولو قتل أهل البغي اُسارى أهل العدل ، لم يجز لأهل العدل قتل اُساراهم إذا لم تكن لهم فئة ؛ لأنّهم لا يُقتلون بجناية غيرهم.

مسألة ٢٥١ : أموال أهل البغي ، التي لم يحوها العسكر لا تخرج عن ملكهم ، ولا تجوز قسمتها(٢) بحالٍ.

أمّا ما حواه العسكر من السلاح والكراع والدوابّ والأثاث وغير ذلك : فللشيخ قولان :

أحدهما : أنّها تقسّم بين أهل العدل ، وتكون غنيمةً ، كأموال المشركين ، للفارس سهمان ، وللراجل سهم ، ولذي الأفراس ثلاثة(٣) . وبه قال ابن الجنيد.

والثاني : أنّه لا تحلّ قسمتها ، بل هي باقية على ملكهم لا تجوز قسمتها ولا استغنامها(٤) ، وبه قال السيّد المرتضى(٥) وابن إدريس(٦) وكافّة‌

____________________

(١) المغني ١٠ : ٦٢ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٩.

(٢) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة : قسمته. وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٣) النهاية : ٢٩٧.

(٤) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٦٦.

(٥) مسائل الناصريّات : ٤٤٣ ، المسألة ٢٠٦.

(٦) السرائر : ١٥٩.

٤٢٥

العلماء ؛ لما رواه العامّة عن أبي أمامة ، قال : شهدت صفّين وكانوا لا يجيزون(١) على جريح ، ولا يقتلون مُولّياً ، ولا يسلبون قتيلاً(٢) .

وعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « ولا يقسم فيئهم »(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول مروان بن الحكم : لـمّا هزمنا عليّ -عليه‌السلام - بالبصرة ردّ على الناس أموالهم ، مَنْ أقام بيّنةً أعطاه ، ومَنْ لم يُقمْ بيّنةً أحلفه. قال : فقال له قائل : يا أمير المؤمنين اقسم الفي‌ء بيننا والسبي. [ قال : ](٤) فلمـّا أكثروا عليه قال : « أيّكم يأخذ اُمّ المؤمنين في سهمه؟ » فكفّوا(٥) .

وقول الصادقعليه‌السلام : « كان في قتال عليّعليه‌السلام على أهل القبلة بركة ، ولو لم يقاتلهم عليّ لم يَدْر أحدٌ بعده كيف يسير فيهم »(٦) .

احتجّ الشيخرحمه‌الله : بسيرة عليّعليه‌السلام ، ولأنّهم أهل قتال فحلّت أموالهم ، كأهل الحرب.

والسيرة معارضة بمثلها ، والفرق ما تقدّم.

ولا استبعاد في الجمع بين القولين وتصديق نَقَلة السيرتين ، فيقال بالقسمة للأموال إذا كان لهم فئة يرجعون إليها إضعافاً لهم وحسماً لمادّة‌

____________________

(١) في « ك » والشرح الكبير : لا يجهزون.

(٢) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧.

(٣) سنن البيهقي ٨ : ١٨٢ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢١٩ ، المغني ١٠ : ٦٠ - ٦١ ، الشرح الكبير ١٠ : ٥٧ - ٥٨.

(٤) أضفناها من المصدر.

(٥) التهذيب ٦ : ١٥٥ / ٢٧٣.

(٦) التهذيب ٦ : ١٤٥ / ٢٥٠.

٤٢٦

فسادهم ، وبعدمها فيما إذا لم تكن لهم فئة ؛ لحصول الغرض فيهم من تفريق كلمتهم وتبدّد شَمْلهم. وهذا هو الذي أعتمده.

إذا عرفت هذا ، فإنّه لا يجوز سبي ذراري الفريقين من أهل البغي ولا تملّك نسائهم بلا خلاف بين الاُمّة في ذلك.

ولا يجوز لأهل العدل الانتفاع بكراع أهل البغي ولا بسلاحهم بحالٍ ، إلّا في حال الضرورة ، كما لو خاف بعض أهل العدل على نفسه ، وذهب سلاحه ، فإنّه يجوز أن يدفع عن نفسه بسلاحهم. وكذا يركب دوابّهم مع الحاجة ، وهذا في الموضع الذي منعنا من قسمة أموالهم فيه ، أمّا في غيره فالجواز أظهر.

مسألة ٢٥٢ : لو غلب أهل البغي على بلدٍ فأخذوا الصدقات والجزية والخراج ، لم يقع ذلك موقعه ، لكن للإمام أن يجيز ذلك ؛ لأنّهم أخذوه ظلماً وعدواناً ، فلا يتعيّن في إبراء ذمّتهم ، كما لو غصبوهم مالاً غير الجزية والصدقات.

وقال الشافعي وأبو ثور من أصحاب الرأي(١) : يقع ذلك موقعه ، فإذا ظهر أهل العدل بعد ذلك عليه ، لم يكن لهم مطالبتهم بإعادة ذلك ؛ لأنّ عليّاًعليه‌السلام لمـّا ظهر على البصرة ، لم يطالب بشي‌ء ممّا جبوه(٢) .

ولا حجّة فيه ؛ لما بيّنّا من أنّ للإمام إجازة ذلك ؛ للمشقّة الحاصلة من تكليف إعادة ذلك من الناس خصوصاً إذا أقاموا في البلد سنين متطاولة.

____________________

(١) كذا ، وفي المغني والشرح الكبير : وأبو ثور وأصحاب الرأي.

(٢) مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٣ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ - ٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤ ، المغني ١٠ : ٦٦ - ٦٧ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧١.

٤٢٧

وأمّا الحدود إذا أقاموها : قال الشيخ : لا تعاد عليهم مرّة اُخرى ؛ للمشقّة(١) .

مسألة ٢٥٣ : إذا زالت يد أهل البغي عن البلد وملكه أهل العدل فطالَبَهم العادلُ‌ بالصدقات فذكروا أنّهم استوفوا منهم ، فإن لم يجز الإمام ذلك ، طالَبهم به مرّةً ثانية وإن أجازه ، فالأقرب : قبول قولهم بغير بيّنة ؛ لأنّ ربّ المال إذا ادّعى إخراج زكاته ، قُبلت دعواه بغير بيّنة.

وهل يحتاج إلى اليمين؟ قال بعض الشافعيّة : نعم(٢) ، لأنّه مدّع ، فلا تقبل دعواه بغير بيّنة ، لكن لمـّا تعسّر إثبات البيّنة ، افتقر إلى اليمين ، فإن نكل ، اُخذت الزكاة ، لا بمجرّد النكول ، بل بظاهر الوجوب عليه.

أمّا لو ادّعى أداء الخراج ، قال الشيخرحمه‌الله : لا يُقبل قوله ، بخلاف الزكاة ؛ لأنّها تجب على سبيل المواساة ، وأداؤها عبادة ، فلهذا قُبل قوله في أدائها ، بخلاف الخراج ؛ فإنّه معاوضة ؛ لأنّه ثمن أو اُجرة ، فلا يُقبل قوله في أدائه ، كغيره من المعاوضات(٣) .

ولو ادّعى أهل الذمّة أداء الجزية إلى أهل البغي ، لم تُقبل منهم ، لكفرهم ، ولأنّها معاوضة عن المساكنة وحقن الدماء ، فلا يقبل قولهم فيه.

مسألة ٢٥٤ : أهل البغي عندنا فُسّاق وبعضهم كفّار ، فلا تُقبل شهادتهم وإن كان عدلاً في مذهبه ، لقوله تعالى :( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَأ فَتَبَيَّنُوا ) (٤)

____________________

(١) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٦.

(٢) الاُمّ ٤ : ٢٢٠ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ - ٢٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٤ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٥.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٧.

(٤) الحجرات : ٦.

٤٢٨

ولقوله تعالى :( وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) (١) .

وسواء في ذلك أن يشهد لهم أو عليهم ، وسواء كان على طريق التديّن أو لا على وجه التديّن.

وقال أبو حنيفة : تُقبل شهادتهم ، وهُمْ فُسّاق ؛ لأنّ أهل البغي بخروجهم عن طاعة الإمام والبغي قد فسقوا ولكن تُقبل شهادتهم ؛ لأنّ فسقهم من جهة الدين ، فلا تُردّ به الشهادة ، وقد قبل شهادة الكفّار بعضهم على بعض(٢) .

