حياة الامام الحسن بن علي عليهما السلام الجزء ١

حياة الامام الحسن بن علي عليهما السلام7%

حياة الامام الحسن بن علي عليهما السلام مؤلف:
الناشر: دار البلاغة
تصنيف: الإمام الحسن عليه السلام
الصفحات: 530

الجزء ١ الجزء ٢ الجزء ٣
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 213439 / تحميل: 8095
الحجم الحجم الحجم
حياة الامام الحسن بن علي عليهما السلام

حياة الامام الحسن بن علي عليهما السلام الجزء ١

مؤلف:
الناشر: دار البلاغة
العربية

1

2

3

4

5

6

7

8

9

10

11

12

13

14

15

16

17

18

19

20

21

22

23

24

25

26

27

28

29

30

31

32

33

34

35

36

37

38

39

40

41

42

43

44

45

46

47

48

49

50

51

52

53

54

55

56

57

58

59

60

61

62

63

64

65

66

67

68

69

70

71

72

73

74

75

76

77

78

79

80

81

82

83

84

85

86

87

88

89

90

91

92

93

94

95

96

97

98

99

100

101

102

103

104

105

106

107

108

109

110

111

112

113

114

115

116

117

118

119

120

121

122

123

124

125

126

127

128

129

130

131

132

133

134

135

136

137

138

139

140

141

142

143

144

145

146

147

148

149

150

151

152

153

154

155

156

157

158

159

160

161

162

163

164

165

166

167

168

169

170

171

172

173

174

175

176

177

178

179

180

181

182

183

184

185

186

187

188

189

190

191

192

193

194

195

196

197

198

199

200

201

202

203

204

205

206

207

208

209

210

211

212

213

214

215

216

217

218

219

220

221

222

223

224

225

226

227

228

229

230

231

232

233

234

235

236

237

238

239

240

241

242

243

244

245

246

247

248

249

250

251

252

253

254

255

256

257

258

259

260

261

262

263

264

265

266

267

268

269

270

271

272

273

274

275

276

277

278

279

280

281

282

283

284

285

286

287

288

289

290

291

292

293

294

295

296

297

298

299

300

301

302

303

304

305

306

307

308

309

310

311

312

313

314

315

316

317

318

319

320

321

322

323

324

325

326

327

328

329

330

331

332

333

334

335

336

337

338

339

340

341

342

343

344

345

346

347

348

349

350

351

352

353

354

355

356

357

358

359

360

361

362

363

364

365

366

367

368

369

370

371

372

373

374

375

376

377

378

379

380

381

382

383

384

385

386

387

388

389

390

391

392

393

394

395

396

397

398

399

400

فخضبوا من دمه لحاهم

وأمه قائمة تراهم(١)

ولم يجد الامام بعد هذا الاعذار وسيلة سوى الحرب فقال لاصحابه « الآن حل قتالهم وطاب لكم الضراب. »(٢)

اعلان الحرب :

ودعا الامام بعد مقتل سفيره قادة جيشه فأقامهم على أماكنهم ، وعبأ الجنود للحرب وقد رسم لهم خطة تمثلت فيها الفضيلة والرحمة والعدل فقد قال لهم :

« أيها الناس إذا هزمتموهم فلا تجهزوا على جريح ، ولا تقتلوا أسيرا ، ولا تتبعوا موليا ، ولا تطلبوا مدبرا ، ولا تكشفوا عورة ، ولا تمثلوا بقتيل ولا تهتكوا سترا ولا تقربوا من أموالهم إلا ما تجدونه في معسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد او امة ، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله »

واعتلت عائشة جملها المسمى بعسكر ، وقد البسوه المسوح ، وجلود البقر ، وجعلوا دونه اللبود(٣)

ولها القيادة العامة فهي التي تنظم العساكر وتصدر الأوامر ، ووجه جيشها النبل الى معسكر الامام فقتل بعض اصحابه ، فلم يجد بعد ذلك بدا من الحرب فتقلد الامام سيفه ، ودفع الراية الى ولده محمد(٤) وقال للحسن

__________________

(١) مروج الذهب ٢ / ٢٤٦

(٢) الطبري ٥ / ٢٠٤

(٣) اللبود : ـ جمع مفردها اللبد ـ الكساء من الشعر ، وبساط من الشعر.

(٤) محمد بن علي بن ابي طالب الهاشمي المعروف بابن الحنفية ،

٤٠١

والحسين : انما دفعت الراية الى أخيكما وتركتكما لمكانكما من رسول الله وانطلق محمد الى ساحة الوغى بعزم ثابت ونفس جياشة وهو يطلب الظفر والنصر ، ولكن سهام القوم قد مطرت عليه من كل جانب فتريث عن المسير برهة فلم يشعر الا ويد أبيه تدفعه من الخلف وهو يقول له بنبرات تقطر حماسا :

« أدركك عرق من امك! »

ثم خطف الراية من يده وهزها في وجهه وهو يقول له :

اطعن بها طعن أبيك تحمد

لا خير في الحرب إذا لم توقد

بالمشرفي والقنا المسدد

لم يكن موقف محمد خورا وجبنا وانما هو من دهاء القائد المحنك الذي أراد أن يبلغ الغاية بعد أن تنكشف عنه سهام القوم ، ولم يرد أمير المؤمنين بفعله الا ليرى أهل البصرة فى بداية الحرب الحزم والعزم والبسالة لعلهم عن غيهم يرتدعون.

وحمل الامام على القوم وقد رفع العلم بيسراه ، وشهر فى يمينه ذا الفقار الذي حارب به الملحدين والمشركين على عهد رسول الله واليوم يحارب به المارقين من الدين والمنحرفين عن الاسلام ، واحتف به اعلام المهاجرين والانصار فكان العدو أمام بواترهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف

مصرع الزبير :

وخرج أمير المؤمنين حاسرا بين الصفوف فنادى باعلا صوته :

__________________

أمه خولة بنت جعفر الحنفية ، قال ابراهيم بن الجنيد لا نعلم احدا اسند عن علي اكثر ولا اصح مما اسند محمد قال ابو نعيم توفي سنة ثمانين خلاصة تهذيب الكمال ص ٢١.

٤٠٢

« أين الزبير.؟ »

فخرج إليه الزبير وهو شاك في سلاحه فلما رآه اعتنقه وقال له :

ـ يا أبا عبد الله ما جاء بك هاهنا؟؟

ـ جئت أطلب دم عثمان

فرمقه بطرفه وقال له بنبرة المستريب.

ـ تطلب دم عثمان؟!!

ـ نعم

ـ قتل الله من قتل عثمان

واقبل عليه يحدثه برفق ، ويذكره بما نساه قائلا :

« أنشدك الله يا زبير ، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله٦ وهو متّكئ على يدك ، فسلم علي رسول الله وضحك إلي ، ثم التفت إليك فقال لك : يا زبير إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم. »

فاطرق الزبير ، وقد غاض لونه ، وذاب قلبه أسى وحسرات ، وندم على ما فرط من أمره وقال للامام :

ـ اللهم نعم

ـ فعلام تقاتلني؟

ـ نسيتها والله ، ولو ذكرتها ما خرجت إليك ، ولا قاتلتك(١)

ـ ارجع

ـ وكيف ارجع وقد التقت حلقتا البطان ، هذا والله العار الذي لا يغسل؟؟

ـ ارجع قبل أن تجمع العار والنار

__________________

(١) الامامة والسياسة ١ / ٧٣

٤٠٣

فانصرف وهو يقول :

اخترت عارا على نار مؤججة

ما إن يقوم لها خلق من الطين

نادى على بأمر لست أجهله

عار لعمرك في الدنيا وفي الدين

فقلت حسبك من عدل أبا حسن

فبعض هذا الذي قد قلت : يكفيني(١)

وعزم على الانسحاب من هذه الفتنة الا انه أراد أن يخرج منها بسلام فقال لعائشة :

« يا أم المؤمنين إني والله ما وقفت موقفا قط إلا عرفت اين أضع قدمي فيه إلا هذا الموقف؟ فاني لا أدري أمقبل أنا فيه أم مدبر ..؟ »

عرفت عائشة خبيئته ، وما يرومه في حديثه من الانسحاب ، فالتفتت إليه وكانت عارفة بما يثيره وينقض عزيمته فقالت له باستهزاء.

« يا أبا عبد الله خفت سيوف بنى عبد المطلب؟! »

وعاثت هذه السخرية في نفسه ، وزاد في اضطرابه وقلقه وارجاعه الى ساحة التمرد ابنه المشوم عبد الله فقد قال له :

« إنك خرجت على بصيرة ، ولكنك رأيت رايات ابن أبي طالب وعرفت أن تحتها الموت فجبنت؟! »

لقد اتهمه ابنه بالحور والجبن وهو عار وذل ومنقصة عليه فالتفت إليه وقد مشت الرعدة باوصاله فقال له :

ـ ويحك إني قد حلفت له أن لا أقاتله؟

ـ كفر عن يمينك بعتق غلامك سرجس.

