نهاية الحكمة

نهاية الحكمة0%

نهاية الحكمة مؤلف:
تصنيف: مكتبة الفلسفة والعرفان
الصفحات: 437

نهاية الحكمة

مؤلف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
تصنيف:

الصفحات: 437
المشاهدات: 52833
تحميل: 2328

توضيحات:

نهاية الحكمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 437 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 52833 / تحميل: 2328
الحجم الحجم الحجم
نهاية الحكمة

نهاية الحكمة

مؤلف:
العربية

ويدفعه (1) : أنّ للواحد إعتبارين : إعتبارُهُ في نفسه من غير قياسِ بعض مصاديقه إلى بعض ، فيساوق الموجود ، ويعمّ مصاديقه من واحد وكثير ، وإعتبارُهُ بقياس بعض مصاديقه إلى بعض ، فهناك مصاديق لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في مصاديق اُخر ، كالعشرةِ التي لا يوجد فيها من معنى عدم الانقسام ما يوجد في الواحد وإن كان فيها ذلك إذا قيس إلى العشرات.

فالكثير الذي ليس بالواحد هو المقيس من حيث هو مقيس ، والذي يقابله هو الواحد بالاعتبار الثاني ، وأمّا الواحد بالاعتبار الأوّل فهو يعمّ الواحد والكثير القسيمين جميعاً.

ونظير ذلك انقسام مطلق الموجود إلى ما بالقوّة وما بالفعل مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الموجود ، وانقسام الوجود إلى ذهنيٍّ وخارجيٍّ تترتّب عليه الآثار مع مساوقِة الخارجيّ المترتّب عليه الآثار لمطلق الوجود.

فكلّ ذلك من الاختلافات التشكيكيّة التي لحقيقة الوجود المشكّكة.

ونظير هذا التوهّم ما ربّما يتوهّم(2) أنّ الوحدة من المعاني الانتزاعيّة العقليّة ، ولو كانت حقيقةً خارجيّةً لكانت لها وحدةٌ ولوحدتها وحدةٌ وهلّم جرّاً فيتسلسل.

ويدفعه (3) : أنّ وحدتها عين ذاتها ، فهي واحدة بذاتها ، نظير ما تقدّم في الوجود(4) أنّه موجود بذاته من غير حاجة إلى وجود زائد على ذاته.

__________________

(1) كذا دَفَعه المصنّف (رحمه الله) في تعليقته على الأسفار ج 2 ص 90. ثمّ قال في آخر كلامه : «وإلى هذا يرجع آخر كلام المصنّف». وراجع كلام صدر المتألّهين في دفع هذا التوهّم في الأسفار ج 2 ص 91 ، وتعليقاته على شرح حكمة الإشراق ص 193.

(2) كما توهّمه الشيخ الإشراقيّ في المطارحات ص 385 ، وحكمة الإشراق ص 68. وتبعه المحقّق الطوسيّ في تجريد الاعتقاد على ما في شوارق الإلهام ص 183 ، وكشف المراد ص 100 ـ 101. وتعرّض له الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 85.

(3) كذا دَفَعه الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 86. وتبعه صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 89.

(4) راجع الفصل الثاني من المرحلة الاُولى من المتن.

١٨١

الفصل الثاني

في أقسام الواحد

الواحد إمّا حقيقيٌّ وإمّا غير حقيقيٍّ ، والحقيقيّ ما اتّصف بالوحدة لذاته من غير واسطة في العروض ، كالإنسان الواحد ، وغير الحقيقي بخلافه ، كالإنسان والفرس المتّحدين في الحيوان وينتهي لا محالة إلى واحد حقيقيٍّ.

والواحد الحقيقيّ إمّا ذاتٌ هي عين الوحدة ، وإمّا ذاتٌ متّصفةٌ بالوحدة.

والأوّل هو صِرْف الشيء الذي لا يتثنى ولا يتكرّر ، وتسمّى وحدته : «وحدة حقّة» ، والواحد والوحدة هناك شيء واحد والثاني كـ «الإنسان الواحد».

والواحد بالوحدة غير الحقّة إمّا واحدٌ بالخصوص وإمّا واحد بالعموم.

والأوّل هو الواحد بالعددالذي يفعل بتكرّره العدد ، والثاني كالنوع الواحد والجنس الواحد.

والواحد بالخصوص إمّا أن لا ينقسم من حيث طبيعته المعروضة للوحدة أيضاً كما لا ينقسم من حيث صفة وحدته أو ينقسم.

والأوّل إمّا نفس مفهوم الوحدة وعدم الانقسام ، وإمّا غيره؛ وغيره إمّا وضعيّ كالنقطة الواحدة ، وإمّا غيرُ وضعيٍّ كالمفارق وهو إمّا متعلّق بالمادّة بوجه ، كالنفس المتعلّقة بالمادّة في فعلها ، وإمّا غير متعلّق بها أصلا كالعقل.

والثاني وهو الذي يقبل الانقسام بحسب طبيعته المعروضة للوحدة إمّا أن يقبله بالذات كالمقدار الواحد ، وإمّا أن يقبله بالعرض كالجسم الطبيعيّ الواحد من جهة مقداره.

والواحد بالعموم إمّا واحدٌ بالعموم المفهومي ، وإمّا واحدٌ بالعموم بمعنى السعة الوجوديّة. والأوّل إمّا واحدٌ نوعيّ كالإنسان ، وامّا واحدٌ جنسيّ كالحيوان ، وإمّا واحدٌ عرضيّ كالماشي والضاحك. والواحد بالعموم بمعنى السعة الوجوديّة كالوجود المنبسط.

والواحد غير الحقيقيّ وهو ما اتّصف بالوحدة بعَرْضِ غيره لاتّحاده به نوعاً من الاتّحاد كزيد وعمرو المتّحدين في الإنسان ، والإنسان والفرس المتّحدين في الحيوان.

ويختلف أسماء الواحد غير الحقيقيّ بإختلاف جهة الوحدة ، فالاتّحاد

١٨٢

في معنى النوع يسمّى : «تماثلا» ، وفي معنى الجنس «تجانساً» ، وفي الكيف «تشابهاً» ، وفي الكم «تساوياً» ، وفي الوضع «توازياً» و «تطابقاً».

