نهاية الحكمة

نهاية الحكمة0%

نهاية الحكمة مؤلف:
تصنيف: مكتبة الفلسفة والعرفان
الصفحات: 437

نهاية الحكمة

مؤلف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
تصنيف:

الصفحات: 437
المشاهدات: 52506
تحميل: 2316

توضيحات:

نهاية الحكمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 437 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 52506 / تحميل: 2316
الحجم الحجم الحجم
نهاية الحكمة

نهاية الحكمة

مؤلف:
العربية

الأوّل والثاني والثالث : ما بالرّتبة من التقدّم والتأخّر ، وما بالشرف ، وما بالزمان ، وقد تقدّمت(1) .

الرابع : التقدّم والتأخّر بالطبع ، وهما تقدُّمُ العلّة الناقصة على المعلول حيث يرتفع بارتفاعها المعلولُ ولا يجب بوجودها ، وتأخُرُ معلولُها عنها.

الخامس : التقدّم والتأخّر بالعلّيّة ، وهما تقدُّمُ العلّة التامة التي يجب بوجودها المعلول على معلولِها ، وتأخّرُ معلولِها عنها.

السادس : التقدّم والتأخّر بالجوهر ، وهما تقدُّمُ أجزاء الماهيّة من الجنس والفصل عليها ، وتأخّرُها عنها بناءً على أصالة الماهيّة(2) .

وتسمّى هذه الثلاثة الأخيرة ـ أعني ما بالطبع وما بالعلّيّة وما بالتجوهر ـ «تقدّماً وتأخّراً بالذات».

السابع : التقدّم والتأخّر بالدهر ، وهما تقدُّمُ العلّة التامّة على معلولها ، وتأخُّرُ معلولها عنها ، لكن لا من حيث إيجابها وجودَ المعلول وإفاضته ـ كما في التقدّم والتأخّر بالعلّيّة ـ ، بل من حيث انفكاك وجودها وانفصاله عن وجوده وتقرُّرِ عدم المعلول في مرتبة وجودها ، كتقدّم نشأة التجرّد العقليّ على نشأة المادّة. زاد هذا القسمالسيّد المحقّق الدّاماد (3) .

__________________

(1) تقدّمت آنفاً.

(2) قال الحكيم السبزواريّ في تعليقة شرح المنظومة ص 86 : «فلو جاز تقرّر الماهيات منفكّةً عن كافّة الوجودات ـ كما زعمتْه المعتزلة ـ لكانت ماهيّة الجنس وماهيّة الفصل متقدّمتَيْن على ماهية النوع بالتجوهر ، وكذا الماهية على لازمها ، ولا وجود فرضاً حتّى يكون ملاك التقدّم والتأخّر». وقال في تعليقته على الأسفار ح 3 ص 249 : «والقائل بتقدُّم الماهية على الوجود المحقّق الدوانيّ والسيّد المحقّق الداماد وتابعوه».

(3) راجع القبسات ص 3 ـ 18.

وأورد عليه المحقّق اللاهيجيّ بارجاعه إلى التقدّم بالعلّية. راجع شوارق الإلهام ص 104.

وقال الحكيم السبزواريّ ـ بعد ما فسّر كلام السيّد في القبسات ـ : «انّ قدْحَ المحقّق اللاهيجيّ (رحمه الله) فيه مقدوحٌ بشرط الرجوع إلى ما ذكرتُه في بيان الحدوث الدهريّ». راجع

٢٨١

الثامن : التقدّم والتأخّر بالحقيقة والمجاز ، وهو أن يشترك أمران في الاتّصاف بوصف ، غير أنّ أحدهما بالذات والآخر بالعرض.

فالمتّصف به بالذات متقدَّمٌ بهذا التقدّم على المتّصف به بالعرض ، وهو متأخَّر ، كتقدّم الوجود على الماهيّة الموجودة به ، بناءً على أنّ الوجود هو الأصل في الموجوديّة والتحقّق ، والماهيّةُ موجودةٌ به بالعرض. وهذا القسم زادهصدر المتألّهين (قدس سره)(1) .

التاسع : التقدّم والتأخّر بالحقّ ، وهو تقدّم وجود العلّة التامّة على وجود معلولها عنه ، وهذا غير التقدّم والتأخّر بالعلّيّة. زادهصدر المتألّهين (قدس سره)(2) .

قال فيالأسفار : «وبالجملة ، وجود كلّ علّة موجبة يتقدّم على وجود معلولها الذاتيّ هذا النحو من التقدّم ، إذ الحكماء عرّفوا العلّة الفاعلة بما يؤثّر في شيء مغاير للفاعل ، فتقدُّمُ ذات الفاعل على ذات المعلول تقدُّمٌ بالعلّيّة.

وأمّا تقدُّمُ الوجود على الوجود فهو تقدُّمٌ آخر غير ما بالعلّيّة ، إذ ليس بينهما تأثير وتأثّر ولا فاعليّة ولا مفعوليّة ، بل حكمهما حكْمَ شيء واحد له شؤون وأطوار ، وله تطوُّرٌ من طَوْر إلى طَوْر»(3) ـ إنتهى.

الفصل الثاني

في ملاك السبق واللحوق في كلّ واحد من الأقسام

والمراد به ـ كما اُشير اليه في الفصل السابق(4) ـ هو الأمر المشترك فيه بين المتقدّم والمتأخّر الذي يوجد منه للمتقدّم ما لا يوجد للمتأخّر ، ولا يوجد منه شيءٌ للمتأخّر إلاّ وهو موجودٌ للمتقدّم.

__________________

شرح المنظومة ص 87.

والشيخ محمد تقيّ الآمليّ قد تصدّى لبيان عدم ورود هذا الايراد عليه على ما فسّر الحكيم السبزواريّ. راجع درر الفوائد ص 280 و 283.

(1 و 2) راجع الأسفار ج 3 ص 257.

(3) راجع الأسفار ج 3 ص 257 ـ 258.

(4) حيث قال : «كأن يفرض مبدأ مشترك في النسبة إليه أمران».

