نهاية الحكمة

نهاية الحكمة0%

نهاية الحكمة مؤلف:
تصنيف: مكتبة الفلسفة والعرفان
الصفحات: 437

نهاية الحكمة

مؤلف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
تصنيف:

الصفحات: 437
المشاهدات: 47726
تحميل: 2106

توضيحات:

نهاية الحكمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 437 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 47726 / تحميل: 2106
الحجم الحجم الحجم
نهاية الحكمة

نهاية الحكمة

مؤلف:
العربية

الملائم بما أنّه ملائمٌ ، والألم إدراك المنافي بما أنّه مناف. فهما من الكيف بما أنّهما من سنخ الإدراك.

وينقسمان بإنقسام الإدراك فمنهما حسيٌّ وخياليٌّ وعقليٌّ؛ فاللذّة الحسيّة كإدراك النفس الحلاوةَ من طريق الذوقِ والرائحةَ الطيّبة من طريق الشمّ؛ واللذّةُ الخياليّة إدراكها الصورةَ الخياليّةَ من بعض الملذّات الحسيّة؛ واللذّة العقليّة إدراكها بعضَ ما نالَتْه من الكمالات الحقّة العقليّة ، واللذّة العقليّة أشدّ اللذائذ وأقواها لتجرُّدِها وثباتها.

والألم الحسيّ والخياليّ والعقليّ على خلاف اللذّة في كلّ من هذه الأبواب.

واللذّة على أيّ حال وجوديّةٌ ، والألم عدميٌّ يقابلها تقابُلَ العدم والملكة.

لا يقال (1) : لا ريب في أنّ الألم شرٌّ بالذات ، وإذ كان هو إدراك المنافي بما أنّه مناف كان أمراً وجوديّاً ، لأنّ الإدراك أمرٌ وجوديٌّ ، وبهذا ينفسخ قولهم : «إنّ الشرّ عدم لا غير».

لأنّه يقال (2) : وجودُ كلِّ شيء هو نفس ذلك الشيء ذهنيّاً كان أو خارجيّاً ، فحضور أيّ أمر عدميٍّ عند المدرك هو نفسُ ذلك الأمر العدميّ لاتّحاد الوجود والماهيّة والعلم والمعلوم ، فالألم الموجود في ظرف الإدراك مصداق للألم ، وهو بعينه الألم العدميّ الذي هو شرٌّ بالذات.

تنبيهٌ :

ما مرّ من القول في الكيف وأحكامه وخواصّه هو المأثور من الحكماء المتقدّمين. وللمتأخّرين من علماء الطبيعة خوضٌ عميقٌ فيما عَدَّه المتقدّمون من

__________________

(1) هذا الإشكال أورده الفخر الرازيّ على الشيخ الرئيس في شرحه للإشارات ، فراجع شرحي الإشارات ج 2 ص 88 ـ 89 وتعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 126 ، وج 7 ص 63 ، والحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى ص 253.

(2) والقائل صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 126 ، وج 7 ص 63 ـ 66. وقد بسط الكلام في الإشكال المذكور والجواب عنه الحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى ص 253 ـ 258.

١٦١

الكيف ، عثروا فيه على أحكام وآثار جمّة ينبغي للباحث المتدبّر أن يراجعها ويراعي جانبها في البحث.

الفصل السادس عشر

في الإضافة

وفيه أبحاث :

البحث الأوّل : [في معنى نسبيّة المقولات]

قد عرفت(1) أنّ سبعاً من المقولات أعراضٌ نسبيّةٌ ، وهي : الإضافة والأين والمتى والوضع والجِدَة وأن يفعل وأن ينفعل ، ومعنى نسبيّتها أنّها هيئاتٌ قائمةٌ بموضوعاتها من نِسَب موجودة فيها ، لا أنّ هذه المقولات عين تلك النِسَب الوجوديّة ، وذلك أنّك عرفت في بحث الوجود الرابط والمستقلّ(2) أنّ النسبة رابطة موجودة في غيرها لا استقلالَ لها أصلا لا يُحمَل على شيء ولا يُحمَل عليها شيءٌ ، فلا ماهيّةَ لها ، لأنّ الماهيّة ما يقال على الشيء في جواب (ما هو؟) ، والمقولات ماهيّات جنسيّة ، فلا تكون النسبة مقولةً ولا داخلةً تحت مقولة.

على أنّ النسبة في بعض هذه المقولات متكرّرةٌ متكثّرةٌ ، ولا معنى لتكرُّرِ الماهيّة ، كمقولة الإضافة التي يجب فيها تكرّر النسبه ، ومقولة الوضع التي فيها نسبة بعض أجزاء الشيء إلى بعض ونسبة المجموع إلى الخارج ، وربّما قامت على نِسَب كثيرة جدّاً.

فتبيّن أنّ المقولة النسبيّة هي هيأةٌ حاصلةٌ للشيء من نسبة كذا وكذا قائمةٌ به.

البحث الثاني : [في تعريف الإضافة]

أنّ الإضافة هيأةٌ حاصلةٌ من نسبة الشيء إلى شيء آخر منسوب إلى الشيء

__________________

(1) في الفصل الأوّل من هذه المرحلة.

(2) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثانية.

١٦٢

الأوّل المنسوب إليه(1) كهيأة الإضافة التي في الأخ ، فإنّ فيها نسبة الأخ بالأخوّة إلى أخيه المنسوبِ إلى هذا الأخ المنسوبِ إليه بالاُخوّة.