فاعتق غلامه(٢) ثم انعطف يجول فى الميدان ليرى عائشة وابنه

__________________

(١) مروج الذهب ٢ / ٢٤٧

(٢) تأريخ الطبري ٥ / ٢٠٠ وجاء فيه ان عبد الرحمن بن سليمان

٤٠٤

شجاعته وبسالته وعدم مبالاته بحتفه ، فشد في الميسرة ، ثم رجع فشد في القلب ، ورجع الى ابنه وقال له :

« ايفعل هذا جبان؟؟ »

ومضى منصرفا حتى أتى ( وادي السباع ) وكان الاحنف بن قيس مع قومه مقيمين فيه ، فقالوا له : هذا الزبير قد اجتاز فقال : ما اصنع بالزبير؟ وقد جمع بين فئتين عظيمتين من الناس يقتل بعضهم بعضا؟ ولحقه نفر من بنى تميم فسبقهم إليه عمرو بن جرموز ، وقد نزل الزبير الى الصلاة فقال : أتؤمنى أو أؤمك؟ فأمه الزبير ، فقتله عمرو بن جرموز وهو فى حال صلاته(١)

لقد كانت النهاية الأخيرة من حياة الزبير مشفوعة بالغدر والخيانة والتمرد على الحق وهو مما يؤسف له ، فله ماضيه الزاهر الحافل بالمكرمات والفضائل فهو صاحب حلف الفضول الذي كان شعاره مناصرة المظلوم فما باله في هذه المرحلة قد تنكر لأمير المؤمنين ونسيى ظلامته ، فقد ابتزت حقه تيم تارة وعدى أخرى وأمية ثالثة ، وقد جاء هو لينتزع منه حقه.

انه مما يؤسف على الزبير أن تكون له هذه النهاية المؤلمة وهو صاحب

__________________

التميمي قال متعجبا من فعل الزبير!!

لم ار كاليوم اخا اخوان

اعجب من مكفر الايمان

بالعتق من معصية الرحمن

وقال رجل آخر من شعرائهم

يعتق مكحولا لصون دينه

كفارة لله عن يمينه

والنكث قد لاح على جبينه

(١) مروج الذهب ٢ / ٢٤٧

٤٠٥

المواقف الكريمة الذي جلى بسيفه الكرب عن وجه رسول الله (ص) ووقف من بعده ، مع أمير المؤمنين يحمي جانبه ويهتف بفضله ويقدمه على غيره فما الذي حداه على الخروج عليه فهل استأثر ابن أبى طالب باموال المسلمين وهل ادخر وفرا لنفسه ولعياله حتى يناجزه ويخرج عليه؟

الاحتفاف بعائشة :

واستطابت الموت واستلذته بعض القبائل العربية في سبيل عائشة فقدموا لها الضحايا والقرابين ، وبالغوا في حمايتها والدفاع عنها وهم :

أ ـ الأزد

وهامت الازد بحب عائشة ، وتفانت في ولائها ، فكانوا يأخذون بعر جملها يشمونه ويقولون : بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك(١) وقد هبوا للدفاع عنها مستميتين ، وقد انطلق شيخ في المعركة يستنجد بهم لما رأى من عظيم ولائهم واخلاصهم لها فقد خاطبهم قائلا :

يا معشر الأزد عليكم امكم

فانها صلاتكم وصومكم

والحرمة العظمى التي تعمكم

فاحضروها جدكم وحزمكم

لا يغلبن سم العدو سمكم

إن العدو إن علاكم زمكم

وخصكم بجوره وعمكم

لا تفضحوا اليوم فداكم قومكم(٢)

واحتفوا بهودجها ، وامسكوا بخطام « عسكرها » فبهرت عائشة وقالت!

ـ من انتم؟

__________________

(١) تأريخ ابن الاثير ٣ / ٩٧

(٢) شرح النهج ١ / ٢٥٤.

٤٠٦

فاخذت تلهب في نفوسهم روح الحماس وتدفعهم الى الموت قائلة :

« إنما يصبر الأحرار ما زلت أرى النصر مع بني ضبة! »

واشعلت هذه الكلمات نار الثورة فى نفوسهم فاندفعوا إلى الموت ، وقاتلوا أشد القتال في سبيلها(١)

ب ـ بنو ضبة

وبنو ضبة من أرذال العرب وأوباشهم ، وكانوا غلاظ القلوب والطباع ، قد أترعت نفوسهم بروح الجاهلية ومساوئها ، وقد وهبوا أرواحهم بسخاء لعائشة ، وأحاطوا بجملها مستميتين وهم يقولون :

يا أمنا يا زوجة النبي

يا زوجة المبارك المهدي

نحن بنو ضبة لا نفر

حتى نرى جماجما تخر

يخر منها العلق المحمر

ووقفوا صامدين حتى قطعت أيديهم وبدرت رءوسهم ، واتخذوا في ذلك اليوم دم عثمان شعارا لهم فكانوا يقاتلون اعنف القتال وأشده وشاعرهم يرتجز ويقول :

نحن بنو ضبة أصحاب الجمل

ننازل القرن اذا القرن نزل

والقتل اشهى عندنا من العسل

نبغي ابن عفان بأطراف الأسل

ردوا علينا شيخنا ثم بجل

وقتل حول خطامها اربعون رجلا منهم ، وكانت عائشة تقول : ما زال جملي معتدلا حتى فقدت اصوات بني ضبة.

ج ـ بنو ناجية

__________________

(١) شرح النهج ٢ / ٨١

٤٠٧

ومن القبائل التي فتنت بحب عائشة بنو ناجية ، فقد انطلقوا الى ساحة الموت في سبيلها فأخذوا بخطام جملها فسألت عنهم؟ فقيل لها بنو ناجية فأخذت تستفز حميتهم ، وتقذف بهم فى لظى الحرب قائلة :

« صبرا يا بنى ناجية. فاني اعرف فيكم شمائل قريش »(١)

هذه بعض القبائل التي قدمت المزيد من الضحايا في سبيل عائشة ، قد غرتهم امهم وفتنتهم في سبيل أطماعها واحقادها.

عقر الجمل :

واستمر اعنف القتال بين الفريقين يريد أصحاب أمير المؤمنين أن يحموا امام المسلمين ووصيي نبيهم ويريد أصحاب عائشة أن يحموا أمهم ويموتوا دونها حتى شاعت المقتلة بينهما ، ورأى امير المؤمنين ان الحرب لا تنتهي ما دام الجمل موجودا ، فدعا بعمار وبالاشتر فلما مثلا بين يديه قال لهما.

« اذهبا فاعقرا هذا الجمل فان الحرب لا يخمد ضرامها ما دام حيا!!! فانهم قد اتخذوه قبلة لهم. »

انطلق الأشتر وعمار ومعهما فتية من مراد فوثب فتى يعرف بمعمر ابن عبد الله(٢) الى الجمل فضربه على عرقوبه فهوى الى الارض وله عجيج منكر لم يسمع مثله ، وتفرق اصحاب عائشة فقد تحطم الصنم الذي

__________________

(١) شرح النهج

(٢) وقيل غيره هو الذي عقره وفي رواية ان الامام دعا ولده محمد بن الحنفية فاعطاه رمحا وقال له : اقصد بهذا الرمح الجمل فذهب فحال القوم بينه وبينه فرجع ولم يظفر ببغيته فاخذ الحسن الرمح من يده وقصد الجمل فطعنه.

٤٠٨

قدموا له القرابين ، وأمر الامام بحرقه وتذرية رماده في الهواء لئلا تبقى منه بقية يفتتن بها السذج والبسطاء وبعد ما فرغ من ذلك قال :

« لعنه الله من دابة. فما اشبهه بعجل بني اسرائيل!! »

ومد بصره الى الرماد الذي اخذه الريح فتلا قوله تعالى : « وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في أليم نسفا »(١)

الصفح عن عائشة :

وقابل الامام عائشة بالاحسان والصفح الجميل فبعث إليها أخاها محمدا يسألها عن حالها فانطلق إليها محمد فادخل يده في هودجها فجفلت مرعوبة منه وصاحت به :

ـ من أنت؟

ـ ابغض أهلك إليك

عرفته في الوقت فقالت له ونفسها مترعة بالكراهية له والحقد عليه :

ـ ابن الخثعمية؟

ـ نعم أخوك البر

ـ عقوق

وأزاحت بوجهها عنه ، والتفت إليها يسألها برفق ولين :

ـ هل أصابك مكروه؟

ـ سهم لم يضرني

فانتزعه منها ، وأخذ بخطام هودجها ، وادخلها في الربع الأخير

__________________

(١) سورة طه : آية ٩٧

٤٠٩

من الليل الى دار عبد الله بن خلف الخزاعي(١) على صفية بنت الحارث(٢) فاقامت هناك اياما.

