الاقتصاد الإسلامي

الاقتصاد الإسلامي0%

الاقتصاد الإسلامي مؤلف:
تصنيف: فقه استدلالي
الصفحات: 140

الاقتصاد الإسلامي

مؤلف: الشهيد آية الله محمد حسين بهشتي
تصنيف:

الصفحات: 140
المشاهدات: 8352
تحميل: 1702

توضيحات:

الاقتصاد الإسلامي
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 140 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 8352 / تحميل: 1702
الحجم الحجم الحجم
الاقتصاد الإسلامي

الاقتصاد الإسلامي

مؤلف:
العربية

الاقتصاد الإسلامي

تأليف

الشهيد آية الله

محمّد حسين بهشتي

١

هذا الكتاب

نشر إليكترونياً وأخرج فنِّياً برعاية وإشراف

شبكة الإمامين الحسنين (عليهما‌السلام ) للتراث والفكر الإسلامي

بانتظار أن يوفقنا الله تعالى لتصحيح نصه وتقديمه بصورة أفضل في فرصة أخرى قريبة إنشاء الله تعالى.

٢

٣

يسر منظمتنا ان تقدم للقراء الكرام الترجمة العربية لهذا الكتاب القيّم (الاقتصاد الاسلامي) ولا غرو فهو يعبّر عن فكر اصيل، وبحث منطقي سليم، في ابعاد النظرية الاقتصادية الاسلامية، قام به شهيد الثورة الاسلامية المباركة، ومنظّرها المرحوم الدكتور آية اللّه البهشتي.واننا اذ نهيب بقرائنا الأعزة ان يقوموا بالمطالعة الدقيقة له، لنرجو أن يوفقنا اللّه جل وعلا لنشر أمثاله من الكتب المفيدة واللّه الموفق.

٤

مقدمة

بسم اللّه الرحمن الرحيم

ان من أهم الواجبات الملقاة على عاتق المفكرين الملتزمين بالاسلام في الظروف الحالية، اكتشاف طريق الوصول الى معرفة أدق وأوضح لأسس النظام الاسلامي على مختلف الأصعدة التي يواجهها مجتمعنا الاسلامي اليوم، ومن أهم قضايانا الحالية الحاجة الى أكبر قدر ممكن من المعرفة بأسس الاقتصاد الاسلامي. والتحقيق بشأن هذه الأسس ومطالعتها واستخراجها من النصوص الموجودة في بطون الكتب مع انتباه كاف لابعادها المختلفة يحتاج الى اجتماع عدة شرائط في الشخص المحقق، ولا شك أن الشهيد المظلوم آية اللّه البهشتي - أعلى اللّه مقامه - واحد من الوجوه العلمية النادرة ذات المعرفة العميقة بالفقه الاسلامي الأصيل والخبرة الكافية، والتي قامت ومنذ زمن بعيد بالبحث والتحقيق العلميين حول أسس الاقتصاد الاسلامي، وقد شرح نتائج مطالعاته القيمة في كتاباته وأحاديثه ودروسه وخطبه، تلك الشخصية القيمة التي قال عنها امام الامة : «انه مجتهد جامع للشرائط، وقلما وجدتُ أمثاله حتى في الحوزات العلمية».

ان هذه المجموعة التي ننشرها تحت عنوان «الاقتصاد الاسلامي» حصيلة عملية جمع لبعض آثار ذلك الفقيه المفكر، وقد جمعت بجهود بذلها محبوه، ودونت من

٥

قبل مجلس إحياء آثار الشهيد المظلوم آية اللّه البهشتي. وها هي توضع بين أيدي القراء الأعزاء.

والجدير بالذكر، ان اكثر الهوامش الواردة في ذيل الصفحات مستخرجة من نصوص أقوال شهيدنا المظلوم، والتي وردت ضمن هذه المجموعة. وهناك بعض الهوامش التي وردت فيها توضيحات من مجلس الإحياء قد ميزناها بالحرف (م).

مرة أخرى نتقدم بالشكر الى جميع محبي هذا الشهيد العظيم الذين قدموا لنا العون في ابراز آثاره ونشرها، ونسأل اللّه تعالى مزيداً من التوفيق لهم جميعاً.

