تذكرة الفقهاء الجزء ١٢

تذكرة الفقهاء10%

تذكرة الفقهاء مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: فقه مقارن
ISBN: 964-319-224-5
الصفحات: 381

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣ الجزء ٤ الجزء ٥ الجزء ٦ الجزء ٧ الجزء ٨ الجزء ٩ الجزء ١٠ الجزء ١١ الجزء ١٢ الجزء ١٣ الجزء ١٥ الجزء ١٦ الجزء ١٧
  • البداية
  • السابق
  • 381 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 117623 / تحميل: 5607
الحجم الحجم الحجم
تذكرة الفقهاء

تذكرة الفقهاء الجزء ١٢

مؤلف:
ISBN: ٩٦٤-٣١٩-٢٢٤-٥
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

ولا تدخل الحجارة المدفونة ولا الآجر المدفون ؛ لأنّه مودع فيها ، إلّا أن تكون الحجارة والآجر مثبتين فيها.

مسالة ٥٧٨ : إذا كان في الدار بئر الماء ، دخلت في المبيع‌ ؛ لأنّها من أجزاء الدار ، وبه قال الشافعي(١) .

وأمّا الماء الحاصل في البئر فالأقرب دخوله.

وللشافعي وجهان :

أحدهما : أنّه مملوك لصاحب الدار ؛ لأنّه نماء ملكه ، فكان داخلاً في ملكه كلبن الشاة ، وبه قال ابن أبي هريرة.

والثاني : أنّه غير مملوك ، لأنّه يجري تحت الأرض ويجي‌ء إلى ملكه ، فهو بمنزلة الماء يجري من النهر إلى ملكه لا يملكه بذلك. ولأنّه لو كان ملكاً لصاحب الدار ، لم يجز للمستأجر إتلافه ، لأنّ الإجارة لا تستحقّ إتلاف الأعيان ، فعلى هذا لو دخل داخل فاستقى ماءً بغير إذن صاحب الدار ، ملك الماء وإن كان متعدّياً بالدخول(٢) .

وإذا باع الماء الذي في البئر ، لم يصحّ البيع على الوجهين عند الشافعي(٣) ؛ لأنّه في أحد الوجهين لا يملك الماء ، فلا يصحّ. وفي الآخر : يكون الماء مجهولاً فيها ، ولا يمكن تسليمه ؛ لأنّه إلى أن يسلّمه يختلط به غيره ، فإذا باع الدار ، لم يدخل الماء في البيع المطلق على الوجهين.

____________________

(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٨ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، و ٦ : ٢٣٩ - ٢٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢ ، و ٤ : ٣٧٣ ، المغني ٤ : ٢١٧ ، الشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.

(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤٢ ، وروضة الطالبين ٤ : ٣٧٥.

٦١

وأمّا عندنا فإنّه يجوز بيعه منضمّاً إلى الدار ، والجهالة لا تضرّ ؛ لأنّها تابعة ، كأساسات الحيطان.

وإن شرط دخول الماء في البيع ، صحّ عندنا وعنده على قوله : إنّ الماء مملوك(١) .

وأمّا العيون المستنبطة فإنّها مملوكة.

وهل يملك الذي فيها؟ أمّا عندنا : فنعم. وأمّا عند الشافعي :

فوجهان(٢) .

ولا يمكن بيع الماء الذي فيها منفرداً ؛ للجهالة. ويجوز بيع العين وجزء منها.

وأمّا المياه التي في الأنهار - كالفرات ودجلة وما دونها من المياه في الجبال والعيون - فليست مملوكةً ، ومَنْ أخذ منها شيئاً وحازه(٣) ملَكَه ، وجاز له بيعه.

وإذا جرى من هذه المياه شي‌ء إلى ملك إنسان ، لم يملكه بذلك ، كما لو توحّل ظبي في أرضه أو نزل ثلج إلى ساحته.

وكذا إذا حفر نهراً فجرى الماء إليه من هذه الأنهار ، لم يملكه بذلك ، فيجوز لغيره الشرب منه.

أمّا لو حفر النهر وقصد بذلك إجراء الماء وكان النهر مملوكاً له ، فالأولى أنّه يملكه ؛ لأنّه قد حازه(٤) حيث أجراه في نهره ، فكان كما لو أخذ في آنيته.

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.

(٢) انظر : العزيز شرح الوجيز ٦ : ٢٤٠ ، وروضة الطالبين ٤ : ٣٧٣ ، والمغني ٤ : ٢١٧ ، والشرح الكبير ٤ : ٢٠٣.

(٣ و ٤ ) في الطبعة الحجريّة و « س ، ي » : « أحازه ». والصحيح ما أثبتناه.

٦٢

مسالة ٥٧٩ : لو كان في الأرض أو الدار معدن ظاهر - كالنفط والملح والغاز والكبريت - فهو كالماء هل يملكه صاحب الأرض؟ للشافعيّة وجهان(١) .

وعندنا أنّه مملوك له إذا كان في ملكه.

وإن كان باطناً كالذهب والفضّة وغيرهما من الجامدات ، فهي مملوكة تتبع الأرض في الملك وفي البيع ؛ لأنّها جزء منها - وبه قال الشافعي(٢) - إلّا أنّه لا يجوز بيع معدن الذهب بالذهب.

ولو بِيع بالفضّة ، جاز عندنا ، وعنده قولان(٣) سبقا في الجمع بين البيع والصرف.

مسالة ٥٨٠ : لو باع داراً في طريقٍ غير نافذٍ ، دخل حريمها في البيع وطريقها.

وفي دخول الأشجار فيه ما سبق. وإن كانت في طريقٍ نافذ ، لم يدخل الحريم والأشجار في البيع ، بل لا حريم لمثل هذه الدار ، قاله الشافعي(٤) .

مسالة ٥٨١ : لو باع داراً ، دخل فيها الأعلى والأسفل‌ ؛ لأنّ اسم الدار يشملهما ، إلّا أن تشهد العادة باستقلال الأعلى بالسكنى ، فلا يدخل. وكذا الخان.

____________________

(١) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، حلية العلماء ٤ : ١٩٩ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.

(٢) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٥ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.

(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢.

(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٨٠ - ٣٨١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٢ - ٢٠٣.

٦٣

البحث الخامس : العبد.

مسالة ٥٨٢ : إذا باع عبده أو أمته ، لم يتناول العقد مالَ العبد إن كان له مال وقلنا : إنّه يملك بالتمليك ؛ اقتصاراً على ما يتناوله اللفظ وإبقاءً لغيره على أصله.

ولو شرط البائع المال لنفسه ، فلا بحث في أنّه له ؛ لأنّ ملك العبد ناقص ، وللمولى انتزاعه منه دائماً.

وإن باعه مع المال ، فإن قلنا : إنّه لا يملك ما ملّكه مولاه ، اعتبر فيه شرائط البيع ، فلو كان مجهولاً ، لم يصح. وكذا لو كان دَيْناً والثمن دَيْنٌ ، أو كان ذهباً والثمن منه.

ولو كان ذهباً والثمن فضّة أو بالعكس ، جاز عندنا.

وللشافعي قولان(١) .

وإن قلنا : إنّه يملك ، انتقل المال إلى المشتري مع العبد ، ولا تضرّ الجهالة عند الشافعي(٢) ؛ لأنّ المال هنا تابع وجهالة التابع محتملة كجهالة الأساسات والحمل واللبن وحقوق الدار ، بخلاف الأصل ؛ فإنّه لا يحتمل الجهالة.

وقال بعض الشافعيّة : إنّ المال ليس بمبيع لا أصلاً ولا تبعاً ولكن شرطه للمبتاع تبقية له على العبد كما كان ، فللمشتري انتزاعه ، كما كان للبائع الانتزاع ، فلو كان المال ربويّا والثمن من جنسه ، فلا بأس. وعلى الأوّل لا يجوز ذلك ، ولا يحتمل الربا في التابع كما في الأصل(٣) .

____________________

(١ - ٣ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٣.

٦٤

والتحقيق أن نقول : إن باعه العبد وماله بحيث كان المال جزءاً من المبيع ، شرط فيه ما شرط في المبيع. وإن باعه العبد وشرط له المال ، كان المال للمشتري ، واشترط فيه شرائط البيع.

مسالة ٥٨٣ : الأقرب : عدم دخول الثياب التي للعبد في بيعه‌ ، اقتصارا على ما تناوله حقيقة اللفظ ، كالسرج لا يدخل في بيع الدابّة ، وهو أحد وجهي الشافعيّة. وفي الثاني : تدخل ، وفيه وجهان :

أحدهما : أنّ ما عليه من الثياب يدخل اعتباراً بالعرف ، وبه قال أبو حنيفة(١) .

ولا بأس بهذا القول عندي ، وهو الذي اخترناه في كتاب القواعد(٢) .

والثاني : يدخل ساتر العورة دون غيره(٣) .

ولا وجه له ؛ لأنّ العرف يقضي بالثاني واللغة بالأوّل ، فهذا لا اعتبار به.

ولو جرّده من الثياب وباعه ، لم تدخل قطعاً.

وكذا البحث في عذار الدابّة ومفقودها.

ويدخل نعلها ؛ لأنّه متّصل بها ، فصار كالجزء منها.

مسالة ٥٨٤ : ولا يدخل حمل الجارية ولا الدابّة في بيعهما إلّا مع الشرط‌ ، ولا ثمرة شي‌ء من الأشجار إلّا النخل إذا لم يؤبَّر. ولو شرط خلاف ذلك ، جاز. وقد تقدّم(٤) البحث في هذا كلّه.

____________________

(١ و ٣ ) الحاوي الكبير ٥ : ١٨١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٤٦٨ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٧ - ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٣.