العفو العام :

واصدر الامام اوامره بالعفو عن جميع اعدائه ، والمعارضين له ، وطلبت عائشة ان يؤمن ابن اختها عبد الله بن الزبير وهو من ألد اعدائه فاجابها إلى ذلك ، وتكلم معه الحسن والحسين فى شأن مروان فآمنه وعفا عنه ونادى مناديه :

« ألا لا يجهز على جريح ، ولا يتبع مول ، ولا يطعن في وجه مدبر ومن القى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن »

ثم آمن الاسود والأحمر ـ على حد تعبير اليعقوبي ـ(٣) ولم ينكل بأحد من خصومه ، وبذلك فقد انتشر السلام وعم الهدوء في جميع ربوع البصرة

تسريح عائشة :

وبعث أمير المؤمنين عبد الله بن عباس الى عائشة لتخرج من البصرة الى يثرب فتقر فى بيتها كما أمرها الله فانطلق إليها ابن عباس واستأذن

__________________

(١) عبد الله بن خلف بن اسعد الخزاعي والد طلحة الطلحات قال ابو عمر : لا اعلم له صحبة ، كان كاتبا لعمر بن الخطاب على ديوان البصرة ، قتل في واقعة الجمل وكان من حزب عائشة واخوه عثمان من اصحاب الامام ، الاصابة ٢ / ٣٠٣

(٢) صفية بنت الحارث بن طلحة قتل ابوها يوم بدر كافرا ، وهي زوج عبد الله بن خلف وأم طلحة الطلحات ، الاصابة ٤ / ٣٤٦

(٣) تأريخ اليعقوبي ٢ / ١٥٩

٤١٠

منها فأبت أن تأذن له فدخل بغير أذن وهوى الى متاعها فأخرج منه وسادة فجلس عليها ، فتأثرت منه وقالت له :

« تالله يا ابن عباس ما رأيت مثلك تدخل بيتنا وتجلس على وسادتنا بغير أمرنا!! »

فانبرى إليها ابن عباس وهو فياض المنطق قائلا :

« والله ما هو بيتك ، ولا بيتك الا الذي أمرك الله أن تقرى فيه فلم تفعلي ، إن أمير المؤمنين يأمرك أن ترجعي الى بلدك الذي خرجت منه. »

فاظهرت كوامن غيظها وبغضها للامام فقالت :

ـ رحم الله أمير المؤمنين ذاك عمر بن الخطاب.

ـ نعم. وهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب

ـ أبيت ، أبيت

ـ ما كان إباؤك إلا فواق ناقة بكيئة(١) ثم صرت ما تحلين ولا تمرين ولا تأمرين ولا تنهين.

فالتاعت من كلامه وأرسلت ما في عينيها من دموع ، ثم قالت له :

« نعم ارجع فان ابغض البلدان الي بلد انتم فيه. »

فثار ابن عباس من كلامها ورد عليها :

« أما والله ما كان ذلك جزاؤنا منك إذ جعلناك للمؤمنين أما ، وجعلنا أباك لهم صديقا. »

فاجابته باسخف القول

__________________

(١) الفواق : الوقت ما بين الحلبتين فان الناقة تحلب ثم تترك ليرضعها الفصيل حتى تدر فتحلب ، البكيئة : الناقة التي قل لبنها.

٤١١

« أتمن علي برسول الله؟!! »

وما ابعد هذا القول عن منطق الايمان فمن تكون هي لو لا رسول الله فبسببه علا لها نجم وصار لها ذكر ، وقد انبرى ابن عباس فرد عليها منطقها الرخيص قائلا :

« نمن عليك بمن لو كان منك بمنزلته منا لمننت به علينا!! »

وتركها وانصرف فاخبر الامام بحديثه معها ، وباستجابتها لقوله فشكره الامام على ذلك(١) ولما عزمت على الخروج جهزها الامام باحسن جهاز واعد لها قافلة كاملة لا ينقصها شيء ، وفي اليوم المقرر لسفرها دخل عليها ومعه الحسن والحسين فلما رأينه النسوة بكين وصحن في وجهه ، والتفتت إليه صفية ربه الدار فقالت له :

يا قاتل الأحبة. يا مفرق الجماعات. أيتم الله بنيك منك كما ايتمت بنى عبد الله »

اجابها الامام : لو كنت قاتل الأحبة لقتلت من في هذا البيت ، وأشار الى بيت فى دارها قد اختفى فيه فريق من أعدائه وخصومه ، وأراد من كان معه الهجوم عليهم فمنعهم من ذلك ، وجرى بعد ذلك حديث بين الامام وعائشة فقالت له : إني احب أن أقيم معك فاسير إلى قتال عدوك ، فابى الامام وأمرها أن تقر في البيت الذي تركها فيه رسول الله ولو أراد السياسة الوقتية لأجابها إلى ذلك ولكنه منبع التقوى والايمان أراد أن يسير معها على وفق الشريعة الاسلامية التي تلزم المرأة بالحجاب وبالعمل لتهذيب نفسها واصلاح منزلها ، وليس لها باي حال أن تدخل في المعمعات الحزبية والمعتركات السياسية ، ورحلت عائشة من البصرة وقد

__________________

(١) العقد الفريد ٣ / ١٠٣ ـ ١٠٤.

٤١٢

اسكنت بيوتها الثكل والحزن والحداد ، وروعت المسلمين وأشاعت القتل فيما بينهم فقد كان عدد الضحايا بسببها عشرة آلاف نصفهم من اصحابها والنصف الآخر من أصحاب الامام(١) وقد دمرت بخروجها على الامام وشائج الصلات بين المسلمين ، ونسفت أواصر الأخوة الاسلامية التي عقدها الرسول الكريم ، وفتحت باب الفتن والشر بين أمة محمد (ص) كما مهدت العصيان لمعاوية وبني أميّة ، وعبدت لهم الطريق ليتخذوا من دم عثمان وسيلة الى الظفر بالحكم وإلى استعباد المسلمين واذلالهم.

لقد اجمع أئمة المسلمين على تأثيم القائمين بهذا التمرد وانه لا مبرر له بحال من الاحوال كما نعتوهم بالبغاة وان الواجب الديني يقضي بمناجزتهم عملا بقوله تعالى :( فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللهِ ) يقول أبو حنيفة :

« وما قاتل أحد عليا الا وعلي أولى بالحق منه ، ولو لا ما سار علي فيهم ما علم أحد كيف السيرة فى المسلمين. ولا شك ان عليا إنما قاتل طلحة والزبير بعد أن بايعاه وخالفاه ، وفى يوم الجمل سار على فيهم بالعدل ، وهو علم المسلمين فكانت السنة في قتال أهل البغي »(٢)

وقال ابن حجر :

« ان أهل الجمل وصفين رموا عليا بالمواطاة مع قتلة عثمان وهو برىء من ذلك وحاشاه واضاف يقول : ويجب على الامام قتال البغاة لاجماع الصحابة عليه ولا يقاتلهم حتى يبعث إليهم أمينا عدلا فطنا ناصحا يسألهم عما ينقمونه على الامام تأسيا بعلي (ع) فى بعثه ابن عباس الى

__________________

(١) تأريخ الطبري ٥ / ٢٢٤ وقيل ان عدد القتلى اكثر من ذلك

(٢) مناقب ابي حنيفة للخوارزمي ٢ / ٨٢ ـ ٨٣

٤١٣

الخوارج بالنهروان »(١)

وقال امام الحرمين الحويني : « كان على بن أبي طالب امام حق في توليته ومقاتلوه بغاة »(٢)

ان الشريعة الاسلامية تلزم بمناجزة الخارجين على السلطة الشرعية لان في خروجهم تصديعا لوحدة المسلمين ، وتدميرا لاخوتهم.

لقد مرت هذه الحادثة الرهيبة على الامام الحسن وقد عرفته باضغان القوم وأحقادهم على أبيه ، وقد كان فى تلك الموقعة البطل الوحيد والقائد المحنك الذي استطاع أن يحفز الجماهير ويجهزهم لقتال القوى الباغية على أبيه ، وبهذا ينتهى بنا المطاف عن مشكلة البصرة لنلتقى به في موقعة صفين

__________________

(١) تحفة المحتاج للنووى ٤ / ١١٠

(٢) الارشاد في اصول الاعتقاد ص ٤٣٣

٤١٤

فى صفّين

٤١٥
٤١٦

تمر بعض الحوادث في دنيا الوجود وتذهب من دون أن تترك أثرا مهما يذكره التأريخ وإن كان لها في وقتها من الخطورة شأن كبير ، وتمر بعض الحوادث الأخرى في ميدان الحياة فتبقى خالدة خلود الدهر لأنها تركت أثرا اجتماعيا عاد بالخير العميم على الانسان ، وتجتاز بعض الحوادث على مسرح الحياة فتملأ الدنيا بالمآسي والخطوب وتعود بشقاء الانسان واستعباده ، من هذه الحوادث المفجعة والرزايا المؤلمة حادثة صفين التي تجسم فيها الصراع بين الحق والباطل ، وبين العدل والجور والظلام والنور وبين الخلافة الدينية التي تنشد صالح الانسان واسعاده. وبين الحكم الفوضوي الذي لا يهدف إلا إلى الإثرة والاستغلال والمتاجرة بمصالح الشعوب.