الملكية في الاسلام

(إن بحث الملكية في الاسلام الذي نقدمه ضمن هذه المجموعة هو عبارة عن محاضرتين ألقاهما الشهيد المظلوم آيه اللّه البهشتي عام ١٩٨٠ م. احداهما في أعضاء الفرع الطلابي للحزب الجمهوري الاسلامي، والاخرى في طلاب مدرسة الامام الصادق (ع) في قم).

تعريف الملكية

«الملكية» علاقة اجتماعية اعتبارية تعاقدية بين شخص أو مجموعة أشخاص، وبين شيء ما، تدل على شرعية تصرف المالك بملكه، وتعطيه الحق في منع الآخرين من التصرف به. وهذه الشرعية نسبية ومتغيرة، وتتفاوت في الأنظمة الاجتماعية المختلفة، وليست الملكية مسألة عينية فيزيائية بل هي مسألة عينية اجتماعية، والعينية الفيزيائية تعني كون الشيء ذا حقيقة واقعة حتى لو لم يكن هناك أي ذهن وصاحب ذهن، ولا أي انسان أو حيوان أو ملَكٍ، ولا أي صاحب ادراك ووعي. فالشجرة موجودة مثلاً على جانب الطريق، وعلى هذا فان

٦

٧

وجود الشجرة على جانب الطريق حقيقة فيزيائية وطبيعية وخارجية(١) ، سواء كان هناك متصور في هذا العالم أو لم يكن، فان هذه المسألة حقيقة خارجية وعينية.

والحقائق الاعتبارية التي تشكل عامة الحقائق الاجتماعية عبارة عن أشياء ذات حقيقة واقعة ولكن شريطة وجود من يعطيها الاعتبار، ووجود أصحاب أذهان في العالم، والملكية أيضاً من هذا النوع من الحقائق، وكذلك الوجوب التكليفي (وليس الوجوب الوجودي) أي الأحكام الواجبة والمحرَّمة، والمستحبة والمكروهة والمباحة، التي هي احكام تكليفية من هذا النوع أيضاً، فلو لم يكن في العالم أي صاحب ذهن لما تحقق أي وجوب، والأحكام الوضعية التي تتنزع من الأحكام التكليفية ثم تكون موضوعاً لمجموعة اُخرى من الأحكام التكليفية هي من هذا النوع أيضاً.

فاذا قيل إن هذا الكتاب لفلان فان ذلك يكون حين يوجد اعتبار اجتماعي، وفي هذه الحال يصبح موضوع الحكم تكليفياً يقضي بعدم استعمال هذا الكتاب إلا برخصة من فلان.

والملكية مسألة اعتبارية تبرز في الحياة الاجتماعية، فلو كان في العالم انسان واحد فقط لما توفرت له أرضية الفكرة التي تجعله يقول : «إنني أملك شيئاً ما» ولكن حين يعيش الناس مع بعضهم تبرز بينهم مجموعة من الأمور المتفق عليها. ولا يجب هنا أن يجلس شخصان أو مجموعتان ليبرما بينهما اتفاقاً بهذا الشأن، بل إن الاتفاقات تحدث من ذاتها أحياناً.

والملكية علاقة اعتبارية واجتماعية وتعاقدية بين المالك وملكه، وقد يكون المالك شخصاً أو مجموعة أشخاص. ولنأخذ مثلاً كتاباً يتعلق الآن بشخص معين فهناك علاقة بين هذا الشخص وذلك الكتاب وهذه العلاقة ستتبدل بعد موت الشخص الى علاقة جماعية أي ان ما كان ملكاً لذلك يصير ملكاً لمجموعة تتألف من الزوجة والأبناء والأب والأم وغيرهم، وقد تتفق مجموعة من الناس على شراء شيء معين فيكون مشتركاً بينهم، وهناك أشياء يملكها المجتمع والأمة. وهذه العلاقة تبين أن للمالك حق التصرف بملكه بمختلف الأشكال، ويحق له أيضاً أن

____________________

(١) اننا اذا استعملنا هذه المترادفات الثلاث فذلك لمجاراة لغة العصر، ولا ينافي ذلك مسألتنا، فالخارجية والفيزيائية في نظرنا تعنيان العام والخاص المطلقين، ولا اشكال في استعمالهما معاً.