ووجودُ كلٌّ من الأقسام المذكورة ظاهرٌ ، وكذا كونُ الوحدة واقعةً على أقسامها وقوعَ المشكّك على مصاديقه بالاختلاف. كذا قرّروا(1) .

الفصل الثالث

في أنّ من لوازم الوحدة الهوهويّة ومن لوازم الكثرة الغيريّة

من عوارض الوحدةِ الهوهويّةُ ، كما أنّ من عوارض الكثرةِ الغيريّةَ.

والمراد بالهوهويّة الاتّحاد من جهة مّا مع الاختلاف من جهة مّا ، ولازِمُ ذلك صحّة الحمل بين كلّ مختلفَيْن بينهما اتّحادٌ مّا ، وإن اختصّ الحمل بحسب التعارف ببعض أقسام الاتّحاد.

واعتُرِض عليه (2) : بأنّ لازِمَ عموم صحّة الحمل في كلّ اتحاد مّا من مختلفَين هو صحّة الحمل في الواحد المتّصل المقداريّ الذي له أجزاءٌ كثيرةٌ بالقوّة موجودةٌ بوجود واحد بالفعل ، بأن يحمل بعض أجزائه على بعض وبعض أجزائه على الكلّ وبالعكس ، فيقال : «هذا النصف من الذّراع هو النّصف الآخر ، وهذا النصف هو الكلّ أو كلّه هو نصفه» ، وبطلانه ضروريٌّ.

والجواب ـ كما أفادهصدر المتألّهين (3) (قدس سره) ـ : أنّ المتّصل الوحدانيّ ما لم ينقسم بواحد من أنحاء القسمة خارجاً أو ذهناً لم تتحقّق فيه كثرةٌ أصلا ، فلم

__________________

(1) راجع كشف المراد ص 102 ـ 103 ، والأسفار ج 2 ص 83 ـ 87 ، وشرح المنظومة ص 108 ـ 111 ، وشرح التجريد للقوشجي ص 100 ـ 102 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 88 ـ 89 ، وغيرها من المطوّلات.

(2) وهذا الإعتراض تعرّض له في القبسات ص 201 ، والأسفار ج 2 ص 95.

(3) راجع الأسفار ج 2 ص 97. وأجاب عنه أيضاً السيّد الداماد في القبسات ص 201.

١٨٣

يتحقّق شرط الحمل الذي هو وحدةٌ مّا مع كثرة مّا ، فلم يتحقّق حملٌ؛ وإذا انقسم بأحد أنحاء القسمة بطلَتْ هويّته الواحدة وإنعدم الاتّصال الذي هو جهةُّ وحدتِهِ ، فلم يتحقّق شرط الحمل الذي هو كثرةٌ ما مع وحدِة مّا ، فلم يتحقّق حملٌ.

فقد تبيّن أنّ بين كلّ مختلفَيْن من وجه متّحدَين من وجه حملا إذا جامع الاتّحادُ الاختلافَ ، لكنّ التعارف العاميّ ـ كما أشرنا إليه(1) ـ خصّ الحمل على موردَيْن من الاتّحاد مع الاختلاف :

(أحدهما ) : أن يتّحدَ الموضوع والمحمول مفهوماً مع اختلافهما بنوع من الاعتبار ، كالاختلاف بالإجمال والتفصيل في قولنا : «الإنسان حيوان ناطق» ، فإنّ الحدّ عين المحدود مفهوماً وإنّما يختلفان بالإجمال والتفصيل ، والاختلاف بالإبهام وغيره في قولنا : «الإنسان حيوان» ، فإنّ الجنس هو النوع مُبْهماً ، والإختلاف بالتحصيل وغيره في قولنا : «الإنسان ناطق» ، فإنّ الفصل هو النوع محصّلا ـ كما مرّ في مباحث الماهيّة(2) ـ ، وكالاختلاف بفرض الشيء مسلوباً عن نفسه فيغاير نفسُهُ نفسَهُ ثمّ يحمل على نفسه لدفع توهّم المغايرة فيقال مثلا : «الإنسان إنسان».

ولمّا كان هذا الحمل ربّما يعتبر في الوجود العينيّ كان الأصوب أن يعرف بإتّحاد الموضوع والمحمول ذاتاً ، ويسمّى هذا الحمل : «حملا أوّليّاً ذاتياً »(3) .

و (ثانيهما ) : أن يختلفا مفهوماً ويتّحدا وجوداً كما في قولنا : «زيدٌ إنسان» ، وقولنا : «القطن أبيض» ، وقولنا : «الضاحك متعجّب».

ويسمّى هذا الحمل : «حملا شائعاً صناعيّاً »(4) .

__________________

(1) في إبتداء الفصل ، حيث قال : «وإن اختصّ الحمل بحسب التعارف ببعض أقسام الاتّحاد».

(2) راجع الفصل الخامس من المرحلة الخامسة.

(3) سُمّي ذاتيّاً ، لكون المحمول فيه ذاتياً للموضوع ، وأوّليّاً ، لأنّه من الضروريّات الأوّلية التي لا يتوقّف التصديق بها على أزيد من تصوّر الموضوع والمحمول. راجع تعليقات المصنّف (رحمه الله) على بداية الحكمة ص 101.

(4) سمّي شائعاً ، لأنّه الشائع في المحاورات ، وصناعيّاً ، لأنّه المعروف والمستعمل في

١٨٤

وهاهنا نكتةٌ يجب التنبيه عليها ، وهي : أنّه قد تقدّم في المباحث السابقة(1) أنّ الوجود ينقسم إلى ما في نفسه وما في غيره ، وينقسم أيضاً إلى ما لنفسه وما لغيره وهو الوجود النعتيّ ، وتقدّم أيضاً(2) إمتناع أن توجد ماهيّتان بوجود واحد نفسيٍّ بأن يطرد وجودٌ واحدٌ العدمَ عن نفس ماهيتَيْن متباينتَيْن ، وهو وحدة الكثير المستحيلة عقلا.