إن الشعوب الاسلامية لم تقرر مصيرها الحاسم في وقعة صفين فقادها ذلك الى الاستعباد والاذلال والخضوع للظلم والجور ، وقد المع الى ذلك الاستاذ مالك الجزائري في ايضاحه للاسس القويمة التي تبناها مؤتمر ( باندونج ) اذ يقول :

ولقد عرف التأريخ الاسلامي لحظة كهذه ـ اي فى تقرير حق المصير ـ في معركة صفين تلك الحادثة الموسفة المؤثرة التي نتج عنها التذبذب في الاختيار ، الاختيار الحتم بين علي ومعاوية ، بين المدينة ودمشق ، بين الحكم الديمقراطي الخليفي والحكم الاسري ، ولقد اختار المجتمع الاسلامي في هذه النقطة الفاصلة في تأريخه الطريق الذي قاده اخيرا الى القابلية للاستعمار والى الاستعمار »(١)

لقد انخذل المجتمع الاسلامى في حادثة صفين فلم يقرر مصيره الحاسم فانتج ذلك خذلان الامام أمير المؤمنين وارغام الامام الحسن من بعده على

__________________

(١) فكرة الافريقية الآسيوية ، في ضوء مؤتمر باندونج / ١١١

٤١٧

الصلح ، وتسلم الامويين لقيادة الحكم في البلاد فامعنوا في قتل الاخيار ومطاردة المصلحين واشاعة الظلم والجور في الأرض ، وعلينا أن نتبين فصول هذه المأساة ـ بايجاز ـ وننظر الى متاركها الفظيعة وهي :

تمرد معاوية :

واعلن معاوية التمرد على حكومة الامام ، ورفض البيعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون اما بواعث عصيانه فهي ما يلي :

١ ـ لقد علم معاوية أن الامام لا يقره في منصبه ، ولا بد أن يجرده من جميع امواله التي اختلسها من بيت مال المسلمين ، ولو كان يحتمل أنه يبقيه على حاله ويقره على بذخه واسرافه لما اعلن العصيان والخروج عليه إن الامام لا يداهن في دينه ، ولا يطلب النصر بالجور ، ولا يقر الظلم ، وهو حتف الظالمين والمعتدين فكيف يبقى معاوية في جهاز الحكم ، وهو يعلم أنه لا واقعية له ولا حريجة له في الدين ، وقد اصدر في اليوم الأول من خلافته عزله عن مقره ، وقد كتب إليه معاوية يسأله أن يبقيه على حاله أو يجعله واليا على مصر فامتنع من اجابته ، وقد لام عقبة بن أبي معيط معاوية على ذلك وكتب له رسالة جاء فيها.

معاوية إن الشام شامك فاعتصم

بشامك لا تدخل عليك الأفاعيا

فان عليا ناظر ما تجيبه

فأهد له حربا تشيب النواصيا

وحام عليها بالصوارم والقنا

ولاتك مخشوش الذراعين واصيا

والا فسلم ان فى الأمن راحة

لمن لا يريد الحرب فاختر معاويا

وان كتابا يا ابن حرب كتبته

على طمع جان عليك الدواهيا

سألت عليا فيه ما لا تناله

ولو نلته لم تبق إلا لياليا

٤١٨

الى أن ترى منه الذي ليس بعدها

بقاء فلا تكثر عليك الأمانيا

ومثل علي تغترره بخدعة

وقد كان ما خربت من قبل بانيا

ولو نشبت أظفاره فيك مرة

فراك ابن هند بعد ما كنت فاريا(١)

إن معاوية ومن يمت به يعلمون اتجاه الامام وأهدافه الرامية الى تحقيق العدل في البلاد والقضاء على الغبن الاجتماعي واقصاء الظالمين عن مراكزهم ، وانهم سيعودون في ظل حكومته نكرات لا امتياز لهم كما كانوا فى عهد الرسول فلذا اعلنوا عليه البغي حفظا على مصالحهم الضيقة.

٢ ـ ورأى معاوية أن له قوة على مقاومة الامام ومناجزته وذلك لما له من النفوذ والمكانة في بلاده فانه لم يعمل فيها عمل وال يظل واليا طول حياته ويقنع بهذا المنصب ثم لا يتطاول إلى ما وراءه ولكنه عمل فيها عمل صاحب الدولة التي يؤسسها ويدعمها له ولا بنائه من بعده فجمع الأقطاب ، واشترى الانصار بكل ثمن في يديه وأحاط نفسه بالقوة والثروة واستعد للبقاء الطويل(٢) وقد حفزته هذه القوى التي يتمتع بها الى مناجزة الامام ومقاومته.

٣ ـ ومما دفعه الى التمرد خروج عائشة وطلحة والزبير فقد فتحوا له الطريق ، ومهدوا له السبيل فان واقعة صفين انما هي امتداد لحرب الجمل ، ونتيجة من نتائجها فلو لا خروجهم واعلانهم للعصيان وتطبيلهم بدم عثمان لما استطاع معاوية أن يشق الكلمة ويخرج على الامام ويناجزه الحرب.

__________________

(١) تأريخ ابن كثير ٨ / ١٢٩

(٢) عبقرية الامام علي ص ١١٥.

٤١٩

٤ ـ وشيء آخر جدير بالاهتمام علل به معاوية عصيانه وخروجه على النظام القائم وذلك في رسالته التي بعثها لمحمد بن أبي بكر وقد جاء فيها

« كان ابوك وفاروقه أول من ابتزه ـ يعني عليا ـ حقه وخالفاه على امره ، على ذلك اتفقا واتسقا ثم دعواه الى بيعتهما فابطأ عنهما وتلكأ عليهما فهما به الهموم واردا به العظيم ، ثم انه بايع لهما وسلم لهما ، وأقاما لا يشاركانه في أمرهما ، ولا يطلعانه على سرهما حتى قبضهما الله واضاف يقول : فان يك ما نحن فيه صوابا فابوك استبد به ونحن شركاؤه ولو لا ما فعل أبوك من قبل ما خالفنا ابن أبي طالب ولسلمنا إليه ولكن رأينا أباك فعل ذلك به من قبلنا واخذنا بمثله »(١)

وهو تعليل وثيق للغاية فانه لو لا منازعة الشيخين للامام وابتزازهما لحقه لما استطاع معاوية ان يخالفه ويخرج عليه ولكنه احتذى حذوهما وسار على طريقتهما فبغى على الامام وأفسد عليه جيشه وتركه في أرباض الكوفة يتمنى الموت ليستريح مما ألم به من الشؤون والشجون.

٥ ـ ومن الامور التي حفزته على العصيان والتمرد على الامام هو المطالبة بدم عثمان فقد اتخذ قتله وسيلة الى نيل أهدافه وبلوغ أمانيه ، وقد ارصد جميع أبواق دعايته لتهويل أمره والاشادة بذكره وتنزيهه عن كل ذنب حتى انقادت له قلوب اهل الشام وأترعت نفوسهم بالحقد والكراهية للامام فاذا بهم يظهرون الحزن والاسى اكثر مما يظهر وإذا بهم يحثونه ويستعجلونه على الحرب والمطالبة بدمه اكثر مما يستعجل.

ولم يكن هناك ادنى مجال للشك في أن معاوية لا يهمه أمر عثمان ولا يقيم لمقتله وزنا فقد استنجد به لما حوصر وضويق ، وطلب منه المعونة

__________________

(١) المسعودي على هامش ابن الاثير ٦ / ٧٨ ـ ٧٩

٤٢٠

فلم يخف لنصرته ، ولم يستجب له ولم يسعفه بشيء ، ولو كان يروم المطالبة بدمه لكان اولى الناس بالعقوبة والتنكيل مستشاره ووزيره عمرو بن العاص فهو الذي سعر الدنيا نارا على عثمان وكان يقول : « والله لالفى الراعى فاحرضه على عثمان فضلا عن الرؤساء والوجوه »(1) فمطالبته بدم عثمان ليست الا وسيلة لتحقيق غايته والظفر بالملك الذي يحلم به.

هذه بعض الاسباب والبواعث التي دعت معاوية لمناجزة الامام واعلانه للحرب عليه.