٨

يمنع الآخرين من التصرف به، أي أنها تبين شرعية هذا الأمر، وهذه الشرعية نسبية وتتفاوت بين المجتمعات المختلفة والموارد المختلفة، ففي بعض الانظمة يتحدّد حق تصرف الانسان بملكه - مع كونه مالكاً له -، ويتحدد كذلك حقه في منع الآخرين من التصرف. ومن الطبيعي أن الصفة الأولية في الملكية تتمثل في أنها تعطي للمالك حقاً مطلقاً في التصرف، ولكن هناك تحديدات لهذا الحق في الأنظمة المختلفة.

تعريف المال والملك

«الملك» هو الشيء الذي يملكه الانسان، ويأتي بمعنى «المملوك». اما «المال» فهو ذلك الشيء الذي يكون لدى الانسان ذا قيمة استهلاكية مباشرة أو غير مباشرة.

تعريف القيمة الاستهلاكية

إن أي شيء أو عمل يستفيد منه الانسان (أي يمكنه أن يؤمن - بصورة مباشرة أو غير مباشرة - إحدى رغباته وحاجاته) فهو يملك بالنسبة له قيمة استهلاكية أي (قابلية للاستهلاك)(١) . وتجب معرفة القيمة الاستهلاكية وفق ما تحمله من معنى واسع في علم الاقتصاد، والطريف أن علاقة المال بالقيمة الاستهلاكية قد وردت في كتبنا الفقهية، ومع أنها لم تذكر مصطلح «القيمة الاستهلاكية» ولكن معنى هذا المصطلح قد ورد فيها، إذ جاء في كتاب اللمعة حول شرائط المبيع ما يلي: «يشترط كون المبيع مما يُملَكُ، أي يقبل الملك شرعاً، فلا يصح بيع الحُرِّ، وما لا نفع فيه غالباً كالحشرات»(٢) .

وكذلك نشاهد فيما يلي أن البحث يدور حول ما لا ربح فيه على الأغلب،

____________________

(١) فمثلاً : للحنطة والتفاح واللحم والحليب والجلود والقطن والصوف وباقة الزهور قيمة استهلاكية لدى الانسان، وحين يكون الحديث عن الاستهلاك لا ينبغي التفكير فوراً بالأكل، فالمقصود بالاستهلاك هنا أوسع من ذلك، وعليه فان لكلٍّ من باقة الورد أو اللوحة الجميلة أو عمل المعلم وخدمات الطبيب أو الحلاق أو البائع المتجول وبشكل عام لجميع الخدمات قيمة استهلاكية بالنسبة لنا.

(٢) شرح اللمعة، الجزء الاول، ص ٣١٨، كتاب المتاجر.

٩

إذ أن الشيخ الانصاري (رحمة اللّه عليه الذي يعتبر بحق من الوجوه اللامعة في القرون الماضية من حيث قدرته على التحليل وسلامة تفكيره الفقهي) قد طرح هذا الموضوع بشكل أدق في كتاب المكاسب بقوله :

«القول في شرائط العوضين : يشترط في كل منهما كونه متموّلاً لأن البيع لغةً، مبادلة مال بمال. وقد احترزوا بهذا الشرط عما لا ينتفع به منفعة مقصودة للعقلاء ومحلّله في الشرع لأن الاول ليس بمال عرفاً كالخنافس والديدان والنحل، فإنه يصح عرفاً سلب المصرف لها، ونفى الفائدة عنها، والثاني ليس بمال شرعاً كالخمر والخنزير»(١) .

واذا وجدت في الكتابات الاقتصادية المعاصرة حول الأمور الاقتصادية الاسلامية موضوعاً باسم ربح القيمة الاستهلاكية ( Utility ) فعليك أن تعلم أن هذا المعنى لم يخلق حديثاً، بل هو تصور عرفي وعام يتبادر حتى الى أذهان الفقهاء في بحث الاقتصاد من كتبنا الفقهية، إذ يطرحونه هناك، ومع أن طريقة البحث مختلفة لديهم فان أصل الفكرة والتصور موجود(٢) .

واننا اذا طرحنا في بداية هذا البحث مسألة الملك والمال فذلك لأننا سوف نحتاج اليهما في البحوث القادمة، وكذلك لمعرفة العلاقة بين المال ومصطلح القيمة الاستهلاكية الذي يطرح في الاقتصاد الحديث.

____________________

(١) المكاسب، ص ١٦١.

(٢) وهناك مسألة طريقة أخرى يطرحها الشيخ هنا نقلاً عن الفقهاء السابقين وهي عبارة عن سؤال يقول : هل ان الملك والمال عام وخاص مطلقان أم هما عام وخاص من وجه معين، وهل هما متساويان أم متباينان ؟ وهو يستنبط أنهما عام وخاص من وجه معين، وفي بحثه هذا مسائل طريفة جديرة بالمطالعة.