[الفرق بينها وبين مطلق النسبة]

فالنسبة التي في مقولة الإضافة متكرّرة(2) ، وهو الفرق بين ما فيها من النسبة وبين مطلق النسبة ، فإنّ وجود مطلق النسبة واحدٌ قائمٌ بالطرفين مطلقاً ، بخلاف الحال في مقولة الإضافة ، فإنّ النسبة فيها متكرّرة ، لكلٍّ من المضافين نسبةٌ غير ما في الآخر ، غير أنّهما متلازمان لا تنفكّان في ذهن ولا خارج.

وما أوردناه من تعريف الإضافة ليس بحدٍّ منطقيٍّ(3) ـ كما تقدّمت الإشارة إليه في نظائره(4) ـ ، بل رسمٌ إن كان أعرف من المعرَّف.

ولعلّ المعقول من لفظ «الإضافة» مشفّعاً ببعض ما له من الأمثلة أعرف عند العقل ممّا أوردناه من الرسم ، فلا كثير جدوى في إطالة البحث عن قيوده نقضاً وإبراماً ، وكذا في سائر ما أوردوه لها من التعاريف(5) .

[والفرق بين المضاف الحقيقيّ والمشهوريّ]

ثمّ إنّه ربّما يُطلق المضاف ويراد به نفس المقولة ويسمّى عندهم بـ «المضاف الحقيقيّ» ، وربّما يُطلق ويراد به موضوع المقولة ، وربّما يطلق ويراد به الموضوع والعرض جميعاً ويسمّى «المضاف المشهوريّ» ، فإنّ العامّة ترى أنّ المضاف إلى

__________________

(1) أي إلى شيء آخر.

(2) راجع الفصل الثالث من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء.

(3) قال صدر المتألّهين في شرح الهداية الأثيريّة ص 272 : «واعلم انّ معرفة الإضافة بديهيّة ، والتعريف للتنبيه ، وإلاّ لكان دوريّاً».

(4) كالكم والكيف ، راجع الفصلين الثامن والحادي عشر من هذه المرحلة.

(5) إنّ عباراتهم في تعريف الإضافة مختلفة. فراجع الفصل الثالث من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، والتحصيل ص 404 ، ومنطق أرسطو ج 1 ص 48 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 434 ، وشرح المقاصد ص 280 ، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 94 ، وشرح المواقف ص 346 ، وشرح الهداية الأثيريّه لصدر المتألّهين ص 271.

١٦٣

الابن ـ مثلا ـ هو الإنسان المتلبّس بالبنوّة ، والحال أنّ التعلّق من الجانبين إنّما هو للإضافة نفسها بالحقيقة.

البحث الثالث : [في أنّ الإضافة موجودة في الخارج]

الإضافة موجودةٌ في الخارج(1) والحسّ يؤيّد ذلك ، لوقوعها على أنواع من الإضافات الخارجيّة التي لها آثار عينيّة لا يُرتاب فيها ، كإضافة الأب والإبن ، والعلّو والسفل ، والقُرْب والبُعْد ، وغير ذلك.

وأمّا نحو وجودها ، فالعقل ينتزع من الموضوعين الواجدين للنسبة المتكرّرة المتلازمة وصفاً ناعتاً لهما انتزاعاً من غير ضمِّ ضميمة ، فهي موجودةٌ بوجود موضوعها من دون أن يكون بإزائه وجودٌ منحازٌ مستقلٌّ(2) .

قال في الأسفار ـ بعدَ كلام له في هذا المعنى ـ : «وبالجملة إنّ المضاف ـ بما هو مضاف ـ بسيطٌ ، ليس له وجودٌ في الخارج مستقلٌّ مفردٌ ، بل وجوده أن يكون لاحقاً بأشياء كوْنُها بحيث يكون لها مقايسةً إلى غيرها ، فوجود السماء في ذاتها وجودُ الجواهر ، ووجودها بحيث إذا قيس إلى الأرض عُقِلتْ الفوقيّة وجود الإضافات»(3) ـ إنتهى.

البحث الرابع : [في بعض أحكام الإضافة]

من أحكام الإضافة أنّ المضافين متكافئان وجوداً وعدماً ، وقوّةً وفعلا(4) ،

__________________

(1) هذا مذهب أكثر الحكماء ، كالشيخ الرئيس في الفصل العاشر من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء. وذهب جمهورالمتكلّمين وبعض الحكماء إلى أنّه لا تحقّق لها في الخارج ، بل انّها من الإعتبارات الذهنيّة الكلّية ، ومنهم المحقّق الطوسيّ ، حيث قال : «وثبوته ذهنيٌّ» واستدل عليه بوجوه ، راجع كشف المراد ص 258 ـ 260 ، وشرح التجريد للقوشجيّ ص 288 ، وشوارق الإلهام ص 456 ـ 457.

(2) قال الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء : «وأمّا الإضافة نفسها فانّها تتحصّل في العقل مع تحصيل موضوعها».

(3) راجع الأسفار ج 4 ص 204.

(4) راجع الفصلين الثالث والرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء ،

١٦٤

فإذا كان أحدهما موجوداً كان الآخر موجوداً ، وكذا في جانب العدم ، وإذا كان أحدهما بالقوّة فالآخر بالقوّة ، وكذا في جانب الفعل.

واعتُرِض عليه : بأنّه منقوضٌ بالتقدّم والتأخّر في أجزاء الزمان ، فإنّ المتقدّم والمتأخّر منها مضافان مع أنّ وجود أحدهما يلازم عدمَ الآخر(1) .