ومن هنا يتبيّن أنّ الحمل ـ الذي هو اتّحاد المختلفَيْن بوجه ـ لا يتحقّق في وجود المختلفَيْن النفسيّ ، وإنّما يتحقّق في الوجود النعتيّ بأن يكون أحد المختلفَيْن ناعتاً بوجوده للآخر والآخر منعوتاً به.

وبعبارة اُخرى : أحد المختلفَيْن هو الذات بوجوده النفسيّ ، والآخر هو الوصف بوجوده النفسيّ ، واتّحادهما في الوجود النعتيّ الذي يعطيه الوصف للذات.

وهذا معنى قول المنطقيّين : «إنّ القضيّة تنحلّ إلى عقدين : عَقْدُ الوضع ، ولا يعتبر فيه إلاّ الذات ، وما فيه من الوصف عنوانٌ مشيرٌ إلى الذات فحسب ، وعَقْد الحمل ، والمعتبر فيه الوصف فقط»(3) .

وهاهنا نوعٌ ثالثٌ من الحمل ، يستعمله الحكيم ، مسمّى بحمل الحقيقة والرقيقة ، مبنيٌّ على اتّحادِ الموضوع والمحمول في أصل الوجود واختلافهما بالكمال والنقص ، يفيد وجودَ الناقص في الكامل بنحو أعلى وأشرف واشتمالَ المرتبة العالية الوجود على كمال ما دونها من المراتب.

الفصل الرابع

في انقسام الحمل إلى هو هو وذي هو

ينقسم الحمل إلى حمل هو هو وحمل ذي هو.

والأوّل : ما يثبت فيه المحمول للموضوع بلا توقّف على اعتبار أمر زائد ،

__________________

الصناعات والعلوم ، راجع تعليقات المصنّف (رحمه الله) على بداية الحكمة ص 102

(1) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثانية.

(2) راجع الفصل الثالث من المرحلة الثانية.

(3) راجع شرح المطالع ص 135 ـ 136.

١٨٥

كقولنا : «الإنسان ضاحك» ، ويسمّى أيضاً «حمل المواطاة ».

والثاني : أن يتوقّف ثبوت المحمول للموضوع على اعتبار أمر زائد كتقدير ذي أو الاشتقاق ، كقولنا : «زيد عدْلٌ» أي ذو عدل ، أو «عادلٌ».

وينقسم أيضاً إلى بتّيٍّ وغير بتّيٍّ.

والأوّل : ما كان لموضوعه أفراد محقّقة يصدق عليها بعنوانه ، كقولنا : «الإنسان كاتب» و «الكاتب متحرّك الأصابع».

والثاني : ما كان لموضوعه أفراد مقدّرة غيرُ محقّقة ، كقولنا : «المعدوم المطلق لا يخبر عنه» ، وقولنا : «إجتماع النقيضَيْن محالٌ».

وينقسم أيضاً إلى بسيط ومركّب ويسمّيان «الهليّة البسيطة» و «الهليّة المركّبة».

والهليّة البسيطة ما كان المحمول فيها وجود الموضوع ، كقولنا : «الإنسان موجود».

والهليّة المركّبة ما كان المحمول فيها أثراً من آثاره وعرضيّاً من عرضيّاته ، كقولنا : «الإنسان ضاحك» ، فهي تدلّ على ثبوت شيء لشيء بخلاف الهليّة البسيطة حيث تدلّ على ثبوت الشيء.

وبذلك يندفع ما أورده بعضهم(1) على كليّة قاعدة الفرعيّه القائلة : «إنّ ثبوت شيء لشيء فرعُ ثبوت المثبت له» ، بانتقاضه بمثل قولنا : «الماهيّة موجودة» ، حيث إنّ ثبوت الوجود للماهيّة ـ بناءً على ما تقتضيه قاعدة الفرعيّة ـ فرعُ ثبوت الماهيّة ، وننقل الكلام إلى ثبوتها فهو فرعُ ثبوتها قبلُ ، وهلمّ جرّاً ، فيتسلسل.

والجواب (2) ـ على ما تحصّل ـ : أنّ القضيّة هليّة بسيطة ، والهليّة البسيطة إنّما تدلّ على ثبوت الشيء لا على ثبوت شيء لشيء حتّى تقتضي وجوداً للماهيّة قبلَ وجودها ، هذا.

__________________

(1) تعرّض لهذا الإيراد صدر المتألّهين في الأسفار ج 1 ص 43 ، والمشعر الخامس من كتاب المشاعر ص 27 ، ورسالة في اتّصاف الماهية بالوجود المطبوعة ذيل رسائل صدر المتألّهين ص 110.

(2) كذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار ج 1 ص 43 ، والمشعر الخامس من المشاعر ص 27 ، (ورسائل صدر المتألّهين) ص 115 ـ 116.

١٨٦

وأمّا ما أجاب به بعضهم(1) عن الإشكال ـ بتبديل الفرعيّة من الإستلزام ، وأنّ الحقّ أنّ ثبوتَ شيء لشيء مستلزمٌ لثبوت المثبت له ولو بنفس هذا الثبوت ، وثبوتَ الوجود للماهيّة مستلزمٌ لثبوت الماهيّة بنفس هذا الثبوت ـ فهو تسليمٌ للإشكال.

وأسوأ حالا منه قول بعضهم(2) : «إنّ القاعدة مخصَّصة بثبوت الوجود للماهية» ، هذا.

الفصل الخامس

في الغيريّة وأقسامها

قد تقدّم(3) أنّ من عوارض الكثرةِ الغيريّة ، وتنقسم الغيريّة إلى ذاتيّة وغير ذاتيّة.

فالغيريّة الذاتيّة ، هي : أن يدفع أحدُ شيئيْن الآخرَ بذاته ، فلا يجتمعان لذاتيهما ، كالمغايرة بين الوجود والعدم ، وتسمّى «تقابلا».

وقد عرّفوا التقابلَ بـ «أنّه امتناع اجتماع شيئَيْن في محلٍّ واحد من جهة واحدة في زمان واحد»(4) ونسبة امتناع الاجتماع إلى شيئين للدلالة على كونه

__________________

(1) وهو المحقّق الدوانيّ في حاشية شرح التجريد للقوشجي ص 59. ونَقَلَه عنه صدر المتألّهين في رسالة اتّصاف الماهية بالوجود ، فراجع رسائل صدر المتألّهين ص 111.