١٠

ملكية اللّه ومصدرها

ان منطق الفطرة يتقبل أنَّ لخالق شيءٍ ما حق التصرف فيه، وعلى هذا الأساس يعتبر اللّه مالكاً للعالم لأنه هو الذي منحه الوجود. وبتعبير آخر : إن ملكية اللّه لجميع العالم مسألة مطابقة للمنطق الفطري :( قالوا اتخذ اللّه ولداً سبحانه هو الغني، له ما في السموات وما في الارض ان عندكم من سلطان بهذا، أتقولون على اللّه ما لا تعلمون ) (٣) .

____________________

(٣) يونس : ٦٨.

١١

وقد وردت في القرآن العبارتان «له» و«لِلّه» كثيراً، وسبب اختيار هذه الآية يكمن في اعتبار ما قبلها، وقوله : «قالوا اتخذ اللّه ولداً» جاء بمعنى أنه لا يملك شيئاً الآن بل انه سوف يملكه، فتكون الاجابة : «هو الغني» أي أنه يملك كل شيء، ولأجل تبيان هذا الكل من الاشياء يقول : «له ما في السموات وما في الارض» فالآية تتحدث عن ملكية اللّه للعالم بمعناها الاجتماعي الذي يدور في أذهاننا، وهناك آيات كثيرة أخرى في القرآن في هذا المجال.

ان ملكية اللّه للعالم ذات مصدر حقيقي ولكن هذه الملكية نفسها مسألة اعتبارية، بمعنى أنه ما لم يكن هناك بشر، وما لم تكن علاقة الملكية هذه التي تكتسب معناها وتتحقق عادة من الحياة الاجتماعية للبشر، فلن يفكر الذهن بملكية اللّه، ولن يتحقق هذا الاعتبار لدينا(١) . ومن الطبيعي أنه حين يقال : إن اللّه مالك السموات والأرض فلن تكون هناك حاجة لسند أو بيِّنة، فمصدر الملكية بالنسبة له مسألة حقيقية وليست مسألة تعاقدية، ولهذا فهي من الأمور الفطرية. فلو آمن شخص باللّه معتبراً إيّاه خالق السماء والأرض، فلن يشك بعد ذلك في اعتباره مالكاً، بيده جميع الصلاحيات، وله جميع أنواع حق التصرف.(٢) وعليه فان مصدر ملكية اللّه يكمن في إبداعه ومنحه الوجود ولا حاجة به الى مصدر آخر.

____________________

(١) ان هذه المسألة تشبه قولنا : ان اللّه يتكلم، فمع أن اللّه يتكلم ولم يوجد أساساً أي مستمع فلن تكون لصفة اللّه هذه أرضية، وبتعبير آخر ان اقل ما يقال ان التكلم ليس من الصفات الموجودة في مرحلة ذات اللّه وما لم يكن هناك سامع (سواء كان ذلك السامع السماء والأرض أو الملائكة والناس) فلن يكون للتكلم معنى في مرحلة الذات الالهية.

(٢) بيده ملكوت كل شيء (المؤمنون : ٨٨، يس : ٨٣) بيده الملك (الملك : ١).

١٢

حدود ملكية اللّه

ان ملكية اللّه تعالى للعالم لا حدّ لها، وحيث أن اللّه تعالى مصدر وجود جميع الأشياء فان ملكيته للعالم كله ملكية مطلقة وبلا أي نوع من الحدود.

ملكية الانسان ومصدرها وحدودها

في الانظمة الاجتماعية المختلفة اعتبار للملكية بين الانسان وبعض الأشياء، وقد طرحت في كُلٍّ من هذه الأنظمة ملكية الفرد أو المجتمع بالنسبة

١٣

للأشياء بشكل من الأشكال.(١)

____________________

(١) حتى أننا نرى في الأنظمة المطبقة في الدول التي تسمى بالماركسية كالاتحاد السوفياتي أن الناس يملكون الملابس والسيارات والمساكن وحتى حدائق صغيرة لزراعة الخضروات والمحاصيل الزراعية البيتية وغير ذلك، وفي تطبيق الاشتراكية تطبيقاً كاملاً تطرح الملكية كملكية جماعية في الأقل وذلك يعني أن أصل معنى الملكية مطروح هناك.