ومنقوضٌ أيضاً بعِلْمِنا ببعض الاُمور المستقبلة ، فالعلم موجودٌ في الحال والمعلوم معدومٌ لم يوجد بعدُ مع أنّ العلم والمعلوم من المضافين(2) .

واُجيب (3) : أمّا عن أوّل النقضَيْن : فبأنّ معيّةَ أجزاء الزّمان ليست آنيّةً بأن يكون الجزءان موجودَيْن في آن واحد ، بل معيّتهما إتّصالُهما في الوجود الوحدانيّ التدريجيّ الذي معيّتهما فيه عين التقدّم والتأخّر فيه ، كما أنّ وحدة العدد عين كثرته.

وأمّا عن النقض الثاني(4) : فبأنّ الإضافة إنّما هي بين العلم وبين الصورة

__________________

والأسفار ج 4 ص 192 ـ 195 ، وكشف المراد ص 257.

(1) هذا الإعتراض تعرّض له الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، والفصل الأخير من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء.

(2) هذا الاعتراض تعرّض له الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء. والعجب من الاُستاذ المحقّق مصباح اليزديّ ، حيث قال في تعليقة نهاية الحكمة الرقم (193) : «وأمّا الإشكال الثاني فلم يتعرّض له الشيخ في الشفاء» ، وهو لعدم التفاته إلى أنّ الشيخ تعرّض له في منطق الشفاء كما ذكرنا.

(3) والمجيب صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 202. وأجاب عنه أيضاً الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، والفصل الأخير من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء. وردّه صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 193 تبعاً للرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 432.

(4) والمجيب أيضاً صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 194. وأجاب عنه أيضاً الشيخ الرئيس في الفصل الرابع من المقالة الرابعة من الفنّ الثاني من منطق الشفاء ، حيث قال : «وأمّا العلم بالقيامة فإنّه انّما هو في حكم سيكون ، فانّ العلم بها أنّها ستكون علْمٌ بحال من أحوالها موجودٌ في الذهن مع وجود العلم بأنّها هي ستكون ، لا عند ما تكون ، بل قبل ذلك

١٦٥

الحاضرة من المعلوم عند العالِم ، وهو المعلوم بالذات دون المعلوم بالعرض الذي هو عينٌ خارجيٌّ ، والاُمور المستقبلة حاضرةٌ بصورتها المعلومة بالذات عند العالِم وإن كانت غائبةً بعينها الخارجيّة المعلومة بالعرض ، على أنّ الحقّ أنّ العلم عين المعلوم(1) ، كما سيأتي في مرحلة العاقل والمعقول(2) .

وكما يتكافأ المضافان وجوداً وعدماً وقوّةً وفعلا ، كذلك يتكافئان عموماً وخصوصاً ، فالاُبوّةُ العامّة تُضايِف البنوّةَ العامّة ، والاُبوّةُ الشخصيّة تُضايِف البنوّةَ الشخصيّة.

ومن خواصّ الإضافة أنّها تعرض جميع المقولات حتّى نفسها(3) ، ففي الجوهر كالأب والابن ، وفي الكمّ المتّصل كالعظيم والصغير ، وفي الكمّ المنفصل كالكثير والقليل ، وفي الكيف كالأحرّ والأبرد ، وفي الاضافة كالأقرب والأبعد ، وفي الأين كالعالي والسافل(4) ، وفي المتى كالأقدم والأحدث ، وفي الوضع كالأشدّ انتصاباً وانحناء ، وفي الجِدَة كالأكسى والأعرى ، وفي أن يفعل كالأقطع والأصرم ، وفي أن ينفعل كالأشدّ تسخّناً والأضعف.

البحث الخامس :

تنقسم الإضافة إلى متشاكلةِ الأطراف ، وهي التي لا اختلافَ بين أطرافها

__________________

عندما هي معدومة في الأعيان موجودة في النفس ...» ، وتعرّض له الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 432 من دون أن ينسبه إلى الشيخ الرئيس ، ومن هنا زعم الاُستاذ المحقّق مصباح اليزدي أنّ هذا الجواب ممّا أجاب به الفخر الرازيّ ، فراجع تعليقته على نهاية الحكمة الرقم (193).

(1) قال الشيخ الرئيس في التعليقات ص 95 : «المعلوم نفس العلم».

(2) راجع الفصل الثاني من المرحلة الحادية عشرة.

(3) راجع الأسفار ج 4 ص 209 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 441 ، وشرح المواقف ص 348 ، وشرح المقاصد ج 1 ص 282.

(4) في شرح المواقف ص 348 : «كالأعلى والأسفل».

١٦٦

كالقريب والقريب والأخ والأخ والجار والجار؛ ومختلفةِ الأطراف كالأب والابن ، والعالي والسافل.

وتنقسم أيضاً إلى ما هو خارجيٌ ، كالأب والابن ، وما هو ذهنيٌّ كالكلّيّ والفرد والأعمّ والأخصّ.

الفصل السابع عشر

في الأين

وفيه أبحاث :

البحث الأوّل : [في تعريف الأين]

الأين هيأةٌ حاصلةٌ للجسم من نسبته إلى المكان(1) .

والمكان بما له من الصفات المعروفة عندنا بديهيُّ الثبوت ، فهو الذي يصحّ أن ينتقل الجسم عنه وإليه ، وأن يسكن فيه ، وأن يكون ذا وضع ـ أي مشاراً إليه بأنّه هنا أو هناك ـ ، وأن يكون مقدّراً له نصف وثلث وربع ، وأن يكون بحيث يمتنع حصول جسمين في واحد منه.