(٢) قواعد الأحكام ٢ : ٨٥.

(٤) في ج ١٠ ص ٢٧٥ و ٣١٥ - ٣١٦ و ٣٨٤ ، المسائل ١٢٥ و ١٤٠ و ١٨٣.

٦٥

البحث السادس : الشجر.

مسالة ٥٨٥ : إذا باع شجرة ، دخل أغصانها في البيع‌ ؛ لأنّها معدودة من أجزائها.

أمّا الغصن اليابس فالأقرب : دخوله ، ولهذا يحنث لو حلف لا يمسّ جزءا منها ، فلمسه. والقطع لا يخرجه عن الجزئيّة ، والدخول في مسمّى الشجرة كالصوف على الغنم.

وللشافعيّة وجهان ، هذا أحدهما. والثاني : أنّه لا يدخل ؛ لأنّ العادة فيه القطع ، كما في الثمار(١) .

ولو كانت الشجرة يابسةً ، دخلت أغصانها اليابسة قطعاً.

وتدخل العروق أيضاً في مسمّى الشجرة ؛ لأنّها جزء منها. وكذا الأوراق ؛ لأنّها جزء من الشجرة.

وفي أوراق التوت ، الخارجة(٢) في زمن الربيع نظر ينشأ : من أنّها كثمار سائر الأشجار ، فلا تدخل. ومن أنّها جزء من الشجرة(٣) فتدخل ، كما في غير الربيع. وهو الأقوى عندي.

وللشافعيّة وجهان(٤) .

وكذا شجر النبق يدخل فيه ورقه.

____________________

(١) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.

(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وفي ورق التوت الخارج ». وما أثبتناه يقتضيه السياق.

(٣) في الطبعة الحجريّة : « الشجر ».

(٤) راجع المصادر في الهامش ( ١).

٦٦

وللشافعيّة طريقان ، هذا(١) أحدهما ، كأوراق سائر الأشجار. والثاني : عدم الدخول ؛ لأنّها تلتقط ليغسل بها الرأس(٢) .

مسالة ٥٨٦ : لو باع شجرة يابسة نابتة‌ ، فعلى المشتري تفريغ الأرض منها. ولو(٣) شرط إبقاءها ، فإن عيّن المدّة ، صحّ. وإن أبهم ، بطل ، إذ لا حدّ لها ينتهي إليه.

وأطلق الشافعي البطلان لو شرط الإبقاء ، كما لو اشترى الثمرة بعد التأبير ، وشرط عدم القطع عند الجذاذ(٤) . والفرق ظاهر.

ولو باعها بشرط القطع أو القلع ، جاز.

وتدخل العروق في البيع عند شرط القلع ، ولا تدخل عند شرط القطع ، بل تقطع عن وجه الأرض.

وهل له الحفر إلى أن يصل إلى منبت العروق؟ إشكال.

مسالة ٥٨٧ : لو باع شجرة رطبة بشرط الإبقاء أو بشرط القلع‌ ، اتّبع الشرط ، فإن أطلق ، فالأقرب أنّه يجب الإبقاء ؛ تبعاً للعادة ، كما لو اشترى ما يستحقّ إبقاءه.

ولا يدخل المغرس في البيع عندنا ؛ لأنّ اسم الشجرة لا يتناوله ، وهو أحد قولي الشافعي. وفي الثاني : أنّه يدخل - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه يستحقّ منفعة المغرس لا إلى غاية ، وذلك لا يكون إلّا على سبيل الملك ، ولا وجه لتملّكه إلّا دخوله في البيع(٥) .

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : « وهذا ».

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.

(٣) في « س ، ي » : « فلو ».

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤.

(٥) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٣٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٤ ، منهاج الطالبين : ١٠٦.

٦٧

والمقدّمتان ممنوعتان ؛ لأنّ الغاية انتهاء حياة الشجرة وقد يستحقّ غير المالك المنفعة لا إلى غاية ، كما لو أعار جداره ليضع غيره الجذع عليه.

فعلى الأوّل - الذي اخترناه - لو انقلعت الشجرة أو قلعها المالك ، لم يكن له أن يغرس بدلها ، وليس له أن يبيع المغرس ، وعلى الثاني له أن يغرس بدلها ويبيع المغرس.

وكذا لو باع بستاناً واستثنى منه البائع نخلة.

ولو اشترى النخلة أو الشجرة بحقوقها ، لم يدخل المغرس ، بل الإبقاء ، وليس له الإبقاء في المغرس ميّته إلّا أن يستخلف عوضاً من فراخها المشترطة.

مسالة ٥٨٨ : لو باع شجرة أو نخلة ولها فراخ‌ ، لم تدخل الفراخ في النخلة والشجرة ؛ لأنّها خارجة عن المسمّى ، فلا يتناولها العقد إلّا مع الشرط.

ولو تجدّدت الفراخ بعد البيع ، فهي لمشتري النخلة. ولا يستحقّ المشتري إبقاءها في الأرض إلّا مع الشرط ، فإن لم يشرط ، كان له قلعها عن أرضه عند صلاحية الأخذ لا قبله ، كما في الزرع ، ويرجع في ذلك إلى العادة.

ولو اشترى النخلة بحقوقها ، لم تدخل الفراخ.

ولو استثنى شجرة أو نخلة من البستان الذي باعه ، أو اشترى نخلة أو شجرة من جملة البستان الذي للبائع ، كان له الممرّ إليها والمخرج منها ومدّ(١) جرائدها من الأرض.

____________________

(١) في « س » : « مدى » بدل « مدّ ».

٦٨

ولو انقلعت ، لم يكن له غرس اُخرى ، سواء كان مشترياً للنخلة أو بائعاً لها ، إلّا أن يستثني الأرض.

مسالة ٥٨٩ : لو باع النخل وعليه ثمرة ظاهرة‌ ، فإن كانت مؤبّرةً ، فهي للبائع إجماعاً ، إلّا أن يشترطها المشتري ، فتكون له ؛ عملاً بمفهوم قولهعليه‌السلام : « المؤمنون عند شروطهم »(١) .

وإن لم تكن مؤبّرةً ، فهي للمشتري ، إلّا أن يشترطها البائع ، فتكون له.

ومع الإطلاق للمشتري عندنا - وبه قال الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل(٢) - لما رواه العامّة أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « مَنْ باع نخلاً بعد أن تؤبّر فثمرتها للبائع إلّا أن يشترط المبتاع »(٣) .

ومن طريق الخاصّة : قول الصادقعليه‌السلام : « مَنْ باع نخلاً قد لقح فالثمرة للبائع إلّا أن يشترطها(٤) المبتاع ، قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك »(٥) .

وعن الصادقعليه‌السلام قال : « قال أمير المؤمنينعليه‌السلام : مَنْ باع نخلاً قد أبّره فثمره للذي باع إلّا أن يشترط المبتاع » ثمّ قال : « إنّ عليّاًعليه‌السلام قال :

____________________

(١) التهذيب ٧ : ٣٧١ / ١٥٠٣ ، الاستبصار ٣ : ٢٣٢ / ٨٣٥ ، الجامع لأحكام القرآن ٦ : ٣٣.

(٢) الوسيط ٣ : ١٧٧ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٣٦٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥ ، المنتقى - للباجي - ٤ : ٢١٥ ، التفريع ٢ : ١٤٦ ، الذخيرة ٥ : ١٥٧ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ / ١١٧٣ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.

(٣) سنن البيهقي ٥ : ٢٩٧ ، معرفة السنن والآثار ٨ : ٦٨ / ١١١٤٧.

(٤) في المصدر : « يشترط ».

(٥) الكافي ٥ : ١٧٧ / ١٢ ، التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٦٩.

٦٩

قضى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بذلك »(١) .

وهو يدلّ على أنّ النخل إذا لم تؤبّر ، تكون الثمرة للمشتري ؛ لأنّهعليه‌السلام جعل الإبار حدّاً لملك البائع ، وهو يدلّ على أنّه جعل ما قبله حدّاً لملك المشتري. ولأنّها قبل التأبير كالجزء من النخلة لا يعلم حالها من صحّة الثمرة وفسادها.

وقال ابن أبي ليلى : إنّها للمشتري بكلّ حال ؛ لأنّها متّصلة بالأصل اتّصال الخلقة ، فكانت تابعةً له ، كالأغصان(٢) .

ونمنع المساواة ؛ فإنّ الغصن يطلب بقاؤه ، بخلاف الثمرة ، وهو جزء من النخلة داخل في اسمها ، بخلاف الثمرة. ولأنّه نماء كامنٌ لظهوره غاية ، فلم يتبع أصله بعد ظهوره ، كالحمل.

وقال أبو حنيفة : تكون للبائع أبّرت أولا ؛ لأنّه نماء جذاذ انتهى إليه الحدّ ، فلم يتبع أصله ، كالزرع(٣) .

ويبطل بأنّه نماء كامن لظهوره غاية ، فكان تابعاً لأصله قبل ظهوره ، كالحمل عنده(٤) ، والزرع ليس من نماء الأرض ولا متّصلاً بها ، بل هو مودع فيها.

مسالة ٥٩٠ : النخل إمّا فحول أو إناث‌ ، وأكثر المقصود من طلع‌

____________________

(١) التهذيب ٧ : ٨٧ / ٣٧٠.

(٢) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ / ١١٧٣ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٧٧ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.

(٣) مختصر اختلاف العلماء ٣ : ٩٥ - ٩٦ / ١١٧٣ ، الوسيط ٣ : ١٧٨ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠١ ، شرح السنّة - للبغوي - ٥ : ٧٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، المغني والشرح الكبير ٤ : ٢٠٦.