٢٨٢

فملاك التقدّم والتأخّر بالرتبة هو النسبة إلى المبدأ المحدود ، كاشتراك الإمام والمأموم في النسبة إلى المبدأ المفروض من المحراب أو الباب مع تقدُّم الإمام لو كان المبدأ المفروض هو المحراب ، وتقدُّم المأموم لو كان هو الباب في الرتبة الحسّيّة ، وكتقدُّم كلّ جنس على نوعه في ترتّب الأجناس والأنواع إن كان المبدأ المفروض هو الجنس العالي ، وتقدُّم كلّ نوع على جنسه إن كان الأمر بالعكس.

وملاك التقدّم والتأخّر بالشّرَف اشتراك أمرين في معنى من شأنه أن يتّصف بالفضل والمزيّة أو بالرذيلة ، كاشتراك الشجاع والجبان في الإنسانيّة التي من شأنها أن تتّصف بفضيلة الشجاعةُ ، فللشجاع ما للجبان ، ولا عكس. ومثله تقدُّمُ الأرذل على غيره في الرذالة.

وملاك التقدّم والتأخّر بالزمان هو اشتراك جزءيْن مفروضَيْن منه في وجود متقضٍّ متصرّم مختلط فيه القوّة والفعل بحيث يتوقّف فيه فعليّة أحدهما على قوّته مع الآخر ، فالجزء الذي معه قوّة الجزء الآخر هو المتقدّم ، والجزء الذي بخلافه هو المتأخّر ، كاليوم والغد ، فإنهّما مشتركان في وجود كميٍّ غيرِ قارٍّ تتوقِّف فعليّة الغد على تحقُّقِ قوّته مع اليوم ، بحيث إذا وجد الغد بالفعل فقد بطلت قوّته وانصرم اليوم ، فاليوم متقدَّمٌ والغد متأخَّرٌ بالزمان.

وبملاك التقدّم والتأخّر الزمانيّين يتحقّق التقدّم والتأخّر بين الحوادث الزمانيّة بتوسط الزمان ، لما أنّها حركات ذوات أزمان.

وملاك التقدّم والتأخّر بالطبع هو الوجود ، ويختصّ المتقدّم بأنّ لوجود المتأخّر توقّفاً عليه بحيث لو لم يتحقّق المتقدّم لم يتحقّق المتأخّر من غير عكس.

وهذا كما في التقدّم في العلّة الناقصة التي يرتفع بارتفاعها المعلولُ ولا يلزم من وجودها وجوده.

وعنشيخ الإشراق : «أنّ التقدّم والتأخّر بالزمان من التقدّم والتأخّر بالطبع ، لأنّ مرجعه بالحقيقة إلى توقُّفِ وجودِ الجزء المتأخّر على وجود المتقدّم بحيث يرتفع بإرتفاعه»(1) .

__________________

(1) راجع المطارحات ص 305.

٢٨٣

ورُدَّ (1) بأنّهما نوعان متغايران ، فمن الجائز فيما بالطبع إجتماع المتقدّم والمتأخّر في الوجود ، بخلاف ما بالزمان حيث يمتنع إجتماع المتقدّم والمتأخّر منه ، بل التقدّم والتأخّر بين أجزاء الزمان بالذات.

والحقّ (2) ، أنّ ابتناء التقدّم والتأخّر بالزمان على التوقّف الوجوديّ بين الجزءَين لا سبيلَ إلى نفيه ، غير أنّ الوجود لمّا كان غيرَ قارٍّ يصاحب كلَّ جزء منه قوّةَ الجزء التالي إمتنع اجتماع الجزءَيْن ، لامتناع اجتماع قوّةِ الشيء مع فعليّته ، والمسلّم من كون التقدّم والتأخّر ذاتيّاً في الزمان كونهما لازمَيْن لوجوده المتقضّي غير القارّ باختلاف القوّة والفعل فيه.

فمن أراد إرجاع ما بالزمان إلى ما بالطبع ، عليه أن يفسّر ما بالطبع بما فيه التوقّف الوجوديّ ، ثمّ يقسمه إلى ما يجوز فيه الاجتماع بين المتقدّم والمتأخّر ، كما في تقدُّم العلّة الناقصة على معلولها ، وما لا يجوز فيه الاجتماع ، كما في تقدُّمِ بعض أجزاء الزمان على بعض.

والملاك في التقدّم والتأخّر بالعلّيّة إشتراكُ العلّة التامّة ومعلولها في وجوب الوجود ، مع كون وجوب العلّة ـ وهي المتقدّمة ـ بالذات ووجوب المعلول ـ وهو المتأخّر ـ بالغير.

وملاك التقدّم والتأخّر بالتجوهر إشتراكهما في تقرُّرِ الماهيّة.

وللمتأخّر توقُّفٌ تقرُّريٌّ على المتقدّم ، كتوقّف الماهيّة التامّة على أجزائها.

وملاك التقدّم والتأخّر بالدهر إشتراك مرتبة من مراتب الوجود الكلّيّة مع ما فوقها أو ما دونها في الوقوع في متن الأعيان مع توقّفها العينيّ على ما فوقها أو توقّف ما دونها عليها بحيث لا يجامع أحدهما الآخر ، لكون عدم التوقّف مأخوذاً في مرتبة المتوقّف عليه ، كتقدُّمِ عالَم المفارقات العقليّة على عالَم المثال ، وتقدُّمِ

__________________

(1) كذا ردّه صدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 263 ـ 264.

(2) كذا أجاب المصنّف (قدس سره) عمّا أورد صدر المتألّهين على الشيخ الإشراقيّ في تعليقاته على الأسفار ج 3 ص 263.

٢٨٤

عالَم المثال على عالَم المادّة.

وملاك التقدّم والتأخّر بالحقيقة إشتراكهما في الثبوت الأعمّ من الحقيقيّ والمجازيّ ، وللمتقدّم الحقيقة وللمتأخّر المجاز ، كتقدّم الوجود على الماهيّة بأصالته(1) .

وملاك التقدّم والتأخّر بالحقّ إشتراكهما في الوجود الأعمّ من المستقلّ والرابط ، وتقدّم وجود العلّة بالاستقلال وتأخّر وجود المعلول بكونه رابطاً.