قال صدر المتألّهين (قدس سره) : «هذه أربع أمارات تصالح عليها المتنازعون لئلا يكون النزاع لفظيّاً»(2) .

وقد اختلفوا في حقيقته على أقوال خمسة : (أحدها) أنّه هيولى الجسم(3) .

و (الثاني) أنّه الصورة(4) . و (الثالث) أنّه سطحٌ من جسم يلاقي المتمكّن ، سواء

__________________

(1) إعلم أنّ عباراتهم في تعريف الأين مختلفة. فراجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، وشرح عيون الحكمة ج 1 ص 111 ، وشرح المنظومة ص 143 ، وكشف المراد ص 261 ، والبصائر النصيريّة ص 33

(2) راجع الأسفار ج 4 ص 39.

(3 و 4) تعرّض لهما الشيخ الرئيس في الفصل السادس والسابع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء ، ولم يشر إلى قائلهما. ونُسبا إلى جماعة من الأوائل في شوارق الإلهام ص 300.

١٦٧

كان حاوياً أو محويّاً له(1) .

و (الرابع) أنّه السطح الباطن من الحاوي المماسّ للسطح الظاهر من المحوي ، وهو قول المعلّم الأوّل(2) وتبعه الشيخان الفارابيّ(3) وابن سينا(4) .

و (الخامس) أنّه بُعدٌ يساوي أقطار الجسم المتمكّن ، فيكون بُعداً جوهريّاً مجرّداً عن المادّة ، وهو قول أفلاطون(5) والرواقيّين(6) ، واختاره المحقّق الطوسي(7) (قدس سره) وصدر المتألّهين(8) . فهذه أقوال خمسة. (سادسها) قولُ بعضهم بإنكار المكان(9) .

__________________

وقال صاحب المواقف ـ بعد التعرّض للقول الأوّل ـ : «وهذا المذهب يُنسب إلى أفلاطون. ولعلّه اطلق الهيولى عليه باشتراك اللفظ». راجع كلام الماتن في شرح المواقف ص 220.

وقال شارح المواقف ـ بعد التعرّض للقول الثاني ـ : «وهذا المذهب أيضاً ينسب إلى أفلاطون. قالوا : لمّا ذهب إلى أنّ المكان هو الفضاء والبعد المجرّد سمّاه تارةً بالهيولى لما سبق من المناسبة ، واُخرى بالصورة لأنّ الجواهر الجسمانية قابلة له بنفوذه فيها دون الجواهر المجرّدة». راجع شرح المواقف ص 221.

(1) تعرّض له أرسطو في كتابه «الطبيعيات» ، راجع كتاب «طبيعيات أرسطو» بالفارسيّة ص 127.

(2) راجع كتاب «طبيعيات أرسطو» ص 139. ونُسب إليه أيضاً في شرح الهداية الأثيريّة لصدر المتألّهين ص 77 ، والأسفار ج 4 ص 43.

(3) نُسب إليه في الأسفار ج 4 ص 43.

(4) راجع الفصل السادس والتاسع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.

(5) نُسب إليه في شرح المواقف ص 224. وقال السيّد الداماد : «إنّ البعد المفطور المكاني المجرّد قد أبطله أفلاطون بالبراهين ، والشيخ الرئيس نَقَل ذلك عنه في الشفاء ، وشارحا الاشارات امام المتشككين وخاتم المحقّقين نقلا عنه. ثمّ ينسب فريقٌ من هؤلاء المختلفين اثباته إليه» ، راجع القبسات ص 164.

(6) نُسب إليهم في الأسفار ج 4 ص 43 ، وبدائع الحكمة ص 11.

(7) راجع كلام الماتن في كشف المراد ص 152 ، وشرح التجريد للقوشجيّ ص 156 ، وشوارق الإلهام ص 301.

(8) راجع الأسفار ج 4 ص 43.

(9) هذا مذهب المتكلّمين. قال الميبديّ في شرح الهداية الأثيريّة ص 61 : «مذهب الإشراقيين أنّ المكان موجود في الخارج. ومذهب المتكلّمين أنّه لا شيء بمعنى أنّه معدوم في الخارج». وتعرض له الخفريّ أيضاً في تعليقاته عليه ص 63. وذكر الشيخ الرئيس حججهم ، ثمّ أجاب عنها في الفصل الخامس من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.

١٦٨

وإذ كانت الأمارات الأربع المذكورة آنفاً بديهيّةً لا يُرتاب فيها ، فعلى المنكرين أن يرجعوه إلى مقولة الوضع ، فغيرها من الجوهر وسائر الأعراض لا ينطبق عليه ألبتّةَ.

لكن يرد عليه : أنّ الجسم ربّما ينتقل من مكان إلى مكان مع عدم التغيّر في جوهره وسائر أعراضه غير الأين وربّما يعرضه التغيّر فيه مع عدم الانتقال ، فالمكان غير الجميع حتى الوضع.

والقول بأنّه الهيولى أو الصورة لا تنطبق عليه الأمارات السابقة ، فإنّ المكان يُطلب بالحركة ويُترك بالحركة ، والهيولى وكذا الصورة لا تُطلبان بالحركة ولا تتُركان بالحركة ، وأيضاً المركّب يُنسب إلى الهيولى فيقال : «باب خشبيّ» أو «من حديد» ولا يُنسب إلى المكان.

فالمعتمد هو القول بالسطح أو البعد الجوهريّ المجرّد عن المادّة.

وللفريقَيْن إحتجاجات ومشاجرات طويلة مذكورة في المطوّلات(1) .