وأطبق الجمهور كافّة على قبول شهادتهم(٣) .

وقال أكثر العامّة : أقبل شهادته إذا كان ممّن لا يرى أنّه يشهد لصاحبه بتصديقه كالخطّابيّة ؛ فإنّهم يعتقدون تحريم الكذب والإقدام على اليمين الكاذبة ، فإذا كان لبعضهم حقٌّ على مَنْ يجحده ولا شاهد له به فذكر ذلك لبعض أهل مذهبه وحلف له أنّه صادق فيما يدّعيه ، ساغ له في مذهبه أن يشهد له بدعواه(٤) .

وعندنا لا تُقبل شهادة مَنْ خالف الحقَّ من سائر الفِرَق على ما يأتي.

وأمّا الحكم والقضاء بين الناس : فإنّه لا يجوز عندنا إلّا بإذن الإمام أو مَنْ نصبه الإمام ، فإذا نصب أهل البغي قاضياً ، لم ينفذه قضاؤه مطلقاً ، سواء‌

____________________

(١) هود : ١١٣.

(٢) المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦.

(٣) المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، الوجيز ٢ : ١٦٤ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.

(٤) اُنظر : الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٦ ، والعزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، و ١٣ : ١٣٠ - ١٣١.

٤٢٩

حكم بحقٍّ أو باطل ؛ لأنّه فاسق بمجرّد التولية ، والعدالة عندنا شرط في القضاء.

وقال أبو حنيفة : إن كان قاضيهم - الذي نصبوه - من أهل العدل ، نفذ قضاؤه ، وإن كان من أهل البغي ، لم ينفذ(١) .

وقال الشافعي : ينفذ مطلقاً ، سواء كان من أهل البغي أو من أهل العدل إذا لم يستحلّ دماء أهل العدل ولا أموالهم. وإن استحلّ ذلك ، لم ينفذ حكمه إجماعاً(٢) .

وقال بعض الشافعيّة : ينفذ قضاء أهل البغي مطلقاً رعايةً لمصلحة الرعاياً(٣) .

وقال آخرون منهم : مَنْ ولّاه صاحب الشوكة نفذ قضاؤه وإن كان جاهلاً أو فاسقاً(٤) .

ولو كتب قاضي البُغاة كتاباً ، لم يجز لأحد من القُضاة إنفاذه عندنا ، خلافاً لبعض الشافعيّة(٥) .

وقال بعضهم : يستحبّ أن لا يقبل ؛ استخفافاً لهم وإهانة(٦) .

ولو كتب قاضيهم بسماع البيّنة دون الحكم المبرم ، لم يحكم به قاضينا.

____________________

(١) الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦٢٠ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، المغني ١٠ : ٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٤.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، حلية العلماء ٧ : ٦٢٠ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣ ، المغني ١٠ : ٦٨ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٤.

(٣) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٣.

(٤) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٢.

(٥ و ٦) المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢١ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤.

٤٣٠

وللشافعي قولان :

أحدهما كما قلنا ؛ لما فيه من معاونة أهل البغي وإقامة مناصبهم.

وأصحّهما عنده : نعم ؛ لأنّ الكتاب الذي يرد يتعلّق برعايانا ، وإذا نفذ حكم قاضيهم لمصلحة رعاياهم فلأن تُراعى مصالح رعايانا أولى(١) .

مسألة ٢٥٥ : مَنْ قُتل من أهل العدل في المعركة لا يُغسَّل ولا يُكفَّن ، ويُصلى عليه ، عندنا.

ومَنْ قُتل من أهل البغي لا يغسَّل ولا يُكفَّن ولا يُصلّى عليه ، عندنا ؛ لأنّه كافر.

وقال مالك والشافعي وأحمد : يغسّل ويكفّن ويصلّى عليه ، لقولهعليه‌السلام : « صلّوا على من قال : لا إله إلاّ الله »(٢) (٣) .

وليس عامّاً عندهم ؛ لخروج الشهيد عنه. ولأنّ مَنْ لم يعترف بالنبوّة مُخرَج عنه.

وقال أصحاب الرأي : إن لم تكن لهم فئة ، صُلّي عليهم. وإن كان لهم فئة ، لم يُصلّ عليهم ؛ لأنّه يجوز قتلهم في هذه الحالة ، فأشبهوا الكفّار(٤) .

وقال أحمد : لا يصلّى على الخوارج ، كالشهيد(٥) .

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٣ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٧٤ ، منهاج الطالبين : ٢٩١.

(٢) سنن الدار قطني ٢ : ٥٦ / ٣ و ٤ ، المعجم الكبير - للطبراني - ١٢ : ٤٤٧ / ١٣٦٢٢ ، حلية الأولياء ١٠ : ٣٢٠.

(٣) المغني ١٠ : ٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١ ، الوجيز ١ : ٧٥ ، العزيز شرح الوجيز ٢ : ٤٢٤ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ١٤٢ ، المجموع ٥ : ٢٦٧ ، روضة الطالبين ١ : ٦٣٤.

(٤ و ٥) المغني ١٠ : ٦٤ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١.

٤٣١

وقال مالك : لا يصلّى على الأباضيّة ولا القدريّة وسائر [ أهل ](١) الأهواء(٢) .

مسألة ٢٥٦ : إذا فعل أهل البغي حال امتناعهم ما يوجب الحدّ ، اُقيم عليهم مع القدرة - وبه قال مالك والشافعي وأحمد وابن المنذر(٣) - لعموم الآيات والأحاديث الدالّة على وجوب الحدّ مطلقاً.

وقال أصحاب الرأي : إذا امتنعوا بدار الحرب ، لم يجب الحدّ عليهم ولا على مَنْ عندهم من تاجر أو أسير ؛ لأنّهم خرجوا عن دار الإمام ، فأشبهوا أهل دار الحرب(٤) .

ونمنع ثبوت الحكم في الأصل إن كان مسلماً ، فإنّا نوجب عليه الحدّ لكن تكره إقامته في دار الحرب ، فإذا جاء إلى دار الإسلام ، اُقيم عليه.

ولأنّ كلّ موضع تجب فيه العبادات في أوقاتها تجب الحدود فيه عند وجود أسبابها ، كدار العدل.

مسألة ٢٥٧ : يجوز للعادل قصد الباغي بالقتل ؛ لأنّه محكوم بكفره ، فجاز قصده بالقتل ، كالحربيّ ، خلافاً لبعض العامّة ؛ حيث منعوا منه ، بل يقصد دفعهم وتفريق جمعهم(٥) .

قال ابن الجنيد : لا يستحبّ أن يبدأ والي المسلمين أهل البغي بحربٍ وإن كان قد استحقّوا بفعلهم المتقدّم القتلَ ، إلّا أن يبدؤونا هُمْ بالقتال ؛

____________________

(١) أضفناها من الشرح الكبير ، وكما في منتهى المطلب - للمصنّف - ٢ : ٩٩٠ ، وفي المغني : أصحاب الأهواء.

(٢) المدوّنة الكبرى ١ : ١٨٢ ، المغني ١٠ : ٦٥ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦١.

(٣) المغني ١٠ : ٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٥ ، حلية العلماء ٧ : ٦١٨.

(٤) المغني ١٠ : ٦٩ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٥.

(٥) العزيز شرح الوجيز ١١ : ٨٩.

٤٣٢

لجواز حدوث إرادة التوبة ، فإنّ أمير المؤمنينعليه‌السلام كان يقول في كلّ موطن : « لا تقاتلوا القوم حتى يبدؤوكم فإنّكم بحمد الله على حجّة وترككم إيّاهم حتى يبدؤوكم حجّة اُخرى »(١) .

قال : ولا يستحبّ بيات أحد من أهل البغي ولا قتاله غيلة ولا على غرّة حتى يبدروا ، وقد وصّى أمير المؤمنينعليه‌السلام الأشتر بذلك(٢) .

قال الشيخرحمه‌الله : يكره للعادل القصد إلى أبيه الباغي أو ذي رحمه(٣) . وهو قول أكثر العلماء(٤) ؛ لقوله تعالى :( وَإِنْ جاهَداكَ ) (٥) الآية.