الفصل الثالث

في المعيّة

وهي اشتراك أمرَيْن في معنى من غير اختلاف بالكمال والنقص اللذَيْن هما التقدّم والتأخّر ، لكن ليس كلُّ أمرين إرتفع عنهما نوعٌ من التقدّم والتأخّر مَعَيْن في ذلك النوع. فالجواهر المفارقة ليس بينهما تقدُّمٌ وتأخُّرٌ بالزمان ولا معيّة في الزمان. فالمعانِ زماناً يجب أن يكونا زمانيَّيْن من شأنهما التقدّم والتأخّر الزمانيّان ، فإذا اشتركا في معنى زمانيٍّ من غير تقدُّم وتأخُّر فيه فهما المعان فيه.

وبذلك يظهر أنّ تقابلَ المعيّة مع التقدّم والتأخّر تقابُلَ العدم والملكة(2) . فالمعيّة إشتراك أمرَيْن في معنى من غير إختلاف بالتقدّم والتأخّر ، والحال أنّ من شأنهما التقدّم والتأخّر في ذلك المعنى ، والتقدّم والتأخّر من الملكات والمعيّة عدميّة.

__________________

(1) قال الحكيم السبزواريّ في ملاك السبق في الأقسام الثمانية :

ملاكه الزمان في الزمانيّ

والمبدأ المحدود خذ لثاني

في الشرفي الفضل وفي الطبيعيّ

وجود الوجوب في العلّي

في سادس تقرّر الشيء مزا

في السابع الكون ولو تجوّزا

في الثامن الكون بمتن الواقع

وفي وعاء الدهر للبدائع

راجع شرح المنظومة ص 88 ـ 89.

(2) كما في الأسفار ج 3 ص 268. ولمزيد التوضيح راجع ما علّق الحكيم السبزواريّ عليه.

٢٨٥

فالمعيّه في الرّتبة كمعيّة المأمومَيْن الواقفَيْن خلْف الإمام بالنسبة إلى المبدأ المفروض في المسجد في الرتبة الحسّيّة ، وكمعيّة نوعَيْن أو جنسَيْن تحتَ جنس في الأنواع والأجناس المترتّبة بالنسبة إلى النوع أو الجنس.

والمعيّة في الشرف كشجاعَيْن متساويَيْن في الملكة.

والمعيّة في الزمان كحركتَيْن واقعتَيْن في زمان واحد بعينه ، ولا تتحقّق معيّة بين أجزاء الزمان نفِسِه ، حيث لا يخلو جزآن منه من التقدّم والتأخّر.

والمعيّة بالطبع كالجزءَيْن المتساويَيْن بالنسبه إلى الكلّ.

والمعيّة بالعليّة كمعلولَي علّة واحدة تامّة ، ولا تتحقّق معيّة بين علّتَيْن تامَّتْين ، حيث لا تجتمعان على معلول واحد. والحال في المعيّة بالحقيقة والمجاز وفي المعيّة بالحق كالحال في المعيّة بالعلّيّة.

والمعيّة بالدهر كما في جزءيْن من أجزاء مرتّبة من مراتب العين لو فرض فيها كثرة.

الفصل الرابع

في معنى القدم والحدوث وأقسامهما

إذا كان الماضي من زمانِ وجودِ شيء أكثر ممّا مضى من وجود شيء آخر ، كزيد ـ مثلا ـ يمضى من عُمْره خمسون وقد مضى من عُمْر عمرو أربعون سمّي الأكثر زماناً عند العامّة «قديماً» والأقلّ زماناً «حادثاً». والمتحصّل منه أنّ القديم هو الذي كان له وجودٌ في زمان لم يكن الحادث موجوداً فيه بعدُ ، أي إنّ الحادث مسبوقُ الوجود بالعدم في زمان كان القديم فيه موجوداً بخلاف القديم.

وهذان المعنيان المتحصّلان إذا عُمِّما واُخِذا حقيقيَّيْن كانا من الأعراض الذاتيّة للموجود من حيث هو موجود ، فانقسم الموجود المطلق إليهما وصار البحث عنهما بحثاً فلسفيّاً.

فالموجود ينقسم إلى قديم وحادث ، والقديم ما ليس بمسبوق الوجود

٢٨٦

بالعدم ، والحادث ما كان مسبوقُ الوجود بالعدم.

والذي يصحّ أن يؤخذ في تعريف الحدوث والقدم من معاني السبق وأنواعه المذكورة أربعةٌ ، هي : السبق الزمانيّ ، والسبق العلّيّ ، والسبق الدهريّ ، والسبق بالحقّ.

فأقسام القدم والحدوث أربعة : القدم والحدوث الزمانيّان ، والقدم والحدوث العلّيّان ـ وهو المعروف بالذاتيّين ـ ، والقدم والحدوث بالحقّ ، والقدم والحدوث الدهريّان ، ونبحث عن كلّ منها تفصيلا

الفصل الخامس

في القدم والحدوث الزمانيّين

الحدوث الزمانيّ كونُ الشيء مسبوقَ الوجود بعدم زمانيٍّ ، وهو حصول الشيء بعدَ أن لم يكن ، بعديّةً لا تجامع القبليّة ، ولا يكون العدم زمانياً إلاّ إذا كان ما يقابله من الوجود زمانيّاً ، وهو أن يكون وجود الشيء تدريجيّاً منطبقاً على قطعة من الزمان مسبوقةً بقطعة ينطبق عليها عدمه.

ويقابل الحدوث بهذا المعنى القدمَ الزمانيّ الذي هو عدم كون الشيء مسبوقَ الوجود بعدم زمانيٍّ ، ولازِمُه أن يكون الشيء موجوداً في كلِّ قطعة مفروضة قبلَ قطعة من الزمان منطبقاً عليها.

وهذان المعنيان إنّما يصدقان في الاُمور الزمانيّة التي هي مظروفةٌ للزمان منطبقهٌ عليه ، وهي الحركات والمتحرّكات. وأمّا نفس الزمان فلا يتّصف بالحدوث والقدم الزمانيّين ، إذ ليس للزمان زمانٌ آخر حتّى ينطبق وجوده عليه فيكون مسبوقاً بعدم فيه أو غيرَ مسبوق.