ومن أقوى ما يورد على القول بالسطح(2) أنّ لازِمَهُ كون الشيء ساكناً ومتحرّكاً في زمان واحد ، فالطير الواقف في الهواء والسمك الواقف في الماء عند ما يجري الهواء والماء عليهما يجب أن يكونا متحرّكين لتبدّل السطح المحيط بهما من الهواء والماء وهما ساكنان بالضرورة.

وأيضاً المكان متّصفٌ بالفراغ والإمتلاء ، وذلك نعتُ البعد لا نعت السطح.

ومن أقوى ما يورد على القول بالبُعد الجوهريّ المجرّد(3) أنّ لازِمَهُ تداخُلُ المقدارين ، وهو محال ، فإنّ فيه حلولُ الجسم بمقداره الشخصيِّ الذّاهب في

__________________

(1) راجع الفصل السادس والسابع والثامن والتاسع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء ، والمباحث المشرقية ج 1 ص 223 ـ 228 ، والأسفار ج 4 ص 42 ـ 48 ، وشوارق الإلهام ص 301 ـ 310 ، وشرح التجريد للقوشجيّ ص 156 ـ 160.

(2) هذا الإيراد تعرّض له الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء ، ثمّ أجاب عنه في الفصل التاسع.

(3) هذا الإيراد أورده الشيخ الرئيس على أصحاب البُعد في الفصل السابع من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء.

١٦٩

الأقطار الثلاثة في المكان الذي هو مقدارٌ شخصيّ يساويه ، ورجوعُهما مقداراً شخصيّاً واحداً ولا ريب في امتناعه. اللهم إلاّ أن يمنع ذلك بأنّ من الجائز أن يكون المانع هو الهيولى مع المقدار أو الصورة مع المقدار أو هما معه.

البحث الثاني : [في محلّ الكلام]

قد عرفت أنّ الأين هيأةٌ حاصلةٌ للشيء من نسبته إلى المكان.

والكلام في كونه هيأةً حاصلةً من النسبة ، لا نفس وجود النسبة ، نظير ما تقدّم في الإضافة(1) .

البحث الثالث : [في أقسام الأين]

قد يقسم الأين إلى أوّل حقيقيٍّ وثان غيرِ حقيقيٍّ ، فالأوّل كون الشيء في مكانه الخاصّ به الذي لا يسعه فيه غيره معه ككون الماء في الكوز ، والثاني نظير قولنا : «فلانٌ في البيت» ، فليس البيت مشغولا به وحده ، بل يسعه وغيره ، وأبعد منه كونه في الدار ثمّ في البلد وهكذا(2) . والتقيسم غيرُ حقيقيٍّ ، والمقسَمُ هو الأين بحسب توسّع العرف العام.

ويقرب منه تقسيمُهُ إلى أين جنسيٍّ وهو الكون في المكان ، وأين نوعيٍّ كالكون في الهواء ، وأين شخصيٍّ ككون هذا الشخص في هذا الوقت في مكانه الحقيقيّ(3) .

الفصل الثامن عشر

في المتى

وهو الهيأة الحاصلة للشيء من نسبته إلى الزمان.

سيأتي إن شاء الله(4) أنّ لكلِّ حركة بما لها من الوجود السيّال التدريجيّ

__________________

(1) في الفصل السابق.

(2 و 3) ولمزيد التوضيح راجع الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 453 ، والأسفار ج 4 ص 217.

(4) في الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.

١٧٠

مقداراً غيرَ قارٍّ يخصّها ويغاير ما لغيرها من الإمتداد غير القارّ ، فلكلِّ حركة خاصّة واحدة بالعدد زمانٌ خاصٌّ واحدٌ بالعدد ، غير أنّ بعض هذه الأزمنة يقبل الإنطباق على بعض ، والزمان العامّ المستمرّ الذي نقدّر به الحركات زمانُ الحركة اليوميّة المأخوذُ مقياساً نقيس به الأزمنة والحركات ، فيتعيّن به نِسَبُ بعضها إلى بعض بالتقدّم والتأخّر والطول والقصر ، وللحوادث بحسب مالها من النسبة إلى الزمان هيأة حاصلةٌ لها هي المتى.

ويقرب الكلام في المتى من الكلام في الأين ، فهناك متى يخصّ الحركة لا يسع معها غيرها وهو المتى الأوّل الحقيقيّ ، ومنه ما يعمّها وغيرها ككون هذه الحركة الواقعة في ساعة كذا ، أو في يوم كذا ، أو في شهر كذا ، أو في سنة كذا ، أو في قرن كذا ، وهكذا.

والفرق بين الأين والمتى في هذا الباب أنّ الزّمان الخاصّ الواحد يشترك فيه كثيرون بانطباقها عليه ، بخلاف الأين الخاصّ الواحد فلا يسع إلاّ جسماً واحداً(1) .

وينقسم المتى نوعَ انقسام بانقسام الحوادث الزمانيّة ، فمنها ما هو تدريجيّ الوجود ينطبق على الزمان نفسه ، ومنها ما هو آنيّ الوجود ينتسب إلى طرف الزمان كالوصولات والمماسّات والانفصالات.