١٤

مصادر ملكية الانسان

ألف - العمل المنتج والمبدع

إن منطق الفطرة يحكم لصانع شيء ما بحق التصرف فيه ويعتبره مالكاً له، وعليه فحين يصنع الانسان شيئاً بعمله المبدع والمنتج فإنه يكتسب حق التصرف فيه ذاتياً، ويعدّ مالكاً له(٢) ، ولا ريب أن الانسان قادر على الايجاد والإبداع، وإليكم بعض الأمثلة على ذلك :

المثال الأول : لو أردتَ ارتداء بعض الملابس فمن المؤكد أنك لن تستطيع إعدادها عن طريق الذهاب الى مزرعة القطن ومن أجل أن يتحول القطن الى ملابس لا بد من أن تجرى عليه أعمال الغزل والنسيج والخياطة، ولكل من هذه الأعمال إبداع خاص به، وهذا يعني أن يخلق من ذلك القطن شيء يمتلك قيمة استهلاكية جديدة لم تكن موجودة فيه قبل ذلك.

المثال الثاني : حين تذهب لشراء بعض الكتب من محل بيعها ثم تريد أن تنقلها الى منزلك أو الى غرفتك في المدرسة، ولأجل أن لا تنفرط من يدك فتسقط الى الأرض وتتلف، تطلب قطعة من الخيط لتحزمها به، ولو أعطوك في هذه الحالة شيئاً من القطن لهذا الغرض فانه لا ينفع في حزم الكتب أي ان القطن لا يملك هذه القيمة الاستهلاكية، فمن ذا الذي يخلق في القطن هذه القيمة الاستهلاكية ليصبح خيطاً قوياً ينفع في حزم الكتب ؟ انه الغازل الذي يغزل القطن فيخلق له قيمة استهلاكية جديدة.

المثال الثالث : لو أعطوك لفافة من هذه الخيوط التي تنفع للحزم فهل يمكنها أن تكون لباساً تلبسه ؟ كلا، إذاً يجب توفر نسّاج يخلق فيه قيمة

____________________

(٢) اننا لا نبحث الآن في حدود هذه المسألة، اذ ان اللّه الذي يخلق بصورة مطلقة له الملكية المطلقة، والانسان الذي يخلق بشكل نسبي ملكيته نسبية أيضاً.

١٥

استهلاكية جديدة ويحوله الى قماش، ولكي يصبح لباساً لا بد من خيّاط يخلق فيه قيمة استهلاكية ثالثة، وعلى هذا الأساس وحين كان الابداع يمثل المصدر الطبيعي لاعتبار الملكية، فان كل من يملك هذا الابداع له الملكية أيضاً (في حدود الابداع هذا)، اذن ليس كل عمل مصدراً للملكية، بل إن العمل الذي يكون مصدراً لها هو ذلك العمل المبدع والمنتج، أي الذي يحدث قيمة استهلاكية جديدة.

المثال الرابع : لو مزقت قطعة من الورق فهل أنجزت عملاً يكون مصدراً للملكية ؟ في هذه الحالة مع أن هناك عملاً قد أنجز على مادة طبيعية ولكن هذا العمل لا يمكنه أن يكون مصدراً للملكية بل يكون كذلك فيما لو كان أحدنا محتاجاً الى قطع صغيرة من الورق فحينذاك يعطي هذا العمل - أي تمزيق الورقة الكبيرة - للورق قيمة استهلاكية جديدة، ولذلك يمكن القول : انك تملك عملاً ويجب أن تتسلم أجره.

المثال الخامس : حين تعمل من التراب مجموعة من قطع الآجر الخام ثم ترصف بعضها فوق بعض بعد ان تضع الجص بينها لتبني منها غرفة أو كوخاً تكون قد انجزت بذلك عملاً مبدعاً ومنتجاً، لأنك أوجدت قيمة استهلاكية جديدة لم تكن موجودة من قبل، إنك بذلك بنيت كوخاً ينفع للسكن ويؤمن احدى حاجات الانسان.

المثال السادس : انك حين تهدم بيتاً قديماً لتبني مكانه بيتاً جديداً، فإن هدم ذلك البيت الذي لم يكن ينفع للسكن يتسبب في ايجاد قيمة جديدة للأرض، فاذا لم يكن الهدم لهذا الغرض فهل يعطيك أحد أجراً على مجرد هدم البيت ؟ كلا ، وليس ذلك فحسب بل سوف يمنعونك من ذلك أيضاً.