نعم ، لَمّا كان الزمان متّصفاً بالذات بالقبليّة والبعديّة بالذات غير المجامعتين كان كلُّ جزء منه مسبوقَ الوجود بعدمه الذي مصداقه كلُّ جزء سابق عليه ، فكلُّ جزء من الزمان حادثٌ زمانيُّ بهذا المعنى ، وكذلك الكلّ ، إذ لَمّا كان الزمان مقداراً غيرَ قارٍّ للحركة التي هي خروج الشيء من القوّة إلى الفعل تدريجاً كانت فعليّةُ

٢٨٧

وجودِهِ مسبوقةً بقوّة وجوده وهو الحدوث الزماني.

وأمّا الحدوث بمعنى كون وجود الزمان مسبوقاً بعدم خارج من وجوده سابق عليه سبقاً لا يجامع فيه القبلُ البعد ، ففيه فَرْضُ تَحقّق القبليّة الزمانيّة من غير تحقّق الزمان.

وإلى ذلك يشير ما نُقِل عنالمعلّم الأوّل : «أنّ من قال بحدوث الزمان فقد قال بقدمه من حيث لا يشعر»(1) .

تنبيهٌ : قد تقدّم في مباحث القوّة والفعل(2) أنّ لكلّ حركة شخصيّة زماناً شخصيّاً يخصّها ويقدّرها ، فمنه الزمان العموميّ الذي يعرض الحركةَ العموميّةَ الجوهريّةَ التي تتحرّك بها مادّةُ العالَم المادّيّ في صورها ، ومنه الأزمنة المتفرّقة التي تعرض الحركات المتفرّقة العرضيّة وتقدّرها.

وأنّ الزمان الذي يقدّر بها العامّة حوادث العالم هو زمان الحركة اليوميّة الذي يراد بتطبيق الحوادث عليه الحصول على نِسَبِ بعضها إلى بعض بالتقدّم والتأخّر والطول والقصر ونحو ذلك.

إذا تذكّرت هذا فاعلم أنّ ما ذكرناه من معنى الحدوث والقدم الزمانيّين يجري في كلّ زمان كيفما كان ، فلا تغفل.

الفصل السادس

في الحدوث والقدم الذاتيّين

الحدوث الذاتيّ كون وجود الشيء مسبوقاً بالعدم المتقرّر في مرتبة ذاته ، والقدم الذاتيّ خلافه.

قالوا(3) : «إنّ كلّ ذي ماهيّة فإنّه حادث ذاتاً» ، واحتجّوا عليه(4) بأنّ كلِّ ممكن

__________________

(1) والناقل صدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 245.

(2) في الفصل الحادي عشر من المرحلة التاسعة.

(3) أي الحكماء. (4) راجع المباحث المشرقيّة ج 1 ص 134 ، والأسفار ج 3 ص 246.

٢٨٨

فإنّه يستحقّ العدم لذاته ويستحقّ الوجود من غيره ، وما بالذات أقدم ممّا بالغير ، فهو مسبوقُ الوجود بالعدم لذاته.

واعتُرِض عليه (1) : بأنّ الممكن لو اقتضى لذاته العدمَ كان ممتنعاً ، بل هو لإمكانه لا يصدق عليه في ذاته أنّه موجودٌ ، ولا أنّه معدومٌ.

فكما يستحقّ الوجود عن علّة خارجة كذلك يستحقّ العدم عن علّة خارجة ، فليس شيءٌ من الوجود والعدم أقدم بالنسبة إليه من غيره ، فليس وجوده عن غيره مسبوقاً بعدمه لذاته.

واُجيب عنه (2) : بأنّ المراد به عدم استحقاق الوجود بذاته سلباً تحصيليّاً لا بنحو العدول ، وهذا المعنى له في ذاته قبلَ الوجود الآتي من قِبَل الغير.

حجّةٌ اُخرى (3) : أنّ كلَّ ممكن له ماهيّةٌ مغايرةٌ لوجوده ، وإلاّ كان واجباً لا ممكناً ، وكلُّ ما كانت ماهيّته مغايرةً لوجوده إمتنع أن يكون وجوده من ماهيّته ، وإلاّ كانت الماهيّة موجودةً قبلَ حصول وجودها ، وهو محالٌ ، فوجوده مستفاد من غيره ، فكان وجوده مسبوقاً بغيره بالذات ، وكلّ ما كان كذلك كان محدَثاً بالذات.

ويتفرّع على ما تقدّم أنّ القديم بالذات واجبُ الوجود بالذات ، وأيضاً أنّ القديم بالذات لا ماهيّةَ له.

الفصل السابع

في الحدوث والقدم بالحق

الحدوث بالحقّ مسبوقيّةُ وجودِ المعلول بوجود علّته التامّة باعتبار نسبة السبق واللحوق بين الوجودين ، لا بين الماهيّة الموجودة للمعلول وبين العلّة كما

__________________

(1) هذا الإعتراض ممّا خطر ببال الفخر الرازيّ ، فذكره في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 134. وتعرّض له أيضاً صدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 247.

(2) كذا أجاب عنه الفخر الرازيّ أيضاً في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 134. وتعرّض له أيضاً صدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 247.

(3) تعرّض لها الفخر الرازيّ في المباحث المشرقيّة ج 1 ص 134 ، وصدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 249.

٢٨٩

في الحدوث الذاتيّ.

وذلك أنّ حقيقة الثبوت والتحقّق في متن الواقع إنّما هو للوجود دون الماهيّة ، وليس للعلّة ـ وخاصّة للعلّة المطلقة الواجبة التي ينتهي إليها الأمر ـ إلاّ الاستقلال والغنى؛ وليس لوجود المعلول إلاّ التعلّق الذاتيّ بوجود العلّة والفقر الذاتيّ إليه والتقوّم به ، ومن الضروريّ أنّ المستقلّ الغنيّ المتقوّم بذاته قبلَ المتعلّق الفقير المتقوّم بغيره ، فوجود المعلول حادثُ بهذا المعنى مسبوقٌ بوجود علّته ، ووجود علّته قديمٌ بالنسبة إليه متقدّمٌ عليه.