ايفاد جرير :

ولما اعلن معاوية تمرده على حكومة الامام طلب أصحاب الامام أن ينهض بهم لحربه بعد فراغهم من حرب الجمل وكأنهم أرادوا أن يحوزوا لنصرهم نصرا فابى الامام لأن خطته كانت المسالمة وايثار العافية فرأى أن يبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه الناس فاوفد للقياه جرير بن عيد الله البجلى(2)

__________________

(1) شرح النهج 1 / 163

(2) جرير بن عبد الله البجلي اختلف فى وقت اسلامه قيل انه اسلم حينما بعث النبي وقيل ان اسلامه كان قبل وفاة النبي باربعين يوما ، وقيل غير ذلك ، وكان جميل الصورة قال فيه عمر : هو يوسف هذه الامة ، وقدمه فى حروب العراق على جميع بجيلة وكان لهم الاثر فى فتح القادسية وقد سكن الكوفة ولما ارسله الامام سفيرا الى معاوية اخفق فى سفارته فاعتزل الفريقين وآثر العافية فسكن فى قرقيسيا حتى توفى بها سنة احدى وخمسين وقيل اربع وخمسين ، الاصابة 1 / 232

٤٢١

وزوده بهذه الرسالة :

« أما بعد فان بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام ، لانه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يرد. وانما الشورى للمهاجرين والانصار فاذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ذلك لله رضا ، فان خرج من امرهم خارج بطعن او رغبة ردوه الى ما خرج منه ، فان أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ويصليه جهنم وساءت مصيرا ، وإن طلحة والزبير بايعاني ثم نقضا بيعتي ، وكان نقضهما كردهما ، فجاهدتهما على ذلك حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، فان أحب الامور إلى فيك العافية ، إلا أن تتعرض للبلاء ، فان تعرضت له قاتلتك واستعنت الله عليك. وقد اكثرت فى قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه المسلمون ، ثم حاكم القوم إلىّ أحملك وإياهم على كتاب الله. فأما تلك التي تريدها فخدعة الصبي عن اللبن ، ولعمرى لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدني أبرأ قريش من دم عثمان. واعلم أنك من الطلقاء(1) اللذين لا تحل لهم الخلافة ، ولا تعرض فيهم الشورى. وقد أرسلت إليك وإلى من قبلك جرير بن عبد الله ، وهو من أهل الايمان والهجرة. فبايع ولا قوة إلا بالله(2)

وكانت هذه الرسالة رسالة حق داعية واعية. دعت الى الحق من

__________________

(1) الطلقاء : جمع طليق ، وهو الاسير الذي اطلق سراحه ، ويراد بهم فى المقام الاسراء الذين خلى عنهم رسول الله (ص) يوم فتح مكة ولم يسترقهم.

(2) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ص 34.

٤٢٢

أقصر سبله ، وبأوضح أساليبه. ووعت قصة الاستخلاف التي أثارت كل هذا الخلاف ، بما سبقها وما لحقها من المقدمات والخواتيم.

وكانت فوق هذا وذاك عظة جارية ، وحكمة هادية لمن أراد الهداية وشرح الله صدره وفجر في فؤاده ينبوع النور ، فلم يغفل الامام فيها أمرا جرت ألسن الناس بذكره إلا بينه. ولم يدع ثغرة ينفذ منها خصمه إلا سدها دونه وما من شيء كان معاوية يستطيع أن يحتال به ، أو يدعيه حجة تؤيد خلافه وتسند انحرافه الا مد له الامام معولا من سطورها ـ حديدا شديدا ـ يدمر باطله ويقوض معاقله ، كما قال الاستاذ السيد عبد الفتاح مقصود(1) :

وطوى جرير البيداء حتى وصل الى بلاط معاوية ، فانطلق يتكلم معه قائلا :

أما بعد يا معاوية فانه قد اجتمع لابن عمك أهل الحرمين وأهل المصرين(2) وأهل الحجاز وأهل اليمن ، وأهل العروض وعمان وأهل البحرين واليمامة ، فلم يبق إلا أهل هذه الحصون التي أنت فيها ، لو سال عليها سيل من اوديته غرقها وقد أتيتك أدعوك الى ما يرشدك ويهديك الى مبايعة الرجل(3)

ولما سمع معاوية ذلك خارت قواه وبقي مبهور النفس لم يفه بشيء ولكنه بقي يطاوله ، ويسرف في مطاولته لا يجد لنفسه مهربا سوى الامهال والتسويف ، وقد جمع في خلال تلك المدة وجوه أهل الشام وقادة الجيش فجعل يستشيرهم في

__________________

(1) الامام على بن ابي طالب ج 4 ص 27.

(2) الحرمان : مكة والمدينة ، والمصران البصرة والكوفة.

(3) وقعة صفين ص 33

٤٢٣

الخضوع لحكومة الامام والاستجابة لسفيره أو اعلان التمرد والمطالبة بدم عثمان فاظهروا له رغبتهم الملحة في الطلب بدم عثمان ، واعلان العصيان على حكومة الامام.

مراسلة معاوية لعمرو :

وعلم معاوية أن الامر لا يتم له إلا إذا انضم إليه داهية العرب عمرو ابن العاص ليقوم بتسديده ويستعين به في مهامه ، فبعث إليه رسالة يطلب فيها قدومه إليه وهذا نصها :

« أما بعد : فانه قد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك وقد سقط إلينا مروان بن الحكم في رافضة أهل البصرة ، وقدم علينا جرير بن عبد الله في بيعة علي ، وقد حبست نفسي عليك حتى تأتيني أقبل أذاكرك أمرا »

ولما قرأ الرسالة تحير في أمره فاستشار ولديه عبد الله ومحمدا فقال له عبد الله وكان رجل صدق وصلاح.

« أرى أن نبي الله قبض وهو عنك راض والخليفتان من بعده ، وقتل عثمان وأنت عنه غائب ، فقر في منزلك فلست مجعولا خليفة ، ولا تريد أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا قليلة أو شك أن تهلك فتشقى فيها »

وأشار عليه عبد الله بالنصيحة والورع والتقوى وعدم الاستجابة لدواعي الفتن والغرور ، وأما ابنه محمد فقد فتنته الدنيا وطمع بالملك فقد قال له :

« أرى أنك شيخ قريش وصاحب أمرها ، وان تصرم هذا الامر وأنت فيه خامل تصاغر أمرك فالحق بجماعة أهل الشام فكن يدا من ايديها وأطلب بدم عثمان ، فانك قد استلمت فيه الى بني أمية »

وقد دفعه محمد الى هلاك آخرته واصلاح دنياه ، والتفت عمرو الى

٤٢٤

ولده عبد الله فقال له : أما أنت فأمرتني بما هو خير في ديني؟ وقال لولده محمد : أما أنت أمرتني بما هو خير لي فى دنياى؟

حيرة وذهول :

واعتركت الدنيا والآخرة في نفس عمرو وملأت الحيرة اهابه واحاطت به الهواجس ، وقد انفق ليلا ساهرا يفكر فى الامر فهل يلتحق بمعسكر معاوية فيناجز أخا رسول الله ووصيه وباب مدينة علمه فيكون قد فرط في أمر دينه أو يلتحق بعلي فيكون رجلا كسائر الناس له ما لهم وعليه ما عليهم ولكنه يضمن بذلك آخرته ودينه ، وأطال التفكير فى الأمر وسمعه أهله يقول :

تطاول ليلى للهموم الطوارق

وخوف التي تجلو وجوه العوائق

وإن ابن هند سائلي أن أزوره

وتلك التي فيها بنات البوائق

أتاه جرير من على بخطة

أمرّت عليه العيش ذات مضائق

فان نال منى ما يؤمل رده

وإن لم ينله ذل ذل المطابق

فو الله ما ادري وما كنت هكذا

اكون ومهما قادني فهو سائقي

أخادعه إن الخداع دنية

أم اعطيه من نفسي نصيحة وامق

أم أقعد في بيتي وفي ذاك راحة

لشيخ يخاف الموت في كل شارق

وقد قال عبد الله قولا تعلقت

به النفس إن لم تقتطعني عوائقي

وخالفه فيه أخوه محمد

وانى لصلب العود عند الحقائق

ودل هذا الشعر على تردده وحيرته إلا ان ابنه عبد الله فهم منه الاستجابة لدعوة معاوية فقال :

« بال الشيخ على عقبيه ، وباع دينه بدنياه!! »

ولما اندلع لسان الصبح دعا غلامه وردان وكان ذكيا يقرأ ما فى

٤٢٥

النفوس فقال له : « حط يا وردان ، ثم قال له : ارحل ، ثم قال له حط يا وردان ».

فعرف غلامه حيرته وذهوله فقال له :

ـ خلطت أبا عبد الله؟! أما إن شئت أنبأتك بما فى نفسك؟

ـ هات ويحك!!

ـ اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك ، فقلت : على معه الآخرة فى غير دنيا ، وفى الآخرة عوض من الدنيا. ومعاوية معه الدنيا بغير آخرة وليس في الدنيا عوض الآخرة فانت واقف بينهما.

ـ إنك والله ما أخطأت!! ما ترى؟

ـ أرى أن تقيم في بيتك فان ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا عنك.

