نهاية الحكمة

نهاية الحكمة0%

نهاية الحكمة مؤلف:
تصنيف: مكتبة الفلسفة والعرفان
الصفحات: 437

نهاية الحكمة

مؤلف: العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي
تصنيف:

الصفحات: 437
المشاهدات: 47711
تحميل: 2105

توضيحات:

نهاية الحكمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 437 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 47711 / تحميل: 2105
الحجم الحجم الحجم
نهاية الحكمة

نهاية الحكمة

مؤلف:
العربية

وهو الذي لا يسبقه عدمٌ زمانيٌّ ، وهو محالٌّ ، فإنّه لدوام وجوده لا سبيل للعدم إليه حتّى يحتاج في رفعه إلى علّة تفيض عليه الوجودَ ، فدوام الوجود يغنيه عن العلّة.

ويدفعه : أنّ موضوعَ الحاجة هو الماهيّة بما أنّها ممكنة دونَ الماهيّة بما أنّها موجودة ، والماهيّة بوصف الإمكان محفوظةٌ مع الوجود الدّائم كما أنّها محفوظة مع غيره؛ فالماهيّة القديمة الوجود تحتاج إلى العلّة بما هي ممكنةٌ ، كالماهيّة الحادثة الوجود ، والوجود الدّائم مفاضٌ عليها كالوجود الحادث ، وأمّا الماهيّة الموجودة بما أنّها موجودة فلها الضرورة بشرط المحمول ، والضرورة مناط الغنى عن العلّة بمعنى أنّ الموجودة(1) بما أنّها موجودة لا تحتاج إلى موجوديّةاُخرى تُطرَأ عليها.

على أنّ مرادهم من الحدوث الذي إشترطوه في الحاجة الحدوث الزمانيّ الذي هو كون الوجود مسبوقاً بعدم زمانيٍّ.

فما ذكروه منتقَضٌ بنفس الزمان ، إذ لا معنى لكون الزمان مسبوقاً بعدم زمانيٍّ.

مضافاً إلى أنّ إثبات الزمان قبلَ كلِّ ماهيّة إمكانيّة إثباتٌ للحركة الراسمة للزمان ، وفيه إثباتُ متحرّك تقوم به الحركة ، وفيه إثباتُ الجسم المتحرّك والمادّة والصورة.

فكلّما فُرِضَ وجودٌ لماهيّة ممكنة كانت قبله قطعةُ زمان ، وكلّما فرضَتْ قطعة زمان كانت عندها ماهيّةٌ ممكنةٌ ، فالزمان لا يسبقه عدمٌ زمانيٍّ.

وأجاب بعضهم (2) عن النقض بأنّ الزمان أمرٌ اعتباريٌّ وهميٌّ لا بأس بنسبة القِدم عليه ، إذ لا حقيقة له وراءَ الوهم.

وفيه : أنّه هَدْمٌ لما بَنَوه من إسناد حاجة الممكن إلى حدوثه الزمانيّ ، إذ الحادث والقديم عليه واحد.

وأجاب آخرون (3) بأنّ الزمان منتزَعٌ عن وجود الواجب (تعالى) ، فهو من

__________________

(1) أي الماهيّة الموجودة.

(2) ولعلّ مراده من «بعضهم» هو بعضٌ من المتكلّمين القائلين بالزمان المتوهّم الذي لا فرد يحاذيه ولا منشأ لإنتزاعه. وتعرّض لهذا القول الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومه وتعليقته عليه ص 82 ، وفي تعليقته على الأسفار ج 3 ص 142.

(3) ولعلّ مراده هو المتكلّمون القائلون بالزمان الموهوم الذي لا فرد يحاذيه وإن كان منشأ

٨١

صُقْعِ المبدأ (تعالى) ، لا بأس بقدمه.

ورُدَّ (1) بأنّ الزمان متغيّرٌ بالذات وانتزاعه من ذات الواجب بالذات مستلزمٌ لتطرّق التغيّر على ذاته (تعالى وتقدّس).

ودُفِعَ (2) ذلك بأنّ من الجائز أن لا يطابق المعنى المنتزعُ المصداقَ المنتزَعَ منه من كلّ جهة ، فيباينه.

وفيه : أنّ تجويز مباينة المفهوم المنتزَعِ للمنتزِع منه سفسطةٌ ، إذ لو جازت مباينة المفهوم للمصداق لانهدم بنيان التصديق العلميّ من أصله.

تنبيه :

قد تقدّم في مباحث العدم أنّ العدم بطلانٌ محضٌ لا شيئيّةَ له ولا تمايُزَ فيه(3) ، غير أنّ العقل ربّما يضيفه إلى الوجود ، فيحصل له ثبوتٌ مّا ذهنيٌّ وحظٌّ مّا من الوجود ، فيتميّز بذلك عدمٌ من عدم ، كعدم البصر المتميَّز من عدم السمع وعدم الإنسان المتميَّز من عدم الفرس ، فيرتّب العقل عليه ما يراه من الأحكام الضروريّة ، ومرْجَعُها بالحقيقة تثبيتُ ما يحاذيها من أحكام الوجود.

ومن هذا القبيل حكم العقل بحاجة الماهيّة الممكنة في تلبّسها بالعدم إلى علّة هي عدمُ علّةِ الوجود.

فالعقل إذا تصوّر الماهيّة من حيث هي الخالية من التحصّل واللاتحصّل ، ثمّ قاسَ إليها الوجود والعدم ، وَجَد بالضّرورة أنّ تحصُّلَها بالوجود

__________________

لانتزاعه ويكون منشأ انتزاعه هو بقاء الواجب بالذات. وتعرّض لهذا القول أيضاً الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة وتعليقته عليه ص 82 ، وفي تعليقته على الأسفار ج 3 ص 142. ونَسَبه إلى الأشاعرة في حاشية شرح المنظومة ص 148. وكذا تعرّض له المصنّف (رحمه الله) في تعليقته على الأسفار ج 7 ص 298.

(1) هكذا يستفاد ممّا ذكره الحكيم السبزواريّ في الرّد على القائلين بالزمان الموهوم. راجع تعليقته على شرح المنظومة ص 82 ، وتعليقته على الأسفار ج 3 ص 142. وتعرّض له أيضاً المصنّف (رحمه الله) في تعليقته على الأسفار ج 7 ص 298.

(2) هكذا دَفَعه المتكلّمون القائلون بالزمان الموهوم ، على ما في تعليقة المصنّف (رحمه الله) على الأسفار ج 7 ص 298.

(3) راجع الفصل الرابع من المرحلة الاُولى.