الفصل الثامن

في الحدوث والقدم الدهريّين

الحدوث الدهريّ كون الماهيّة الموجودة المعلولة مسبوقةً بعدمها المتقرّر في مرتبة علّتها ، بما أنّها ينتزع عدُمها بحدّها عن علِّتها ، وإن كانت علّتُها واجدةً لكمال وجودها بنحو أعلى وأشرف فعلّيّتها قبلَها ، قبليّةً لا تجامع بعديّةَ المعلول ، بما أنّ عدَمَ الشيء لا يجامع وجودَه.

والقدم الدهريّ كون العلّة غيرَ مسبوقة بالمعلول هذا النحو من السبق.

وقد اتّضح بما بينّاه أنّ تقرّر عدم المعلول في مرتبة العلّة لا ينافي ما تقرّر في محلّه أنّ العلّة تمام وجود معلولها وكماله ، لأنّ المنفي من مرتبة وجود العلّة هو المعلول بحدّه لا وجوده من حيث إنّه وجودٌ مأخودٌ عنها ، ولا مناصَ عن المغايرة بين المعلول بحدّه وبين العلّة ، ولازِمُها صدْقُ سلب المعلول بحدّه على العلّة ، وإلاّ اتّحدا.

نعم يبقى الكلام في ما ادُّعي(1) من كون القبليّة والبعديّة في هذين الحدوث والقدم غير مجامعتَيْن.

__________________

(1) والمدعيّ السيد المحقّق الداماد في القبسات ص 17.

٢٩٠

المرحلة الحادية عشرة

في العقل والعاقل والمعقول

والمأخوذ في العنوان وإن كان هو العقل الذي يطلق إصطلاحاًعلى الإدراك الكلّيّ دون الجزئي لكنّ البحث يعمّ الجميع.

وفيها خمسة عشر فصلا

٢٩١
٢٩٢

الفصل الأوّل

في تعريف العلم وانقسامه الأوّلي وبعض خواصّه

وجود العلم ضروريٌّ عندنا بالوجدان ، وكذلك مفهومه بديهيّ لنا(1) ، وإنّما نريد بالبحث في هذا الفصل الحصول على أخصّ خواصّه.

فنقول : قد تقدّم في بحث الوجود الذهنيّ(2) أنّ لنا علماً بالأشياء الخارجة عنّا في الجملة ، بمعنى أنّها تحضر عندنا بماهيّاتها بعينها لا بوجوداتها الخارجيّة التي تترتّب عليها آثارها الخارجيّة ، فهذا قسمٌ من العلم ، ويسمّى «علماً حصوليّاً».

ومن العلم أيضاً علم الواحد منّا بذاته التي يشير إليها ويعبّر عنها بـ «أنا» ، فإنّه لا يلهو عن نفسه ولا يغفل عن مشاهدة ذاته ، وإن فرضت غفلته عن بدنه وأجزائه وأعضائه.

وليس عِلْمُهُ هذا بذاته بحضور ماهيّة ذاته عند ذاته حضوراً مفهوميّاً وعلماً حصوليّاً ، لأنّ المفهوم الحاضر في الذهن كيفما فرض لا يأبى بالنظر إلى نفسه الصدقَ على كثيرين ، وإنّما يتشخّص بالوجود الخارجيّ ، وهذا الذي يشاهده من نفسه ويعبّر عنه بـ «أنا» أمرٌ شخصيٌّ بذاته غير قابل للشركة بين كثيرين ، وقد تحقّق

__________________

(1) كما في الأسفار ج 3 ص 278 ـ 279 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 321 ـ 322 ، وشرح الإشارات ج 2 ص 314.

(2) راجع المرحلة الثالثة من المتن.

٢٩٣

أنّ التشخّص بالوجود(1) ، فعِلْمُنا بذاتنا إنمّا هو بحضورها لنا بوجودها الخارجيّ الذي هو عين وجودنا الشخصيّ المترتّب عليه الآثار.

وأيضاً لو كان الحاضر لذواتنا عند عِلْمِنا بها هو ماهيّة ذواتنا دون وجودها والحال أنّ لوجودنا ماهيّةً قائمةً به ، كان لوجود واحد ماهيّتان موجودتان به ، وهو اجتماع المثلين ، وهو محالٌ. فإذن عِلْمُنا بذواتنا بحضورها لنا وعدم غيبتها عنّا بوجودها الخارجيّ لا بماهيّتها فقط. وهذا قسمٌ آخر من العلم ، ويسمّى : «العلم الحضوريّ».

وانقسام العلم إلى القسمَيْن قسمةٌ حاصرةٌ ، فحضور المعلوم للعالم إمّا بماهيّته وهو العلم الحصوليّ ، أو بوجوده وهو العلم الحضوريّ.

هذا ما يؤدّي إليه النظر البدويّ من انقسام العلم إلى الحصوليّ والحضوريّ ، والذي يهدي إليه النظر العميق أنّ الحصوليّ منه أيضاً ينتهي إلى علم حضوريّ.

بيان ذلك : أنّ الصورة العلميّة ـ كيفما فُرضَتْ ـ مجرّدةٌ من المادّة عاريةٌ من القوّة ، وذلك(2) لوضوح أنّها ـ بما أنّها معلومة ـ فعليّةٌ لا قوّةَ فيها لشيء ألبتّةَ ، فلو فُرِضَ أيّ تغيُّر فيها كانت الصورة الجديدة مباينةً للصورة المعلومة سابقاً ، ولو كانت الصورة العلميّة مادّيّة لم تأبَ التغيّر.

وأيضاً لو كانت مادّيّة لم تفقد خواص المادّة اللازمة وهي الإنقسام والزمان والمكان.

فالعلم ـ بما أنّه علْمٌ ـ لا يقبل النصف والثُلْث مثلا ، ولو كان منطبعاً في مادّة جسمانيّة لا نقسم بانقسامها. ولا يتقيّد بزمان ولو كان مادّيّاً ، وكلُّ مادّيٍّ متحرّك لتغيرَ بتغيّر الزمان. ولا يشار إليه في مكان ولو كان مادّياً حلَّ في مكان.