ولأنّ أبا بكر أراد قَتْل ابنه(٦) يوم أحد ، فنهاه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن ذلك ، وقال : « دعه ليلي قتله غيرك »(٧) .

وقال بعض العامّة : لا يكره :؛ لأنّه قتل بحقّ ، فأشبه إقامة الحدود(٨) .

والفرق : بإمكان الرجوع هنا ، بخلاف استيفاء الحدّ ، فإنّه يجب وإن تاب.

إذا عرفت هذا ، فإن خالف وقَتَله ، كان جائزاً ؛ لأنه مباح الدم ، فجاز‌

____________________

(١) الكافي ٥ : ٣٨ / ٣.

(٢) شرح نهج البلاغة - لابن ميثم البحراني - ٤ : ٣٨١ - ٣٨٢.

(٣) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٨.

(٤) المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢ ، مختصر المزني : ٢٥٨ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٨ ، المهذّب - للشيرازي - ٢ : ٢٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٢٨٢.

(٥) لقمان : ١٥.

(٦) في « ق ، ك » والطبعة الحجريّة وكذا في المبسوط للطوسي : أبيه. وذلك تصحيف ، والصحيح ما أثبتناه من المغازي للواقدي ، والكامل في التاريخ ، والحاوي الكبير.

(٧) المبسوط - للطوسي - ٧ : ٢٧٩ ، المغازي - للواقدي - ١ : ٢٥٧ ، الكامل في التاريخ ٢ : ١٥٦ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٨ ، وليس فيما عدا المبسوط مقالة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله .

(٨) المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٢.

٤٣٣

قَتْله ، كالكافر.

ولا يمنع العادل(١) من ميراثه - وبه قال أبو حنيفة(٢) - لأنّه قَتَله بحقٍّ ، فأشبه القصاص.

وقال الشافعي : لا يرثه - وعن أحمد روايتان - لعموم قولهعليه‌السلام : « ليس لقاتل شي‌ء »(٣) (٤) .

والمراد ظلماً ؛ لأنّ القاتل حدّاً أو قصاصاً يرث إجماعاً.

ولو قتل الباغي العادلَ ، مُنع من الميراث - وبه قال الشافعي وأحمد(٥) - لأنّه قَتَله بغير حقٍّ ، فلا يرثه ، كالعمد.

وقال أبو حنيفة : لا يُمنع من الميراث ؛ لأنّه قَتَله بتأويلٍ ، فأشبه قتل العادل الباغي(٦) .

والفرق : بأنّ العادل قتل الباغي بحقٍّ ، بخلاف العكس.

مسألة ٢٥٨ : مَنْ سبَّ الله تعالى أو أحداً من أنبيائه أو ملائكته أو الإمام ، وجب قَتْله ، عندنا ؛ لأنّه كافر بذلك. وقال الجمهور : يستتاب ويُعزَّر. وسيأتي البحث فيه.

____________________

(١) بهامش « ك » : القاتل. خ ل.

(٢) الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، بدائع الصنائع ٧ : ١٤٢ ، المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٣١ ، الحاوي الكبير ١٣ : ١٣٩ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.

(٣) الموطّأ ٢ : ٨٦٧ / ١٠ ، سنن الدار قطني ٤ : ٩٥ - ٩٦ / ٨٤ ، سنن البيهقي ٨ : ٣٨ ، مسند أحمد ١ : ٨٠ / ٣٤٩ و ٣٥٠.

(٤) الحاوي الكبير ١٣ : ١٤٠ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.

(٥) مختصر المزني : ٢٥٨ ، العزيز شرح الوجيز ٦ : ٥١٨ ، روضة الطالبين ٥ : ٣٣ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.

(٦) المبسوط - للسرخسي - ١٠ : ١٣١ - ١٣٢ ، الهداية - للمرغيناني - ٢ : ١٧٢ ، المغني ١٠ : ٦٦ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٣.

٤٣٤

وأمّا الردّة : فهي الخروج عن الملّة بالكفر ، فمانع الزكاة ليس بمرتدٍّ ، ويجب قتاله حتى يدفع الزكاة ، فإن دَفَعها ، وإلّا قُتل.

ولو منعها مستحلّاً للمنع ، كان مرتدّاً. وكذا كلّ مَن اعتقد عدم وجوب ما عُلم من الدين ثبوته بالضرورة.

وقال بعض العامّة : إنّ مانع الزكاة مرتدّ وإن كان مسلما(١) . وليس بمعتمد.

فإذا أتلف المرتدّ مالاً أو نفساً حال ردّته ، ضمن ، سواء تحيّز به وصار في منْعةٍ أو لا ؛ لقوله تعالى :( فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ ) (٢) .

وما رواه العامّة عن أبي بكر أنّه قال لأهل الردّة حين رجعوا : تردّون علينا ما أخذتم منّا ، ولا نردّ عليكم ما أخذنا منكم ، وأن تدوا قَتْلانا ، ولا ندي قَتْلاكم ، قالوا : نعم(٣) .

وقال الشافعي : لا ضمان عليه - وبه قال أحمد في الأنفس ، وقال في الأموال بقولنا - لأنّ تضمينهم يؤدّي إلى تنفيرهم عن الرجوع إلى الإسلام ، فأشبهوا أهل البغي(٤) .

ونمنع الحكم في الأصل ، ولأنّه يؤدّي إلى كثرة الفساد.

ولو قصد رجل رجلاً أو امرأةً ، يريد نفسه أو ماله أو حريمه أو الفساد به ، فله أن يقاتله ويدفعه عن نفسه بأقّل ما يمكنه دفعه به إجماعاً وإن أتى ذلك على نفسه ؛ لقولهعليه‌السلام : « مَنْ قُتل دون ماله فهو شهيد »(٥) .

____________________

(١) اُنظر : المغني ٢ : ٤٣٥.

(٢) البقرة : ١٩٤.

(٣ و ٤) المغني ١٠ : ٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٦٠.

(٥) صحيح البخاري ٣ : ١٧٩ ، سنن ابن ماجة ٢ : ٨٦١ / ٢٥٨٠ ، سنن الترمذي ٤ : =

٤٣٥

والأقوى عندي : أنّه إن ظنّ التلف ، وجب دفع المال والتوقّي به.

ولو قُتل القاصد ، لم يجب على القاتل قِوَدٌ ولا دية ولا كفّارة.

وهل يجب عليه أن يدفع عن نفسه؟ الحقّ عندنا ذلك ؛ لقوله تعالى :( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) (١) وهو أحد قولي الشافعي(٢) .

والثاني : لا يجب ؛ لأنّ عثمان بن عفّان استسلم للقتال مع القدرة على الدفع(٣) .

والثانية ممنوعة ، مع أنّ فعله ليس حجّةً.

أمّا المال فلا يجب الدفاع عنه.

والمرأة والصبي يجب عليهما الدفاع عن فرجهما ؛ لأنّ التمكين منهما محرَّم ، وفي ترك الدفع نوع تمكين.

ثمّ المدافع عن نفسه وماله وفرجه إن أمكنه التخلّص بالهرب ، وجب - وهو أحد قولي الشافعي(٤) - لأنّه أسهل طريقٍ إلى الدفع.

والثاني : لا يلزمه ؛ لأنّ إقامته في مكانه مباح له ، فلا يلزمه أن ينصرف عنه لأجل غيره(٥) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ في الانصراف حفظَ النفس ، فوجب.

وكذا المضطرّ إلى أكل ميتة أو نجاسة أو شُرْب نجسٍ يجب عليه‌

____________________

= ٢٨ / ١٤١٨ ، و ٢٩ / ١٤١٩ ، سنن النسائي ٧ : ١١٥ - ١١٦ ، سنن البيهقي ٣ : ٢٦٥ - ٢٦٦ ، و ٨ : ١٨٧ ، ٣٣٥ ، مسند أحمد ١ : ١٢٧ / ٥٩١.

(١) البقرة : ١٩٥.

(٢ و ٣) الحاوي الكبير ١٣ : ٤٥٥ - ٤٥٦ ، الوجيز ٢ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣١٤ - ٣١٥ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٩٣.