٨٢

متوقّفٌ على علّة موجودة ، ويستتبعه أنّ علّة وجودها لو لم توجد لم توجد الماهيّة المعلولة ، فيتمّ الحكم بأنّ الماهيّة الممكنة لإمكانها تحتاج في اتّصافها بشيء من الوجود والعدم إلى مرجّح يرجّح ذلك ، ومرجّحُ الوجود وجودُ العلّة ومرجّحُ العدم عدمُها ، أي لو انتفت العلّة الموجِدة لم توجد الماهيّة المعلولة ، وحقيقته أنّ وجودَ الماهيّة الممكنه متوقّفٌ على وجود علّتها.

الفصل السابع

الممكن محتاج إلى العلّة بقاءً كما أنّه محتاج إليها حدوثاً(1)

وذلك لأنّ علّةَ حاجتِهِ إلى العلّة هي إمكانه اللازم لماهيّته ـ كما تقدّم بيانه(2) ـ ، والماهيّة محفوظةٌ معه بقاءً ، كما أنّها محفوظةٌ معه حدوثاً ، فله حاجة إلى العلّة الفيّاضة لوجوده حدوثاً وبقاءً ، وهو المطلوب.

حجّةٌ اُخرى : الهويّة العينيّة لكلّ شيء هي وجودُهُ الخاصّ به ، والماهيّة إعتباريّةٌ منتزعةٌ منه ـ كما تقدّم بيانه(3) ـ؛ ووجودُ الممكن المعلول وجودٌ رابطٌ متعلَّقُ الذات بعلّته ، متقوَّمٌ بها ، لا استقلال له دونها ، لا ينسلخ عن هذه الشأن ـ كما سيجيء بيانه إن شاء الله(4) ـ فحاله في الحاجة إلى العلّة حدوثاً وبقاءً واحدٌ ، والحاجة ملازمة له.

والفرق بين الحجّتَيْن أنّ الاُولى تثبت المطلوب من طريق الإمكان الماهويّ ـ بمعنى استواء نسبة الماهيّة إلى الوجود والعدم ـ ، والثانية من طريق الإمكان الوجوديّ ـ بمعنى الفقر الوجوديّ المتقوّم بغنى العلّة ـ.

__________________

(1) بخلاف جمهور المتكلّمين حيث ذهبوا إلى أنّ الفعل يستغني عن الفاعل في بقائه. هكذا شرحي الإشارات ج 1 ص 215 ، وشرح الإشارات للمحقّق الطوسيّ ج 3 ص 68 ـ 69.

(2) في الفصل السابق.

(3) في الفصل الثاني من المرحلة الاُولى.

(4) راجع الفصل الأوّل من المرحلة الثامنة.

٨٣

الفصل الثامن

في بعض أحكام الممتنع بالذات

لمّا كان الامتناع بالذات هو ضرورةُ العدم بالنظر إلى ذات الشيء المفروضة ، كان مقابلا للوجوب بالذات الذي هو ضرورةُ الوجود بالنظر إلى ذات الشيء العينيّة؛ يجري فيه من الأحكام ما يقابل أحكام الوجوب الذاتي.

قال في الأسفار ـ بعد كلام له في أنّ العقل كما لا يقدر أن يتعقّل حقيقة الواجب بالذات لغاية مَجْدِهِ وعدمِ تناهي عظمتِهِ وكبريائِهِ ، كذلك لا يقدر أن يتصوّر الممتنع بالذات بما هو ممتنع بالذات لغاية نقصِهِ ومحوضةِ بطلانه ولا شيئيّتِهِ ـ : «وكما تحقّق أنّ الواجب بالذات لا يكون واجباً بغيره ، فكذلك الممتنع بالذات لا يكون ممتنعاً بغيره بمثل ذلك البيان ، وكما لا يكون لشيء واحد وجوبان بذاته وبغيره ، أو بذاته فقط ، أو بغيره فقط ، فلا يكون لأمر واحد امتناعان كذلك.

فإذن قد استبان أنّ الموصوف بما بالغير من الوجوب والامتناع ممكنٌ بالذات.

وما يستلزم الممتنع بالذات فهو ممتنعٌ لا محالة من جهة بها يستلزم الممتنع ، وإن كانت له جهةٌ اُخرى إمكانيّةٌ ، لكن ليس الإستلزام للممتنع إلاّ من الجهة الإمتناعيّة؛ مثلا كون الجسم غير متناهي الأبعاد يستلزم ممتنعاً بالذات ، هو كونُ المحصور غير محصور ، الذي مرجعه إلى كون الشيء غير نفسه مع أنّه عينُ نفسه ، فأحدهما محالٌ بالذات والآخر محالٌ بالغير ، فلا محالة يكون ممكناً باعتبار غير اعتبار علاقته مع الممتنع بالذات ، على قياس ما علمت في استلزام الشيء للواجب بالذات ، فإنّه ليس من جهة ماهيّته الإمكانيّة بل من جهة وجوب وجوده الإمكانيّ.

وبالجملة فكما أنّ الاستلزام في الوجود بين الشيئين لابدَّ له من علاقة علّية ومعلوليّة بين المتلازمين ، فكذلك الاستلزام في العدم والامتناع بين شيئين لا ينفكّ عن تعلّق إرتباطيٍّ بينهما.

وكما أنّ الواجبين لو فرضنا لم يكونا متلازمين بل متصاحبين بحسب البخت

٨٤

والإتفاق ، كذلك التلازم الإصطلاحيّ لا يكون بين ممتنعين بالذات ، بل بين ممتنع بالذات وممتنع بالغير ، وهو لا محالة ممكن بالذات كما مرّ.

وبهذا يفرق الشرطيّ اللزوميّ عن الشرطيّ الإتّفاقيّ ، فإنّ الأوّل يحكم فيه بصدق التالي وضعاً ورفعاً على تقدير صدق المقدّم وضعاً ورفعاً لعلاقة ذاتيّة بينهما.

والثاني يحكم فيه كذلك من غير علاقة لزوميّة ، بل بمجرّدِ الموافاة الإتفاقيّة بين المقدّم والتالي.

فما فشى عند عامّة الجدليّين في أثناء المناظرة عند فرض أمر مستحيل ليتوصّل به إلى استحالة أمر من الاُمور بالبيان الخلفيّ أو الإستقاميّ أن يقال : «إنّ مفروضك مستحيلٌ ، فجاز أن يستلزم نقيض ما ادّعيتَ إستلزامَهُ إيّاه ، لكون المحال قد يلزم منه محالٌ آخر» ؛ واضح الفساد ، فإنّ المحال لا يستلزم أيّ محال كان ، بل محالا إذا قدّر وجودهما يكون بينهما تعلّقٌ سببيٌّ ومسبّبيٌّ»(1) إنتهى(2) .