(٤) الاستذكار ١٩ : ١٤ / ٢٧٩١١ و ٢٧٩١٢.

٧٠

الفحول استصلاح ثمرة الإناث به.

والذي يبدأ(١) أوّلاً منها أكمة صغيرة ثمّ تكبر وتطول حتى تصير كآذان الحمار ، فإذا كبرت تشقّقت فتظهر العناقيد في أوساطها فيذرّ فيها طلع الفحول ليكون الحاصل من رطبها أجود ، فالتشقيق وذرّ طلع الفحول فيها هو التأبير والتلقيح.

ولا فرق بين أن يؤبّرها الملقّح أو يؤبّرها اللواقح ، فإذا كانت الفحول في ناحية الصبا فهبّ الصبا وقت التأبير فأبّرت الإناث برائحة طلع الفحول وكذا إذا تأبّرت من نفسها ، الحكم في الجميع واحد ؛ لظهور المقصود.

إذا ثبت هذا ، فالتأبير إنّما يعتبر في إناث النخل لا فحولها ، فلو باع فحولاً بعد تشقيق طلعها ، لم يندرج في البيع إجماعاً. وكذا إن لم يتشقّق عندنا - وهو أضعف وجهي الشافعيّة(٢) - عملاً بالأصل ، وعدم تناول اسم النخلة له ، السالم عن معارضة نصّ التأبير ، لأنّا قد بيّنّا أنّ جزءه ذرّ طلع الفحل فيه ، وإنّما يتحقّق ذلك في الإناث. ولأنّ طلع الفحل يؤكل على هيئته ، ويُطلب لتلقيح الإناث به ، وليس له غاية منتظرة بعد ذلك ، فكان ظهوره كظهور ثمرة لا قشر لها ، بخلاف طلع الإناث.

والثاني : الاندراج ، كما في طلع الإناث(٣) . وليس معتمدا.

مسالة ٥٩١ : لو أبّر بعض النخلة ، كان جميع طلعها للبائع‌ ، ولا يشترط لبقاء الثمرة على ملكه تأبير جميع طلعها ؛ لما فيه من العسر ، وعدم‌

____________________

(١) كذا ، والظاهر : « يبدو » بدل « يبدأ ».

(٢ و ٣ ) المهذّب - للشيرازي - ١ : ٢٨٦ ، حلية العلماء ٤ : ٢٠٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥.

٧١

الضبط ، ولأنّه يصدق عليه أنّه قد باع نخلاً قد اُبّر ، فيدخل تحت نصّ أنّه للبائع ، وكان غير المؤبَّر تابعاً للمؤبَّر ، وهو أولى من العكس ، كما أنّ باطن الصبرة تبع لظاهرها في الرؤية. ولأنّ الباطن صائر إلى الظهور ، بخلاف العكس.

ولو باع نخلاتٍ اُبّر بعض نخلها وبعضه غير مؤبَّر ، فالوجه عندي : أنّ النخلة المؤبَّرة ثمرتها للبائع ، وغير المؤبَّرة للمشتري ، سواء كانت النخلات من نوعٍ واحد أو من أنواع مختلفة ، وسواء كانت في بستان واحد أو بساتين.

وقال الشافعي : إن كانت في بستان واحد واتّحد النوع وباعها صفقةً واحدة ، فالحكم كما في النخلة الواحدة إذا اُبّر بعض ثمرها دون بعض.

وإن أفرد ما لم يؤبّر طلعة ، فوجهان :

أحدهما : أنّه يبقى للبائع أيضاً ؛ لدخول وقت التأبير ، والاكتفاء به عن نفس التأبير.

وأصحّهما عندهم : أنّه يكون للمشتري ؛ لأنّه ليس في المبيع شي‌ء مؤبَّر حتى يجعل غير المؤبَّر تبعاً له ، فيبقى تبعاً للأصل.

وإن اختلف النوع ، فوجهان :

أحدهما - وبه قال ابن خيران - : أنّ غير المؤبَّر يكون للمشتري ، والمؤبَّر للبائع ؛ لأنّ لاختلاف النوع تأثيراً بيّناً في اختلاف [ الأيدي ](١) وقت التأبير.

وأصحّهما : أنّ الكلّ يبقى للبائع كما لو اتّحد النوع ، دفعاً لضرر‌

____________________

(١) ما بين المعقوفين من « العزيز شرح الوجيز ».

٧٢

اختلاف الأيدي وسوء المشاركة.

وإن كانت في بساتين ، فحيث قلنا في البستان الواحد : إنّ كلّ واحد من المؤبَّر وغير المؤبَّر يفرد بحكمه ، فهنا أولى. وحيث قلنا بأنّ غير المؤبَّر يتبع المؤبَّر ، فهنا وجهان ، أصحّهما : أنّ كلّ بستان يفرد بحكمه.

والفرق أنّ لاختلاف البقاع تأثيراً في وقت التأبير ، وأيضاً فإنّه يلزم في البستان الواحد ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة. ولأنّ للخطّة الواحدة من التأثير في الجميع(١) ما ليس في الخطّتين ، فإنّ خطّة المسجد تجمع بين المأموم والإمام وإن اختلف البناء وتباعدت المسافة بينهما.

ولا فرق بين أن يكون البستانان متلاصقين أو متباعدين(٢) .

فروع :

أ - لو باع نخلة وبقيت الثمرة له ثمّ خرج طلع آخر من تلك النخلة أو من نخلة اُخرى حيث يقتضي الحال اشتراكهما في الحكم - كما هو عند الشافعي - احتمل أن يكون الطلع الجديد للبائع أيضاً ؛ لأنّه من ثمرة العام ، ولأنّه يصدق على تلك النخلة أنّها مؤبَّرة. وأن يكون للمشتري ؛ لأنّه نماء ملكه بعد البيع.

وللشافعيّة وجهان(٣) كهذين.

ب - لو جمع في صفقة واحدة بين فحول النخل وإناثها ، كان كما لو جمع بين نوعين من الإناث ، عند الشافعيّة(٤) .

والوجه : أنّ طلع الفحول للبائع ، وطلع الإناث للمشتري إن لم يكن‌

____________________

(١) في العزيز شرح الوجيز : « الجمع ».

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٢ - ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٧.

(٣ و ٤ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٣ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٨.

٧٣

مؤبّراً.

ج - لو تشقّق الطلع من قِبَل نفسه ، فقد بيّنّا أنّه كما لو أبّره.

وللشافعيّة قولان ، هذا أحدهما.

وقال بعضهم : لا يندرج تحت البيع وإن لم يؤبَّر(١) .

مسالة ٥٩٢ : غير النخل من الأشجار لا تدخل ثمارها في البيع - للأصل - إذا كانت قد خرجت ، سواء بدا صلاحها أو لا ، وسواء كانت بارزةً أو مستترةً في كمام ، وسواء تشقّق الكمام عنها أو لا. وكذا وَرْد ما يقصد وَرْدُه ، سواء تفتّح أو لا ، عند علمائنا. وكذا القطن وغيره. وبالجملة ، كلّ ما عدا النخل فإنّ ثمرته باقية على ملك البائع إذا كانت قد وجدت عند العقد ؛ عملاً بالأصل السالم عن معارضة النصّ ؛ لتخصيصه بالنخل.

وقالت الشافعيّة : ما عدا النخل أقسام :

أوّلها : ما يقصد منه الورق ، كشجر التوت. وقد سبق حكمه.

وشجر الحِنّاء ونحوه يجوز أن يلحق بالتوت. ويجوز أن يقال : إذا ظهر [ ورقه ، فهي ](٢) للبائع بلا خلاف ؛ لأنّه لا ثمر له سوى الورق ، وللتوت ثمرة مأكولة.

وثانيها : ما يقصد منها الوَرْد ، وهو ضربان :

أحدهما : ما يخرج في كمام ثمّ يتفتّح كالورد الأحمر ، فإذا بِيع أصله بعد خروجه وتفتّحه ، فهو للبائع ، كطلع النخل المؤبَّر. فإن بِيع بعد خروجه وقبل تفتّحه ، فهو للمشتري ، كالطلع قبل التأبير.

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٣.

(٢) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » و « روضة الطالبين ».

٧٤

وقال بعضهم : إنّه يكون للبائع أيضاً.

والثاني : ما يخرج وَرْده ظاهراً ، كالياسمين ، فإن خرج وَرْدُه ، فهو للبائع ، وإلّا فللمشتري.

وثالثها : ما يقصد منه الثمرة ، وهو ضربان :

أحدهما : ما تخرج ثمرته بارزة بلا قشر ولا كمام ، كالتين ، فهو كالياسمين ، واُلحق العنب بالتين وإن كان لكلّ حبّة منه قشر لطيف ويتشقّق ويخرج منها نَوْرٌ لطيف ؛ لأنّ مثل ذلك موجود في ثمرة النخل بعد التأبير ، ولا عبرة به.

والثاني : ما [ لا ](١) يكون كذلك ، وهو ضربان :

أحدهما : ما تخرج ثمرته في نَوْر ثمّ يتناثر النَّوْر فتبرز الثمرة بغير حائل ، كالتفّاح والمشمش والكُمّثرى وأشباهها ، فإن باع الأصل قبل انعقاد الثمرة ، فإنها تنعقد على ملك المشتري وإن كان النَّوْر قد خرج. وإن باعه بعد الانعقاد وتناثر النّور ، فهي للبائع.

وإن باع بعد الانعقاد وقبل تناثر النّوْر ، فوجهان :

أحدهما : أنّها للمشتري تنزيلا للاستتار بالنّور منزلة استتار ثمر الشجر بالكمام.