ان الانسان يقدم أحياناً على أعمال غير مبدعة ولا منتجة (أي لا تنتج قيمة استهلاكية جديدة)، فلو أخذت مِعولاً ودمرت به البيت الذي بنيته فانك تنجز عملاً يغير في الطبيعة شكلاً من الاشكال، ولكنه لا يعتبر منتجاً إلا اذا كنت تنوي تحويل البيت الى أرض لتبني عليها بناءً حديثاً.

حدود الملكية الناتجة عن العمل المبدع والمنتج

ان الملكية الناتجة عن عمل الانسان المبدع والمنتج ملكية محدودة وليست مطلقة لأن الانسان يستخدم في كل عمل انتاجي مواد موجودة في الطبيعة، وهي

١٦

مواد لم يكن له دور في خلقها وانتاجها، ولا يمكن انتاج أي شيء دون استخدام المواد الطبيعية. فحتى الذي يغني أو يقرأ شيئاً يجب عليه استخدام الهواء لكي ينتقل صوته الى الآخرين.

في المثال الذي ذكر حول البيت الطيني كان عملك استخدام التراب والماء الموجودين في الطبيعة من أجل صناعة الآجر وبناء البيت، ولكنك لم تنتج الماء والتراب بل أعطيتهما شكلاً جديداً لم يكن موجوداً من قبل، وعلى هذا فانك ستصبح مالكاً للآجر في حدود عملية صنعه وتشكيله، وبعد ان ألصقت قطع الآجر ببعضها بالجص ووضعت بعضها فوق بعض لتصنع حائطاً وتبني منها غرفة وبيتاً، أصبحت مالكاً لذلك البيت، ولكن أصل التراب الموجود في الآجر والبيت ليس نتيجة لانتاجك ولهذا السبب فهو لا يعتبر ملكاً لك أيضاً(١) ، وعلى هذا الاساس فان الملكية الناتجة عن الانتاج والعمل المبدع محدودة بدور ذلك الانتاج والابداع في ايجادها.

استناداً الى ما تقدم، هناك سؤال يقول : هل إن الشخص الذي يصنع الآجر ويبني البيت يعتبر مالكاً لآجره وبيته، أم لا ؟

وهناك مسائل عدة يطرحها هذا السؤال :

١ - هل انك في عملية صنع الآجر وبناء البيت تناولت شيئاً من الطبيعة وأكلته لتكتسب طاقة لصنع الآجر وبناء البيت ؟ وان لم تحصل على الغذاء ولم تكن قادراً على العمل بعد أن سقطت منهوك القوى فهل تستطيع بعد ذلك أن تصنع آجراً وتبني بيتاً ؟

٢ - لنفترض أن هناك مُزارعاً ينثر في الصحراء ثلاثين كيلوغراماً من بذور القمح لتكون بعد ستة أشهر ثلاث مئة كيلوغرام، فلمن هذه الثلاث مئة كيلو من القمح التي أنتجها ؟ قد يقال انها تتعلق بالزارع وحتى لو زرعها في أرض مغصوبة فهي له.(٢) والسؤال هو هل ان هذه الثلاث مئة كيلوغرام هي له حقيقة ؟ فلو لم ينزل المطر، ولم تشرق الشمس، ولم تكن هناك المواد المختلفة التي يجب أخذها

____________________

(١) يستند البحث حتى حذه المرحلة على أساس المنطق الفطري وسوف نطرح فيما بعد كيفية هذه الملكية من وجهة نظر الاسلام.

(٢) الزرع للزارع ولو كان غاصباً.

١٧

من الهواء لتصير حبة القمح عشر حبات، فهل كان هذا الشخص يملك الآن ثلاث مئة كيلوغرام من القمح ؟ وعلى هذا الأساس فإن الارض والمطر والشمس والكاربون المستخلص من الهواء من قبل هذا النبات والبذور وأدوات العمل والعوامل الأخرى كلها شريكة معه، فالغيوم والهواء والضباب والشمس والاملاح تعمل معاً لكي يحصل هذا الشخص ببذر ثلاثين كيلوغراماً من القمح على ثلاث مئة كيلوغرام منه.