(2) وهو الفخر الرازيّ على ما نُقل عنه في تعليقات الحكيم السبزواريّ على الأسفار ج 1 ص 43. وقال المصنّف (رحمه الله) في تعليقاته على بداية الحكمة ص 103 : «وعن الإمام الرازيّ أنّ القاعدة مخصَّصة بالهليّلة البسيطة. وفيه : أنّه تخصيص في القواعد العقليّة».

(3) في الفصل السابق.

(4) هكذا عرّفه صدرالمتألّهين في الأسفار ج 2 ص 102 ، وتبعه الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة ص 115.

والمشهور في الكُتب في تعريف المتقابلين : «أنّ المتقابلين هما اللذان لا يجتمعان في شيء واحد في زمان واحد من جهة واحدة». راجع المباحث المشرقيّة ج 1 ص 99 ، وشرح

١٨٧

لذاتيهما؛ والمراد بالمحلّ الواحد مطلَقُ الموضوع ، ولو بحسب فرض العقل ، حتّى يشمل تقابُلَ الايجاب والسلب ، حيث إنّ متن القضيّة كالموضوع لهما؛ وتقييد التعريف بـ «جهة واحدة» لإخراج ما اجتمع منهما في شيء واحد من جهتَيْن ، ككون زيد أباً لعمرو وابناً لبكر؛ والتقييد بـ «وحدة الزمان» ، ليشمل ما كان من التقابل زمانيّاً ، فليس عَرْضُ الضدّين لموضوع واحد في زمانين مختلفَيْن ناقضاً للتعريف.

ولا ينتقض التعريف بالمثلَيْن الممتنع إجتماعهما عقلا ، لأنّ أحد المثلَيْن لا يدفع الآخرَ بذاته التي هي الماهيّة النوعيّة المشتركة بينهما ، وإنّما يمتنع إجتماعهما لاستحالة تكرُّرِ الوجود الواحد ـ كما تقدّم في مباحث الوجود(1) ـ.

ولا ينتقض أيضاً بنقيض اللازم وعين الملزوم ، فإنّ نقيض اللازم إنّما يعاند عينَ الملزوم

__________________

المقاصد ج 1 ص 145 ، والمطارحات ص 313.

قال صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 103 : «وانّما عدلنا عن التعريف المشهور في الكتب لمفهوم المتقابلين إلى تعريف مفهوم التقابل لأنّ صيغة (اللذان) في قولهم : (المتقابلان هما اللذان ...) يشعر بما لهما ذاتٌ ، والعدم والملكة ، والإيجاب والسلب لا ذاتَ لهما». وقال القوشجيّ في شرحه للتجريد ص 104 ـ تبعاً للمحقّق الشريف في شرح المواقف ص 164 ـ : «وأمّا التقييد بوحدة الزمان فمستدرك ، لأنّ الاجتماع لا يكون إلاّ في زمان واحد». واعترض عليه اللاهيجيّ في شوارق الإلهام ص 192 ـ تبعاً للمحقّق الدوانيّ في حاشية شرح القوشجيّ ص 104 ـ بأنّ قيد الإجتماع غير مغن عن الزمان ، لصدقه على المقارنة في الرتبة أو وصف آخر اصطلاحاً. والعجب من صدر المتألّهين في شرح الهداية الأثيريّة ص 227 حيث قال : «وقيد الاجتماع مغن عن ذكر (في زمان واحد) ، كما وقع في كلام بعضهم». فإنّ كلامه هذا ينافي كلامَه في الأسفار ج 2 ص 102 ـ 103 ، حيث قال : «فما قيل من أنّ التقييد بوحدة الزمان مستدرك لأنّ الإجتماع لا يكون إلاّ في زمان واحد ، غيرُ صحيح». ويمكن أن يكون ما وقع في شرح الهداية سهواً من قلم الناسخ بحذف كلمة (غير) من العبارة ، والصواب هو هذه العبارة : «وقيد الاجتماع غير مغن ...».

(1) راجع الفصل الخامس من المرحلة الاُولى.

١٨٨

لمعاندته اللازمَ الذي هو نقيضه ، فامتناع إجتماعه مع الملزوم بعرْضِ نقيضه ، لا لذاته(1) .

والغيريّة غير الذاتيّة أن يكون الشيئان لا يجتمعان لأسباب اُخر غير ذاتيهما ، كافتراق الحلاوة والسواد في السكر والفحم ، وتسمّى «خلافاً».

ويسمّى أيضاً «الغير» بحسب التشخّص والعدد.

والتقابل ينقسم إلى أربعة أقسام ، وهي : تقابل التناقض ، وتقابل العدم والملكة ، وتقابل التضايف ، وتقابل التضادّ.

والأصوب في ضبط الأقسام أن يقال : «إنّ المتقابلين إمّا أن يكون أحدهما عدماً للآخر أو لا ، وعلى الأوّل إمّا أن يكون هناك موضوعٌ قابلٌ كالبصر والعمى فهو تقابلُ العدم والملكة ، أو لا يكون كالإيجاب والسلب وهو تقابُلُ التناقض ، وعلى الثاني ـ وهو كونهما وجودييْن ـ فإمّا أن لا يعقل أحدهما إلاّ مع الآخر وبالقياس إليه كالعلو والسفل وهو تقابُلُ التضايف ، أو لا وهو تقابُلُ التضادّ»(2) .

الفصل السادس

في تقابل التناقض

وهو تقابل الإيجاب والسلب ، كقولنا : «زيد أبيض ، وليس زيد بأبيض» ، أو ما هو في معنى الإيجاب والسلب من المفردات ، كـ «الإنسان واللاإنسان» و «العمى واللاعمى» و «المعدوم واللامعدوم».

والنقيضان لا يصدقان معاً ولا يكذبان معاً.

وإن شئت فقل : لا يجتمعان ولا

__________________

(1) راجع شوارق الإلهام ص 194.

(2) هذا وجهُ ضبط ذكره التفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 146 ، والقوشجيّ في شرح التجريد ص 104 ـ 105 ، واللاهيجيّ في شوارق الإلهام ص 192 ـ 193 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 103. وذُكِر له وجوهٌ اُخر ، فراجع المباحث المشرقيّة ج 1 ص 102 ـ 103 ، وكشف المراد ص 107 ، وشرح المواقف ص 164.