وينقسم أيضاً ـ كما قيل ـ إلى ما بالذات وما بالعرض ، فما بالذات متى الحركات المنطبقة على الزمان بذاتها ، وما بالعرض متى المتحرّكات المنطبقة عليه بواسطة حركاتها ، وأمّا بحسب جوهر ذاتها فلا متى لها. وهذا مبنيٌّ على منْعِ

__________________

(1) وتعرّض للفرق المذكور صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 219 ، ثمّ قال : «هكذا قيل». أقول : والقائل بالفرق الشيخ الرئيس في الفصل الخامس من المقالة السادسة من الفن الثانى من منطق الشفاء. وتبعه الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 454 ـ 455 ، والعلاّمة الحلّي في كشف المراد ص 257 ، والتفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 284 ، وابن سهلان الساوجيّ في البصائر النصيريّة ص 34. وخالفهم صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 219 ، وشرحه للهداية الأثيريّة ص 271.

١٧١

الحركة الجوهريّه ، وأمّا على القول به ـ كما سيأتي إن شاء الله(1) ـ فلا فرق بين الحركة والمتحرّك في ذلك.

وينقسم أيضاً بانقسام المقولات الواقعة فيها الحركات(2) .

الفصل التاسع عشر

في الوضع

الوضع هو الهيأة الحاصلة للشيء من نسبة بعض أجزائه إلى بعض والمجموع إلى الخارج(3) كهيأة القيام والقعود والاستلقاء والانبطاح.

وينقسم الوضع إلى ما بالطبع وما لا بالطبع. أمّا الذي بالطبع فكاستقرار الشجرة على أصلها وساقها ، والذي لا بالطبع فكحال ساكنِ البيت من البيت(4) .

وينقسم إلى ما بالفعل وما بالقوّة(5) .

قيل(6) : الوضع ممّا يقع فيه التضادّ والشدّة والضعف. أمّا التضادّ فمثل كون

__________________

(1) راجع الفصل الثامن من المرحلة التاسعة.

(2) المشهور بين القدماء من الحكماء أنّ المقولات التي تقع فيها الحركة أربع : الكيف والكم والأين والوضع. سيأتي توضيحه في الفصل السابع من المرحلة التاسعة.

(3) هكذا عرّفه الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء ، والتعليقات ص 43. وقال الفخر الرازيّ في شرح عيون الحكمة ج 1 ص 113 : «لفظ الشيخ في تعريف مقولة الوضع مضطرب في جميع كتبه».

(4) راجع الأسفار ج 4 ص 222.

(5) أمّا بالفعل قد يكون بالطبع كوضع الأرض من الفلك ، وقد يكون لا بالطبع كحال ساكن البيت من البيت ، وأمّا بالقوّه كما يتوهّم قرب دائرة الرحي إلى قطبها ونسبته إلى دائرة القطب ليست بالفعل إذ لا دائرة بالفعل ، فلا وضع إلاّ بالتوهم أو بالقوّة. راجع الأسفار ج 4 ص 222 ، والتحصيل ص 415 ، والمقاومات 145 ، والمطارحات ص 276.

(6) والقائل كثيرٌ من الحكماء والمتكلّمين ، كفخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 455 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 222 ـ 223 ، وبهمنيار في التحصيل ص 415 ، والتفتازاني في شرح المقاصد ج 1 ص 284 ـ 285.

١٧٢

الإنسان رأسُهُ إلى السماء ورِجْلاه إلى الأرض مضادّاً لوضعه إذا كان معكوساً ، والوضعان معنيان وجوديّان متعاقبان على موضوع واحد من غير أن يجتمعا فيه وبينهما غاية الخلاف ، وكذا الحال في الإستلقاء والانبطاح ، وأمّا الشدّة فك الأشدّ إنتصاباً أو الأكثر انحناءً.

وفي تصوير غاية الخلاف في الوضع خفاءٌ ، فليتأمّل.

تنبيهٌ :

للوضع معنيان آخران غير المعنى المقوليّ(1) .

(أحدهما) كون الشيء قابلا للإشارة الحسيّة. والإشارة ـ كما نُقِلَ عن الشفاء ـ تعيينُ الجهة التي تخصّ الشيء من جهات هذا العالم ، وعليه فكلّ جسم وجسمانيٍّ يقبل الوضع بهذا المعنى ، فالنقطة ذات وضع بخلاف الوحدة.

و (ثانيهما) معنى أخصّ من الأوّل ، وهو كون الكم قابلا للإشارة الحسيّة بحيث يقال : أين هو من الجهات؟ وأين بعض أجزائه المتصلة به من بعض؟

لكن نُوقش فيه(2) : بأنّ الخطّ والسطح ، بل الجسم التعليميّ لا أينَ لها لولا تعلّقها بالمادّة الجسمانيّة ، فلا يكفي مجرّد الإتّصال الكميّ في إيجاب قبول الإشارة الحسيّة حتّى يقارن المادّة.

نعم للصورة الخياليّة المجردّة من الكم إشارة خياليّة وكذا للصورة العقليّة إشارة تسانخها.

الفصل العشرون

في الجِدَة

وتسمّى أيضاً «الملك» وهي : الهيأة الحاصلةُ من إحاطة شيء بشيء بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط.

والموضوع هو المحاط ، فالإحاطه التامّة كإحاطة

__________________

(1) راجع المباحث المشرقيّة ج 1 ص 455.

(2) هكذا ناقش فيه صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 221 ـ 222.

١٧٣

إهاب الحيوان به ، والإحاطة الناقصة كما في التقمّص والتنعّل والتختّم ونحو ذلك.

وتنقسم إلى جدة طبيعيّة كما في المثال الأوّل ، وغير طبيعيّة كما في غيره من الأمثلة.

قال فيالأسفار : «وقد يعبّر عن الملك بمقولة (له) ؛ فمنه طبيعيٌّ ككون القوى للنفس ، ومنه إعتبارٌ خارجيٌّ ككون الفرس لزيد.