٣ - هل ان الانسان الأول الذي خرج من بطن أمه تواً ولم يرث تجربة الزراعة والعمل كان يخطر بباله أن ينثر ثلاثين كيلوغراماً من القمح ليحصد ثلاثة مئة كيلوغرام ؟ ولو لم يتعلم هذا الشخص هذه التجربة من التاريخ والمجتمع فهل كان بعد ذلك يستطيع القيام بهذا العمل ؟ وعلى أساس ذلك لا بد من تعيين حصة للتجربة الاجتماعية أيضاً.

٤ - انكم تتذكرون الحوادث التي وقعت في مدينة كنبد(١) حيث أتلفوا محاصيل القمح في تلك المدينة، فلو لم تكن قوات المحافظة على الأمن موجودة في بداية الموسم الزراعي وأثناءه ونهايته وأثناء الحصاد لأجل المحافظة على الأمن فهل كان يستطيع مثل هذا الشخص انتاج قمحه ؟ اذن هناك عوامل اجتماعية أخرى تؤثر أيضاً في ايجاد هذه الثلاث مئة كيلوغرام من القمح، وعليه فقد توضح أن العمل المنتج والمبدع يكون مصدراً لاعتبار الملكية بحدود معينة، وهذه الحدود بدورها أضيق مما كان يخطر في أذهاننا في البداية.

ان التفكير الاشتراكي يذهب في هذه العملية الحسابية الى أبعد من هذا أيضاً فيدعي أن عمل الانسان المنتج والمبدع لا يعتبر مصدراً لملكيته بل هو مصدر لملكية المجتمع، إذ يقال استناداً الى هذا التفكير ان الماء والتراب والمطر والهواء ملك للمجتمع، وان العمل الذي ينجزه الفرد قد اكتسب تجربته فيه من المجتمع الذي يوفر له الأمن أيضاً، وعلى هذا يمكن القول ان ما ينتجه الفرد ملك للمجتمع لأن الفرد ليس هو الذي ينتج في الحقيقة بل ان المجتمع هو الذي ينتج. هذا هو

____________________

(١) المقصود هنا الحوادث التي وقعت عام ١٩٧٩ م في مدينة كنبد من قبل العناصر المضادة للثورة والتي قامت هذه العناصر خلالها بإشعال الحرائق في مزارع القمح وباقي المحاصيل والمخازن التي جمعت فيها حصيلة جهود الفلاحين والكادحين في تلك المنطقة وذلك من أجل الحاق الضرر بالثورة الاسلامية. (م)

١٨

أحد أسس الفكرة الاشتراكية، وهذا الأساس يتمثل في الملكية الاشتراكية والجماعية التي تقضي بإعطاء الملكية - الناتجة عن العمل المنتج والمبدع - للمجتمع. ولكن التفكير الاشتراكي في هذه المسألة متطرف وخيالي، إذ لا يمكن انكار الدور الخاص لفرد من الناس مهما كان ضعيفاً. ومرد ذلك الى :

أولاً - ان أول إنسان تعلم تجربة الزراعة وجني محصول أكبر من خلال تفسير مشاهداته وتحويلها الى تجربة، يعود إبداعه هذا الى نفسه، إذ لا يمكن للمجتمع أن يكون مبدعاً، بل يستطيع أن يضع تحت تصرف الفرد إمكانيات الإبداع وأدواته. فالقول بأن المجتمع بأجمعه يملك الإبداع، ضرب من ضروب المزاح لا أكثر، فأعمال الابداع عادة تتعلق بفرد أو عدة أفراد يشتركون في إنجاز عمل معين، وليس كل الناس مبدعين ومبتكرين وحتى لو كانوا كذلك فليست ابتكاراتهم من نوع واحد ولا بدرجة متساوية، وعلى هذا الأساس فان كل انسان يملك نصيبه الخاص من هذه الإبداعات.

ثانياً - هل إن الناس على درجة واحدة ومتساوون في استفادتهم من الامكانات والابداعات والتجارب الموروثة ؟ هناك أفراد ضعيفو المزاج، أو كسالى، أو ينتظرون ما هو جاهز، أو ممن يتهربون من العمل، ولو وضعت جميع الامكانيات تحت تصرفهم فإنهم ينتظرون الحصول على غذاء جاهز، وفي مقابل هؤلاء هنالك أفراد يجوبون آفاق السماء والارض من أجل العمل والانتاج، فنسبة الاستفادة من المخلوقات والامكانيات وجميع الأشياء المتوفرة للجميع غير متساوية لدى جميع الأفراد، بل ان لكل فرد خصوصياته وصفاته.