والثاني : أنّها للبائع ؛ تنزيلاً لها منزلة استتارها بعد التأبير بالقشر الأبيض. وهو أرجح عند الكرخي.

والثاني : ما يبقى له حائل على الثمرة المقصودة ، وهو قسمان :

أحدهما : ما له قشرٌ واحد ، كالرمّان ، فإذا بيع أصله وقد ظهر الرمّان‌

____________________

(١) ما بين المعقوفين من « العزيز شرح الوجيز ».

٧٥

بقشره ، فهو للبائع ، ولا اعتبار بقشره ؛ لأنّ إبقاءه من مصلحته ، والذي لم يظهر يكون للمشتري.

والثاني ما له قشران ، كالجوز واللوز والفستق والرانج(١) ، فإن باعها قبل خروجها ، فإنّها تخرج على ملك المشتري. وإن باعها بعد الخروج ، تبقى على ملك البائع ، ولا يعتبر في ذلك تشقّق القشر الأعلى على أصحّ الوجهين. والثاني : يعتبر.

واعلم أنّ أشجار الضربين الأخيرين منها : ما تخرج ثمرته في قشره من غير نَوْر ، كالجوز والفستق. ومنها : ما تخرج في نَوْر ثمّ يتناثر النَّوْر عنه ، كالرمّان واللوز ، وما ذكرنا من الحكم فيما إذا بِيع الأصل بعد تناثر النّور عنه ، فإن بيع قبله ، عاد الكلام السابق(٢) .

مسالة ٥٩٣ : القطن ضربان :

أحدهما : له ساق يبقى سنين ، ويثمر كلّ سنة ، وهو قطن الحجاز والشام والبصرة.

والثاني : ما لا يبقى أكثر من سنة واحدة.

[ وفي كليهما ](٣) لا يدخل الجوزق(٤) الظاهر في بيع الأصل ، سواء‌

____________________

(١) الرانج : النارجيل ، وهو جوز الهند. لسان العرب ٢ : ٢٨٤ « رنج ».

وفي « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « النارنج ». وهو غلط. والصحيح ما أثبتناه كما في المصدر أيضاً.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٠ - ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٥ - ٢٠٧.

(٣) بدل ما بين المعقوفين في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وكلاهما ». والظاهر ما أثبتناه.

(٤) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الجوز » وكذا في المواضع الآتية في هذه المسألة ، ولم نعثر في اللغة على كلمة « الجوز » بهذا المعنى. والصحيح ما أثبتناه.

٧٦

تفتّح أو لا.

وقال الشافعي : القسم الأوّل كالنخل إن بِيع الأصل قبل خروج الجوزق أو بعده قبل تشقّقه ، فالحاصل للمشتري. وإن بِيع بعد التشقّق ، فهو للبائع. والثاني كالزرع ، فإن باعه قبل خروج الجوزق أو بعده قبل تكامل القطن ، فلا بدّ من شرط القطع. ثمّ إن لم يتّفق القطع حتى خرج الجوزق ، فهو للمشتري ، لحدوثه من عين ملكه(١) .

وقال بعضهم : إن باعه بعد تكامل القطن ، فإن تشقّق الجوزق ، صحّ البيع مطلقاً ، ودخل القطن في البيع ، بخلاف الثمرة المؤبَّرة ، لا تدخل في بيع الشجرة ، لأنّ الشجرة مقصودة لثمار سائر الأعوام ، ولا مقصود هنا سوى الثمرة الموجودة. وإن لم يتشقّق ، لم يجز البيع في أصحّ الوجهين ؛ لأنّ المقصود مستور بما ليس من صلاحه ، بخلاف الجوز واللوز في القشر الأسفل(٢) .

مسالة ٥٩٤ : إذا باع الثمرة ولم يشترط القطع‌ ، استحقّ المشتري الإبقاء إلى القطاف بمجرى العادة ، فإن جرى عرف قوم بقطع الثمار ، فالأقرب :

إلحاق العرف الخاصّ بالعامّ ، وذلك كما يوجد في البلاد الشديدة البرد كروم لا تنتهي ثمارها إلى الحلاوة واعتاد أهلها قطع الحِصْرم.

إذا عرفت هذا ، فالثمار يختلف زمان أخذها ، فما يؤخذ في العادة بُسْراً يؤخذ إذا تناهت حلاوته ، وما يؤخذ رطباً إذا تناهى ترطيبه ، وليس له إلزامه بقطعه منصّفاً ، وما يؤخذ تمراً إذا انتهى نشافه.

وكذا يرجع إلى العادة في ثمرة غير النخل من سائر الأشجار.

____________________

(١ و ٢ ) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٤٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٠٧.

٧٧

تذنيب : لو خِيف على الأصل الضررُ لو بقيت الثمرة ، لم يجب القطع وإن كان الضرر كثيراً على إشكال.

مسالة ٥٩٥ : لو انتقل النخل بغير عقد البيع ، لم يثبت هذا الحكم فيه‌ ، بل الثمرة الظاهرة للناقل إذا وجدت قبل النقل ، سواء كانت مؤبّرة أو غير مؤبَّرة ، عند علمائنا.

ولا فرق بين أن يكون العقد الناقل عقد معاوضة ، كالنكاح والإجارة والصلح ، أو غير عقد معاوضة ، كما لو أصدقها نخلاً فأثمر ثمّ طلّقها وقد ظهر طلع غير مؤبّر ، فإنّه يرجع بنصف النخل دون الثمرة ؛ للأصل المانع من نقل الملك عن صاحبه إلّا بسبب شرعيّ ، السالم عن معارضة البيع.

وقال الشافعي : إنّ عقود المعاوضات تتبع البيع ، فلو أصدقها نخلاً بعد الطلع وقبل التأبير أو جَعَله مال إجارة أو عوض صلح ، دخلت الثمرة في العقد أيضاً ، قياساً على البيع(١) .

وليس بشي‌ء ؛ لأنّا نعارضه بقياس ما قبل التأبير على ما بعده.

ولو ملكها بغير عقد معاوضة ، كما إذا أصدقها نخلاً ثمّ طلّقها بعد الطلع وقبل التأبير ، فإنّه يرجع بنصف النخل خاصّة دون الثمرة ؛ لأنّ الزيادة المتّصلة لا تتبع في الطلاق فالثمرة أولى.

ولو باع نخلاً فأثمر عند المشتري ثمّ أفلس بالثمن ، رجع البائع بالنخل ، ولم تتبعه الثمرة عندنا ، لانتفاء موجبه ، وهو عقد البيع.

وللشافعي قولان :

أحدهما : أنّها تتبع ؛ لأنّ ملكه زال عن الأصل ، فوجب أن تتبعه‌

____________________

(١) نقله السبكي أيضاً في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.

٧٨

الثمرة ، كما لو زال بالبيع.

والثاني : لا تتبعه ؛ لأنّه رجع إليه بغير عقد معاوضة ، فلم يتبعه الطلع ، كما لو طلّق امرأته(١) (٢) .

وكذا لو وهب نخلة فيها طلع غير مؤبَّر ، لم يتبع الطلع الأصلَ ، وكان باقياً على ملك الواهب، سواء كان بمعاوضة أو لا.

وللشافعي القولان(٣) السابقان.

ولو رجع في الهبة بعد الطلع قبل التأبير ، لم يدخل الطلع في الرجوع.

وللشافعي القولان(٤) .

ولو رهن نخلاً قد أطلع قبل أن يؤبَّر ، لم يدخل في الرهن ؛ اقتصاراً على ما يتناوله اللفظ. ولأنّ الرهن لا يزيل الملك ، فلا يستتبع الثمرة.

وهو جديد الشافعي. وقال في القديم : يدخل(٥) .

مسالة ٥٩٦ : لو كانت الثمرة مؤبَّرةً ، فهي للبائع‌ ، فإن تجدّدت اُخرى في تلك النخلة ، فهي له أيضاً ، وإن كان في غيرها ، فللمشتري ، فإن لم تتميّزا ، فهُما شريكان ، فإن لم يعلما قدر ما لكلٍّ منهما ، اصطلحا ، ولا فسخ ؛ لإمكان التسليم.

وكذا لو اشترى طعاماً فامتزج بطعام البائع قبل القبض ، وله الفسخ.

ولو باع أرضاً وفيها زرع أو بذر ، فهو للبائع ، فإن شرطه المشتري‌

____________________

(١) نقله السبكي أيضاً في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.

(٢) وردت العبارة في « س ، ي » والطبعة الحجريّة هكذا : « ولو باع نخلاً فأثمرت ولم تتبعها الثمرة أنّه يتبع فوجب أن تتبعها الثمرة والثاني : لا تتبعها » والصحيح ما أثبتناه.

(٣ - ٥ ) كما في تكملة المجموع ١١ : ٣٤٥.

٧٩

لنفسه ، صحّ ، ولا تضرّ الجهالة ؛ لأنّه بائع.

وللبائع التبقية إلى حين الحصاد مجّاناً. فإن قلعه ليزرع غيره ، لم يكن له ذلك ، سواء قصرت مدّة الثاني عن الأوّل أو لا.

ولو كان للزرع أصل ثابت يجزّ مرّة بعد اُخرى ، فعلى البائع تفريغ الأرض منه بعد الجزّة الاُولى. ويحتمل الصبر حتى يستقلع.

ولا تدخل المعادن في البيع إلّا مع الشرط.

ولو(١) لم يعلم بها البائع وقلنا بالدخول مع الإطلاق ، تخيّر بين الفسخ والإمضاء في الجميع.

ويدخل في الأرض البئر والعين وماؤهما على ما قلناه.

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : « فلو ».