(٤ و ٥) الوجيز ٢ : ١٨٥ ، العزيز شرح الوجيز ١١ : ٣٢٠ ، روضة الطالبين ٧ : ٣٩٣.

٤٣٦

تناوله لحفظ الرمق. وهو أحد وجهي الشافعي(١) .

والثاني : لا يجب ؛ لأنّه يتوقّى النجاسة(٢) .

وليس بجيّد ؛ لأنّ النجاسة حكم شرعي وقد عُفي عنه ، فلا يتلف نفسه لذلك.

____________________

(١ و ٢) الوجيز ٢ : ٢١٧ ، العزيز شرح الوجيز ١٢ : ١٥٨ - ١٥٩ ، روضة الطالبين ٢ : ٥٤٨ - ٥٤٩.

٤٣٧

الفصل السابع : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‌

مقدّمة : الأمر طلب الفعل بالقول على جهة الاستعلاء ، والنهي نقيضه. ولا يشترط العلوّ. والمعروف هو الفعل الحسن المختصّ بوصف زائد على حسنه إذا عرف فاعله ذلك أو دلّ عليه. والمنكر هو الفعل القبيح إذا عرف فاعله ذلك أو دلّ عليه.

والحسن ما للقادر عليه المتمكّن منه ومن العلم بحُسْنه أن يفعله ، وأيضاً ما لم يكن على صفة تؤثّر في استحقاق الذمّ. والقبيح هو الذي ليس للمتمكّن منه ومن العلم بقبحه أن يفعله ، أو الذي على صفة لها تأثير في استحقاق الذمّ.

والحسن شامل للمباح والمندوب والواجب والمكروه ، والقبيح هو الحرام ، وقد يُطلق في العرفِ الحسنُ على مالَه مدخلٌ في استحقاق المدح ، فيتناول الواجب والمندوب خاصّة.

مسألة ٢٥٩ : في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فضلٌ عظيم وثوابٌ جزيل.

قال الله تعالى :( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ

٤٣٨

وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ) (١) وقال تعالى :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ * كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ ) (٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إنّ رجلاً من خَثْعم جاء إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : يا رسول الله أخبرني ما أفضل الإسلام؟ قال : الإيمان بالله ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : صلة الرحم ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، قال : فقال الرجل : فأيّ الأعمال أبغض إلى الله عزّ وجلّ؟ قال : الشرك بالله ، قال : ثم ما ذا؟ قال : قطيعة الرحم ، قال : ثمّ ما ذا؟ قال : ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر(٣) »(٤) .

وقد حذّر الله تعالى في كتابه عن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في قوله :( لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٥) الآية ، وقوله تعالى :( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ ) (٦) .

وقال أبو الحسنعليه‌السلام : « لتأمرنّ(٧) بالمعروف ولتنهنّ(٨) عن المنكر أو‌

____________________

(١) آل عمران : ١١٠.

(٢) المائدة : ٧٨ و ٧٩.

(٣) في المصدر : الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف.

(٤) الكافي ٥ : ٥٨ / ٩ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٥.

(٥) المائدة : ٧٨.

(٦) النساء : ١١٤.

(٧ و ٨) في التهذيب : « لتأمرون ولتنهون ».

٤٣٩

ليستعملنّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم »(١) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « ويل لقوم لا يدينون الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « ما قدست اُمّة لم تأخذ(٣) لضعيفها من قويّها بحقّه غير مضيع(٤) »(٥) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وتعاونوا على البرّ ، فإذا لم يفعلوا ذلك نُزعت منهم البركات ، وسلّط بعضهم على بعض ، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء »(٦) .

وقال الصادقعليه‌السلام لقوم من أصحابه : « إنّه قد حقّ لي أن آخذ البري‌ء منكم بالسقيم ، وكيف لا يحقّ لي ذلك!؟ وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه »(٧) .

مسألة ٢٦٠ : المعروف قسمان : واجب وندب ، فالأمر بالواجب واجبٌ ، وبالمندوب ندبٌ. وأمّا المنكر فكلّه حرام ، فالنهي عنه واجب ، ولا خلاف في ذلك.

____________________

(١) الكافي ٥ : ٥٦ / ٣ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٢.

(٢) الكافي ٥ : ٥٦ - ٥٧ / ٤ ، التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٣ ، وفيهما عن أبي جعفر وأبي عبد اللهعليهما‌السلام .

(٣) في الكافي : لم يؤخذ.

(٤) كذا ، وفي الكافي : متعتع. وفي التهذيب : متضع.

(٥) الكافي ٥ : ٥٦ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٨٠ / ٣٧١.

(٦) التهذيب ٦ : ١٨١ / ٣٧٣ ، وفيه : « على البرّ والتقوى ».

(٧) التهذيب ٦ : ١٨١ - ١٨٢ / ٣٧٥.

٤٤٠

قال الله تعالى :( وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ ) (١) وقال( خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ ) (٢) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « يكون في آخر الزمان قوم يتبع(٣) فيهم قوم مراؤن يتقرّؤون ويتنسّكون حدثاء سفهاء لا يوجبون أمراً بمعروف ولا نهياً عن منكر إلّا إذا أمنوا الضرر ، يطلبون لأنفسهم الرخص والمعاذير ، يتبعون زلّات العلماء وفساد علمهم(٤) ، يُقبلون على الصلاة والصيام وما لا يكْلِمُهم في نفسٍ ولا مال ، ولو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم وأبدانهم لرفضوها كما رفضوا أتمّ الفرائض وأشرفها ، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض ، هناك يتمّ غضب الله عليهم فيعمّهم بعقابه فيهلك الأبرار في دار الفجّار والصغار في دار الكبار، إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيل لأنبياء ومنهاج الصالحين ، فريضة عظيمة بها تُقام الفرائض ، وتأمن المذاهب ، وتحلّ المكاسب ، وتردّ المظالم ، وتعمر الأرض ، وينتصف من الأعداء ، ويستقيم الأمر ، فأنكروا بقلوبكم ، وألفظوا بألسنتكم ، وصكّوا بها جباههم ، ولا تخافوا في الله لومة لائم ، فإن اتّعظوا وإلى الحقّ رجعوا ، فلا سبيل عليهم( إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) (٥) هنالك فجاهدوهم‌

____________________

(١) المائدة : ٢.

(٢) الأعراف : ١٩٩.

(٣) في « ق ، ك» : ينبغ.

(٤) في الكافي : عملهم.

(٥) الشورى : ٤٢.

٤٤١

بأبدانكم ، وأبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطاناً ولا باغين مالاً ولا مريدين بالظلم ظفراً حتى يفيئوا إلى أمر الله ويمضوا على طاعته ».

قال : « أوحى الله تعالى إلى شعيب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّي لمعذّب من قومك مائة ألف ، أربعين ألفاً من شرارهم ، وستّين ألفاً من خيارهم ، فقال : يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى الله عزّ وجلّ إليه : داهنوا أهل المعاصي ولم يغضبوا لغضبي »(١) .

مسألة ٢٦١ : اختلف علماؤنا في وجوبهما.

فقال بعضهم(٢) : إنّه عقليّ ؛ فإنّا كما نعلم وجوب ردّ الوديعة وقُبْح الظلم نعلم وجوب الأمر بالمعروف الواجب ، ووجوب النهي عن المنكر.

وقال بعضهم(٣) : إنّه سمعيّ ؛ لأنّه معلوم من دين النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد دلّ السمع عليهما كما تقدّم ، ولو وجبا بالعقل ، لما ارتفع معروف ولما وقع منكر ، أو كان الله تعالى مُخلّاً بالواجب ، والتالي بقسميه باطل فالمقدّم مثله.

بيان الشرطيّة : أنّ الأمر بالمعروف هو الحمل على فعل المعروف ، والنهي عن المنكر هو المنع منه ، فلو كانا واجبين بالعقل ، لكانا واجبين على الله تعالى ؛ لأنّ كلّ واجب عقليّ فإنّه يجب على كلّ مَنْ حصل فيه وجه الوجوب ، ولو وجبا على الله تعالى ، لزم أحد الأمرين.

وأمّا بطلانهما فظاهر.