ولم يستجب لنصحه وصمم على الالتحاق بمعاوية وهو يقول :

يا قاتل الله وردانا وفطنته

أبدى لعمرك ما فى النفس وردان

لما تعرضت الدنيا عرضت لها

بحرص نفسى وفي الاطباع ادهان

نفس تعف واخرى الحرص يغلبها

والمرء يأكل تبنا وهو غرثان(1)

أما علي فدين ليس يشركه

دنيا وذاك له دنيا وسلطان

فاخترت من طمعي دنيا علي بصر

وما معي بالذي اختار برهان

اني لاعرف ما فيها وأبصره

وفي أيضا لما أهواه الوان

لكن نفسي تحب العيش في شرف

وليس يرضى بذل العيش انسان

عمرو لعمر أبيه غير مشتبه

والمرء يعطس والوسنان وسنان

لقد استجاب لعاطفته فآثر الدنيا على الآخرة ، وعزم على الالتحاق

__________________

(1) الغرثان : الجائع.

٤٢٦

بمعسكر معاوية ليحارب امير المؤمنين الذي هو نفس رسول الله ومن هو منه بمنزلة هارون من موسى.

قدومه الى الشام :

وارتحل ابن العاص ومعه ابناه الى دمشق فلما بلغها جعل يبكي كما تبكي المرأة وهو يقول :

« وا عثماناه انعى الحياء والدين!! »(1)

لقد اصطنع البكاء ليغري السذج ويظهر الاخلاص والطاعة لمعاوية ولما التقى به تذاكر معه معاوية في الوسائل والطرق التي يسلكها في حربه مع الامام ، فقال له ابن العاص :

« أما علي فو الله لا تساوي العرب بينك وبينه في شيء من الاشياء وإن له في الحرب لحظا ما هو لأحد من قريش الا أن تظلمه »

وانطلق معاوية يبين له الدوافع في حربه وعصيانه قائلا :

« صدقت. ولكنا نقاتله على ما في أيدينا ، ونلزمه قتلة عثمان!! »

إنه إنما يقاتل الامام من أجل السلطة والامرة والثراء العريض الذي اختلسه من بيت المال ، واندفع ابن العاص يبين له وهن المطالبة بدم عثمان قائلا :

ـ وا سوأتاه إن احق الناس أن لا يذكر عثمان!!

ـ ولم ويحك؟!!

ـ أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام حتى استغاث بيزيد بن اسد

__________________

(1) تأريخ ابن الأثير 3 / 129

٤٢٧

البجلي فسار إليه ، وأما أنا فتركته عيانا وهربت الى فلسطين!!(1)

فلم يلتفت معاوية الى قوله لأنه لم يجد وسيلة يتمسك بها في عصيانه سوى المطالبة بدم عثمان.

المساومة الرخيصة :

وكان ابن العاص يحن الى مصر حنينا متصلا وقد باع دينه وضميره على معاويه من اجلها فقد قال له معاوية :

ـ أتحبني يا عمرو؟

ـ لما ذا؟ للآخرة فو الله ما معك آخرة ، أم للدنيا. فو الله لا كان حتى أكون شريك فيها!!

ـ أنت شريكي فيها

ـ فاكتب لي مصر وكورها

ـ لك ما تريد

فكتب له ولاية مصر وكتب في آخر الوثيقة وعلى عمرو السمع والطاعة فقال له عمرو :

ـ إن السمع والطاعة لا ينقصان من الشرط شيئا.

ـ نعم ، ولا ينظر الناس الى هذا.

ونفذ له ما أراد(2) وبذلك فقد باع دينه على معاوية ، وسمع وهو يقول :

معاوي لا اعطيك ديني ولم أنل

به منك دنيا فانظرن كيف تصنع

__________________

(1) تأريخ اليعقوبي 2 / 162

(2) العقد الفريد 3 / 113

٤٢٨

فان تعطنى مصر فاربح بصفقة

أخذت بها شيخا يضر. وينفع

وما الدين والدنيا سواء وإنني

لآخذ ما أعطي ورأسي مقنع

ولكنني أعطيك هذا وإنني

لأخدع نفسي والمخادع يخدع

أأعطيك أمرا فيه للملك قوة

وأبقى له إن زلت النعل اضرع

وتمنعني مصر وليست برغبة

وان ثرى القنوع يوما لمولع(1)

لقد ظفر معاوية بأهم سياسي ماكر مخادع يجيد اللعب على الحبل ويتغلب على الأحداث وهو القائل عن دهائه أنا أبو عبد الله ما حككت قرحة إلا أدميتها.

رد جدير :

ولما اجتمع لمعاوية امره واحكم وضعه رد سفير الامام ( جرير ) الى الكوفة ولم يجبه الى شيء ، وأرسل معه رسالة الى الامام جاء فيها :

« اما بعد. لو بايعك الذين ذكرت وأنت برىء من دم عثمان لكنت كأبي بكر وعمر وعثمان ، ولكنك اغريت بدم عثمان ، وخذلت الانصار فأطاعك الجاهل ، وقوى بك الضعيف ، وقد أبى اهل الشام إلا قتالك حتى تدفع إليهم قتلة عثمان فان فعلت كانت شورى بين المسلمين وانما كان الحجازيون هم الحكام على الناس والحق فيهم ، فلما فارقوه كان الحكام على الناس اهل الشام ، ولعمري ما حجتك على اهل الشام كحجتك على طلحة والزبير إن كانا بايعاك فلم ابايعك انا ، فأما فضلك في الاسلام وقرابتك من رسول الله فلست ادفعه »

__________________

(1) في البيت الأخير اضطراب ورواه ابن ابي الحديد في شرح النهج 1 / 137 بما يلي « وإني بذا الممنوع قدما لمولع »

٤٢٩

وكانت هذه الرسالة حاملة للبهتان والاباطيل ففيها اتهام الامام بدم عثمان ، وهو يعلم أن الامام برىء منه ، ولكنه لم يجد حجة يتعلق بها سوى هذه الاكاذيب.

وهبط جرير على الامام وهو خافق فى سفارته ، ومعه رسالة معاوية فاطلع عليها الامام وعرف ما يرومه معاوية من البغي والخروج عليه ، وقد رأى أن يقيم عليه الحجة مرة اخرى فبعث إليه السفراء يدعونه الى الطاعة والدخول فيما دخل فيه المسلمون فلم يجد ذلك شيئا وأصر على عناده.

زحف معاوية لصفين :

وأخذ معاوية البيعة من أهل الشام على المطالبة بدم عثمان والأخذ بثأره ، وتوفرت لديه الامكانيات والقوى العسكرية ، وانضم إليه كل من لم تنطبع في نفسه العقيدة الدينية من ذوى الاطماع والمنحرفين عن الحق والباغين على الاسلام ، ولما تم أمره زحف بجيوشه الى صفين(1) لمحاربة السلطة الشرعية والاطاحة بالحكم الاسلامي واعادة المثل الجاهلية ، ولما انتهى في مسيره الى صفين نزل بها واحتل الفرات وعد هذا أول الفتح لانه حبس الماء على عدوه ، وبقيت جيوشه رابضة هناك تصلح امرها ، وتنضم قواها لتستعد للحرب.

__________________

(1) صفين ـ بكسرتين وتشديد الفاء ـ موضع بقرب الرقة على شاطئ الفرات من الجانب الغربي بين الرقة وبالسن وبه كانت الواقعة بين الامام ومعاوية فى سنة 37 فى غرة صفر واختلف فى عدة اصحاب الفريقين فقيل كان معاوية في مائة وعشرين الفا وكان مع الامام تسعون الفا وقيل بالعكس ، معجم البلدان 3 / 414 ط دار صادر بيروت.

٤٣٠

تهيؤ الامام للحرب :

ولما اخفقت جميع الوسائل التي اتخذها الامام من أجل السلم تهيأ للحرب بعد ما علم أن خصمه قد زحف الى صفين لمناجزته ، وقد استدعى المهاجرين والانصار الذين خفوا لنجدته فقال لهم :

« إنكم ميامين الرأي ، مراجيح الحلم ، مقاويل بالحق ، مباركو الفعل والامر ، وقد أردنا المسير الى عدونا فاشيروا علينا برأيكم؟ »

فانطلق هاشم بن عتبة فقال له :

« يا أمير المؤمنين فأنا بالقوم جد خبير ، هم لك ولأشياعك أعداء وهم لمن يطلب حرث الدنيا اولياء ، وهم مقاتلوك ومجاهدوك(1) لا يبقون جهدا ، مشاحة على الدنيا ، وضنا بما في أيديهم منها وليس لهم إربة غيرها إلا ما يخدعون به الجهال من الطلب بدم عثمان بن عفان ، كذبوا ليسوا بدمه يثأرون ، ولكن الدنيا يطلبون فسر بنا إليهم ، فان اجابوا الى الحق فليس بعد الحق إلا الضلال. وإن أبوا الا الشقاق فذلك الظن بهم والله ما أراهم يبايعون وفيهم أحد ممن يطاع إذا نهى ويسمع إذا أمر »(2)

إن هاشما كان خبيرا بنفوس القوم ، وعالما باتجاههم وميولهم فانهم يطلبون حرث الدنيا ، وهم يقاتلون الامام من اجل مطامعهم ، وقد تذرعوا بدم عثمان واتخذوه وسيلة لعصيانهم ، ولا يتركون نفاقهم وغيهم ما دام لهم شاخص يتمتع بالنفوذ والقوة ، فلا بد من مناجزتهم والزحف إليهم للقضاء على غيهم وتمردهم وانبرى غير واحد من اعلام المهاجرين والانصار

__________________

(1) وفي رواية ومجادلوك

(2) وقعة صفين : ص 103

٤٣١

فاعلنوا تأييدهم لمقالة هاشم ، وأظهروا الطاعة والانقياد للامام ، وقد اتجه بعد ذلك الى الاستعداد للحرب فراسل الوجوه وامراء القبائل وقادة الجنود يستحثهم على نصرته والخروج معه لحرب البغاة ، واستجاب الجميع لنداء الحق واعربوا عن استعدادهم الشامل لنصرته.