فإن قيل : الممتنع بالذّات ليس إلاّ ما يفترضه العقل ويخبر عنه بأنّه ممتنع بالّذات ، فما معنى عدم قدرته على تعقلّه؟

قيل : إنّ المراد بذلك أنّ لا حقيقةَ عينيّةً له حتّى يتعلّق به علم ، حتّى أنّ الذي نفرضه ممتنعاً بالذات ونحكم عليه بذلك ممتنعٌ بالذات بالحمل الأوليّ محكومٌ عليه بالإمتناع ، وصورةٌ علميّة ممكنة موجودةٌ بالحمل الشائع.

وهذا نظير ما يقال(3) : ـ في دفع التناقض المترائى في قولنا : «المعدوم المطلق لا يخبر عنه» ، حيث يدلّ على نفي الإخبار عن المعدوم المطلق ، وهو بعينه إخبارٌ عنه ـ إنّ نفي الإخبار عن المعدوم المطلق بالحمل الشائع ، إذ لا شيئيّةَ له حتّى يُخبَر عنه بشيء ، وهذا بعينه إخبارٌ عن المعدوم المطلق بالحمل الأوّليّ الذي هو موجودٌ ممكنٌ ذهنيٌّ.

__________________

(1) راجع الأسفار ج 1 ص 236 ـ 237.

(2) ولمزيد التوضيح راجع أيضاً كلامه في الأسفار ج 6 ص 387.

(3) والقائل صدر المتألّهين في الأسفار ج 1 ص 345 ـ 347.

٨٥

وإن قيل : إنّ الذي ذُكر ـ من أنّ الممتنعين بالذات ليس بينهما إلاّ الصحابة الإتّفاقيّة ـ ، ممنوعٌ لأنّ المعاني التي يثبت العقل إمتناعَها على الواجب بالذات ـ كالشريك والماهيّة والتركيب وغير ذلك ـ يجب أن تكون صفات له ممتنعةً عليه بالذات ، إذ لو كانت ممتنعةً بالغير كانت ممكنةً له بالذات ـ كما تقدّم(1) ـ.

ولا صفةَ إمكانيّةً فيه (تعالى) ، لما بيّن أنّ الواجب الوجود بالذات واجب الوجود من جميع الجهات(2) .

ثمّ الحجج القائمة على نفي هذه الصفات الممتنعة ـ على ما أُشير اليه في أوّل الكتاب(3) ـ براهينٌ إنّيةٌ تسلك من طريق الملازمات العامّة.

فللنتائج ـ وهي إمتناع هذه الصفات ـ علاقةٌ لزوميّة مع المقدّمات ، فهي جميعاً معلولةٌ لما وراءها ممتنعةٌ بغيرها ، وقد بيّن أنّها ممتنعة بذاتها ، هذا خلفٌ.

اُجيب عنه : بأنّ الصفات الممتنعة التي تنفيها البراهين الإنّيّة عن الواجب بالذات مرجعُها جميعاً إلى نفي الوجوب الذاتي الذي هو عين الواجب بالذات ، فهي واحدة بحسب المصداق المفروض لها وإن تكثّرت مفهوماً ، كما أنّ الصفات الثبوتيّه التي للواجب بالذّات هي عين الوجود البحت الواجبيّ مصداقاً وإن كانت متكثّرةً مفهوماً.

فعدم الإنفكاك بين هذه الصفات والسلوك البرهانيّ من بعضها إلى بعض ، لمكان وحدِتها بحسب المصداق المفروض ، وإن كان في صورة التلازم بينهما بحسب المفهوم؛ كما أنّ الأمر في الصفات الثبوتيّة كذلك ، ويعبّر عنه بأنّ الصفات الذاتيّة كالوجوب الذّاتيّ مثلا بالذات وباقتضاء من الذات ، ولا اقتضاءَ ولا علّيّة بين الشيء ونفسه.

وهذا معنى ما قيل(4) : «إنّ الدليل على وجود الحقّ المبدِع إنّما

__________________

(1) في كلام صدر المتألّهين.

(2) راجع الفصل الرابع ممّا تقدّم في هذه المرحلة.

(3) راجع الأمر الخامس ممّا تقدّم في مقدمة الكتاب.

(4) والقائل صدرالمتألّهين حيث قال : «وهناك برهان شبيه باللمّي» ، راجع الأسفار ج 6 ص 29.

٨٦

يكون بنحو من البيان الشبيه بالبرهان اللمّيّ»(1) .

فامتناع الماهيّة التي سلكنا إلى بيانه من طريق امتناع الإمكان عليه (تعالى) مثلا ، هو وامتناع الإمكان جميعاً يرجعان إلى بطلان الوجوب الذاتيّ الممتنع عليه (تعالى) ، وقد استحضره العقل بعرض الوجوب الذاتي المنتزَع عن عين الذات.

واعلم أنّه كما تمتنع الملازمة بين ممتنعين بالذات كذلك يمتنع استلزام الممكن لممتنع بالذات ، فإنّ جوازَ تحقُّق الملزوم الممكن مع امتناع اللازم بالذات ، وقد فُرِضت بينهما ملازمةٌ ، يستلزم تحقٌّقَ الملزوم مع عدم اللازم ، وفيه نفي الملازمة ، هذا خلفٌ(2) .

وقد اُورد عليه(3) : بأنّ عدمَ المعلول الأوّل وهو ممكنٌ ، يستلزم عدم الواجب بالذات وهو ممتنعٌ بالذات.

فمن الجائز أن يستلزم الممكن ممتنعاً بالذات ، كما أنّ من الجائز عكسَ ذلك ، كاستلزام عدم الواجب عدمَ المعلول الأوّل.

ويدفعه(4) : أنّ المراد بالممكن هو الماهيّة المتساوية النسبة إلى جانبَي الوجود والعدم.

ومن المعلوم أنّه لا إرتباطَ لذاتها بشيء وراء ذاتها الثابتة لذاتها بالحمل الأوّلي ، فماهيّة المعلول الأوّل لا إرتباطَ بينها وبين الواجب بالذات.

نعم ، وجودها مرتبطٌ بوجودهِ واجبٌ بوجوبه ، وعدمُها مرتبطٌ عقلا بعدمه ممتنعٌ

__________________

(1) البرهان اللمّيّ هو الذي يسلك فيه من العلّة بالمعلول وإذ لا علّة لوجود الواجب (تعالى) وليس هو (تعالى) معلولا فلا يمكن إثبات الصانع بالبرهان اللمّيّ.