____________________

(١) الكافي ٥ : ٥٥ - ٥٦ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٨٠ - ١٨١ / ٣٧٢.

(٢) كالشيخ الطوسي في الاقتصاد : ١٤٦ - ١٤٧ وقوّى القول الثاني.

(٣) كالسيّد المرتضى وابن إدريس في السرائر : ١٦٠ ، والشيخ الطوسي في التبيان ٢ : ٥٤٩ ، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ٢٦٤.

٤٤٢

أمّا الأوّل : فلأنّه يلزم منه الإلجاء.

وأمّا الثاني : فلأنّه تعالى حكيم يستحيل منه فعل القبيح والإخلال بالواجب.

لا يقال : الإلجاء وارد عليكم لو وجبا على المكلّف ؛ لأنّ الأمر هو الحمل ، والنهي هو المنع ، ولا فرق بين صدورهما من الله تعالى أو المكلّف في اقتضائهما الإلجاء ، وهو يُبطل التكليف.

لأنّا نقول : منع المكلّف لا يقتضي الإلجاء ؛ لأنّه لا يقتضي الامتناع ، بل هو مقرّب ، وهو يجري مجرى الحدود في اللطفيّة ، ولهذا تقع القبائح مع حصول الإنكار.

مسألة ٢٦٢ : اختلف علماؤنا في وجوبهما على الأعيان أو على الكفاية؟

فقال السيّد المرتضى : إنّهما على الكفاية(١) .

وقال الشيخ : إنّهما على الأعيان(٢) ؛ لقولهعليه‌السلام : « لتأمرنّ بالمعروف ولتنهنّ عن المنكر »(٣) وهو عامّ.

ونقول بموجَبه ؛ فإنّ الواجب على الكفاية يخاطب به الكلّ ، ويسقط بفعل البعض.

احتجّ السيّد : بأنّ الغرض وقوع المعروف وارتفاع المنكر ، فمتى حصلا صار التعاطي لهما عبثاً.

مسألة ٢٦٣ : شرائط وجوبه أربعة :

____________________

(١) حكاه عنه ابن إدريس في السرائر : ١٦٠.

(٢) النهاية : ٢٩٩ ، الاقتصاد : ١٤٧.

(٣) الكافي ٥ : ٥٦ / ٣ ، وفي التهذيب ٦ : ١٧٦ / ٣٥٢ بتفاوت يسير ، والحديث فيهما عن أبي الحسنعليه‌السلام .

٤٤٣

الأوّل : أن يعلم الآمر والناهي المعروف معروفاً والمنكر منكراً‌ لئلّا يغلط فيأمر بالمنكر وينهى عن المعروف.

الثاني : أن يُجوّز تأثير إنكاره ، فلو غلب على ظنّه أو علم أنّه لا يؤثّر ، لا يجب الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. وهو شرط في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان واليد(١) دون القلب.

قال الصادقعليه‌السلام لمـّا سُئل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أواجب هو على الاُمّة جميعاً؟ فقال : « لا » فقيل : ولِمَ؟ قال : « إنّما هو على القويّ المطاع العالم بالمعروف من المنكر لا على الضَّعَفة الذين لا يهتدون سبيلاً »(٢) .

وقال الصادقعليه‌السلام : « إنّما يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر مؤمن فيتّعظ أو جاهل فيتعلّم ، فأمّا صاحب سيف وسوط فلا »(٣) .

الثالث : أن يكون المأمور أو المنهي مُصرّاً على الاستمرار ، فلو ظهر منه الإقلاع ، سقط الوجوب ؛ لزوال علّته.

الرابع : أن لا يكون في الإنكار مفسدة على الآمر ولا على أحد من المؤمنين بسببه ، فلو ظنّ توجّه الضرر إليه أو إلى ماله أو إلى أحد من المسلمين ، سقط الوجوب.

مسألة ٢٦٤ : مراتب الإنكار ثلاثة :

الاُولى : بالقلب ، وهو يجب مطلقاً ، وهو أوّل المراتب ، فإنّه إذا علم أنّ فاعله ينزجر بإظهار الكراهة ، وجب عليه ذلك. وكذا لو عرف أنّه‌

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : باليد واللسان.

(٢) التهذيب ٦ : ١٧٧ / ٣٦٠ ، وفي الكافي ٥ : ٥٩ / ١٦ بتفاوت في بعض الألفاظ.

(٣) الكافي ٥ : ٦٠ / ٢ ، التهذيب ٦ : ١٧٨ / ٣٦٢ بتفاوت يسير.

٤٤٤

لا يكفيه ذلك وعرف الاكتفاء بنوعٍ من الإعراض عنه والهجر ، وجب عليه ذلك ؛ لقول الصادقعليه‌السلام في الحديث السابق(١) : « وكيف لا يحقّ لي ذلك!؟ وأنتم يبلغكم عن الرجل منكم القبيح فلا تنكرون عليه ولا تهجرونه ولا تؤذونه حتى يتركه ».

الثانية : باللسان ، فإذا لم ينزجر بالقلب والإعراض والهجر ، أنكر باللسان بأن يعظه ويزجره ويخوّفه ، ويتدرّج في الإنكار بالأيسر من القول إلى الأصعب.

الثالثة : باليد ، فإذا لم ينجع(٢) القول والوعظ والشتم ، أمر ونهى باليد بأن يضرب عليهما ؛ لقول الصادقعليه‌السلام : « ما جعل الله عزّ وجلّ بسط اللسان وكفّ اليد ولكن جعلهما يبسطان معاً ويكفّان معاً »(٣) .

ولو افتقر إلى الجراح والقتل ، قال السيّد المرتضى : يجوز ذلك بغير إذن الامام(٤) .

وقال الشيخرحمه‌الله : ظاهر مذهب شيوخنا الإماميّة أنّ هذا الجنس من الإنكار لا يكون إلّا للأئمّة أو لمن يأذن له الإمام فيه.

قالرحمه‌الله : وكان المرتضىرحمه‌الله يخالف في ذلك ويقول : يجوز فعل ذلك بغير إذنه ؛ لأنّ ما يفعل بإذنه يكون مقصوداً ، وهذا بخلاف ذلك ؛ لأنّه غير مقصود ، وإنّما قصده المدافعة والممانعة ، فإن وقع ضرر ، فهو غير‌

____________________

(١) سبق في ص ٤٣٩.

(٢) نجع فيه القول والخطاب والوعظ : عمل فيه ودخل وأثّر. لسان العرب ٨ : ٣٤٨ « نجع ».

(٣) الكافي ٥ : ٥٥ / ١ ، التهذيب ٦ : ١٦٩ / ٣٢٥.

(٤) حكاه عنه الشيخ الطوسي في الاقتصاد : ١٥٠.

٤٤٥

مقصود(١) . وقد أفتى الشيخ بذلك أيضاً في كتاب التبيان(٢) .

مسألة ٢٦٥ : لا يجوز لأحدٍ إقامة الحدود إلّا الإمام(٣) أو مَنْ نصبه الإمام لإقامتها ، ولا يجوز لأحد سواهما إقامتها على حالٍ.

وقد رُخص في حال غيبة الإمام أن يُقيم الإنسان الحدَّ على مملوكه إذا لم يخف ضرراً على نفسه وماله وغيره من المؤمنين ، وأمن بَوائق الظالمين.

قال الشيخ : وقد رُخص أيضاً في حال الغيبة إقامة الحدّ على ولده وزوجته إذا أمن الضرر(٤) .

ومَنَع ابن إدريس ذلك في الولد والزوجة ، وسلّمه في العبد(٥) .

وفي رواية حفص بن غياث أنّه سأل الصادقعليه‌السلام : مَنْ يُقيم الحدود؟ السلطان أو القاضي؟ فقال : « إقامة الحدود إلى مَنْ إليه الحكم »(٦) .

وهل يجوز للفقهاء إقامة الحدود في حال الغيبة؟ جزم به الشيخان(٧) ؛ عملاً بهذه الرواية ، كما يأتي(٨) أنّ للفقهاء الحكم بين الناس ، فكان إليهم إقامة الحدود ، ولما في تعطيل الحدود من الفساد.

وقد روي أنّ من استخلفه سلطان ظالم على قوم وجعل إليه إقامة‌

____________________

(١) الاقتصاد : ١٥٠.