قد يقال إن هذه الخصوصيات لا تخص الفرد نفسه بل إنها تتبع العوامل الطبيعية (كعدم وصول المواد اللازمة الى جسمه في مرحلة الطفولة) والعوامل الاجتماعية (كالتربية الخاطئة وأمثالها). ونحن نسأل هنا : لو جعلت جميع الظروف الطبيعية والاجتماعية لمختلف الناس متساوية فهل سيخلقون جميعاً على نمط واحد وشكل واحد وقالب واحد ؟ أم ان هذه الاختلافات موجودة عادة في طبيعة الانسان(١) ؟ وكيف يا ترى وجدت الازدواجية في صفات الناس منذ اليوم الأول ؟ ولا شك - في نظرنا - في أن الانسان كفرد يملك هوية فردية، ومع أن

____________________

(١) لقد أخذت بنظر الأعتبار في هذه المسألة جميع العوامل الحينية والصحية والغذائية.

١٩

هذه الهوية غير مستقلة عن الطبيعة والمجتمع استقلالاً كاملاً، فان كل فرد يملك بمقدار معين هويته الخاصة.(١)

باء - الحيازة

توجد في الطبيعة كمية من القيم الاستهلاكية التي يحتاج اليها الانسان بصورة جاهزة ولا يحتاج في استهلاكها الى انجاز عمل معين. من أمثلة ذلك :

هناك مناطق تقع على أطراف مدينة قم يتوفر فيها الملح بصورة جاهزة يمكن أن نأخذ منه حاجتنا، أو هناك في الغابات كثير من الفواكه البرية كالبلوط أو بعض الفطريات غير السامة التي يمكن الاستفادة منها كغذاء للانسان، أو مياه الينابيع والأنهار التي تعتبر قيمة استهلاكية جاهزة موجودة في الطبيعة، فما هي علاقة الانسان بهذه القيم الاستهلاكية ؟ فمثلاً لو ذهب شخصان : (أ) و(ب) الى الغابة للحصول على غذاء، ووصلا الى شجرة تفاح كان قد سقط بعض ثمارها على الأرض، فأسرع (أ) والتقط الثمار من على الأرض واستولى عليها وجعلها لنفسه، فهل يستطيع (ب) أن يأخذ هذه الثمار من (أ) ؟ مع الافتراض أن هناك شجرة أخرى من النوع نفسه على مسافة أبعد قليلاً وتحمل ثماراً أيضاً، فهل يحق مع ذلك ل(ب) مطالبة (أ) بحصة من التفاح ؟

تمتاز طريقة بحثنا الآن في أننا نسير وفقاً لمنطق الفطرة. أي ما يسهل على الوجدان الانساني إدراكه وتقبُّله، وفي هذا الافتراض يقتنع الجميع بسهولة بأن ليس ل(ب) مثل هذا الحق، فما هي العلاقة - في هذه الحالة - بين (أ) وهذه المجموعة من التفاح ؟ ولماذا لا يستطيع (ب) مطالبته حتى بتفاحة واحدة ؟ السبب

____________________

(١) هناك ثلاثة أنواع من مناهج التفكير في معرفة الانسان وهي :

أ - اصالة الفرد ( Individualism ) : ويقوم هذا المنهج على أساس الاعتقاد بأن الفرد الانساني موجود مستقلّ استقلالاً تاماً.

ب - اصالة المجتمع (الاشتراكية الفلسفية) في هذا المنهج تعتبر الحقيقة العينية هي مجموع الناس، ولا أصالة هنا للفرد الانساني بل هو مسألة افتراضية. فكل انسان جزء من كل، ولا حقيقة إلا لهذا الكل.

ج - الاصالة المختلطة للفرد والمجتمع والتي لا تعتبر الانسان مستقلاً عن المجتمع مئة في المئة، ولا منصهراً فيه مئة في المئة، بل هو تابع للمجتمع بمقدار معين، والمجتمع أيضاً تابع له بمقدار معين آخر. فالانسان وليد بيئته الطبيعية والاجتماعية، وهو في الوقت نفسه يخلق بيئة طبيعية واجتماعية، وهناك الكثير من الأمور المتعلقة بهذا الصدد لا مجال لبحثها الآن.

٢٠