وقال الحكيم السبزواريّ فيما علّق على الأسفار : «لا يلتزم أنّه برهان لمّيّ بل شبيه باللمّيّ لكن على أنّه فوق اللمّيّ لا أنّه دونه. أمّا أنّه ليس بلميّ حقيقة فهو ظاهر إذ ليس هو (تعالى) معلولا. وأمّا أنّ الاستدلال من حقيقة الوجود على الوجوب فوق اللمّ فلأن كلّ لمٍّ مستعير في الانارة من نور حقيقة الوجود ...» راجع تعليقته على الأسفار ج 6 ص 29 الرقم (3).

(2) راجع الأسفار ج 1 ص 191 ـ 196 ، وحاشية المحقّق الدوانيّ على شرح التجريد القوشجيّ ص 34.

(3) والمورِدُ هو المحقّق الطوسيّ على ما نُقِل عنه في الأسفار ج 1 ص 191. وتعرّض له أيضاً الحكيم السبزواريّ في تعليقته على الأسفار ج 1 ص 190 الرقم (1).

(4) كما في الأسفار ج 1 ص 192 ـ 193.

٨٧

بامتناع عدمه ، وليس شيءٌ منهما ممكناً بمعنى المتساوي النسبة إلى الوجود والعدم.

وأمّا عدُّهم وجودَ الممكن ممكناً ، فالإمكان فيه بمعنى الفقر والتعلّق الذاتيّ لوجود الماهيّة بوجود العلّة ، دونَ الإمكان بمعنى استواء النسبة إلى الوجود والعدم ، ففي الإشكال مغالطةٌ بوضع الإمكان الوجوديّ موضعَ الإمكان الماهويّ.

خاتمة :

قد اتّضح من الأبحاث السابقة أنّ الوجوب والإمكان والامتناع كيفيّات للنَسَبِ في القضايا ، لا تخلو عن واحد منها قضيّةً(1) ؛ وأنّ الوجوب والإمكان أمران وجوديّان(2) ، لمطابقة القضايا الموجّهة بهما بما أنّها موجّهة بهما للخارج مطابقة تامّةً.

فهما موجودان في الخارج لكن بوجود موضوعهما ، لا بوجود منحاز مستقلٍّ(3) ، فهما من الشؤون الوجوديّة الموجودة لمطلق الموجود كالوحدة والكثرة والحدوث والقدم وسائر المعاني الفلسفيّة المبحوث عنها في الفلسفة ، بمعنى كون الاتّصاف بها في الخارج وعرْضُها في الذهن ، وهي المسمّاة بـ «المعقولات الثانية الفلسفيّة».

وأمّا الامتناع فهو أمرٌ عدميٌ.

هذا كلّه بالنظر إلى اعتبار العقل الماهيّاتَ والمفاهيمَ موضوعات للأحكام.

وأمّا بالنظر إلى كون الوجود العينيّ هو الموضوع لها بالحقيقة لأصالته ، فالوجوبُ نهايةُ شدّةِ الوجود الملازم لقيامه بذاته واستقلاله بنفسه ، والإمكان فَقْرُهُ في نفسه وتعلُّقه بغيره بحيث لا يستقلّ عنه بذاته ، كما في وجود الماهيّات الممكنة ، فهما شأنان قائمان بالوجود غير خارجين عنه.

__________________

(1) بخلاف صاحب المواقف حيث ذهب إلى أنّ الوجوب والإمكان والامتناع في الأبحاث السابقة غيرُ الوجوب والإمكان والإمتناع التي هي جهات القضايا وموادها. فراجع شرح المواقف ص 131.

(2) بخلاف الشيخ الإشراقيّ ، فإنّه قد وضع قاعدةً لكونهما وأشباههما أوصافاً عقليّةً لا صورة لها في الأعيان. هكذا قال في الأسفار ج 1 ص 172. وراجع حكمة الإشراق ص 71 ـ 72.

(3) كما توهمّه الحكماء المشاؤون من أتباع المعلّم الأوّل ، فراجع الأسفار ج 1 ص 139.

٨٨

المرحلة الخامسة

في الماهيّة وأحكامها

وفيها سبعة فصول

٨٩
٩٠

الفصل الأوّل

في أنّ الماهيّة في حدّ ذاتها لا موجودة ولا لا موجودة

الماهيّةُ(1) ، وهي : «ما يقال في جواب ما هو؟» ، لَمّا كانت ـ من حيث هي وبالنّظر إلى ذاتها في حدّ ذاتها ـ لا تأبى أن تتّصف بأنّها موجودةٌ أو معدومةٌ ، كانت في حدّ ذاتها لا موجودة ولا لا موجودة ، بمعنى أنّ الموجود واللاموجود ليس شيءٌ منهما مأخوذاً في حدّ ذاتها بأن يكون عينَها أو جزءَها ، وإن كانت لا تخلو عن الاتّصاف بأحدهما في نفس الأمر بنحو الاتّصاف بصفة خارجة عن الذّات. وبعبارة اُخرى : الماهية بحسب الحمل الأوّليّ ليست بموجودة ولا لا موجودة ، وإن كانت بحسب الحمل الشائع إمّا موجودة وإمّا لا موجودة. وهذا هو المراد بقولهم : «إنّ إرتفاع الوجود والعدم عن الماهيّة من حيث هي من إرتفاع النقيضين عن المرتبة ، وليس ذلك بمستحيل ، وإنمّا المستحيل ارتفاعهما عن الواقع مطلقاً وبجميع مراتبه»(2) . يعنُون به أنّ نقيض الوجود المأخوذ في حدّ الذات ليس

__________________

(1) الماهيّة مشتقّة عمّا هو ، والياء فيها للنسبة أي المنسوبة إلى ما هو.

(2) راجع الأسفار ج 2 ص 4 ـ 5 ، والقبسات ص 21 ـ 22. وقال الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة ص 93 : «وارتفاع النقيضين عن المرتبة جائز ، لأنّ معناه أنّ كلّ واحد منهما ليس عيناً للماهية ولا جزءاً منها ، وإن لم يخلُ عن احدهما في الواقع».

٩١

هو العدم المأخوذ في حدّالذات ، بل عدم الوجود المأخوذ في حدّ الذات بأن يكون حدُّ الذّات ـ وهو المرتبة ـ قيداً للوجود لا للعدم ، أي رفعُ المقيَّدِ دونَ الرفع المقيَّدِ.