(٢) التبيان ٢ : ٥٤٩ و ٥٦٦.

(٣) في « ق ، ك» : للإمام.

(٤) النهاية : ٣٠١.

(٥) السرائر : ١٦١.

(٦) الفقيه ٤ : ٥١ / ١٧٩ ، التهذيب ١٠ : ١٥٥ / ٦٢١.

(٧) المقنعة : ٨١٠ ، النهاية : ٣٠٢.

(٨) يأتي في المسألة التالية (٢٦٦).

٤٤٦

الحدود ، جاز له أن يُقيمها عليهم على الكمال ، ويعتقد أنّه إنّما يفعل ذلك بإذن سلطان الحقّ لا بإذن سلطان الجور ، ويجب على المؤمنين معونته وتمكينه من ذلك ما لم يتعدّ الحقَّ في ذلك وما هو مشروع في شريعة الإسلام ، فإن تعدّى مَنْ جُعل إليه الحقّ ، لم يجز له القيام به ولا لأحدٍ معونته على ذلك(١) .

ومَنَع ابن إدريس(٢) ذلك(٣) .

نعم ، لو خاف الإنسان على نفسه من ترك إقامتها ، جاز له ذلك ؛ للتقيّة ما لم يبلغ قتل النفوس ، فإن بلغ الحال ذلك ، لم يجز فعله ، ولا تقيّة فيها على حالٍ.

مسألة ٢٦٦ : الحكم والفتيا بين الناس منوط بنظر الإمام ، فلا يجوز لأحدٍ التعرّض له إلّا بإذنه. وقد فوّض الأئمّةعليهم‌السلام ذلك إلى فقهاء شيعتهم ، المأمونين المحصّلين(٤) العارفين بالأحكام ومداركها ، الباحثين عن مأخذ الشريعة ، القيّمين بنصب الأدلّة والأمارات ؛ لأنّ عمر بن حنظلة سأل الصادقَعليه‌السلام عن رجلين من أصحابنا تكون بينهما منازعة في دَيْنٍ أو ميراث فتحاكما إلى الطاغوت أو إلى السلطان أيحلّ ذلك؟ فقال : « مَنْ تحاكم إلى الطاغوت(٥) فحكم له فإنّما يأخذ سحتاً وإن كان حقّه ثابتاً ، لأنّه أخذ بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به » قلت : كيف يصنعان؟ قال « انظروا إلى مَنْ كان منكم قد روى حديثنا ونظر في‌

____________________

(١) النهاية - للطوسي - ٣٠١ ، والسرائر : ١٦١.

(٢) السرائر : ١٦١.

(٣) في الطبعة الحجريّة : من ذلك.

(٤) في « ك» والطبعة الحجريّة : المخلصين.

(٥) في « ق ، ك» طاغوت.

٤٤٧

حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فلترضوا به حاكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً ، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبل منه فإنّما بحكم الله استخفّ وعلينا ردّ ، والرادّ علينا رادّ على الله وهو على حدّ الشرك بالله عزّ وجلّ »(١) .

وروى أبو خديجة عن الصادقعليه‌السلام ، قال : « إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور ولكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضائنا(٢) فاجعلوه بينكم فإنّي جعلته قاضياً فتحاكموا إليه »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فينبغي لمن عرف الأحكام ومأخذها من الشيعة الحكمُ والإفتاء وله بذلك أجر عظيم ما لم يخَفْ في ذلك على نفسه أو على أحدٍ من المؤمنين ، فإن خاف شيئاً من ذلك ، لم يجز له التعرّض بحالٍ.

مسألة ٢٦٧ : لو طلب أحد الخصمين المرافعة إلى قُضاة الجور ، كان متعدّياً للحقّ ، مرتكباً للإثم ، مخالفاً للإمام ؛ لقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « أيّما مؤمن قدّم مؤمناً في خصومة إلى قاضٍ أو سلطانٍ جائر فقضى عليه بغير حكم الله فقد شركه في الإثم »(٤) .

ويجب على كلّ متمكّن منع الطالب لقُضاة الجور ، ومساعدة غريمه على المرافعة إلى قُضاة الحقّ بلا خلاف.

وإذا ترافع إلى الفقيه - العارف بالأحكام ، الجامع لشرائط الحكم - خصمان ، وجب عليه الحكم بينهما على مذهب أهل الحقّ ، ولا يجوز له أن يحكم بما يخالف الحقّ من المذاهب ، لقوله تعالى :( وَمَنْ

____________________

(١) الكافي ٧ : ٤١٢ / ٥ ، التهذيب ٦ : ٢١٨ / ٥١٤ بتفاوت في بعض الألفاظ.

(٢) في التهذيب والطبعة الحجريّة : قضايانا.

(٣) الكافي ٧ : ٤١٢ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٢١٩ / ٥١٦.

(٤) الكافي ٧ : ٤١١ / ١ ، الفقيه ٣ : ٣ / ٤ ، التهذيب ٦ : ٢١٨ - ٢١٩ / ٥١٥.

٤٤٨

لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ ) (١) .

وقول الصادقعليه‌السلام - في الصحيح - : « مَنْ حَكَم في درهمين بغير ما أنزل الله عزّ وجلّ فهو كافر بالله العظيم »(٢) .

إذا ثبت هذا ، فلو اضطرّ إلى الحكم بمذهب أهل الخلاف بأن يكون قد اضطرّ إلى الولاية من قِبَلهم ولم يتمكّن من إنفاذ الحكم بالحقّ ، جاز له ذلك ما لم يبلغ إلى الدماء ؛ فإنّه لا تقيّة فيها ، ويجتهد في تنفيذ الأحكام على الوجه الحقّ ما أمكن ؛ للضرورة الداعية إليه.

ولقول زين العابدينعليه‌السلام : « إذا كنتم في أئمّة جور فاقضوا في أحكامهم ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا ، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيراً لكم »(٣) .

إذا ثبت هذا ، فلو تمكّن من إنفاذ الحكم بالحقّ وحَكَم بحكم أهل الخلاف ، كان آثماً ضامناً؛ لأنّ عليّاًعليه‌السلام اشتكى عينه فعاده رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فإذا عليّعليه‌السلام يصيح ، فقال له النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أجزعاً أم وجعاً يا عليّ؟ » فقال : « يا رسول الله ما وجعت وجعاً أشدّ منه » قال : « يا عليّ إنّ ملك الموت إذا نزل ليقبض روح الفاجر أنزل معه سفّوداً(٤) من نار فيقبض روحه به ، فتصيح(٥) جهنّم » فاستوى عليّعليه‌السلام جالساً فقال : « يا رسول الله أعد عليَّ حديثك فقد أنساني وجعي ما قلت ، فهل يصيب ذلك أحداً من اُمّتك؟ » فقال : « نعم ، حُكّاماً جائرين ، وآكل مال اليتيم ، وشاهد الزور »(٦) .

____________________

(١) المائدة : ٤٤.

(٢) الكافي ٧ : ٤٠٨ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٢٢١ / ٥٢٣.

(٣) الفقيه ٣ : ٣ / ٣ ، التهذيب ٦ : ٢٢٥ / ٥٤٠.

(٤) السفّود : حديدة ذات شُعب يُشوى به اللحم. لسان العرب ٣ : ٢١٨ « سفد ».

(٥) في « ق ، ك» : فتضجّ.

(٦) التهذيب ٦ : ٢٢٤ / ٥٣٧ بتفاوت في بعض الألفاظ.

٤٤٩

مسألة ٢٦٨ : يجوز لفقهاء الشيعة ، العارفين بمدارك الأحكام ، الجامعين لشرائط الحكم الافتاءُ بين الناس. ويجب عليهم ذلك حال غيبة الإمامعليه‌السلام إذا أمنوا الضرر ولم يخافوا على أنفسهم ولا على أحدٍ من المؤمنين.

قال الله تعالى :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ ) (١) الآية ، وقال تعالى :( فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ) (٢) .

وقال الباقرعليه‌السلام : « لعن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مَنْ نظر إلى فرج امرأة لا تحلّ له ، ورجلاً خان أخاه في امرأته ، ورجلاً احتاج الناس إليه لفقهه فسألهم الرشوة »(٣) .