٨٠

٨١

المقصد السابع : في التحالف‌

ومطالبه ثلاثة :

الأوّل : في سببه.

مسالة ٥٩٧ : إنّما يقع التحالف إذا اختلفا واشتمل كلام كلٍّ من المتبايعين على دعوى ينفيها صاحبه ولا بيّنة هناك ، وذلك مثل أن يدّعي أنّه باع عليه هذا العبد بألف ، فيقول المشتري : ما بعتني العبد ، بل بعتني هذه الجارية بألف ، فكلّ واحد منهما مُدّعٍ لما ينكره الآخر ، وكلٌّ منهما منكر لما يدّعيه الآخر ، والمنكر يتوجّه(١) عليه اليمين ، فيحلف كلٌّ منهما بيمينه(٢) على نفي ما ادّعاه الآخر ، فيحلف المشتري أنّه ما باعه هذا العبد ، ويحلف البائع أنّه لم يبعه هذه الجارية ، ويحكم ببطلان العقدين معاً.

ولا فرق بين أن يكون الثمن معيّناً أو في الذمّة.

وقال الشافعي : إن كان الثمن معيّناً ، تحالفا ، كما لو اختلفا في جنس الثمن. وإن كان في الذمّة ، فوجهان ، أحدهما : أنّهما يتحالفان أيضاً ، كما لو كان معيّناً. والثاني : أنّه لا تحالف ، لأنّ المبيع مختلف فيه ، والثمن ليس بمعيّن حتى يربط به العقد(٣) .

مسالة ٥٩٨ : ولو قال الزوج : أصدقتكِ أباكِ‌ ، فقالت : بل اُمّي ، حلف‌

____________________

(١) في الطبعة الحجريّة : « لمـّا يتوجّه ».

(٢) في « س ، ي » : « يمينه ».

(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.

٨٢

كلّ واحد منهما(١) على نفي ما يدّعيه صاحبه ، ولم يجمع أحدهما في اليمين بين النفي والإثبات ، ولا يتعلّق بيمينهما فسخ ولا انفساخ ، بل يثبت مهر المثل.

وللشافعي قولان :

أحدهما : التحالف ، فيجمع كلٌّ منهما في يمينه بين النفي والإثبات.

والآخر : لا تحالف ، بل يحلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر ، ولا يجمع بين النفي والإثبات في يمينه ، ولا يتعلّق بيمينهما فسخ ولا انفساخ(٢) .

مسالة ٥٩٩ : لو أقام مدّعي بيع العبد البيّنةَ على دعواه‌ ، وأقام مشتري الجارية البيّنةَ على دعواه ، فإن أمكن الجمع بينهما بأن يكون الثمن مطلقاً غير معيّن والزمان متعدّد ، حكم بهما معاً ، ويثبت(٣) العقدان ، ولا يمين هنا.

وإن لم يمكن إمّا بأن يكون الثمن واحداً معيّنا ، أو اتّحد الزمان بحيث لا يمكن الجمع بين العقدين ، تعارضتا ، وسيأتي حكم تعارض البيّنتين.

وقال الشافعي : إذا أقام كلٌّ منهما بيّنة على ما ذكره ، سلّمت الجارية للمشتري ، وأمّا العبد فقد أقرّ البائع ببيعه ، وقامت البيّنة عليه ، فإن كان في يد المشتري ، اُقرّ عنده. وإن كان في يد البائع ، فوجهان :

____________________

(١) في « س » : « حلف كلٌّ منهما ».

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦.

(٣) في « س ، ي » : « ثبت ».

٨٣

أحدهما : أنّه يسلّم إلى المشتري ، ويُجبر على قبوله.

والثاني : لا يُجبر ؛ لأنّه ينكر ملكه فيه ، فعلى هذا يقبضه الحاكم ، وينفق عليه من كسبه. وإن لم يكن له كسب ورأى الحظّ في بيعه وحفظ ثمنه ، فعل(١) .

مسالة ٦٠٠ : لو اختلفا في قدر الثمن خاصّةً‌ ، فقال البائع : بعتك هذا بمائة ، فيقول المشتري : بخمسين ، فإن كان لأحدهما بيّنة ، قضي بها.

وإن أقام كلّ واحد منهما بيّنةً على ما يقوله ، سمعنا بيّنة مَنْ لا يكون القول قوله مع اليمين وعدم البيّنة.

وعند الشافعي تسمع البيّنتان معا من حيث إنّ كلّ واحد منهما مدّع. وحينئذ قولان : إمّا التساقط ، فكأنّه لا بيّنة ، وإمّا التوقّف إلى ظهور الحال(٢) .

فإن لم يكن لواحدٍ منهما بيّنة ، قال أكثر علمائنا(٣) : إن كانت السلعة قائمةً ، فالقول قول البائع مع يمينه. وإن كانت تالفةً ، فالقول قول المشتري مع يمينه ؛ لأنّ المشتري مع قيام السلعة يكون مدّعياً لتملّكها وانتقالها إليه بما ادّعاه من العوض ، والبائع ينكره ، وأمّا بعد التلف فالبائع يدّعي على المشتري مالاً في ذمّته ، والمشتري ينكره ، فيقدّم قوله.

ولما روي عن الصادقعليه‌السلام أنّه قال في الرجل يبيع الشي‌ء فيقول المشتري : هو بكذا وكذا بأقلّ ممّا قال البائع ، قال : « القول قول البائع مع‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٥ - ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١.

(٣) منهم : الشيخ الطوسي في الخلاف ٣ : ١٤٧ ، المسألة ٢٣٦ ، والمبسوط ٢ : ١٤٦ ، والنهاية ونكتها ٢ : ١٤٢ - ١٤٤ ، والقاضي ابن البرّاج في جواهر الفقه : ٥٧ ، المسألة ٢٠٩.

٨٤

يمينه إذا كان الشي‌ء قائماً بعينه »(١) وهو يدلّ بالمفهوم على أنّه إذا لم يكن قائما بعينه ، يكون القول قول المشتري.

وقال بعض(٢) علمائنا - ولا بأس به - : القول قول البائع إن كانت السلعة في يده ، وقول المشتري إن كانت السلعة في يده.

وقال الشافعي : يتحالفان ، سواء كانت السلعة قائمةً أو تالفةً - وبه قال محمّد بن الحسن وأحمد في إحدى الروايتين - لما روى ابن مسعود أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع ، والمبتاع بالخيار »(٣) ومعنى ذلك أنّ القول قوله مع يمينه ، والمبتاع بالخيار إن شاء أخذ بما قال ، وإن شاء حلف ، وإنّما ذكر البائع ؛ لأنّه يبدأ بيمينه.

ولأنّهما اختلفا في العقد القائم بينهما ، وليس معهما بيّنة ، فتحالفا ، كما لو كانت السلعة قائمةً. ولأنّ البائع مُدّعٍ زيادةَ الثمن ، ومدّعى عليه في تملّك السلعة بالأقلّ ، والمشتري بالعكس ، فكلٌّ منهما مُدّعٍ منكرٌ(٤) .

ونمنع دلالة الخبر على المطلوب والعموم ؛ إذ ليس كلّ اختلاف يقع من المتبايعين يكون هذا حكمه ، فلِمَ قُلتم : إنّ صورة النزاع منه؟ ولِمَ قُلتم : إنّ المبتاع يتخيّر بين الأخذ بقوله والحلف؟ ولِمَ لا يجوز أن يكون الخيار له في أن يحلفه أو يعفو عنه؟ ولا نسلّم اختلافهما في العقد ،

____________________

(١) الكافي ٥ : ١٧٤ ( باب إذا اختلف البائع والمشتري ) الحديث ١ ، الفقيه ٣ : ١٧١ ، ٧٦٥ ، التهذيب ٧ : ٢٣٠ / ١٠٠١.

(٢) كابن الجنيد وأبي الصلاح الحلبي وابن إدريس ، اُنظر : السرائر ٢ : ٢٨٢ - ٢٨٣.

(٣) سنن الترمذي ٣ : ٥٧٠ / ١٢٧٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٥.

(٤) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٦ / ١٢٠٣ ، المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٣٠ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.

٨٥

بل في الثمن.

ونمنع ثبوت حكم الأصل ؛ فإنّا قد بيّنّا أنّ مع قيام السلعة يكون القول قول البائع مع يمينه من غير تحالف.

وقال أبو حنيفة وأبو يوسف : إن كانت السلعة قائمة بحالها ، تحالفا. وإن كانت تالفةً ، لم يتحالفا - وهو الرواية الاُخرى عن أحمد - لأنّ القياس يقتضي أن يكون القول قول المشتري ؛ لاتّفاقهما على عقدٍ صحيح ، ثمّ البائع يدّعي زيادةً ينكرها المشتري ، فيقدّم قوله مع اليمين ، إلّا أنّا تركناه في حال قيام السلعة ؛ لما روى ابن مسعود عن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة ولا بيّنة لأحدهما تحالفا »(١) وبقي الباقي على حكم القياس ، وهو أنّهما قد اتّفقا على انتقال الملك إلى المشتري واختلفا فيما يجب عليه ، فالبائع يدّعي زيادةً ينكرها المشتري(٢) .

أجاب الشافعيّة بمنع اقتضاء القياس تقديم قول المشتري ؛ لأنّ كلّ واحدٍ منهما مُدّعٍ ومدّعى عليه ؛ لأنّ البائع يدّعي العقد بألفين ، والمشتري يدّعي العقد بألف ، وهنا عقدان مختلفان ، والخبر لم يذكر فيه التحالف ولا في شي‌ء من الأخبار. وعلى أنّ التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة ، يمكن معرفة ثمنها في العرف ، ويتعذّر ذلك إذا تلفت ، وكان البيّنة مقدّماً على الدليل(٣) .