ولذا قالوا : «إذا سُئلَ عن الماهيّة من حيث هي بطرفَيِ النقيضين ، كان من الواجب أن يجاب بسلب الطرفين مع تقديم السلب على الحيثيّة حتّى يفيد سلبُ المقيَّدِ دون السلب المقيَّدُ.

فإذا سُئلَ : هل الماهيّة من حيث هي موجودة أو ليست بموجودة؟ فالجواب : ليست الماهيّة من حيث هي بموجودة ولا لا موجودة ، ليفيد أنّ شيئاً من الوجود والعدم غير مأخوذ في حدّ ذات الماهيّة»(1) .

ونظيرُ الوجود والعدم في خروجهما عن الماهيّة من حيث هي سائرُ المعاني المتقابلة التي في قوّة النقيضين ، حتّى ما عدُّوه من لوازم الماهيّات ، فليست الماهيّة من حيث هي لا واحدةً ولا كثيرةً ولا كليّةً ولا جزئيّةً ولا غير ذلك من المتقابلات ، وليست الأربعة من حيث هي زوجاً ولا فرداً.

الفصل الثاني

في إعتبارات الماهية

للماهيّة بالنسبة إلى ما يقارنها من الخصوصيّات اعتبارات ثلاث ، وهي : أخذُها بشرط شيء ، وأخذُها بشرط لا ، وأخذُها لا بشرط. والقسمة حاصرة.

أمّا الأوّل : فأن تؤخذ الماهيّة بما هي مقارنةً لما يلحق بها من الخصوصيّات ، فتصدق على المجموع ، كأخذ ماهيّة الإنسان بشرط كونها مع خصوصيّات زيد فتصدق عليه.

وأمّا الثاني : فأن تؤخذ وحدها ، وهذا على وجهين(2) : (أحدهما) أن يقصر

__________________

(1) راجع الفصل الأوّل من المقالة الخامسة من إلهيّات الشفاء ، والمباحث المشرقيّة ج 1 ص 48 ـ 49 ، والفصل السابع من المقالة الثالثة من الفنّ الأوْل من طبيعيات الشفاء ، وشرح التجريد للقوشجي ص 76 ، وكشف المراد ص 84 ، وغيرها من الكُتُب المطوّلة.

(2) يريد أنّ الماهيّة بشرط لا يستعمل عندهم في معنيين : أحدهما : أن يعتبر تجرّد الماهيّة

٩٢

النظر في ذاتها مع قطع النظر عمّا عداها ، وهذا هو المراد من «بشرط لا» في مباحث الماهية. و (الآخر) أن تؤخذ وحدها بحيث لو قارنها أيُّ مقارن مفروض كان زائداً عليها غيرَ داخل فيها ، فتكون موضوعةً للمقارن المفروض غير محمولة عليه.

وأمّا الثالث : فأن لا يشترط معها شيء من المقارنة واللا مقارنة ، بل تؤخذ مطلقة من غير تقييد بنفي أو إثبات.

وتسمّى الماهيّة بشرط شيء «مخلوطةً» ، والبشرط لا «مجرّدةً» ، واللابشرط «مطلقةً».

والمقْسَم للأقسام الثلاث الماهيّة ، وهي الكليّ الطبيعيّ ، وتسمّى «اللابشرط المقسميّ» ، وهي موجودةٌ في الخارج لوجود بعض أقسامها فيه كالمخلوطة.

والموجود من الكلّيّ في كلِّ فرد غيرُ الموجود منه في فرد آخر بالعدد.

ولو كان الموجود منه في الأفراد الخارجيّة واحداً بالعدد كان الواحد كثيراً بعينه ، وهو محالٌ ، وكان الواحد متّصفاً بصفات متقابلة ، وهو محالٌ.

وهذا معنى قولهم(1) : «إنّ نسبة الماهيّة إلى أفرادها كنسبة الآباء الكثيرين إلى أولادهم ، لا كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين»(2) .

فالماهيّة كثيرة في الخارج بكثرة أفرادها ، نعم

__________________

عن جميع الاُمور الزائدة عليها ، عارضةً كانت أو لازمة إيّاها ، وهذا هو المستعمل في مقابل الماهيّة المخلوطة والمطلقة في مباحث الماهية. وثانيهما : أن يعتبر انضمام شيء آخر إليها من حيث هو أمر زائد عليها وقد حصل منهما مجموع لا يصدق هي عليها بهذا الإعتبار ، وهذا هو المستعمل في مورد المادّة في مقابل الجنس.

والمعنى الأوّل هو المشهور بين المتأخرين ، كما في شرح المقاصد ج 1 ص 100. والمعنى الثاني هو الذي ذكره الشيخ الرئيس في الفرق بين الجنس والمادّة في الشفاء ، ولخصّه المحقّق الطوسيّ في شرح الاشارات ، فراجع الفصل الثالث من المقالة الخامسة من إلهيّات الشفاء ، وشرح الاشارات ج 1 ص 76 ـ 78.

(1) هكذا قال صدر المتألّهين في الأسفار ج 2 ص 8. وقال السبزواريّ في شرح المنظومةص 99 :

«ليس الطبيعي مع الأفراد

كالأب بل آبا مع الأولاد»

(2) والقائل بأنّ نسبة الماهيّة إلى أفرادها كنسبة الأب الواحد إلى أولاده الكثيرين هو الرجل الهمداني. راجع شرح المنظومة ص 99.

٩٣

هي بوصف الكلّية والاشتراك واحدةٌ في الذهن ـ كما سيأتي(1) ـ.

الفصل الثالث

في الكلّيّ والجزئي

لا ريب أنّ الماهيّة الكثيره الأفراد تصدق على كلٍّ واحد من أفرادها وتحمل عليه ، بمعنى أنّ الماهيّة التي في الذهن كلّما ورد فيه فردٌ من أفرادها وعَرَضَ عليها إتّحدَتْ معه وكانت هي هو. وهذه الخاصة هي المسمّاة بالكلّيّة ، وهي المراد باشتراك الأفراد في الماهيّة. فالعقل لا يمتنع من تجويز صدق الماهيّة على كثيرين بالنظر إلى نفسها ، سواء كانت ذات أفراد كثيرين في الخارج أم لا.

فالكّليّة خاصةٌ ذهنيّةٌ تعرض الماهيّة في الذهن ، إذ الوجود الخارجيّ العينيّ مساوقٌ للشخصيّه ، مانعٌ عن الإشتراك. فالكلّيّة من لوازم الوجود الذهنيّ للماهيّة كما أنّ الجزئيّة والشخصيّة من لوازم الوجود الخارجيّ.