إذا عرفت هذا ، فإنّه يجب على المفتي الإفتاءُ عن معرفةٍ لا عن تقليدٍ. وإنّما يحلّ له الإفتاء بعد المعرفة بالأحكام ومداركها والاُصول والنحو الذي يحتاج إليه في ذلك ، واللغة المحتاج إليها فيه ، ولا يحلّ له الإفتاء بغير علمٍ ؛ لقول الباقرعليه‌السلام - في الصحيح - : « مَنْ أفتى الناس بغير علمٍ ولا هدى من الله لعنَتْه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، ولحقه وِزْرُ مَنْ عمل بفتياه »(٤) .

ولو خاف على نفسه من الإفتاء بالحقّ ، جاز له - مع الضرر وخوفه - الإفتاءُ بمذاهب أهل الخلاف والسكوت ؛ لأنّا جوّزنا الحكم بمذهب‌

____________________

(١) البقرة : ١٥٩.

(٢) التوبة : ١٢٢.

(٣) التهذيب ٦ : ٢٢٤ / ٥٣٤.

(٤) الكافي ٧ : ٤٠٩ / ٢ ، التهذيب ٦ : ٢٢٣ / ٥٣١.

٤٥٠

الخلاف للضرورة فالإفتاء أولى.

ويجوز لفقهاء الحقّ أن يُجمّعوا بين الناس في الصلوات ، ويستحبّ ذلك استحباباً مؤكّداً مع الأمن.

وقد اختلف علماؤنا في الجمعة حال الغيبة والأمن والتمكّن من الخطبتين على ما يسوغ ، فجوّزه بعض(١) علمائنا ، ومنعه آخرون(٢) .

ولا يجوز لأحدٍ أن يُعرّض نفسه للتولّي من قِبَل الظالمين ، إلّا أن يعلم أنّه لا يتعدّى الواجب ولا يرتكب القبيح ويتمكّن من وضع الأشياء مواضعها ، فإن علم أو ظنّ أنّه يُخلّ بشي‌ء من ذلك، لم يجز له التعرّض لذلك مع الاختيار ، فإن اُكره ، جاز له ، ويجتهد في تنفيذ الأحكام على مذهب الحقّ ما أمكن.

____________________

(١) كالشيخ الطوسي في النهاية : ٣٠٢ ، وأبي الصلاح الحلبي في الكافي في الفقه : ١٥١.

(٢) منهم سلّار في المراسم : ٢٦١ ، وابن إدريس في السرائر : ١٦١.

٤٥١

الفصل الثامن : في الرباط‌

الرباط فيه فضلٌ كثير وثوابٌ عظيم.

قال سلمان : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « رباط ليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه ، فإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل ، واُجري عليه رزقه ، وأمن الفتّان »(١) .

ومعنى الرباط الإقامةُ عند الثغر لحفظ بيضة الإسلام. وأقلّه ثلاثة أيّام ، وأكثره أربعون يوماً ، فإن زاد ، كان جهاداً ثوابه ثواب المجاهدين.

وقال أحمد : لا طرف له في القلّة(٢) .

وليس جيّداً ؛ لأنّه لا يصدق على المجتاز في الثغر أنّه مرابط.

ولقول الباقر والصادقعليهما‌السلام : « الرباط ثلاثة أيّام ، وأكثره أربعون يوماً ، فإذا جاز(٣) ذلك فهو جهاد »(٤) .

والرباط حال ظهور الإمام أشدّ استحباباً ، أمّا حال الغيبة فلا يتأكّد استحبابها وإن كانت مستحبّةً ؛ لأنّها لا تتضمّن قتالاً ، بل حفظاً وإعلاماً.

وأفضل الرباط المقام بأشدّ الثغور خوفاً ؛ لشدّة الحاجة هناك ، وكثرة النفع بمقامه به.

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ١٠ : ٣٧٠ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٦٩. وفي صحيح مسلم ٣ : ١٥٢٠ / ١٩١٣ ، وسنن البيهقي ٩ : ٣٨ ، والمعجم الكبير - للطبراني - ٦ : ٢٦٦ / ٦١٧٧ ، و ٢٦٧ / ٦١٧٨ بتفاوت.

(٢) المغني ١٠ : ٣٧٠ ، الشرح الكبير ١٠ : ٣٦٩.

(٣) في المصدر : جاوز.

(٤) التهذيب ٦ : ١٢٥ / ٢١٨.

٤٥٢

فإن رابط حال ظهور الإمام بإذنه وسوّغ له القتال ، جاز له ، وإن كان مستتراً أو لم يسوّغ له القتال ، لم يجز القتال ابتداءً ، بل يمنع الكفّار من الدخول إلى دار الإسلام ، ويُعلم المسلمين بأحوالهم ، فإن قاتلوه ، جاز له مقاتلتهم ، ويقصد بذلك الدفع عن نفسه وعن بيضة الإسلام.

مسألة ٢٦٩ : تستحبّ المرابطة بنفسه وغلامه وفرسه. ويكره له نقل الذرّيّة والأهل إلى الثغور المخوفة ؛ لجواز استيلاء الكفّار عليهم ، وظفر العدوّ بالذراري والنسوان مع ضعفهم عن الهرب.

ولو عجز عن المرابطة بنفسه ، رابط فرسه أو غلامه أو جاريته ، أو أعان المرابطين.

وينبغي لأهل الثغور أن يجتمعوا في المساجد للصلوات ؛ لأنّه ربما جاءهم الكفّار دفعةً فخافوا بسبب كثرتهم.

ويستحبّ الحرس في سبيل الله.

قال ابن عباس : سمعت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « عينان لا تمسّهما النار : عين بكَتْ من خشية الله ، وعين باتَتْ تحرس في سبيل الله »(١) .

مسألة ٢٧٠ : لو نذر المرابطة ، وجب عليه الوفاء به ، سواء كان الإمام ظاهراً أو غائباً ؛ لأنّه نذر في طاعة ، فيجب الوفاء به ، كغيره من الطاعات ، إلّا أنّه لا يبدأ العدوَّ بالقتال ولا يجاهدهم إلّا دفعاً عن الإسلام والنفس ؛ لقول [ أبي الحسن ](٢) عليه‌السلام : « يرابط ولا يقاتل ، فإن خاف على بيضة الإسلام‌

____________________

(١) سنن الترمذي ٤ : ١٧٥ / ١٦٣٩ ، وعنه في المغني ١٠ : ٣٧٥ ، والشرح الكبير ١٠ : ٣٧٣.

(٢) بدل ما بين المعقوفين في « ق ، ك» والطبعة الحجريّة : الصادق. وما أثبتناه من المصدر.

٤٥٣

والمسلمين قاتَل ، فيكون قتاله لنفسه لا للسلطان ، لأنّ في درس الإسلام درس ذكر محمد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله »(١) .

ولو نذر أن يصرف شيئاً من ماله إلى المرابطين ، وجب الوفاء به ، سواء كان الإمام ظاهراً أو مستتراً ؛ لأنّه نذر في طاعة ، فوجب الوفاء به ، كغيره من الطاعات.

وقال الشيخرحمه‌الله : إن كان في حال ظهور الإمام ، وجب الوفاء به ، وإلّا لم يجب ، إلّا أن يخاف الشنعة من تركه ، فيجب عليه حينئذٍ صرفه في المرابطة. وإذا لم يخف ، صرف في أبواب البرّ(٢) ؛ لرواية علي بن مهزيار(٣) .

مسألة ٢٧١ : لو آجر نفسه لينوب عن غيره في المرابطة ، وجب عليه الوفاء ؛ لأنّها إجارة على فعل طاعة ، فلزمت ، كالجهاد. ولا فرق بين حال ظهور الإمام وغيبته.

وقال الشيخرحمه‌الله بذلك حال ظهور الإمام ، وأمّا حال غيبته فلا يلزمه الوفاء بالعقد ، ويردّ على المؤجر ما أخذه منه ، فإن لم يجده ، فعلى ورثته ، فإن لم يكن له ورثة ، لزمه الوفاء به(٤) .