١٨٩

يرتفعان. فمآلُ تقابُلِ التناقض إلى قضيّة منفصلة حقيقيّة هي قولنا : «إمّا أن يصدق الإيجاب وإمّا أن يصدق السلب».

فالتناقض في الحقيقية بين الإيجاب والسلب.

ولا ينافي ذلك تحقُّقَ التناقض بين المفردات.

فكلّ مفهوم أخذناه في نفسه ثمّ أضفنا إليه معنى النفي ، كالإنسان واللاإنسان ، والفرس واللافرس ، تحقَّقَ التناقض بين المفهومين.

وذلك أنّا إذا أخذنا مفهومَيْن متناقضَيْن ـ كالإنسان واللاإنسان ـ لم نَرْتَب أنّ التقابل قائمٌ بالمفهومَيْن على حدّ سواء ، فالإنسان يطرد بذاته اللاإنسانَ ، كما أنّ اللاإنسان يطرد بذاته الإنسان.

وضروريٌّ أنّه لو لم يعتبر الثبوت والوجود في جانب الانسان لم يطارد اللاإنسانَ ولم يناقضه ، فالإنسان واللاإنسان إنّما يتناقضان لأنّهما في معنى وجود الإنسان وعدم الإنسان ، ولا يتمّ ذلك إلاّ باعتبار قيام الوجود بالانسان وكذا العدم ، فالإنسان واللاإنسان إنّما يتناقضان لانحلالهما إلى الهليّتَيْن البسيطتَين ، وهما قضيّتا «الإنسان موجود» و «ليس الإنسان بموجود».

ونظير الكلام يجري في المتناقضَيْن : «قيام زيد» ، و «لا قيام زيد» ، فهما في معنى وجود القيام لزيد وعدم القيام لزيد ، وهما ينحلاّن إلى هليّتَيْن مركّبتَيْن ، هما قولنا : «زيد قائم» ، وقولنا : «ليس زيد بقائم» ، فتقابُلُ التناقض بالحقيقة بين الإيجاب والسلب ، وإن شئت فقل : بين الوجود والعدم ، غير أنّه سيأتي في مباحث العاقل والمعقول(1) ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّ العقل إنّما ينال مفهومَ الوجود أوّلا معنىً حرفيّاً في القضايا ثمّ يسبك منه المعنى الإسميّ بتبديله منه وأخْذِهِ مستقلاّ بعد ما كان رابطاً ، ويصوّر للعدم نظير ما جرى عليه في الوجود.

فتقابُلُ التناقض بين الإيجاب والسلب أوّلا وبالذات ، وبين غيرهما بعرْضِهما.

فما في بعض العبارات من نسبة التناقض إلى القضايا ، ـ كما في عبارة التجريد : «إنّ تقابلَ السلب والإيجاب راجعٌ إلى القول والعقد»(2) ـ إنتهى ـ ، اُريد

__________________

(1) راجع الفصل العاشر من المرحلة الحادية عشر.

(2) راجع كشف المراد ص 107 ، وشرح التجريد للقوشجي ص 104. وفي شوارق الإلهام

١٩٠

به السلب والإيجاب من حيث الاضافة إلى مضمون القضيّة بعينه.

وقد ظهر أيضاً أنّ قولهم : «نقيض كلِّ شيء رفعُهُ»(1) ، اُريد فيه بالرفع الطردُ الذاتيّ ، فالإيجاب والسلب يطّرد كلٌّ منهما بالذات ما يقابله.

وأمّا تفسير من فَسَّر الرفع بالنفي والسلب(2) فَصَرَّح بأنّ نقيضَ الإنسان هو اللاإنسان ، ونقيضَ اللاإنسان اللا لاإنسان ، وأمّا الإنسان فهو لازم النقيض وليس بنقيض ، فلازُمُ تفسيرِهِ كونُ تقابُلِ التناقض من جانب واحد دائماً ، وهو ضروريُّ البطلان.

ومن أحكام تقابُلِ التناقض أنّ تقابُلَ النقيضَيْن إنّما يتحقّق في الذهن أو في اللفظ بنوع من المجاز ، لأنّ التقابل نسبةٌ قائمةٌ بطرفَيْن ، وأحد الطرفَيْن في المتناقضَيْن هو العدم ، والعدم اعتبارٌ عقليٌّ لا مصداقَ له في الخارج.

وهذا بخلاف تقابل العدم والملكة ، فإنّ العدم فيه ـ كما سيأتي إن شاء الله(3) ـ عدم مضاف إلى أمر موجود ، فله حظٌّ من الوجود ، فالتقابل فيه قائم في الحقيقة بطرفَيْن موجودَيْن.

ومن أحكام هذا التقابل إمتناع الواسطة بين المتقابلَيْن به ، فلا يخلو شيءٌ من الأشياء عن صدق أحد النقيضَيْن ، فكلّ أمر مفروض إمّا هو زيد مثلا أو ليس بزيد ، وإمّا هو أبيض أو ليس بأبيض ، وهكذا ، فكلّ نقيضَيْن مفروضَيْن يعمّان جميع الأشياء.

ومن أحكام هذا التقابل أنّ النقيضين لا يصدقان معاً ولا يكذبان معاً ، على سبيل القضيّة المنفصلة الحقيقيّة ـ كما تقدّمت الإشارة إليه(4) ـ وهي قولنا : «إمّا أن يصدق الإيجاب أو يصدق السلب».

وهي قضيّةٌ بديهيّةٌ أوّليّةٌ يتوقّف عليها صدقُ كلّ قضيّة مفروضة ، ضروريّةً كانت أو نظريّةً.

فليس يصدق قولنا : «الأربعة زوجٌ» ،

__________________

ص 192 : «وهو راجع إلى القول والعقل» ثمّ فسّر القول بالوجود اللفظيّ والعقل بالوجود الذهنيّ ، فراجع.

(1) راجع شرح المطالع ص 170.

(2) كذا يستفاد من كلام قطب الدين الشيرازيّ في شرح حكمة الإشراق ص 88.