____________________

(١) أورده ابنا قدامة في المغني ٤ : ٢٨٨ ، والشرح الكبير ٤ : ١١٨.

(٢) المبسوط - للسرخسي - ١٣ : ٢٩ و ٣٠ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٦ ، ١٢٠٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٩ - ٢٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٩ - ١٢٠.

(٣) اُنظر : العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦.

٨٦

وعن مالك ثلاث روايات : إحداها كقول الشافعي. والثانية كقول أبي حنيفة. والثالثة : إن كان قبل القبض ، تحالفا. وإن كان بعد القبض ، فالقول قول المشتري ، لأنّ بعد القبض صار جانب المشتري أقوى من جانب البائع ، لأنّه لمـّا دفع إليه السلعة ائتمنه عليها ولم يتوثّق منه ، فكان القول قوله(١) .

وليس بصحيح ؛ لأنّ اليد لا تقويه مع اتّفاقهم على البيع. والتسليم باليد ليس استئمانا ، وإنّما يُقبل قول الأمين إذا أقامه مقام نفسه ، بخلاف صورة النزاع.

وقال زفر وأبو ثور : القول قول المشتري بكلّ حال ؛ لأنّه منكر(٢) . وفيه قوّة.

مسالة ٦٠١ : لو مات المتبايعان واختلف ورثتهما في مقدار الثمن أو المثمن‌ ، فهو كاختلاف المتبايعين عندنا ، فإن كانت السلعة قائمةً ، حلف ورثة البائع. وإن كانت تالفة ، حلف ورثة المشتري.

وكذا قال الشافعي بأنّهما يتحالفان كالمتبايعين ؛ لأنّ ما كان للمورّث ينتقل إلى وارثه(٣) .

وقال أبو حنيفة : إن كان المبيع في يد وارث البائع ، تحالفا. وإن كان‌

____________________

(١) بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٨ - ٣٢٩ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، المغني ٤ : ٢٨٨ و ٢٨٩ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨ و ١١٩.

(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٩ ، بداية المجتهد ٢ : ١٩٢ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.

(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٠ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، مختصر اختلاف العلماء ٣ : ١٢٧ / ١٢٠٤.

٨٧

في يد وارث المشتري ، فالقول قوله مع يمينه ؛ لأنّ القياس عدم التحالف ، فأجزناه مع بقاء السلعة(١) .

مسالة ٦٠٢ : إذا اختلفا في المثمن‌ ، فقال البائع : بعتك هذا العبد بألف ، فقال المشتري : بل بعتني هذا العبد وهذه الجارية بألف ، فالأقرب عندي هنا : تقديم قول البائع ، لأنّ المشتري سلم له استحقاق الألف في ذمّته ، ويدّعي بيع شيئين ، والبائع ينكر أحدهما ، فيقدّم(٢) قوله.

وقال الشافعي : يتحالفان(٣) ، كما تقدّم في مذهبه.

ولو اختلفا في قدر الثمن والمثمن معاً بأن يقول البائع : بعتك هذا العبد بألف ، ويقول المشتري بعتنيه وهذه الجارية بألفين ، فالأقوى عندي هنا : أنّهما يتحالفان - وبه قال الشافعي(٤) - لأنّ هنا دعويان مختلفتان(٥) ، فإذا حلف البائع أنّه ما باعه العبد والجارية بألفين وحلف المشتري أنّه ما باعه العبد وحده بألف ، انفسخ العقدان ، أو فسخه الحاكم.

مسالة ٦٠٣ : لو اختلفا في جنس الثمن بأن قال : بعتك بألف دينار‌ ، فيقول المشتري : بل بألف درهم ، مع اتّفاقهما على عين المبيع ، فالأقرب عندي هنا : التحالف أيضاً ؛ لاتّفاقهما على نقل المبيع ، واختلافهما في جنس العوض ، وأحدهما غير الآخر وغير داخل فيه ، فكلٌّ منهما مُنكر‌

____________________

(١) حلية العلماء ٤ : ٣٣٠ ، فتح العزيز بهامش المجموع ٩ : ١٥٥ ، وفي العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ قد سقط في المنقول عنه بعضُ ما يغيّر المعنى.

(٢) في « س ، ي » : « فقُدّم ».

(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ ، المغني ٤ : ٢٩٠ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢٢.

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١.

(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « مختلفان ». والصحيح ما أثبتناه.

٨٨

مُدّعٍ ، فيتحالفان ، كما قلناه ، فيحلف البائع : ما بعته بألف درهم ، ويحلف المشتري : ما ابتاعه بألف دينار ، وبه قال الشافعي(١) .

ولو اختلفا في بعض صفاته ، قدّم قول منكر زيادة الصفة.

ولو اختلفا في وصفين مختلفين ، تحالفا ، وبه قال الشافعي(٢) .

مسالة ٦٠٤ : لو اختلفا في شرط في العقد كالأجل‌ ، أو اختلفا في قدر الأجل ، أو اختلفا في الخيار وعدمه ، أو قدر مدّته ، أو اختلفا في اشتراط الرهن أو قدره ، أو في الضمان بالمال أو بالعهدة ، قدّم قول منكر ذلك كلّه - وبه قال أبو حنيفة وأحمد(٣) - لأنّ المشتري تمسّك بأصالة العدم ، فيقدّم قوله ، عملاً بأصالة النفي. ولأنّه اختلاف في شرط يلحق بالعقد ، فلم يتحالفا ، كما لو اختلفا في العيب أو شرط البراءة.

وقال الشافعي : يتحالفان في جميع ذلك ؛ عملاً بالقياس ، وهو أنّهما اختلفا في صفة العقد القائم بينهما ، وليس معهما بيّنة ، فيقضى بالتحالف ، كما لو اختلفا في الثمن(٤) .

والقياس عندنا باطل لا يجوز التعويل عليه ، مع أنّ الحكم في الأصل ممنوع على ما تقدّم.

مسالة ٦٠٥ : قد بيّنّا أنّ التحالف يثبت في كلّ موضع يحصل لكلٍّ من المتنازعين أن يكون مدّعياً على الآخر ومنكراً لدعوى الآخر.

____________________

(١و٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٦ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١.

(٣) حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، المغني ٤ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢١.

(٤) الوجيز ١ : ١٥٢ - ١٥٣ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٠ - ٢٣١ ، المغني ٤ : ٢٩١ ، الشرح الكبير ٤ : ١٢١.

٨٩

وقال الشافعي : يجري التحالف في كلّ عقود المعاوضات ، ولا يختصّ بالبيع ، كالسَّلَم والإجارة والمساقاة والقراض والجعالة والصلح عن دم العمد والخلع والصداق والكتابة ؛ طرداً للمعنى. ثمّ في البيع ونحوه ينفسخ العقد بعد التحالف أو يفسخ ويترادّان ، كما سيأتي. أمّا الصلح عن الدم فلا يعود الاستحقاق ، بل أثر التحالف الرجوع إلى الدية [ وكذلك لا يرتدّ ](١) البضع ، ولكن في النكاح ترجع المرأة إلى مهر المثل ، وفي الخلع الزوج(٢) (٣) .

قال الجويني : أيّ معنى للتحالف في القراض؟ مع أنّه جائز وكلّ واحد منهما بسبيل من فسخه بكلّ حال. وأيّد ذلك بأنّ بعض الشافعيّة مَنَع من التحالف في البيع في زمن الخيار ؛ لإمكان الفسخ بسبب الخيار.

ثمّ أجاب بأنّ التحالف ما وُضع للفسخ ، ولكن عُرضت الأيمان رجاء أن ينكل الكاذب ، ويتقرّر العقد بيمين الصادق ، فإذا لم يتّفق ذلك وأصرّا ، فُسخ العقد للضرورة.

والوجه : أنّ في القراض تفصيلاً ، وهو : أنّ التحالف قبل الخوض في العمل لا معنى له ، وأمّا بعده فالنزاع يؤول إلى مقصود من ربح أو اُجرة مثل ، فيتحالفان. والجعالة كالقراض(٤) .

والأصل عندنا ما قدّمناه من الضابط ، وهو التحالف مع ادّعاء كلٍّ منهما‌

____________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في « س » : « ولذلك لا يزيل ». وفي « ي » : « ولذلك يريد ».

وفي الطبعة الحجريّة : « وذلك لا يزيد ». والكلّ غلط ، والصحيح ما أثبتناه.

(٢) أي : وفي الخلع يرجع الزوج إلى مهر المثل.

(٣) الوسيط ٣ : ٢٠٧ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣١ - ٢٣٢.

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٧ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

٩٠

على صاحبه ما ينفيه الآخر. وإن كان الادّعاء من طرفٍ واحد ، حلف المنكر.

مسالة ٦٠٦ : لو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : بل وهبتنيه‌ ، حلف كلّ واحد منهما على نفي ما يدّعيه صاحبه ، وبه قال الشافعي ، وقال : إنّه لا تحالف هنا(١) ، لأنّ التحالف عنده ليس أن يحلف كلّ منهما على نفي دعوى الآخر ، كما قلناه نحن ، بل ما يأتي(٢) .

إذا ثبت هذا ، فإذا حلفا ، كان على مدّعي الهبة ردّه بزوائده ؛ لأنّ البائع إنّما ملّكه العين بزوائدها لو سلم له الثمن.

وقال بعض الشافعيّة : القول قول مدّعي الهبة ؛ لأنّه مالك باتّفاقهما ، وصاحبه يدّعي عليه مالاً ، والأصل براءة ذمّته(٣) .

وقال بعضهم : إنّهما يتحالفان(٤) .