خطبة الحسن :

وأخذ الامام الحسن يوقظ الهمم ، ويبعث الحزم والنشاط في النفوس ويحثها على الخروج لحرب معاوية كما فعل ذلك من قبل في معركة الجمل وقد قام خطيبا بين الجماهير يدعوهم الى الجهاد وهذا نص خطابه.

« الحمد لله لا إله غيره ، وحده لا شريك له ، واثنى عليه بما هو أهله ، ثم قال :

إن مما عظم الله عليكم من حقه ، وأسبغ عليكم من نعمه ما لا يحصى ذكره ، ولا يؤدى شكره ، ولا يبلغه صفة ولا قول ونحن إنما غضبنا لله ولكم ، فانه منّ علينا بما هو أهله ان نشكر فيه آلاءه وبلاءه ونعماءه ، قولا يصعد الى الله فيه الرضا ، وتنتشر فيه عارفة الصدق يصدق الله فيه قولنا ، ونستوجب فيه المزيد من ربنا ، قولا يزيد ولا يبيد ، فانه لم يجتمع قوم قط على أمر واحد إلا اشتد امرهم ، واستحكمت عقدتهم. فاحتشدوا فى قتال عدوكم معاوية وجنوده ، فانه قد حضر. ولا تخاذلوا فان الخذلان يقطع نياط القلوب ، وإن الاقدام على الاسنة نجدة وعصمة لأنه لم يمتنع(1) قوم قط الا رفع الله عنهم العلة ، وكفاهم جوائح(2) الذلة ، وهداهم الى معالم الملة ، ثم انشد.

__________________

(1) الامتناع : العزة والقوة.

(2) الجوائح : ـ جمع مفردة جائحة ـ وهي الدواهي والشدائد

٤٣٢

والصلح تأخذ منه ما رضيت به

والحرب يكفيك من انفاسها جرع(1)

وحفل خطابه البليغ بالدعوة الى الوحدة والتعاون ، وبذل الجهود لمحاربة القوى الباغية ، وقد استجاب الناس لدعوته فخفوا سراعا لنصرة الحق والدفاع عن الاسلام.

الحسن مع سليمان :

وكان بعض زعماء العراق قد اعتزل معركة الجمل ، ولم يقم بنجدة الامام ومن بينهم سليمان بن صرد الخزاعي(2) وقد وجه الامام امير المؤمنين إليه ـ بعد انقضاء الحرب ـ أعنف اللوم والتقريع فقد قال له :

« أرتبت وتربصت وراوغت ، وقد كنت من أوثق الناس في نفسي وأسرعهم ـ فيما أظن ـ الى نصرتي فما قعد بك عن أهل بيت نبيك ، وما زهدك في نصرهم؟؟ »

__________________

(1) البيت للعباس بن مرداس السلمى كما في الخزانة ( 2 / 82 )

(2) سليمان بن صرد الخزاعي الكوفي كان من ذوى الوجاهة والشرف فى قومه ، وقد روى عن النبي وعن امير المؤمنين والحسن ، وهو احد الذين كتبوا الى سيد الشهداء الامام الحسين (ع) بالقدوم الى الكوفة ، ولما استجاب الامام لندائهم تخلف سليمان عنه ، وبعد ما روع الاسلام بقتل حفيد الرسول ندم سليمان وجماعة من قومه على عدم قيامهم بنصرته فهبوا للطلب بثأره ، وساروا حتى التقوا بالاثيم الوغد عبيد الله بن زياد في موضع يقال له : « عين الوردة » فوقعت الحرب بينهم فقتل سليمان ومن معه وذلك في ربيع الآخر سنة خمس وستين ، وكان عمره ثلاثا وتسعين عاما ، تهذيب التهذيب 4 / 200

٤٣٣

وضاق سليمان ذرعا بتأنيب الامام له فقال له :

« يا أمير المؤمنين لا تردن الأمور على أعقابها ، ولا تؤنبني بما مضى منها ، واستبق مودتي تخلص لك نصيحتي ، وقد بقيت امور تعرف فيها وليك من عدوك »

ثم قام مسرعا إلى الامام الحسن ليعرض عليه حديث أبيه فقال له :

« ألا أعجبك من أمير المؤمنين وما لقيت منه من التبكيت والتوبيخ!! » وانطلق الحسن فتكلم معه برفق ولين ليزيل ما في نفسه من وجد قائلا :

« إنما يعاتب من ترجى مودته ونصيحته »

ولكن سليمان بقي على ثورته فقد لذعته مرارة العتب والتقريع فقال للامام الحسن :

« إنه بقيت أمور سيستوسق فيها القنا(1) وينتضى فيها السيوف ، ويحتاج فيها الى اشباهي ، فلا تستغشوا عتبى ، ولا تهموا نصيحتي »

فهدأ الحسن روعه ، واعرب له عن ثقته به فقال له :

« رحمك الله : ما أنت عندنا بالظنين »(2)

وهدأت ثورة سليمان ، وسكن روعه لما قابله الامام الحسن بالرفق وسجاحة الطبع ، وقد استطاع الحسن أن يزيل ما في نفسه من الم الوجد ويرجعه الى صفوف المجاهدين.

المسير الى صفين :

ولما توفرت القوى العسكرية للامام تهيأ للخروج الى صفين ، وأمر

__________________

(1) الاستيساق : الاجتماع

(2) وقعة صفين : ص 9 ـ 10

٤٣٤

الحارث بن الأعور أن ينادي في الناس بالخروج إلى معسكرهم في النخيلة فنادى فيهم بذلك فعجت الكوفة بالنفار ، وخرج الامام تحف به صحابة النبي وقد زحفت معه الكتائب كأنها السيل وهي ما بين راكب وراجل ، وهم يعرفون القصد في خروجهم فانهم خرجوا لنصرة الحق ومحاربة اعداء الاسلام وخصومه.

ولزمت جيوش الامام الفرات فى زحفها السريع فلما انتهت الى الانبار استقبلها أهلها ثم جاءوا يهرعون إلى الامام فتنكر منهم وقال لهم :

« ما هذه الدواب التي معكم؟ وما أردتم بهذا الذي صنعتم؟ »

فقالوا وهم يبدون عظيم الولاء ومزيد التكريم.

« يا أمير المؤمنين. أما هذا الذي صنعنا فهو خلق منا نعظم به الامراء وأما هذه البراذين فهدية لك ، وقد صنعنا لك وللمسلمين طعاما وهيأنا لدوابكم علفا كثيرا »

فزجرهم الامام ونهاهم عن ذلك فقال :

« أما هذا الذي زعمتم أنه منكم خلق تعظمون به الامراء ، فو الله ما ينفع هذا الامراء ، وإنكم لتشقون به على أنفسكم وأبدانكم ، فلا تعودوا له. وأما دوابكم هذه فان أحببتم أن نأخذها منكم فنحسبها من خراجكم أخذناها منكم. وأما طعامكم الذي صنعتم لنا فانا نكره أن نأكل من أموالكم شيئا الا بثمن »

هذا هو منطق العدل الذي سار عليه ابن أبي طالب فلم يسمح للمهرجانات ولا لسائر المظاهر التي اعتادها الملوك والأمراء لأن فيها جهدا للرعية وتعظيما للامراء وهم في نظر الاسلام لا ميزة لهم على بقية أفراد الشعب واندفع الانباريون فقالوا له :

٤٣٥

« يا أمير المؤمنين نقومه ـ اي الطعام ـ ثم نقبل ثمنه »

« لا تقومونه قيمته »

ثم تركهم وانصرف عنهم(1) وسارت جيوشه تطوى البيداء حتى انتهت الى صفين فانزلها الامام بإزاء اصحاب معاوية.