(3) في الفصل الآتي.

(4) في ابتداء هذا الفصل.

١٩١

مثلا ، إلاّ إذا كذب قولنا : «ليست الأربعة بزوج».

وليس يصدق قولنا : «العالم حادث» ، إلاّ إذا كذب قولنا : «ليس العالم بحادث».

ولذا سمّيت قضيّة امتناع اجتماع النقيضين وارتفاعهما بـ «أولى الأوائل».

ولذا كان الشكّ في صدق هذه المنفصله الحقيقيّة مزيلا للعلم بكلّ قضيّة مفروضة ، إذ لا يتحقّق العلم بصدق قضيّة إلاّ إذا عُلِم بكذب نقيضها ، والشكّ في هذه المنفصلة الحقيقيّة يوجب الشكّ في كذب النقيض ، ولازمُهُ الشكّ في صدق النقيض الآخر ، ففي الشكّ فيها هلاكُ العلم كلِّهِ وفسادُهُ من أصله ، وهو أمرٌ تدفعه الفطرة الإنسانيّة ، وما يدعيه السوفسطيّ من الشكّ دعوىً لا تتعدّى طَوْرَ اللفظِ البتّةَ ، وسيأتي تفصيل القول فيه(1) .

الفصل السابع

في تقابل العدم والملكة

ويسمّى أيضاً «تقابُل العدم والقنية»(2) ، وهما أمرٌ وجوديٌّ عارضٌ لموضوع من شأنه أن يتّصف به ، وعدم ذلك الأمر الوجوديّ في ذلك الموضوع ، كالبَصَر والعِمى الذي هو فَقْد البَصَر من موضوع من شأنه أن يكون بصيراً.

ولا يختلف الحال في تحقّق هذا التقابل بين أن يؤخذ موضوع الملكة هو الطبيعة الشخصيّة أو الطبيعة النوعيّة أو الجنسيّة ، فإنّ الطبيعة الجنسيّة وكذا النوعيّه موضوعان لوصف الفرد ، كما أنّ الفرد موضوع له؛ فعدم البَصَر في العقرب ـ كما قيل(3) ـ عِمى وعدمُ ملكة ، لكون جنسه ـ وهو الحيوان ـ من شأنه أن يكون بصيراً

__________________

(1) راجع الفصل التاسع من المرحلة الحادية عشرة.

(2) قال الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 52 : «ومن عدول عدم للقنية». وقال أيضاً فيه (قسم الحكمة) ص 116 : «فما اعتبرت فيه قابليّة لما انتفى فعدمٌ وقنيةٌ».

(3) راجع شوارق الإلهام ص 193 ، وشرح التجريد للقوشجيّ ص 104 ، وشرح المنظومةص 117 ، وشرح المواقف ص 166.

١٩٢

وإن لم تتّصف به طبيعة العقرب النوعيّة؛ وكذا المرودة وعدم التحاء الإنسان قبلَ أوانِ البلوغ عدمُ ملكة ، لكون الطبيعة النوعيّة التي للإنسان من شأنها ذلك ، وإن كان صنف غير البالغ لا يتّصف به ، ويسمّى تقابُل العدم والملكة بهذا الإطلاق «حقيقيّاً».

وربما قُيّد بالوقت باشتراط أن يكون العدم في وقت الملكة ، ويسمّى التقابل حينئذ بـ «المشهوريّ» ، وعليه فمرودة الإنسان قبلَ أوانِ البلوغ ليست من عدم الملكة في شىء ، وكذا فَقْدُ العقرب للبصر ليس بعمى.

وهو أشبه بالإصطلاح ، فلا يضرّ خروج الموارد التي يكون الموضوع فيها هو الجنس أو النوع من تقابل العدم والملكة مع عدم دخولها في التقابلات الثلاثة الباقية ، وأقسام التقابل منحصرةٌ في الأربعة.

الفصل الثامن

في تقابل التضايف

المتضايفان ـ كما تحصّل من التقسيم ـ أمران وجوديّان لا يعقل أحدهما إلاّ مع تعقّل الآخر ، فهما على نسبة متكرّرة لا يعقل أحدهما إلاّ مع تعقّل الآخر المعقول به ، ولذلك يمتنع إجتماعهما في شيء من جهة واحدة ، لاستحالة دَوَران النسبة بين الشيء ونفسه.

وقد اُوردَ(1) على كون التضايف أحدَ أقسام التقابل الأربعة بأنّ مطلق التقابل من أقسام التضايف ، إذ المتقابلان بما هما متقابلان متضايفان ، فيكون عدّ التضايف من أقسام التقابل من قبيل جَعْلِ الشيء قسيماً لقِسْمِهِ.

واُجيب عنه(2) : بأنّ مفهوم التقابل من مصاديق التضايف ، ومصداق التضايف

__________________

(1) هذا الإيراد نسبة العلاّمة إلى القدماء ، فراجع ايضاح المقاصد ص 67. وتعرّض له الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 101 ، والتفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 148 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 110 وشرحه للهداية الأثيريّة ص 227.

(2) كذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 11 ـ 111 ، وشرح الهداية ص 277.

١٩٣

من أقسام التقابل ومصاديقه ، فالقسم من التضايف هو مفهوم التقابل والقسيم له هو مصداقه ، وكثيراً مّا يكون المفهوم الذهنيّ فرداً لمقابله كمفهوم الجزئيّ الذي هو فردٌ للكلّي ومقابلٌ له باعتبارين ، فلا إشكال.

ومن أحكام التضايف أنّ المتضايفين متكافئان وجوداً وعدماً وقوّةً وفعلا ، فإذا كان أحدهما موجوداً فالآخر موجودٌ بالضرورة ، وإذا كان أحدهما معدوماً فالآخر معدوم بالضرورة ، وإذا كان أحدهما بالقوّة أو بالفعل فالآخر كذلك بالضرورة.

ولازِم ذلك أنّهما مَعانِ ، لا يتقدّم أحدهما على الآخر ، لا ذهناً ولا خارجاً.

الفصل التاسع

في تقابل التضاد

قد عرفت(1) أنّ المتحصَّل من التقسيم السابق أنّ المتضادّين أمران وجوديّان غيرُ متضائفين لا يجتمعان في محلٍّ واحد في زمان واحد من جهة واحدة.