فما قيل (2) : «إنّ الكلّيّة والجزئيّة في نحو الإدراك بمعنى أنّ الحسّ لقوّة إدراكه ينال الشيءَ نَيْلا كاملا بحيث يمتاز عمّا سواه مطلقاً ويتشخّص ، والعقل لضَعْف إدراكه يناله نَيْلا هيِّناً يتردّد ما ناله بين اُمور ويقبل الإنطباق على كثيرين ، كالشبح المرئيّ من بعيد بحيث لا يتميّز كلَّ التّميز ، فيتردّد بين أن يكون ـ مثلا ـ هو زيداً أو عمراً أو خشبةً منصوبةً أو غير ذلك ، وليس إلاّ واحداً من المحتملات ، وكالدرهم الممسوح المردّد بين الدراهم المختلفة وليس إلاّ واحداً منها».

فاسدٌ ، إذ لو كان الأمر كذلك لم يكن مصداق الماهيّة في الحقيقة إلاّ واحداً من الأفراد

__________________

(1) في الفصل الآتي.

(2)والقائل هو المحقّق الدوانيّ وسيّد المدقّقين على ما نُقل عنهما في شوارق الإلهامص 164 ، وتعليقة الهيدجيّ على شرح المنظومة ص 270 ، ودرر الفوائد ص 332. قال المحقّق الدوانيّ في حاشية شرح التجريد للقوشجي ص 96 : «فالاختلاف بالكلّية والجزئية لإختلاف نحو الإدراك ...».

٩٤

ولكذبت القضايا الكلّيّة ، كقولنا : «كلٌّ ممكن فله علّةٌ» ، و «كلٌّ أربعة زوجٌ» ، و «كلّ كثير فإنّه مؤلَّف من آحاد» ، والضرورة تدفعه. فالحقّ أنّ الكلّيّة والجزئيّة لازمتان لوجودِ الماهيّات؛ فالكلّيّة لوجودها الذهنيّ والجزئيّة لوجودها الخارجيّ.

وكذاما قيل (1) : «إنّ الماهيّة الموجودة في الذهن جزئيّةٌ شخصيّةٌ ، كالماهيّة الموجودة في الخارج ، فإنّها موجودةٌ في ذهن خاصٍّ قائمةٌ بنفس جزئيّة.

فالماهيّة الإنسانيّه الموجودة في ذهن زيد ـ مثلا ـ غيرُ الماهيّة الإنسانيّة الموجودة في ذهن عمرو ، والموجودةُ منها في ذهن زيد اليوم غيرُ الموجودة في ذهنه بالأمس ، وهكذا».

فاسدٌ ، فإنّ الماهيّة المعقولة من الحيثيّة المذكورة ـ أعني كونَها قائمةً بنفس جزئيّة ناعتةً لها ، وكذا كونَها كيفيّةً من الكيفيّات النفسانية وكمالا لها ـ هي من الموجودات الخارجيّة الخارجة من بحثنا ، وكلامنا في الماهيّة بوجودها الذهنيّ الذي لا تترتّب عليها فيه آثارها الخارجيّة ، وهي من هذه الجهة لا تأبى الصدقَ على كثيرين.

ثمّ إنّ الأشياء المشتركة في معنى كليٍّ يتميّز بعضها من بعض بأحد اُمور ثلاثة ، فإنّها إن اشتركَتْ في عَرَضيٍّ خارج من الذات فقط تميّزَتْ بتمام الذّات ، كالنوعين من مقولتَيْن من المقولات العرضية المشتركَيْن في العرضيّة ، وإن اشتركَتْ في ذاتِيٍّ فإن كان في بعض الذات ، ولا محالة هو الجنس ، تميّزَتْ ببعض آخر وهو الفصل ، كالإنسان والفرس المشتركَيْن في الحيوانيّه المتميّزَيْن بالنُطق والصهيل؛ وإن كان في تمام الذات تميّزَتْ بعرَضيٍّ مفارق ، إذ لو كان لازماً لم يخل عنه فردٌ ، فلازم النوع لازمٌ لجميع أفراده.

وزاد بعضهم(2) على هذه الأقسام الثلاثة قسماً رابعاً ، وهو : التميّزُ بالتمام

__________________

(1) والظاهر أنّ القائل به هو فخر الدين الرازيّ في شرح عيون الحكمة ج 3 ص 7 وص 100 ، حيث قال : «انّ الموجود في الأذهان هو أيضاً موجود في الأعيان ، لأنّ الموجود الذهنيّ صورةٌ جزئيّة إدراكيّة موجودة في نفس شخصيّة معينة. وتعرّض لهذا القول قطب الدين الراونديّ في رسالة «تحقيق الكلّيّات» ، على ما في حاشية شرح المطالع ص 48.

(2) وهو الشيخ الإشراقيّ في حكمة الإشراق حيث قال : «وأمّا الفارق بين أشخاصها فليس

٩٥

والنقص والشدّة والضعف في نفس الطبيعة المشتركة ، وهو التشكيك. والحقّ(1) أنّ الماهيّة بما أنّها هي لا تقبل التشكيك ، وإنّما التشكيك في الوجود.

هذا كلّه في الكلّيّة ، وأنّها خاصة ذهنيّة للماهيّة. وأمّا الجزئيّة وهي امتناعُ الشركة في الشيء ، وتسمّى : «الشخصيّة» ، فالحقّ أنّها بالوجود كما ذهب إليهالفارابيّ (رحمه الله) وتبعهصدر المتألّهين (2) (رحمه الله).

قال في الأسفار : «والحقّ أنّ تشخّص الشيء ـ بمعنى كونه ممتنع الشركة فيه بحسب نفس تصوّره ـ إنّما يكون بأمر زائد على الماهيّة مانع بحسب ذاته من تصوّر الاشتراك فيه.

فالمشخِّص للشيء ـ بمعنى ما به يصير ممتنع الاشتراك فيه ـ لا يكون بالحقيقة إلاّ نفس وجود ذلك الشيء ، كما ذهب إليه المعلّم الثاني ، فإنّ كلَّ وجود متشخّصٌ بنفس ذاته ، وإذا قطع النظر عن نحو الوجود الخاصّ للشيء فالعقل لا يأبى عن تجويز الإشتراك فيه وإن ضُمَّ إليه ألْفُ مخصِّص ، فإنّ الإمتياز في الواقع غيرُ التشخّص ، إذ الأوّل للشيء بالقياس إلى المشاركات في أمر عامّ ، والثاني باعتباره في نفسه حتّى أنّه لو لم يكن له مشارك لا يحتاج إلى مميّز زائد مع أنّ له تشخّصاً في نفسه. ولا يبعد أن يكون التميّز يوجب للشيء إستعداد التشخّص ، فإنّ النوع الماديّ المنتشر ما لم تكن المادّة متخصّصة الإستعداد لواحد منه لا يفيض وجوده عن المبدأ الأعلى»(3) ، إنتهى.