القتال على الماء :

ولم يجد أصحاب الامام على الفرات شريعة يستقون منها الماء إلا وعليها الحرس الكثير وهم يمانعونهم أشد الممانعة من الوصول إليه فاقبلوا الى الامام يخبرونه بذلك فدعا صعصعة بن صوحان وقال له :

« ائت معاوية فقل : إنا سرنا مسيرنا هذا وأنا أكره قتالكم قبل الاعذار إليكم ، وإنك قدمت بخيلك فقاتلتنا قبل أن نقاتلك ، وبدأتنا بالقتال ونحن من رأينا الكف حتى ندعوك ، ونحتج عليك. وهذه اخرى قد فعلتموها ، حتى حلتم بين الناس وبين الماء. فخل بينهم وبينه حتى ننظر فيما بيننا وبينكم ، وفيما قدمنا له وقدمتم. وان كان أحب إليك أن ندع ما جئنا له وندع الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا »

وانطلق صعصعة الى معاوية فعرض عليه كلام الامام فاستشار اصحابه فقال له الوليد بن عقبة :

« امنعهم الماء كما منعوه ابن عفان : حصروه اربعين يوما يمنعونه برد الماء ، ولين الطعام ، اقتلهم عطشا قتلهم الله »

وأشار عليه ابن العاص بالسماح لهم ولكن الوليد اعاد مقالته ،

__________________

(1) وقعة صفين : ص 160 / 161

٤٣٦

وانبرى عبد الله بن سعد بن أبي سرح فقال له :

« امنعهم الماء الى الليل ، فانهم إن لم يقدروا عليه رجعوا ، وكان رجوعهم هزيمتهم. امنعهم الماء منعهم الله يوم القيامة »

فثار صعصعة ولم يسعه السكوت فقال له :

« إنما يمنعه الله يوم القيامة الكفرة الفجرة شربة الخمر ، ضربك وضرب هذا الفاسق ـ واشار الى الوليد ـ » وتواثبوا عليه يشتمونه ويتهددونه ، فأمرهم معاوية بالكف عنه ، ورجع صعصعة ولم تنتج سفارته شيئا ، فخف الى الامام الأشعث بن قيس(1) فقال له :

« يا أمير المؤمنين. أيمنعنا القوم ماء الفرات وأنت فينا ومعنا السيوف

__________________

(1) الاشعث بن قيس الكندي وفد على رسول الله (ص) مع قومه وكان زعيمهم في السنة العاشرة من الهجرة فاسلم واسلم معه قومه ، ولما توفى النبيّ ارتد الاشعث عن الاسلام ثم رجع إليه في خلافة ابى بكر ، فزوجه ابو بكر اخته أمّ فروة بنت ابي قحافة ، وهي أمّ محمد بن الاشعث ولما مات ابو بكر خرج الاشعث ، مع سعد بن ابي وقاص الى القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند. وبنى له دارا بالكوفة في محلة كندة فنزلها هلك سنة اثنتين واربعين من الهجرة وقيل سنة اربعين وصلى عليه الامام الحسن الاستيعاب 1 / 110 ، وجاء في شرح النهج 1 / 130 ان الاشعث طمع بالملك بعد وفاة النبي فدعا قومه ان يتوجوه فاجابوه لذلك فحارب المسلمين مع المرتدين حتى حوصر في حصنه اياما ولما يئس من الغلبة استسلم على ان يصان دمه ودم عشرة من اصحابه فاعطاه المسلمون ذلك ونجا من القتل واسف ابو بكر على عدم قتله فقال عند احتضاره : وددت اني يوم جيء بالاشعث كنت ضربت عنقه فانه يخيل لي انه لا يرى شرا الا اعان عليه.

٤٣٧

خل عنا وعن القوم فو الله لا نرجع حتى نرده أو نموت. ومر الاشتر فليعل بخيله فيقف حيث تأمره »

فمنحه الامام الأذن ، ولما ظفر الاشعث بذلك رجع الى قومه وهو يهتف بهم :

« من كان يريد الماء او الموت فميعاده الصبح ، فانى ناهض الى الماء ».

فأجابه اثنا عشر الفا ، فلما رآهم قام مزهوا يشد عليه لامة حربه وهو يقول :

ميعادنا اليوم بياض الصبح

هل يصلح الزاد بغير ملح

لا لا ، ولا أمر بغير نصح

دبوا الى القوم بطعن سمح

مثل العزالى بطعان نفح(1)

لا صلح للقوم واين صلحى

حسبي من الاقحام قاب رمح

ولما اندلع لسان الصبح دبت جماهير العراقيين الى الاشعث فحمل بهم على أهل الشام وهو يقول لقومه :

« بأبي أنتم وأمي تقدموا قاب رمحي »(2)

ولم يزل يهتف بقومه ، ويبعث في نفوسهم روح العزم والنشاط حتى خالطوا أهل الشام ، وصاح بهم الاشعث :

« خلوا عن الماء »

__________________

(1) العزالى : ـ جمع عزلاء بالفتح ـ فم المزادة شبه بها اتساع الطعنة واندفاق الدماء منها ، النفح : الدفع ، وطعنة نفاحة دفاعة بالدم

(2) قاب رمحي : اي قدره

٤٣٨

فأجابه أبو الأعور السلمي(1) : بعدم السماح لهم ، وهجم الاشعث ومن معه على صفوف أهل الشام فار الوهم عن الفرات والحقوا بهم خسائر فادحة في الاموال والنفوس ، ولما ملك العراقيون الفرات سمح الامام لأهل الشام أن يردوا منه ، ولم يكل لهم صاعا بصاع ولم يعمل معهم الا عمل المحسن الكريم.

ايفاد السفراء الى معاوية :

وقبل أن يدق جرس الحرب أوفد الامام رسل السلام الى معاوية كما اوفدهم من قبل في معركة الجمل رجاء في الصلح وحقن الدماء ، والذين بعثهم للقياهم : عدى بن حاتم ، وشبث بن ربعي ، ويزيد بن قيس ، وزياد بن حفصة ، فتكلم معه عدى بن حاتم فقال له :

« أما بعد : فانا أتيناك لندعوك الى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمتنا ويحقن به دماء المسلمين ، وندعوك الى افضلها سابقة واحسنها في الاسلام آثارا(2) وقد اجتمع له الناس ، وقد ارشدهم الله بالذي رأوا ، فلم يبق احد غيرك وغير من معك ، فانته يا معاوية من قبل أن يصيبك الله واصحابك بمثل يوم الجمل »

__________________

(1) ابو الأعور السلمي : هو عمرو بن سفيان قال ابو حاتم الرازي لا يعد من الصحابة ولا تصح روايته ، شهد حنينا وهو كافر ثم اسلم ، وكان من اشد الناس على الامام في صفين ، وكان الامام يدعو عليه في قنوته في صلاة الغداة الاستيعاب 4 / 14

(2) وجاء في تأريخ الطبري : ان ابن عمك سيد المسلمين افضلها سابقة واحسنها في الاسلام آثارا.

٤٣٩

وهي دعوة حق لو وعاها ابن هند واستجاب لها لحقن دماء المسلمين وجمع كلمتهم ولكنه آثر مصالحه على ذلك فقال لعدى :

« كأنك إنما جئت متهددا ولم تأت مصلحا. هيهات يا عدي. كلا والله لابن حرب ما يقعقع لي بالشنان(1) أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان ، وانك لممن قتلته ، وإني لارجو أن تكون ممن يقتله الله. هيهات يا عدى قد حلبت بالساعد الاشد »

لقد اظهر له الغي والتمرد والإيثار للحرب وذلك لما يتمتع به من القوى العسكرية والقدرة على مناجزة الامام وتكلم معه يزيد بن قيس فقال له :

« إنا لم نأتك الا لنبلغك ما بعثنا به إليك ، ولنؤدى عنك ما سمعنا منك ، لن ندع أن ننصح لك ، وأن نذكر ما ظننا أن لنا به عليك حجة او أنه راجع بك الى الالفة والجماعة. إن صاحبنا لمن قد عرفت وعرف المسلمون فضله ، ولا أظنه يخفى عليك : إن أهل الدين والفضل لن يعدلوك بعلي ولن يميلوا بينك وبينه(2) فاتق الله يا معاوية ، ولا تخالف عليا ، فانا والله ما رأينا رجلا قط اعمل بالتقوى ، ولا ازهد في الدنيا ، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه »

إن معاوية يعلم فضل أمير المؤمنين ولكن احقاده واطماعه يحولان بينه وبين الحق فآثر حربه ومناجزته فاجاب القوم قائلا :

« أما بعد : فانكم دعوتم الى الطاعة والجماعة. فأما الجماعة التي

__________________

(1) الشنان : جمع شن ، وهو القربة الخلق فقد كانوا يحركونها اذا ارادوا حث الابل على المسير.

(2) التمييل بين الشيئين الترجيح بينهما.

٤٤٠

441

442

443

444

445

446

447

448

449

450

451

452

453

454

455

456

457

458

459

460

461

462

463

464

465

466

467

468

469

470

471

472

473

474

475

476

477

478

479

480

481

482

483

484

485

486

487

488

489

490

491

492

493

494

495

496

497

498

499

500

501

502

503

504

505

506

507

508

509

510

511

512

513

514

515

516

517

518

519

520

521

522

523

524

525

526

527

528

529

530