ففي الحقيقة الملك يخالف هذا الإصطلاح ، فإنّ هذا من مقولة المضاف لا غير»(1) ـ إنتهى.

والحقّ أنّ الملك الحقيقيّ الذي في مثل كون القوى للنفس حيثيّةٌ وجوديّةٌ هي قيام وجود شيء بشيء بحيث يختصّ به فيتصرّف فيه كيف شاء ، فليس معنى مقوليّاً ، والملك الإعتباري الذي في مثل كون الفرس لزيد إعتبارٌ للملك الحقيقيّ دون مقولة الإضافة ، وسنشير إن شاء الله إلى هذا البحث في مرحلة العاقل والمعقول(2) .

الفصل الحادي والعشرون

في مقولتي أن يفعل وأن ينفعل

أمّا الأوّل فهو هيأةٌ غيرُ قارّة حاصلةٌ في الشيء المؤثِّر من تأثيره ما دام يؤثّر ، كتسخين المسخِّن ما دام يسخّن وتبريد المبرِّد ما دام يبرّد.

وأمّا الثّاني فهو هيأةٌ غيرُ قارّة حاصلةٌ في المتأثِّر ما دام يتأثّر ، كتسخُّن

__________________

(1) راجع الأسفار ج 4 ص 223. وقال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثانية من الفن الأوّل من طبيعيات الشفاء : «وأمّا مقولة الجدة فإنّي إلى هذه الغاية لم اتحقّقها». وقال أيضاً في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء : «وأمّا مقولة الجدة فلم يتّفق لي إلى هذه الغاية فهمها ، ولا أحد الاُمور التي تجعل كالأنواع لها أنواعاً لها بل يقال عليها باشتراك من الأسم أو تشابه ويشبه أن يكون غيري يعلم ذلك ، فليتأمّل هنا لك من كتبهم». وقال بهمنيار في التحصيل ص 416 : «أمّا مقولة الجدة فقد امتنع من أن يعدّ في جملة المقولات».

(2) راجع الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشرة من المتن.

١٧٤

المتسخِّن ما دام يتسخّن وتبرُّد المتبرِّد ما دام يتبرّد.

ومن خاصّة هاتين المقولتين : (أوّلا) : كما يظهر من الأمثلة أنّهما تعرضان غيرهما من المقولات كالكيف والكم والوضع وغيرها.

و (ثانياً) : أنّ معروضَهما ـ من حيث هو معروضٌ ـ لا يخلو عن حركة ، ولذا عُبّر عنهما بلفظ «أن يفعل» و «أن ينفعل» الظاهرين في الحركة والتدرّج ، دون الفعل والإنفعال اللذَيْن ربّما يُستعملان في التأثير والتأثّر الدفعيّ غير التدريجيّ(1) .

وبالجملة المقولتان هيأتان عارضتان لمعروضهما من جملة ماله من الحركة.

قال في الأسفار : «واعلم أنّ وجودَ كلٍّ منهما في الخارج ليس عبارة عن نفس السلوك إلى مرتبة ، فإنّه بعينه معنى الحركة ، ولا أيضاً وجودُ كلٍّ منهما وجودَ المقولات التي يقع بها التحريك والتحرّك ، كالكيف مثل السواد ، والكم مثل مقدار الجسم النامي ، أو الوضع كالجلوس والإنتصاب ، ولا غير ذلك.

بل وجودهما عبارة عن وجود شيء من هذه المقولات ما دام يؤثِّر أو يتأثِّر ، فوجود السواد أو السخونة مثلا من حيث إنّه سواد من باب مقولة الكيف ، ووجودُ كلٍّ منهما من حيث كونه تدريجيّاً يحصل منه تدريجيٌّ آخر أو يحصل من تدريجيٍّ آخر هو من مقولة أن يفعل أو أن ينفعل.

وأمّا نفس سلوكه التدريجيّ ـ أي خروجه من القوّة إلى الفعل ـ سواءٌ كان في جانب الفاعل أو في جانب المنفعل ، فهو عين الحركة لا غير ، فقد ثبت نحو وجودهما في الخارج وعرضيّتهما»(2) ـ إنتهى.

وأمّاالإشكال (3) في وجود المقولتَيْن بأنّ تأثير المؤثِّر يمتنع أن يكون وصفاً

__________________

(1) كذا قال الشيخ الرئيس في الفصل السادس من المقالة السادسة من الفن الثاني من منطق الشفاء.

(2) راجع الأسفار ج 4 ص 225.

(3) والمستشكل فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقية ج 1 ص 456 ـ 457. وتعرّض له التفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 285 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 225 ـ 226 ، وشرحه للهداية الأثيريّة ص 275.

١٧٥

ثبوتياً زائداً على ذات المؤثّر ، وإلاّ افتقر إلى تأثير آخر في ذلك التأثير ، وننقل الكلام إليه ، فيتسلسل ذاهباً إلى غير النهاية ، وهو محصور بين حاصرَيْن : المؤثّر والمتأثِّر.

ويجري نظير الإشكال(1) في زيادة تأثّر المتأثّر على ذات المتأثّر ، فلو كان قبول الأثر زائداً على ذات القابل احتاج إلى قبول آخر ، وننقل الكلام إليه ، فيتسلسل ، وهو محصور بين حاصرين ، فالتأثير والتأثّر ـ سواء كانا دفعيَّيْن أو تدريجيَّيْن ـ وصفان عدميّان غيرُ موجودين في الخارج.