ولو قال : بعتك هذا بألف ، فقال : بل وهبتنيه على الألف ، حلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه صاحبه ، وردّ الألف واستردّ العين.

ولو قال : رهنتكه(٥) على ألف استقرضتها منك ، فقال : بل بعتنيه بألف ، قدّم قول المالك مع يمينه ، وتردّ الألف ، ولا يمين على الآخر ، ولا يكون رهناً ؛ لأنّه لا يدّعيه ، وبذلك قال الشافعي(٦) .

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

(٢) في ص ٩٥ ، المسألة ٦١١.

(٣و٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

(٥) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « وهبتكه » بدل « رهنتكه ». والصحيح ما أثبتناه.

(٦) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٧ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

٩١

مسالة ٦٠٧ : هذا كلّه فيما إذا اتّفقا على وقوع عقدٍ صحيح بينهما‌ ، أمّا لو اختلفا من غير الاتّفاق على عقدٍ صحيح بأن يدّعي أحدهما صحّةَ العقد والآخر فسادَه - كما لو قال : بعتك بألف ، فقال المشتري : بل بألف وزقِّ(١) خمر ، أو قال أحدهما : شرطنا في العقد خياراً مجهولاً أو غيره من الشروط المبطلة ، وأنكر الآخر - فلا تحالف ، ويقدّم قول مدّعي الصحّة - وهو أحد قولي الشافعي(٢) - لأنّ الظاهر من العقود الجارية بين المسلمين الصحّة ، ولهذا يحكم بصحّة البيع لو ادّعى المشتري حرّيّة العبد المبيع ، وقال المالك : بل هو عبد ، تصحيحاً للعقد.

وكذا مَنْ شكّ بعد الصلاة هل ترك ركناً منها أم لا ، فإنّه يحكم بصحّة صلاته بناءً على أصالة الصحّة.

والقول الثاني : أنّه يقدّم قول مَنْ يدّعي فساد العقد مع يمينه ؛ لأنّ الأصل عدم العقد الصحيح وبقاء الملك للمالك ، فصار كما لو اختلفا في أصل البيع(٣) .

ويعارض بأنّ الأصل عدم العقد الفاسد أيضاً ، لكن قد وقع العقد بينهما قطعاً ، والأصل الصحّة.

قال القفّال : الأصل المأخوذ فيمن قال : لفلان عليَّ ألف من ثمن خمر ، هل يؤخذ بأوّل كلامه أم يقبل قوله : من ثمن خمر؟ إن قلنا بالثاني ،

____________________

(١) الزِّقُّ : السقاء ، أو الذي تنقل فيه الخمر. لسان العرب ١٠ : ١٤٣ « زقق ».

(٢) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

(٣) التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٤ ، حلية العلماء ٤ : ٣٣٤ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٨ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٢.

٩٢

فالقول قول مدّعي الفساد. وإن قلنا بالأوّل ، فالقول قول مدّعي الصحّة(١) .

ولو قال : بعتك بألف ، فقال : بل بخمر ، أو بثمن مجهول ، فالقول قول مدّعي الصحّة كما قلنا.

وبعض الشافعيّة قال : إنّ فيه طريقين ، أحدهما : طرد الوجهين. والثاني : القطع بالفساد ، لأنّه لم يقرّ بشي‌ء ملزم(٢) (٣) .

وعلى قول مدّعي الصحّة لو قال : بعتك بألف ، فقال : بل بخمسمائة وزقّ خمر ، وحلف البائع على نفي سبب الفساد ، صدّق فيه ، ويبقى التنازع في قدر الثمن ، فيكون القول قول البائع مع يمينه إن كانت السلعة باقيةً ، وقول المشتري إن كانت تالفةً.

وعند الشافعي يتحالفان(٤) .

مسالة ٦٠٨ : لو اشترى عبداً وسلّمه إلى المشتري‌ ، ثمّ جاءه بعبد ويُريد ردَّه بعيبٍ فيه ، فقال البائع : هذا ليس عبدي الذي ابتعته وقبضته منّي ، وادّعى المشتري أنّه هو ، قدّم قول البائع ؛ لأصالة براءة الذمّة ، والرادّ يريد الفسخ ، والأصل مضيّه على السلامة.

ولو فرض ذلك في السَّلَم أو قال : ليس هذا على الوصف الذي أسلمت إليك ، فيه وجهان للشافعيّة :

أحدهما : أنّ القول قول الـمُسْلَم إليه مع يمينه ، كما أنّ القول قول‌

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩.

(٢) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « لأنّه لم يفسّر بشي‌ء يلتزم ». والظاهر ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز » ونحوه في « التهذيب » للبغوي.

(٣) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، وانظر : التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، وروضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.

٩٣

البائع.

وأصحّهما : أنّ القول قول الـمُسْلَم ؛ لأنّ اشتغال الذمّة بمال السّلم معلوم ، والبراءة غير معلومة.

ويفارق صورة البيع ، لأنّهما اتّفقا على قبض ما ورد عليه الشراء ، وتنازعا في سبب الفسخ ، والأصل استمرار العقد.

والوجهان جاريان في الثمن في الذمّة أنّ القول قول الدافع أو القابض؟(١)

وعن ابن سريج وجه ثالث : الفرق بين ما يمنع صحّة القبض ، وبين العيب الذي لا يمنعها ، فإذا كان الثمن دراهم في الذمّة وفُرض هذا النزاع وكان ما أراد البائع ردّه زيوفاً ولم يكن ورقاً ، فالقول قول البائع ؛ لإنكار أصل القبض الصحيح. وإن كانت ورقاً لكنّها رديئة كخشونة الجوهر أو اضطراب السكّة ، فالقول قول المشتري ، لأنّ أصل القبض قد تحقّق ، ولو رضي به ، لوقع المقبوض عن الاستحقاق(٢) .

ولا يخفى مثل هذا التفصيل في الـمُسْلَم فيه.

ويمكن أن يقال : المعنى الفارق في الـمُسْلَم فيه ظاهر ، لأنّ الاعتياض عنه غير جائز ، لكن في الثمن لو رضي بالمقبوض ، لوقع عن الاستحقاق وإن لم يكن ورقاً إذا كانت له قيمة ؛ لأنّ الاستبدال عن الثمن جائز.

ولو كان الثمن معيّنا ، فهو كالمبيع ، فإذا وقع فيه هذا الاختلاف ، قدّم قول المشتري مع يمينه.

لكن لو كان المعيّن نحاساً لا قيمة له ، فالقول قول الرادّ ؛ لأنّه يدّعي‌

____________________

(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٧٩ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.

٩٤

بقاء ملكه وفساد العقد ، قاله بعض الشافعيّة(١) .

مسالة ٦٠٩ : لو قبض المبيع أو الـمُسْلَم فيه بالكيل أو الوزن ثمّ ادّعى النقصان ، قال أصحابنا : إن كان حاضراً عند الكيل أو الوزن ، لم يلتفت إليه ، وقدّم قول الآخر مع اليمين ، إذ العادة تقضي باستظهاره واحتياطه في القبض. وإن لم يحضرهما ، قدّم قوله مع اليمين ، لأصالة عدم القبض.

وقال الشافعي : إن كان النقصان قدر ما يقع مثله في الكيل والوزن ، قبل ، وإلاّ فقولان :

أحدهما : أنّ القول قول القابض مع يمينه ، لأصالة بقاء حقّه ، وبه قال أبو حنيفة.

والثاني : أنّ القول قول الدافع مع يمينه ؛ لأنّهما اتّفقا على القبض ، والقابض يدّعي الخطأ فيه ، فيحتاج إلى البيّنة ، كما لو اقتسما ثمّ ادّعى أحدهما الخطأ ، يحتاج إلى البيّنة ، وبه قال مالك(٢) .

ويحتمل عندي التفصيل ، وهو أن يقال : إن كان العقد يبطل بعدم القبض ، فالقول قول من يدّعي التمام ، وإلّا قُدّم قول مدّعي النقصان.

ولو اختلف المتبايعان في القبض ، فالقول قول المشتري.

مسالة ٦١٠ : لو باع عصيراً وأقبضه ثمّ وجد خمراً‌ ، فقال البائع : تخمّر في يدك والقبض صحيح ، وقال المشتري : بل سلّمته خمراً والقبض فاسد ، وأمكن الأمران جميعاً ، احتمل تقديم قول البائع ؛ لأصالة عدم الخمريّة ، وبقاء الحلاوة ، وصحّة البيع والقبض ، وبراءة الذمّة. وتقديم قول المشتري ؛ لأصالة عدم القبض الصحيح.

____________________

(١) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٣.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.

٩٥

وللشافعي قولان(١) كهذين الاحتمالين.

والأقوى عندي الأوّل.

ولو قال أحدهما : إنّه كان خمراً عند البيع ، فهو يدّعي فساد العقد والآخر يدّعي صحّته. وقد تقدّم حكمه.

ولو باعه لبناً أو دهناً في ظرف ثمّ وجد فيه فأرة وتنازعا في نجاسته عند القبض أو عند البيع أو بعدهما ، فعندنا قُدّم قول البائع ؛ لأصالة الطهارة.

وللشافعي الوجهان(٢) .

ولو قال المشتري : بعت العبد بشرط أنّه كاتب ، وأنكر البائع ، قُدّم قول البائع ، لأصالة عدم الاشتراط ، وبراءة الذمّة ، كما لو اختلفا في العيب ، وهو أحد وجهي الشافعيّة.

والثاني : أنّهما يتحالفان كما لو اختلفا في الأجل أو الخيار(٣) (٤) .

والأصل ممنوع على ما مرّ.