__________________

(1) راجع الفصل الثالث من المرحلة الخامسة.

(2) أي تجرُّد الصورة العلميّة من المادة. والمصنّف إكتفى لإثباته بذكر الدليلين المذكورين. وقد عقد الفخر الرازيّ وصدر المتألّهين فصلا لذكر الأدلّة المشهورة التي أقاموا على تجرّد النفس ، وهي إثنا عشر دليلا ، راجع المباحث المشرقيّة ج 2 ص 345 ـ 379 ، والأسفار ج 8 ص 260 ـ 303.

٢٩٤

فإن قلت : عدم انقسام الصورة العلميّة ـ بما أنّها علْمٌ ـ لا ينافي انطباعَها في جسم كجزء من الدماغ مثلا ، وانقسامَها بعَرْضِ المحلّ ، كما أنّ الكيفيّة كاللون العارض لسطح جسم تأبى الانقسام بما أنّها كيفيّة وتنقسم بعَرْض المحلّ ، فلِمَ لا يجوز أن تكون الصورة العلميّة مادّيّةً منطبعةً في محلٍّ منقسمةً بعَرْضِ محلّها ، وخاصّة بناءً على ما هو المعروف من كون العلم كيفيّه نفسانيّة؟.

وأيضاً إنطباق العلم على الزمان وخاصّة في العلوم الحسيّة والخياليّة ممّا لا ينبغي أن يرتاب فيه ، كاحساس الأعمال الماديّة في زمان وجودها.

وأيضاً اختصاص أجزاء من الدماغ بخاصّة العلم بحيث يستقيم باستقامتها ويختلّ باختلالها على ما هو المسلّم في الطبّ ، لا شك فيه ، فللصورة العلميّة مكانٌ ، كما أنّ لها زماناً.

قلنا : إنّ إباءَ الصورة العلميّة وامتناعَها عن الانقسام بما أنّها علْمٌ ، لا شكّ فيه كما ذُكِر(1) .

وأمّا انقسامها بعَرْضِ انقسام المحلّ كالجزء العصبيّ مثلا ممّا لا شكّ في بطلانه أيضاً ، فإنّا نحسّ ونتخيّل صوراً هي أعظم كثيراً ممّا فرض محلاّ لها من الجزء العصبيّ ، كالسماء بأرجائها والأرض بأقطارها والجبال الشاهقة والبراري الواسعة والبحور الزاخرة ، ومن الممتنع إنطباع الكبير في الصغير.

وما قيل : «إنّ إدراك الكبر والصغر في الصورة العلميّة إنّما هو بقياس أجزاء الصورة العلميّة بعضها إلى بعض» ، لا يفيد شيئاً ، فإنّ المشهود هو الكبير بكبره دون النسبة الكلّيّة المقداريّة التي بين الكبيرة والصغيرة وأنّ النسبة بينهما مثلا نسبة المائة إلى الواحد.

فالصورة العلميّة المحسوسة أو المتخيّلة بما لها من المقدار قائمةٌ بنفسها في عالَم النفس من غير انطباع في جزء عصبيٍّ أو أمر مادّيٍّ غيرها ، ولا انقسام لها بعَرْضِ انقسامه. والإشارةُ الذهنيّة إلى بعض أجزاء المعلوم وفصلُهُ عن الأجزاء الاُخر كالإشارة إلى بعض أجزاء زيد المحسوس أو المتخيّل ثمّ إلى بعضها الآخر.

__________________

(1) راجع المباحث المشرقيّة ج 2 ص 346 ، والأسفار ج 8 ص 261 ـ 268.

٢٩٥

وليس من التقسيم في شيء وإنمّا هو إعراضٌ عن الصورة العلميّة الأوليّة وإيجادٌ لصورتَيْن اُخريَيْن.

وإذ لا انطباعَ للصورة العلميّة في جزء عصبيٍّ ولا انقسامَ لها بعرْضِ انقسامه ، فارتباط الصورة العلميّة بالجزء العصبيّ وما يعمله من عَمَل عند الإدراك إرتباطٌ إعداديٌّ ، بمعنى أنّ ما يأتيه الجزء العصبيّ من عَمَل تستعدّ به النفس لأن يحضر عندها ويظهر في عالَمها.

فالصورة العلميّة الخاصّة بما للمعلوم من الخصوصيّات ، وكذلك المقارنة التي تتراءى بين إدراكاتنا وبين الزمان ، إنّما هي بين العمل المادّيّ الإعداديّ التي تعمله النفس في آلة الإدراك وبين الزمان ، لا بين الصورة العلميّة بما أنّه علم وبين الزمان. ومن الدليل على ذلك أنّا كثيراً مّا ندرك شيئاً من المعلومات ونخزنه عندنا ثمّ نذكره بعينه بعد انقضاء سنين متمادية من غير أيِّ تغيير ، ولو كان مقيّداً بالزمان لتغيَّرَ بتغيُّره.

فقد تحصّل بما تقدّم أنّ الصورة العلميّة ـ كيفما كانت ـ مجرّدةٌ من المادّة خاليةٌ عن القوّة. وإذ كانت كذلك فهي أقوى وجوداً من المعلوم المادّيّ الذي يقع عليه الحسّ ، وينتهى إليه التخيّل والتعقّل ، ولها آثار وجودها المجرّد. وأمّا آثار وجودها الخارجيّ المادّيّ التي نحسبها متعلّقة للإدراك فليست آثاراً للمعلوم بالحقيقة الذي يحضر عند المدرك حتّى تترتّب عليه أو لا تترتّب ، وإنّما هو الوهم يوهم للمدرك أنّ الحاضر عنده حالَ الإدراك هو الصورة المتعلّقة بالمادّة خارجاً ، فيطلب آثارها الخارجيّة ، فلا يجدها معها ، فيحكم بأنّ المعلوم هو الماهيّة بدون ترتّب الآثار الخارجيّة.