والمعتمد : ما قلناه ، غير أنّه لا يقصد بالجهاد الدعاءَ إلى الإسلام ؛ لأنّه مخصوص بالإمام ونائبه ، بل يقصد الدفاع عن نفسه وعن الإسلام. ومتى قُتل المرابط ، كان شهيداً.

____________________

(١) التهذيب ٦ : ١٢٥ / ٢١٩ بتفاوت يسير.

(٢) النهاية : ٢٩١ ، المبسوط - للطوسي - ٢ : ٨ - ٩.

(٣) التهذيب ٦ : ١٢٦ / ٢٢١.

(٤) المبسوط - للطوسي - ٢ : ٩.

٤٥٤

تمّ الجزء السادس(١) من كتاب تذكرة الفقهاء بحمد الله ومنّه على يد مصنّفه العبد الفقير إلى الله تعالى ، حسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي أعانه الله على طاعته.

وفرغ من تصنيفه وكتابته في ثاني عشري شهر ربيع الأوّل من سنة تسع عشرة وسبعمائة بالحلّة. ويتلوه في الجزء السابع(٢) بتوفيق الله تعالى :

القاعدة الثانية في العقود ، وفيه كُتب : كتاب البيع ، وفيه مقاصد : الأوّل : في أركانه ، وفيه فصول.

والحمد لله وحده ، وصلّى الله على سيّدنا محمد وآله الطاهرين(٣) .

____________________

(١ و ٢) حسب تجزئة المصنّفقدس‌سره .

(٣) جاء في آخر نسخة « ق » هكذا : ووافق الفراغ منه على يد الفقير إلى الله الغني ، علي بن منصور بن حسين المزيدي آمنه الله يوم الفزع الأكبر ، وجعل أئمّته ذخيرته في المحشر ، يوم الاثنين رابع عشري شهر شعبان المبارك ، سنة أربع وسبعين وثمانمائة. والحمد لله وحده ، وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.

٤٥٥

فهرس

كتاب الجهاد‌ ٦

الأوّل : فيمن يجب عليه مسألة ١ : ٨

مسألة ٢ : مسألة ٣ : ١٠

مسألة ٤ : ١١

مسألة ٥ : ١٢

مسألة ٦ : ١٤

مسألة ٧ : ١٥

مسألة ٨ : ١٩

مسألة ٩ : ٢٠

مسألة ١٠ : ٢١

مسألة ١١ : مسألة ١٢ : ٢٦

فروع : ٣٢

مسألة ١٣ : ٣٧

مسألة ١٤ : مسألة ١٥ : ٣٨

الفصل الثاني فيمن يجب جهاده ، وكيفية الجهاد‌ الأوّل : من يجب جهاده مسألة ١٦ : ٤٢

مسألة ١٧ : ٤٤

مسألة ١٨ : ٤٧

البحث الثاني : في الجند مسألة ١٩ : ٤٩

مسألة ٢٠ : مسألة ٢١ : ٥٠

مسألة ٢٢ : ٥٢

مسألة ٢٣ : ٥٣

٤٥٦

مسألة ٢٤ : ٥٤

مسألة ٢٥ : ٥٧

البحث الثالث : في كيفيّة القتال‌ مسألة ٢٦ : ٥٨

مسألة ٢٧ : ٥٩

مسألة ٢٨ : ٦٤

مسألة ٢٩ : ٦٥

مسألة ٣٠ : ٦٦

مسألة ٣١ : ٦٧

مسألة ٣٢ : ٦٩

مسألة ٣٣ : ٧٠

مسألة ٣٤ : ٧٢

مسألة ٣٥ : ٧٤

فروع : ٧٦

مسألة ٣٦ : ٧٩

مسألة ٣٧ : ٨٠

مسألة ٣٨ : ٨٠

مسألة ٣٩ : ٨١

مسألة ٤٠ : ٨٢

مسألة ٤١ : ٨٣

مسألة ٤٢ : ٨٤

مسألة ٤٣ : ٨٥

الفصل الثالث في الأمان‌ الأوّل : في تعريفه وتسويغه ٨٦

مسألة ٤٤ : ٨٧

البحث الثاني : في العاقد مسألة ٤٥ : ٨٧

مسألة ٤٦ : ٨٨

٤٥٧

مسألة ٤٧ : ٨٩

مسألة ٤٨ : ٩٠

البحث الثالث : فيما ينعقد به الأمان مسألة ٤٩ : ٩١

مسألة ٥٠ : ٩٣

مسألة ٥١ : ٩٤

مسألة ٥٢ : ٩٥

البحث الرابع : في وقت الأمان مسألة ٥٣ : ٩٦

مسألة ٥٤ : ٩٧

مسألة ٥٥ : ٩٨

مسألة ٥٦ : ٩٩

البحث الخامس : فيما يدخل في الأمان مسألة ٥٧ : ١٠٠

مسألة ٥٨ : مسألة ٥٩ : ١٠١

مسألة ٦٠ : ١٠٣

مسألة ٦١ : ١٠٤

البحث السادس : في الأحكام مسألة ٦٢ : مسألة ٦٣ : ١٠٦

مسألة ٦٤ : ١٠٧

مسألة ٦٥ : مسألة ٦٦ : ١٠٩

مسألة ٦٧ : ١١١

مسألة ٦٨ : ١١٢

البحث السابع : في التحكيم مسألة ٦٩ : ١١٣

مسألة ٧٠ : مسألة ٧١ : ١١٤

مسألة ٧٢ : ١١٦

مسألة ٧٣ : ١١٧

مسألة ٧٤ : ١١٨

٤٥٨

الفصل الرابع في الغنائم‌ الأوّل : في أقسامها البحث الأوّل : فيما يُنقل ويُحوّل مسألة ٧٥ : ١٢٠

مسألة ٧٦ : ١٢٢

مسألة ٧٧ : ١٢٤

مسألة ٧٨ : ١٢٨

مسألة ٧٩ : ١٣٠

مسألة ٨٠ : ١٣١

مسألة ٨١ : ١٣٤

مسألة ٨٢ : ١٣٥

مسألة ٨٣ : ١٣٦

مسألة ٨٤ : ١٣٧

مسألة ٨٥ : ١٣٨

مسألة ٨٦ : ١٣٩

مسألة ٨٧ : مسألة ٨٨ : ١٤١

مسألة ٨٩ : ١٤٣

مسألة ٩٠ : ١٤٤

مسألة ٩١ : ١٤٦

مسألة ٩٢ : ١٤٨

مسألة ٩٣ : ١٥١

البحث الثاني : في الاُسارى مسألة ٩٤ : ١٥٥

مسألة ٩٥ : مسألة ٩٦ : ١٦١

مسألة ٩٧ : ١٦٣

مسألة ٩٨ : ١٦٦

مسألة ٩٩ : ١٦٧

مسألة ١٠٠ : ١٦٩

٤٥٩

مسألة ١٠١ : ١٧٠

مسألة ١٠٢ : ١٧١

مسألة ١٠٣ : ١٧٣

مسألة ١٠٤ : ١٧٦

مسألة ١٠٥ : ١٧٨

مسألة ١٠٦ : ١٧٩

مسألة ١٠٧ : ١٨٢

البحث الثالث : في أحكام الأرضين مسألة ١٠٨ : ١٨٤

مسألة ١٠٩ : ١٨٧

مسألة ١١٠ : ١٨٩

مسألة ١١١ : ١٩٤

تذنيب : ١٩٥

الباب الثاني : في كيفية قسمة الغنيمة‌ الأوّل : ما ينبغي تقديمه ، وهي الديون والجعائل والسَّلب والرضخ والخُمْس ١٩٦

البحث الثاني : في الجعائل مسألة ١١٢ : ٢٠٠

مسألة ١١٣ : ٢٠١

مسألة ١١٤ : ٢٠٢

مسألة ١١٥ : ٢٠٤

مسألة ١١٦ : ٢٠٥

مسألة ١١٧ : ٢٠٧

مسألة ١١٨ : ٢١٠

مسألة ١١٩ : ٢١١

مسألة ١٢٠ : ٢١٢

مسألة ١٢١ : ٢١٤

البحث الثالث : في السَّلَب مسألة ١٢٢ : مسألة ١٢٣ : ٢١٥

٤٦٠

461

462

463

464

465

466