ولو كان الثمن مؤجّلا فاختلفا في انقضاء الأجل ، فالأصل بقاؤه.

المطلب الثاني : في كيفيّة اليمين.

مسالة ٦١١ : التحالف عند الشافعي أن يحلف كلّ واحد من المتعاقدين على إثبات ما يقوله ونفي ما يقوله صاحبه(٥) .

____________________

(١و٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.

(٣) في « س ، ي » والطبعة الحجريّة : « الجيد » بدل « الخيار » والظاهر ما أثبتناه من « العزيز شرح الوجيز ».

(٤) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٠ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.

(٥) الوسيط ٣ : ٢١٠ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٤.

٩٦

وأمّا نحن فلا نشترط الحلف على الإثبات ، بل يحلف كلٌّ منهما على نفي ما يدّعيه الآخر ، فإذا قال : بعتك هذا العبد بألف ، وقال المشتري : بل بعتني هذه الجارية بألف ولم تبعني العبد ، ولا بيّنة ، حلف البائع أنّه ما باع الجارية ، وحلف المشتري أنّه ما اشترى العبد.

ولا يجب على واحدٍ منهما الجمع بين النفي والإثبات كما قلناه ، خلافاً للشافعي(١) ، ولا يكون هذا تحالفاً ، بل يحلف كلٌّ منهما على النفي.

فإذا حلف البائع : أنّه ما باع الجارية ، بقيت على ملكه كما كانت ، وانتزعها من يد المشتري إن كانت في يده ، وجاز له التصرّف فيها.

وإذا حلف المشتري أنّه ما اشترى العبد ، فإن كان العبد في يده ، لم يكن للبائع مطالبته به ، لأنّه لا يدّعيه. وإن كان في يد البائع ، فإنّه لا يجوز له التصرّف فيه ؛ لأنّه معترف بأنّه للمشتري ، وأنّ ثمنه في ذمّته.

إذا تقرّر هذا ، فإن كان البائع قد قبض الثمن ، فإنّه يردّه على المشتري ، ويأخذ العبد قصاصاً ، ويجوز له بيعه بقدر الثمن. وإن لم يكن قبضه ، أخذ العبدَ قصاصاً أيضاً ، أو باعه بذلك الثمن. ولو زاد الثمن ، فهو مال لا يدّعيه الآن أحد.

مسالة ٦١٢ : الأقرب : انّه يبدأ بيمين من ادّعي عليه أوّلاً‌ ، فإن كان البائع قد ادّعى بيع العبد منه وأنكر المشتري وقال : إنّما اشتريت الجارية ، حلف المشتري على نفي شراء العبد ، ثمّ حلف البائع على نفي شراء الجارية.

وإن كان المشتري قد ادّعى أوّلا ، فقال : إنّي اشتريت هذه الجارية ،

____________________

(١) الوسيط ٣ : ٢١١ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.

٩٧

فقال البائع : لم أبعه الجارية ، بل العبد ، قُدّم يمين البائع ، فإذا حلف على أنّه ما باع الجارية ، حلف المشتري أنّه لم يشتر العبد.

وللشافعي قولان : قال في البيع : إنّه يُبدأ بيمين البائع. وفي السَّلَم :

بالمسلم إليه. وفي الكتابة : بالسيّد(١) . وهذه الأقوال متوافقة.

وقال في الصداق : إنّه يبدأ بالزوج(٢) . وهو يخالف سائر الأقوال السابقة ؛ لأنّ الزوج يشبه المشتري.

وقال في الدعاوي : إنّه إن بدئ بيمين البائع ، خُيّر المشتري. وإن بدئ بيمين المشتري ، خُيّر البائع(٣) . وهذا يشعر بالتسوية والتخيير.

فقال أصحابه : إنّ في ذلك طريقين أظهرهما : أنّ المسألة على ثلاثة أقوال :

أظهرها : أنّ البداءة بالبائع - وبه قال أحمد بن حنبل - لما رووه من قوله ٧ : « فالقول ما قال البائع والمبتاع بالخيار ، أو يتتاركان ، أو يترادّان »(٤) .

ولأنّ جانب البائع أقوى ، فإنّهما إذا تحالفا ، عاد المبيع إليه ، فكان أقوى ، كما أنّ صاحب اليد أقوى من غيره. ولأنّ ملك البائع على الثمن يتمّ‌

____________________

(١و٢) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، الوسيط ٣ : ٢٠٩ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ ، التهذيب - للبغوي - ٣ : ٥٠٥ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١.

(٣) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ ، المهذّب - للشيرازي - ١ : ٣٠٠ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١.

(٤) سنن ابن ماجة ٢ : ٧٣٧ / ٢١٨٦ ، سنن أبي داوُد ٣ : ٢٨٥ / ٣٥١١ ، سنن الترمذي ٣ : ٥٧٠ / ١٢٧٠ ، سنن الدارقطني ٣ : ٢٠ / ٦٣ و ٦٥ ، سنن البيهقي ٥ : ٣٣٢ ، سنن الدارمي ٢ : ٢٥٠ ، مسند أحمد ٢ : ٥٦ / ٤٤٣٠ - ٤٤٣٣ ، المصنّف - لابن أبي شيبة - ٦ : ٢٢٧ / ٨٩٦ و ٨٩٧ ، المعجم الكبير - للطبراني - ٢ : ٢١٥ / ١٠٣٦٥.

٩٨

بالعقد ، وملك المشتري على المبيع لا يتمّ بالعقد.

والثاني : أنّه يبدأ بالمشتري - وبه قال أبو حنيفة - لأنّه مدّعى عليه زيادة ثمن ، والأصل براءة ذمّته عنها ، فاليمين في جنبه أقوى. ولأنّه إذا نكل ، وجب الثمن الذي ادّعاه البائع ، وانفصل الحكم ، وما كان أقرب إلى فصل الحكم بدئ به.

والثالث : أنّه لا يبدأ بيمين أحدهما ، بل يتساويان ؛ فإنّ كلّ واحد منهما مُدّعٍ ومدّعى عليه ، فقد تساويا ، فلا ترجيح. وعلى هذا فوجهان :

أظهرهما : أنّه يتخيّر الحاكم في ذلك ، فيبدأ بيمين من اتّفق.

والثاني : أنّه يقرع بينهما ، كما يقرع بين المتسابقين إلى المباح.

والطريق الثاني : القطع بأنّ البداءة بالبائع قولاً واحداً.

والذي قاله الشافعي في الصداق بأنّ الزوج يجري مجرى البائع ؛ لأنّ البُضْع يكون ملكه بعد فسخ الصداق ، كما يكون المبيع ملك البائع بعد فسخ البيع بالتحالف.

والذي قاله في الدعاوي والبيّنات فإنّما أراد أنّ الحاكم إذا كان يرى ذلك بفعله ، لا أنّه خيّره.

ومَنْ قال بالثاني قطع بأنّ البداءة في اختلاف الزوجين بالزوج ، لـ [وجهين :

أحدهما : ](١) أنّ أثر تحالف الزوجين إنّما يظهر في الصداق دون البُضْع ، والزوج هو الذي ينزل عن الصداق ، فكان كالبائع له.

والثاني : أنّ تقدّم البائع إنّما كان لقوّة جانبه ، لحصول المبيع له بعد‌

____________________

(١) ما بين المعقوفين أضفناه من « العزيز شرح الوجيز » من حيث السياق.

٩٩

التحالف ، وفي النكاح يبقى البُضْع للزوج.

وإذا قدّمنا طريقة إثبات الخلاف ، فإن قدّمنا البائع ، لم يخف مَنْ ينزل منزلته في سائر العقود ، وفي الصداق يأتي وجهان :

أحدهما : أنّ البداءة بالمرأة.

والثاني : أنّ البداءة بالزوج.

وإن قدّمنا المشتري ، فالقياس انعكاس الوجهين(١) .

إذا ثبت هذا ، فإنّ جميع ما ذكرناه للاستحباب - عندهم(٢) - دون الإيجاب.

وأيضاً تقدُّم أحد الجانبين مخصوص بما إذا باع عرضاً بثمن في الذمّة ، فأمّا إذا تبادلا عرضاً بعرض ، فلا وجه إلّا التسوية.

وينبغي أن يخرّج ذلك على أنّ الثمن ما ذا؟ وقد سبق(٣) أنّه الذي تدخل عليه الباء وغير ذلك على ما مضى من الخلاف.

مسالة ٦١٣ : اليمين عندنا واحدة على نفي ما ادّعاه الآخر‌ ، فيحلف البائع أنّه لم يبع بخمسمائة ، ويحلف المشتري أنّه لم يشتر بألف ، لأنّ المدّعي لا يمين عليه ، فكلّ مُدّعٍ منهما لا يحلف على ما ادّعاه ، ويحلف على نفي ما ادّعاه الآخر ثمّ ينفسخ العقدان.

وظاهر قول الشافعي الاكتفاء بيمينٍ واحدة من كلّ واحد من المتعاقدين جامعة بين النفي والإثبات ، فيقول البائع : ما بعت بخمسمائة وإنّما‌

____________________

(١) الحاوي الكبير ٥ : ٣٠٠ - ٣٠١ ، حلية العلماء ٤ : ٣٢٢ - ٣٢٣ ، العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨١ - ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥ ، المغني ٤ : ٢٨٨ ، الشرح الكبير ٤ : ١١٨.

(٢) العزيز شرح الوجيز ٤ : ٣٨٢ ، روضة الطالبين ٣ : ٢٣٥.

(٣) في ج ١٠ ص ١٢٣ - ١٢٤ ، الفرع « د » من المسألة ٦٦ ، وج ١١ ص ٣٩٠ ، المسألة ٥٤٤.

١٠٠

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381