ويتبّين به :

أوّلا : أنّ الأعراض المشخِّصة التي أسندوا التشخّص إليها ـ وهي عامّة الأعراض كما هو ظاهر كلام بعضهم(4) ، وخصوص الوضع ومتى وأين كما صرّح

__________________

بفصلي ، فإنّ جواب (ما هو؟) لا يتغيّر فيها؛ ولا هو عارضٌ ، بل قسمٌ ثالث هو الكماليّة والنقص» ، فراجع كلام الماتن في شرح حكمة الإشراق ص 234.

(1) كما في تعليقات شرح حكمة الإشراق لصدر المتألّهين ، فراجع شرح حكمة الإشراق ص 234 و 237.

(2) نُسب إليهما في شرح المنظومة ص 106 ونُسِب إلى الفارابيّ وغيره في حاشية شرح التجريد القوشجيّ للمحقّق الدوانيّ ، فراجع حاشيته عليه ص 96.

(3) راجع الأسفار ج 2 ص 10.

(4) كالشيخ الرئيس في الشفاء حيث قال : «ثمّ تخالطه معان وأسباب اُخر يتحصّل بها واحد

٩٦

به بعض آخر(1) ، وخصوص الزمان كما قال به آخرون(2) ـ وكذا ما قيل(3) : «إنّه المادّة» أماراتٌ للتشخّص ومن لوازمه(4) .

وثانياً : أنّ قول بعضهم(5) : «إنّ المشخِّص للشيء هو فاعله القريب المفيض لوجوده» ، وكذا قول بعضهم(6) : «إنّ المشخّص هو فاعل الكلّ وهو الواجب (تعالى) الفيّاض لكلّ وجود» ، وكذا قول بعضهم(7) : «إنّ تشخّص العرض

__________________

واحد من الأشخاص الإنسانية ويتميّز بها شخص عن شخص ، مثل أن يكون هذا قصيراً وذاك طويلا وهذا أبيض وذاك أسود. ولا يكون شيءٌ من هذه بحيث لو لم يكن موجوداً لذات الشخص وكان بدله غيره لزم منه أن يفسد لأجله ، بل هذه اُمور تتبع وتلزم ، وإنّما تكون حقيقة وجوده بالإنسانيّة ، فتكون ماهيّة كلّ شخص هي بإنسانيّته ، لكن إنّيّته الشخصيّة تتحصّل من كيفيّة وكمّيّة وغير ذلك». راجع الفصل الخامس من المقالة الاُولى من الفن الأوّل من منطق الشفاء.

وقال أيضاً : «والشخص انّما يصير شخصاً بأن تقترن بالنوع خواصٌّ عرضيّة لازمة وغير لازمة». راجع الفصل الثاني عشر من المقالة الاُولى من الفن الأوّل من منطق الشفاء.

(1) كالفارابيّ والشيخ الرئيس في تعليقاتهما ، حيث قالا : «التشخّص هو أن يكون للمتشخّص معاني لا يشاركه فيها غيره. وتلك المعاني هي الوضع والأين والزمان ، فأمّا ساير الصفات واللوازم ففيها شركة كالسواد والبياض» فراجع التعليقات للفارابي ص 14 ـ 15 ، والتعليقات للشيخ الرئيس ص 107.

(2) والقائل الشيخ الإشراقيّ في المطارحات ص 334 ـ 335.

(3) والقائل فخر الدين الرازيّ في المباحث المشرقية ج 1 ص 76 ـ 77. ونُسب إلى بعض أهل العلم في الأسفار ج 2 ص 12 ، وشرح الهداية الأثيريّة ص 224. وقال المحقّق الطوسيّ : «وقد يُستند إلى المادة المتشخّصة بالأعراض الخاصة الحالة فيها». راجع كشف المراد ص 97.

(4) هكذا في شرح المنظومة ص 106.

(5) وتعرّض صدر المتألّهين لهذا القول من دون اشارة إلى قائله ، فراجع الأسفار ج 2 ص 12 ، وشرح الهداية الأثيريّة ص 224. ولم نعثر على قائله.

(6) والقائل شارح المقاصد ج 1 ص 113 ، حيث قال : «بل التشخّص يستند عندنا إلى القادر المختار كسائر الممكنات بمعنى أنّه الموجد لكلِّ فرد على ما شاء من التشخّص».

(7) والقائل هو المحقّق الطوسيّ في تجريد الإعتقاد ، فراجع كشف المراد ص 143 ، وشرح التجريد للقوشجىّ ص 140 ـ 141.

٩٧

بموضوعه» لا يخلو عن استقامة.

غيرُ أنّه من الإسناد إلى السبب البعيد ، والسبب القريب الذي يستند إليه التشخّص هو نفس وجود الشيء ، إذ الوجود العينيّ للشيء بما هو وجودٌ عينيٌّ يمتنع وقوعُ الشركة فيه ، فهو المتشخّص بذاته ، والماهيّة متشخّصة به ، وللفاعل أو الموضوع دخلٌ في التشخّص من جهة أنّهما من علَلِ الوجود ، لكنّ أقرب الأسباب هو وجود نفس الشيء ، كما عرفت.

وثالثاً : أنّ جزئيّة المعلوم المحسوس ليست من قِبَل نفسه بما أنّه مفهومٌ ذهنيٌّ ، بل من قِبَل الإتّصال الحسّي بالخارج وعلْمِ الإنسان بأنّه نوعُ تأثُّر له من العين الخارجيّ ، وكذا جزئيّة الصورة الخياليّة من قِبَل الإتّصال بالحسّ ، كما إذا أحضر صورةً خياليّةً مخزونةً عنده من جهة الحسّ أو ركّب ممّا عنده من الصور الحسّيّة المخزونة صورةَ فرد خياليٍّ ، فافهم.

الفصل الرابع

في الذّاتيّ والعرضيّ

المفاهيم المعتبرة في الماهيّات ـ وهي التي تؤخذ في حدودِها وترتفع الماهيّات بارتفاعها ـ تُسمّى : «ذاتيّات».

وما سوى ذلك ممّا يحمل عليها ـ وهي خارجةٌ من الحدود كالكاتب من الإنسان والماشي من الحيوان ـ تُسمّى «عَرضيّات».