فالمعلوم عند العلم الحصوليّ بأمر له نوعُ تعلُّق بالمادّة هو موجودٌ مجردٌ هو مبدأ فاعليٌّ لذلك الأمر واجدٌ لما هو كماله يحضر بوجودها الخارجي للمدرك ، وهو علم حضوريّ ، ويتعقّبه انتقال المدرك إلى ما لذلك الأمر من الماهيّة والآثار المترتّبة عليه في الخارج. وبتعبير آخر : العلم الحصوليّ اعتبارٌ عقليٌّ يضطرّ إليه

٢٩٦

العقل ، مأخوذٌ من معلوم حضوريّ هو موجودٌ مجرّدٌ مثاليٌّ أو عقليٌّ ، حاضرٌ بوجوده الخارجيّ للمدرك وإن كان مدركاً من بعيد.

ولنرجع إلى ما كنّا بصدده من الكلام في تعريف العلم(1) ، فنقول : حصول العلم ووجوده للعالِم ممّا لا ريب فيه.

وليس كلّ حصول كيف كان ، بل حصول أمر هو بالفعل فعليّةً محضةً لا قوّةَ فيه لشيء أصلا ، فإنّا نجد بالوجدان أنّ الصورة العلميّة من حيث هي لا تقوى على صورة اُخرى ، ولا تقبل التغيّر عمّا هو عليه من الفعليّة. فهو حصول المجرّد من المادّة عار من نواقص القوّة ونسمّي ذلك «حضوراً».

فحضور شيء لشيء حصوله له بحيث يكون تامَّ الفعليّة غيرَ متعلّق بالمادّة بحيث يكون ناقصاً من جهة بعض كمالاته التي في القوّة.

ومقتضى حضور العلم للعالِم أن يكون العالم أيضاً تامّاً ذا فعليّة في نفسه غير ناقص من حيث بعض كمالاته الممكنة له وهو كونه مجرّداً من المادّة خالياً عن القوّة. فالعلم حصولُ أمر مجرّد من المادّة لأمر مجرّد ، وإن شئت قلت : حضور شيء لشيء.

__________________

(1) اعلم أنّ في تعريف العلم مذاهب مختلفة :

الأوّل : ما ذهب إليه الشيخ الإشراقيّ ، وهو أنّ العلم عبارة عن الظهور راجع حكمة الإشراق ص 114 ـ 115.

الثاني : ما ذهب إليه أبو الحسين البصريّ وأصحابه والفخر الرازيّ ، وهو أنّ العلم حالة إضافيّة بين العالم والمعلوم. راجع شرح مسألة العلم ص 29 ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 331 ، وشرحي الإشارات ج 1 ص 133 ـ 134.

الثالث : ما ذهب إليه صاحب الملخص ـ على ما نقل عنه في الأسفار ج 3 ص 290 ـ ، وهو أنّ العلم عبارة عن كيفيّة ذات اضافة.

الرابع : ما ذهب إليه بعض آخر ، وهو أنّ العلم عبارة عن صورة منطبعة عند العقل. وتعرّض لهذه الأقوال ولنقدها صدر المتألّهين في الأسفار ج 3 ص 284 ـ 296.

والخامس : ما ذهب إليه الأشاعرة ، وهو أنّه صفة ذات تعلّق. راجع شرح المواقف 272. وعرّفوه أيضاً بتعاريف اُخر ، ذكرها المحقّق الطوسيّ في شرح مسألة العلم ص 23 ـ 26.

٢٩٧

الفصل الثاني

في إتّحاد العالم بالمعلوم ، وهو المعنون عنه باتّحاد العاقل بالمعقول(1)

علْمُ الشيء بالشيء هو حصول المعلوم ـ أي الصورة العلميّة ـ للعالِم كما تقدّم(2) ، وحصول الشيء وجوده ، ووجوده نفسه ، فالعلم هو عين المعلوم بالذات ، ولازِمُ حصول المعلوم للعالِم وحضوره عنده إتّحاد العالِم به ، سواء كان معلوماً حضوريّاً أو حصوليّاً. فإنّ المعلوم الحصوليّ إن كان أمراً قائماً بنفسه كان وجوده لنفسه وهو مع ذلك للعالم فقد إتّحد العالم مع المعلوم ، ضرورةَ امتناع كون الشيء موجوداً لنفسه ولغيره معاً ، وإن كان أمراً وجوده لغيره ـ وهو الموضوع ـ وهو مع ذلك للعالم ، فقد إتّحد العالم بموضوعه والأمر الموجود لغيره متّحدٌ بذلك الغير ، فهو متّحدٌ بما يتّحد به ذلك الغير.

ونظير الكلام يجري في المعلوم الحضوريّ مع العالم به.

فإن قلت : قد تقدّم في مباحث الوجود الذهني(3) أنّ معنى كون العلم من مقولة

__________________

(1) والشيخ الرئيس في أكثر كتبه نصّ على إبطال القول بإتّحاد العاقل بالمعقول ، كما في الفصل السادس من المقاله الخامسة من الفن السادس من طبيعيات الشفاء ، وشرح الإشارات ج 3 ص 292 ـ 293. ولكن قد قرّر هذا القول وأقام الحجّة عليه في كتاب المبدأ والمعاد ص 6 ـ 10 ، والرسالة العرشيّة ص 8. وقال صدر المتألّهين ـ بعد التعرّض لما قال الشيخ الرئيس في كتاب المبدأ والمعاد ـ : «ولستُ أدري هل كان ذلك على سبيل الحكاية لمذهبهم لأجل غرض من الأغراض أو كان اعتقادياً له لاستبصار وقع له من إضائة نور الحق من افق الملكوت». راجع الأسفار ج 3 ص 335. وأقول : الظاهر أنّه أراد أن يفرّق بين علم الواجب بغيره وعلمنا بغيرنا ، بأنّ الإتّحاد مختصّ بعلم الواجب بغيره كما هو الظاهر ممّا ذكره في المبدأ والمعاد والرسالة العرشية ، وأمّا في علمنا بغيرنا فلا ، كما هو الظاهر من كلامه في سائر كتبه. وصرّح باختصاص الإتّحاد بعلم الواجب بغيره في التعليقات ص 159 ، حيث قال : «كلّ ما يعقل ذاته فإنّه هو العقل والعاقل والمعقول ، وهذا الحكم لا يصحّ إلاّ في الأوّل». وقال أيضاً : «أمّا ما يقال انّا إذا عقلنا شيئاً فانّا نصير ذلك المعقول فهو محال».