والمنقول عن القدماء(2) أنّهم اكتفوا في تعريف التضادّ على هذا المقدار ، ولذلك جوّزوا وقوعَ التضادّ بين الجواهر ، وأن يزيد أطراف التضادّ على إثنين.

لكنّ المشّائين(3) أضافوا إلى ما يتحصّل من التقسيم قيوداً اُخر ، فرسّموا المتضادّين بـ «أنّهما أمران وجودّيان غيرُ متضائفَين متعاقبان على موضوع واحد داخلان تحت جنس قريب بينهما غاية الخلاف».

ولذلك ينحصر التضادّ عندهم في نوعَين أخيرَيْن من الأعراض داخلَيْن تحتَ جنس قريب بينهما غاية الخلاف ، ويمتنع وقوع التضادّ بين أزيد من طرفين.

__________________

وأجابوا عنه غيره من المحقّقين بوجوه اُخر ، فراجع المباحث المشرقيّه ج 1 ص 102 ، وشرح المقاصد ج 1 ص 148 ، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 92 ، وايضاح المقاصد ص 67.

(1) في الفصل الخامس من هذه المرحلة.

(2) على ما نَقَل عنهم التفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 147 ، حيث قال : «هو الذي أورده قدماء الفلاسفة في أوائل المنطق».

(3) كما في الأسفار ج 2 ص 112 ـ 113.

١٩٤

بيان ذلك : أنّ كلَّ ماهيّة من الماهيّات بل كلّ مفهوم من المفاهيم منعزلٌ بذاته عن غيره من أيٍّ مفهوم مفروض ، وليس ذلك من التضادّ في شيء وإن كان يصدق عليه سلب غيره؛ وكذا كلُّ نوع تامّ بوجوده الخارجيّ وآثاره الخارجيّة مباين لغيره من الأنواع التامّة بماله ولآثاره من الوجودالخارجيّ ، لا يتصادقان ـ بمعنى أن يطرد الوجودُ الخاصّ به الطاردُ لعدمِهِ عدمَ نوع آخر بعينه ـ فليس ذلك من التقابل والتضادّ في شيء.

وإنّما التضادّ ـ وهو التقابل بين أمرين وجوديَّيْن ـ أن يكون كلٌّ من الأمرين طارداً بماهيّته الأمرَ الآخر ، ناظراً إليه ، آبياً للاجتماع معه وجوداً.

ولازِمُ ذلكأوّلا : أن يكون هناك أمرٌ ثالثٌ يوجدان له ويتّحدان به ، والأمر الذي يوجد له الأمر الوجوديّ ويتّحد به ، هو مطلق الموضوع الأعمّ من محلّ الجوهر وموضوع العرض ، لكنّ الجواهر لا يقع فيها تضادّ ـ كما سيجيء(1) ـ ، فالمتعيّن أن يكونا عرضَيْن ذَوَي موضوع واحد.

وثانياً : أن يكون النوعان بما أنّ لكلٍّ منهما نظراً إلى الآخر متطاردَيْن كلٌّ منهما يطّرد الآخرَ بفصله الذي هو تمام نوعيّته.

والفصل لا يطرد الفصلَ إلاّ إذا كانا جميعاً مقسمَيْن لجنس واحد ، أي أن يكون النوعان داخلَيْن تحت جنس واحد قريب ، فافهم ذلك.

ولا يرد عليه (2) : أنّ الفصلَ ، لكونه جزء الماهيّة ، غيرُ مستقلٍّ في الحكم ، والحكم للنوع.

لأنّ الفصل عين النوع محصّلا ، فحكمه حكم النوع بعينه(3) ؛ على أنّ الأجناس العالية من المقولات العشر لا يقع بينها تضادّ ، لأنّ الأكثر من واحد منها يجتمع في محلٍّ واحد ، كالكمّ والكيف وسائر الأعراض تجتمع في جوهر واحد جسمانيٍّ ، وكذا بعض الأجناس المتوسطة الواقعة تحت بعضِها مع بعض واقع تحت آخر ، وكذا الأنواع الأخيرة المندرجة تحت بعضها مع بعضِ الأنواع الأخيرة

__________________

(1) في السطور الآتية من هذا الفصل.

(2) هذا الايراد تعرّض له في الأسفار ج 2 ص 115.

(3) كذا أجاب عنه صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 116.

١٩٥

المندرجة تحت بعض آخر.

فالتضادّ إنّما يقع بالإستقراء في نوعَيْن واقعَيْن تحت جنس قريب من المقولات العرضيّة ، كالسواد والبياض المعدودَيْن من الكيفيّات المبصرة عندهم ، وكالتهوّر والجبن من الكيفيّات النفسانيّة.

وأمّا اعتبار غاية الخلاف بين المتضادّين فإنّهم حَكَموا بالتضادّ بين اُمور ، ثمّ عَثَروا باُمور متوسطة بين المتضادّين نسبيّة ، كالسواد والبياض المتضادَّين ، وبينهما من الألوان الصفرة والحمرة والخضرة ، وهي بالنسبة إلى السواد من البياض وبالنسبة الى البياض من السواد ، وكالتهوّر والجبن المتوسط بينهما الشجاعة ، فاعتَبَروا أن يكون الضدّ في غاية الخلاف ونهاية البُعد من ضدّه.

وهذا هو الموجب لنفيهم التضادَّ بين الجواهر ، فإنّ الأنواع الجوهريّة لا يوجد فيها ما هو نسبيٌّ مقيسٌ إلى طرفين ، ولا نوعان متطرّفان بينهما غاية الخلاف.

ومن أحكام التضادّ أنّه لايقع بين أزيد من طرفَيْن لأنّه تقابُلٌ ، والتقابل نسبةٌ ، ولا تتحقّق نسبةٌ واحدةٌ بين أزيد من طرفين.

وهذا حكمٌ عامٌّ لجميع أقسام التقابل.