والعَرّضيّ قسمان ، فإنّه إن توقّف انتزاعُهُ وحملُهُ على انضمام ، كتوقُّفِ انتزاعِ الحارّ وحملِهِ على الجسم على انضمام الحرارة إليه ، سُمِّيَ : «محمولا بالضميمة» ؛ وإن لم يتوقّف على انضمام شيء إلى الموضوع ، سُمِّيَ : «الخارجَ المحمول» كالعالي والسافل.

هذا هو المشهور ، وقد تقدّم(1) أنّ العرض من مراتب وجود الجوهر.

__________________

(1) في الفصل الثالث من المرحلة الثانية ، حيث قال : «ويتبيّن بما مرّ أنّ وجود الأعراض من شؤون وجود الجواهر التي هي موضوعاتها».

٩٨

ويتميّز الذاتيّ من غير الذاتيّ بخواصّه التي هي لوازمُ ذاتيَّتِهِ ، وهي كوُنُه ضروريُّ الثبوت لذي الذاتيّ لضروريّة ثبوت الشيء لنفسه ، وكونُهُ غنيّاً عن السبب ، فالسبب الموجِد لِذي الذاتيّ هو السبب الموجِد للذاتيّ لمكان العينيّة ، وكونُهُ متقدّماً على ذي الذاتيّ تقدّماً بالتجوهر ، كما سيجيء إن شاء الله(1) .

وقد ظهر ممّا تقدّم أنّ الحمل بين الذات وبين أجزائه الذاتيّة حملٌ أوّليٌّ.

وبه يندفع الإشكال في تقدّم أجزاء الماهيّة عليها بأنّ مجموع الأجزاء عين الكلّ ، فتقدُّمُ المجموع على الكلّ تقدُّمُ الشيء على نفسِهِ ، وهو محال.

وذلك(2) أنّ الذاتيّ ، سواءٌ كان أعمّ وهو الجنس أو أخصّ وهو الفصل ، عينُ الذّات ، والحملُ بينهما أوّليٌّ ، وإنّما سُمِّيَ : «جزءاً» لوقوعه جزءاً من الحدّ.

على أنّ إشكالَ تقدُم الأجزاء على الكلّ مدفوعٌ بأنّ التقدّم للأجزاء بالأسر على الكلّ ، وبين الاعتبارين تغايرٌ.

الفصل الخامس

في الجنس والفصل والنوع وبعض ما يلحق بذلك

الماهيّة التامّة التي لها آثار خاصة حقيقيّة تسمّى من حيث هي كذلك «نوعاً» كالإنسان والفرس والغنم.

وقد بُيِّنَ في المنطق(3) أنّ من المعاني الذاتيّة للأنواع الواقعة في حدودها ما يشترك فيه أكثر من نوع واحد كالحيوان الذي يشترك فيه الإنسان والفرس وغيرهما ، كما أنّ منها ما يختصّ بنوع واحد كالناطق المختصّ بالإنسان ، ويسمّى الجزءُ المشترك فيه «جنساً» والجزءُ المختصّ «فصلا».

__________________

(1) راجع الفصل الأوّل من المرحلة العاشرة.

(2) أي الإندفاع. واعلم أنّهم اختلفوا في التفصّي عن هذا الإشكال ولهم عبارات مختلفة تعرّض لها المحقّق اللاهيجيّ في المسألة الخامسة من الفصل الثاني من المقصد الأوّل من شوارق الالهام ، فراجع.

(3) راجع الكتُبُ المنطقيّة ، باب الكلّيّات الخمسة.

٩٩

وينقسم الجنس والفصل إلى قريب وبعيد؛ وأيضاً ينقسم الجنس والنوع إلى عال ومتوسط وسافل ، كلّ ذلك مبيَّن في محلّه(1) .

ثمّ إنّا إذا أخذنا معنى الحيوان الموجود في أكثر من نوع واحد مثلا ، وعَقَلْناه بأنّه الجوهر الجسم الناميّ الحسّاس المتحرك بالإرادة ، جاز أن نعقله وحده بحيث يكون كلُّ ما يقارنه من المعاني كالناطق ، زائداً عليه خارجاً من ذاته ، ويكون ما عَقَلْناه من المعنى مغايراً للمجموع منه ومن المقارن ، غيرَ محمول عليه ، كما أنّه غيرُ محمول على المقارن.

فالمفهوم المعقول من الحيوان غيرُ مفهوم الحيوان الناطق وغيرُ مفهوم الناطق؛ كان المعنى المعقول على هذا الوجه مادّةً بالنسبة إلى المعنى الزائد المقارن ، وعلّةً مادّيةً بالنسبة إلى المجموع منه ومن المقارن.

وجاز أن نعقله مقيساً إلى عدّة من الأنواع التي تشترك فيه ، كأن نعقل معنى الحيوان المذكور آنفاً ـ مثلا ـ بأنّه الحيوان الذي هو إمّا إنسان وإمّا فرس وإمّا غنم وإمّا غير ذلك من أنواع الحيوان ، فيكون المعنى المعقول على هذا النحو ماهيّةً ناقصةً غيرَ محصّلة حتّى يُنضمّ إليها الفصلُ المختصُ بأحد تلك الأنواع فيحصّلها ماهيّةً تامّةً فتكون ذلك النوع بعينه ، كأن يُنضمّ فصل الإنسان مثلا ـ وهو الناطق ـ إلى الحيوان ، فيكون الحيوان هو الناطق بعينه ، وهو نوع الإنسان؛ ويسمّى الذاتيّ المشترك فيه المأخوذ بهذا الإعتبار «جنساً» والذي يحصّله «فصلا».

والإعتباران المذكوران الجاريان في الجزء المشترك ـ أعني أخذَهُ بشرط لا ، ولا بشرط ـ يجريان في الجزء المختصّ.

فيكون بالإعتبار الأوّل صورةً للجزء الآخر المقارن ، وعلّةً صوريّةً للمجموع ، ولا يحمل على شيء منها؛ وبالإعتبار الثاني فصلا يحصِّل الجنسَ ويتمِّم النوعَ ويحمل عليه حملا أوّليّاً.

فقد تحصّل أنّ الجزءَ الأعمّ في الماهيّات ـ وهو الجنس ـ متقوَّمٌ بالجزء

__________________

(1) راجع شرح المنظومة (قسم المنطق) ص 26 ، وشرح المطالع ص 82 ، وشرح الشمسيّةص 36 ـ 61 ، وجوهر النضيد 12 ـ 17 ، والبصائر النصيريّه ص 13 ـ 14 ، وشرح الإشارات ج 1 ص 82.

١٠٠