فيدفعه(2) أنّه إنّما يتمّ فيما كان الأثر الثبوتيّ المفروض موجوداً بوجود منحاز ، يحتاج إلى تأثير مُنحاز جديد يخصّه.

وأمّا لو كان ثابتاً بثبوت أمر آخر فهو مجعول بعين الجعل المتعلّق بمتبوعه ، والتأثير والتأثّر التدريجيّان موجودان بعين إيجاد الكيف كالسواد في المسوّد والمتسوّد ، ولا دليل على وجود الشيء أقوى من صدق مفهومه على عين خارجيٍّ في قضيّة خارجيّة.

__________________

(1) والمستشكل أيضاً فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 257.

(2) كما دفعه صدر المتألّهين في الأسفار ج 4 ص 228. ودَفَعه أيضاً التفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 285 ، ولكن أورد عليه صدر المتألّهين في شرحه للهداية الأثيريّة ص 275 ، ثمّ دَفَعه بوجه آخر.

١٧٦

المرحلة السابعة

في الواحد والكثير

وفيها تسعة فصول

١٧٧
١٧٨

الفصل الأوّل

في أنّ مفهوم الوحدة والكثرة بديهيٌّ غنيٌّ عن التعريف

ينقسم الموجود إلى الواحد والكثير ، فكلُّ موجود إمّا واحدٌ وإمّا كثيرٌ. والحقّ أنّ الوحدة والكثرة من المفاهيم العامّةِ الضروريّةِ التصوّر المستغنيةِ عن التعريف كالوجوب والإمكان(1) ، ولذا كان ما عرّفوهما به من التعريف(2) لا يخلو من دور ، وتعريفِ الشيء بنفسه ، كتعريف الواحد بـ «أنّه الذي لا ينقسم من الجهة التي يقال إنّه واحد» ، ففيه أخْذُ الإنقسام الذي هو الكثرة في تعريف الواحد مضافاً إلى كونه تعريفاً للواحد بالواحد. ثمّ تعريف الكثير بـ «أنّه المجتمَع من الوحدات» ، وفيه أخْذُ الوحدة في تعريف الكثير وقد كانت الكثرة مأخوذةً في حدّ الواحد ، وهو الدور؛ مضافاً إلى كونه تعريفاً للكثير بالمجتمَع وهو الكثير بعينه.

__________________

(1) صرّح بذلك كثيرٌ من الحكماء والمتكلّمين. فراجع المباحث المشرقيّة ج 1 ص 83 ، والأسفار ج 2 ص 82 ـ 83 ، وكشف المراد ص 100 ، والمطارحات ص 308 ، وشرح المقاصد ج 1 ص 136 ، وايضاح المقاصد ص 54.

(2) كقول القائل : «الواحد هو مبدأ العدد» ، راجع المطارحات ص 246. وقد يقال : «الوحدة عدم الإنقسام إلى اُمور متشابهة ، والكثرة هي الإنقسام إليها» ، راجع شرح المقاصد ج 1 ص 136.

١٧٩

فالحقّ أنّ تعريفَهما بما عُرِّفا به تعريفٌ لفظيٌّ يراد به التنبيه على معناهما وتمييزه من بين المعاني المخزونة عند النفس(1) .

فالواحد هو : «الذي لا ينقسم من حيث إنّه لا ينقسم» ، والتقييد بالحيثيّة ليندرج فيه الواحد غير الحقيقيّ الذي ينقسم من بعض الوجوه(2) ، والكثير هو : «الذي ينقسم من حيث إنّه ينقسم».

فقد تحصّل أنّ الموجود ينقسم إلى الواحد والكثير ، وهما معنيان متباينان تبايُنَ أحد القسمين للآخر.

تنبيهٌ :

قالوا : «إنّ الوحدةَ تُساوِق الوجود»(3) ، فكلُّ موجود فهو واحدٌ من جهة أنّه موجودٌ ، حتّى أنّ الكثرة الموجودة ـ من حيث هي موجودة ـ كثرةٌ واحدةٌ ، كما يشهد بذلك عَرْض العدد لها والعدد مؤلَّف من آحاد ، يقال : كثرة واحدة وكثرتان وكثرات ثلاث ، وعشرة واحدة وعشرتان وعشرات ثلاث ، وهكذا.

وربّما يتوهّم(4) أنّ انقسام الموجود إلى الواحد والكثير ينافي كون الواحد مساوقاً للموجود ، وذلك أنّ الكثير ـ من حيث هو كثيرٌ ـ موجودٌ لمكان الانقسام المذكور ، والكثير ـ من حيث هو كثير ـ ليس بواحد ، ينتج أنّ بعض الموجود ليس بواحد ، وهو يناقض قولهم : «كلٌّ موجود فهو واحدٌ».

__________________

(1) قال الشيخ الرئيس في الفصل الثالث من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء : «ثمّ يكون تعريفنا الكثرة بالوحدة تعريفاً عقليّاً ، وهنالك نأخذ الوحدة متصوّرةً بذاتها ومن أوائل التصوّر ، ويكون تعريفنا الوحدة بالكثرة تنبيهاً». وتبعه في ذلك الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 84 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 83.

(2) هكذا قال صدرالمتألّهين في الأسفار ج 2 ص 83 ـ 84 ، وشرحه للهداية الأثيريّة ص 225.

(3) راجع النجاة ص 198 ، وكشف المراد ص 99 ، وشوارق الإلهام ص 169 ، وشرح المواقف ص 151.

(4) هذا التوهّم تعرّض له صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 90 ـ 91 ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق ص 192 ـ 193.

١٨٠