(2) في الفصل السابق.

(3) راجع المرحلة الثالثة من المتن.

٢٩٨

المعلوم كونُ مفهوم المقولة مأخوذاً في العلم ـ أي صدقَت المقولة عليه بالحمل الأوّليّ دون الحمل الشايع الذي هو الملاك في اندراج الماهيّة تحت المقولة وترتُّبِ الآثار التي منها كون الوجود لنفسه أو لغيره ـ فلا الجوهر الذهنيّ من حيث هو ذهنيّ جوهرٌ بالحمل الشائع موجودٌ لنفسه ، ولا العَرَض الذهنيّ من حيث هو ذهنيّ عَرَضٌ بالحمل الشائع موجودٌ لغيره.

وبالجملة لا معنى لاتّحاد العاقل وهو موجودٌ خارجيّ مترتّب عليه الآثار بالمعقول الذهنيّ الذي هو مفهوم ذهنيّ لا تترتّب عليه الآثار.

وأمّا العلم الحضوريّ فلا يخلو إمّا أن يكون المعلوم فيه نفس العالم كعِلْمنا بنفسنا أم لا. وعلى الثاني إمّا أن يكون المعلوم علّةً للعالم أو معلولا للعالم أو هما معلولان لأمر ثالث. أمّا علم الشيء بنفسه فالمعلوم فيه عين العالم ولا كثرة هناك حتّى يصدق الإتّحاد وهو ظاهر. وأمّا علم العلّة بمعلولها أو علم المعلول بعلّته فلا ريب في وجوب المغايرة بين العلّة والمعلول ، وإلاّ لزم تقدّم الشيء على نفسه بالوجود وتأخّره عن نفسه بالوجود وهو ضروريّ الاستحالة.

وأمّا عِلْم أحد معلولَيْ علّة ثالثة بالآخر فوجوب المغايرة بينهما في الشخصيّة يأبى الإتّحاد؛ على أنّ لازِمَ الإتّحاد كونُ جميع المجرّدات وكلُّ واحد منها عاقلا للجميع ومعقولا للجميع شخصاً واحداً.

قلنا : أمّا ما استشكل به في العلم الحصوليّ ، فيدفعه ما تقدّم(1) أنّ كلّ علم حصوليّ ينتهي إلى علم حضوريّ ، إذ المعلوم الذي يحضر للعالم حينئذ موجودٌ مجرّدٌ بوجوده الخارجىّ الذي هو لنفسه أو لغيره.

وأمّا ما استشكل به في العلم الحضوريّ ، فليتذكر أنّ للموجود المعلول إعتبارين : اعتباره في نفسه ـ أي مع الغضّ عن علّته ـ فيكون ذا ماهيّة ممكنة موجوداً في نفسه طارداً للعدم عن ماهيّته يحمل عليه وبه ، واعتباره بقياس

__________________

(1) في الفصل السابق.

٢٩٩

وجوده إلى وجود علّته. وقد تقدّم في مباحث العلّة والمعلول(1) أنّ وجود المعلول بما أنّه مفتقر في حدّ ذاته وجودٌ رابطٌ بالنسبة إلى علّته ، لا نفسيّةَ فيه ، وليس له إلاّ التقوّم بوجود علّته من غير أن يحمل عليه بشيء أو يحمل به على شيء.

إذا تمهّد هذا ، ففيما كان العالم هو العلّة والمعلوم هو المعلول كانت النسبة بينهما نسبة الرابط والمستقلّ النفسيّ ، وظاهرٌ أنّ الموجود الرابط يأبى الموجوديّة لشيء لأنّها فرع الوجود في نفسه وهو موجودٌ في غيره ، ومن شرط كون الشيء معلوماً أن يكون موجوداً للعالِم ، لكنّ المعلول رابط متقوّم بوجود العلّة بمعنى ما ليس بخارج وليس بغائب عنها ، فكون وجوده للعلّة إنّما يتمّ بمقوّمه الذي هو وجود العلّة ، فمعلوم العلّة هو نفسها بما تقوّم وجود المعلول ، فالعلّة تعقل ذاتها والمعلول غير خارج منها لا بمعنى الجزئيّة والتركّب ، والحمل بينهما حمل المعلول متقوّماً بالعلّة على العلّة وهو نوعٌ من حمل الحقيقةوالرقيقة.

ونظير الكلام يجري في العلم بالرابط ، فكلّ معلوم رابط معلومٌ بالعلم بالمستقلّ الذي يتقوّم به ذاك الرابط.

وفيما كان العالم هو المعلول والمعلوم هو العلّة ـ لمّا كان من الواجب وجود المعلوم للعالم ويستحيل في الوجود الرابط أن يوجد له شيء ـ ، إنّما يتمّ وجود العلّه للمعلول بتقوّمه بالعلّة ، فالعلّة بنفسها موجودة لنفسها ، والحال أنّ المعلول غير خارج منها ، عالمة بالعلّة نفسها ، ويُنسب إلى المعلول بما أنّه غير خارج منها ، ولا ينال من العلم بها إلاّ ما يسعه من وجوده ، والحمل بينهما حمل العلّة على المعلول متقوّماً بالعلّة ، والحمل أيضاً نوعٌ من حمل الحقيقة والرقيقة.

فمآل علم المعلول بعلّته إلى علم العلّة ـ وهي مأخوذة مع معلولها ـ بنفسها وهي مأخوذة وحدها ، ومآل علم العلّة بمعلولها إلى علم العلّة ـ وهي مأخوذة في نفسها ـ بنفسها وهي مأخوذة مع معلولها.

وفيما كان العالم والمعلوم معلولَيْن لعلّة ثالثة فليس المراد من اتّحاد العالم والمعلوم إنقلاب الشخصَيْن شخصاًواحداً ، بل انتزاع ماهيّتَيِ العالموالمعلوم من العالم.

__________________

(1) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة.

٣٠٠