قال فيالأسفار : «ومن أحكام التضادّ ـ على ما ذكرناه من إعتبار غاية التباعد ـ أنّ ضدَّ الواحد واحدٌ ، لأنّ الضدَّ على هذا الاعتبار هو الذي يلزم من وجودِهِ عدمُ الضدّ الآخر؛ فإذا كان الشيء وحدانيّاً وله أضداد ، فإمّا أن تكون مخالفتها مع ذلك الشيء من جهة واحدة أو من جهات كثيرة ، فإن كانت مخالفتها له من جهة واحدة فالمضادّ لذلك الشيء بالحقيقة شيءٌ واحدٌ وضدٌّ واحدٌّ وقد فُرِضَ أضداداً ، وإن كانت المخالفة بينها وبينه من جهات عديدة فليس الشيء ذا حقيقة بسيطة ، بل هو كالإنسان الذي يضادّ الحارّ من حيث هو بارد ، ويضادّ البارد من حيث هو حارّ ، ويضادّ كثيراً من الأشياء لاشتماله على أضدادها.

فالتضادّ الحقيقيّ إنّما هو بين الحرارة والبرودة والسواد والبياض ، ولكلِّ واحد من الطرفين ضدٌّ واحد. وأمّا الحارّ والبارد فالتضادّ بينهما بالعرض»(1) إنتهى.

__________________

(1) راجع الأسفار ج 2 ص 114.

١٩٦

ومن أحكامه أنّ المتضادَّيْن متعاقبان على الموضوع لاعتبار غاية الخلاف بينهما ، سواءٌ كانت بينهما واسطة أو وسائط هي بالقياس إلى كلّ من الجانبين من الجانب الآخر ، وأثَرهُ أن لا يخلو الموضوع منهما معاً ، سواء تعاورا عليه واحداً بعد واحد أو كان أحد الضدّين لازماً لوجوده كالبياض للثلج والسواد للقارّ.

ومن أحكامه أنّ الموضوع الذي يتعاقبان عليه يجب أن يكون واحداً بالخصوص لا واحداً بالعموم ، إذ لا يمتنع وجود ضدّين في موضوعين وإن كانا متّحدين بالنوع أو الجنس.

خاتمةٌ

اختلفوا في التمانع الذي بين الواحد والكثير ، حيثُ لا يجتمعان في شيء واحد من جهة واحدة أهو من التقابل بالذات أم لا؟ وعلى الأوّل أهو أحد أقسام التقابل الأربعة أم قسمٌ خامسٌ غير الأقسام الأربعة المذكورة؟ وعلى الأوّل أهو من تقابل التضايف أم من تقابل التضادّ؟ ولكلّ من الاحتمالات المذكورة قائلٌ على ما فُصِّل في المطوّلات(1) .

__________________

(1) راجع الفصل السادس من المقالة الثالثة من إلهيات الشفاء ، والتحصيل ص 369 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 96 ـ 98 ، وشرح المقاصد ح 1 ص 150 ـ 153 ، والمطارحات ص 318 ، والأسفار ج 2 ص 122 ـ 126.

وأمّا الشيخ فذهب إلى أنّ لا تقابل بينهما في ذاتيهما. وتبعه بهمنيار في التحصيل ص 369 ، والفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 98 ، والعلاّمة في ايضاح المقاصد ص 68 ـ 69.

وقال الشيخ الإشراقي في المطارحات ص 318 ـ 318 بعد ابطال ما ذهب إليه بهمنيار في التحصيل : «فيجب عليهم أن يجعلوا له قسماً آخر ، إلاّ أنّ المشهور في الكتب تقابل الإيجاب والسلب والمتضايفين والمتضادين والعدم والملكة». وتبعه صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 126.

وقال التفتازانيّ في شرح المقاصد ج 1 ص 152 : «فظهر أنّه لا دليل على نفي تقابل الإيجاب والسلب من الوحدة والكثرة».

١٩٧

والحقّ أنّه ليس من التقابل المصطلح في شيء ، لأنّ قوام التقابل المصطلح بالغيريّة الذاتيّة التي هي تطارُدُ الشيئين المتقابلين وتدافُعُهما بذاتيهما ، ومن المستحيل أن يرجع الإختلاف والتمانع الذاتيّ إلى الاتّحاد والتآلف ، والواحد والكثير ليسا كذلك ، إذ الواحد والكثير قسمان ينقسم إليهما الموجود من حيث هو موجود ، وقد تقدّم(1) أنّ الوحدة مساوقةٌ لوجود ، فكلُّ مو جود ـ من حيث هو موجود ـ واحدٌ ، كما أنّ كلَّ واحد ـ من حيث هو واحد ـ موجودٌ.

فالواحد والكثير كلّ منهما مصداق الواحد ـ أي إنّ ما به الاختلاف بين الواحد والكثير راجعٌ إلى ما به الاتّحاد ـ وهذا شأن التشكيك دون التقابل.

فالوحدة والكثرة من شؤون تشكيك الوجود؛ ينقسم الوجود بذلك إلى الواحد والكثير مع مساوقة الواحد للموجود المطلق ، كما ينقسم إلى الوجود الخارجيّ والذهنيّ مع مساوقة الخارجيّ لمطلق الوجود؛ وينقسم إلى ما بالفعل وما بالقوّة مع مساوقة ما بالفعل لمطلق الوجود.

على أنّ واحداً من أقسام التقابل الأربعة بما لها من الخواصّ لا يقبل الانطباق على الواحد والكثير ، فإنّ النقيضَيْن والعدم والملكة أحد المتقابلين فيهما عدم للآخر ، والواحد والكثير وجوديّان ، والمتضايفان متكافئان وجوداً وعدماً وقوّةً وفعلا ، وليس الواحد والكثير على هذه الصفة ، والمتضادّان بينهما غاية الخلاف ، ولا كذلك الواحد والكثير ، فإنّ كلَّ كثير عدديٍّ قوبل به الواحد العدديّ ، فإنّ هناك ما هو أكثر منه وأبعد من الواحد لعدم تناهي العدد ، فليس بين الواحد والكثير شيءٌ من التقابلات الأربعة ، والقسمة حاصرةٌ ، فلا تقابُلَ بينهما أصلا.

__________________

(1) في الفصل الأوّل من هذه المرحلة.

١٩٨

المرحلة الثامنة

في العلّة والمعلول

وفيها خمسة عشر فصلا

١٩٩
٢٠٠