الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 29064
تحميل: 353


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29064 / تحميل: 353
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

مكانه من نفوسنا.

فكثير من الناس لا يزال ينظر الى قصّة يوسفعليه‌السلام على انها حادثة عشق طريف ، ومثله كمثل الدابّة التي يلوح لها البستان النضر المليء بالازهار ، الّا انّها تراه حفنة من «العلف» تسدّ جوعها :

وما يزال الكثير من الناس يضفي على القصّة افرازات خيالية كاذبة ليحرّف القصّة عن واقعها وهذا من عدم اللياقة وفقدان الجدارة وعدم قابلية المحل ، والّا فإنّ اصل القصّة جمع كل انواع القيم الانسانية العليا في نفسه.

وسنرى في المستقبل ـ بإذن الله ـ انّه لا يمكن تجاوز فصول هذه القصّة الجامعة والجميلة وكما يقول الشاعر في هذه القصّة :

يسكر من عطر الزهور الفتى

حتى يرى مفتقدا ثوبه!

* * *

اثر القصّة في حياة الناس

مع ملاحظة انّ القسم المهمّ من القرآن قد جاء على صورة تأريخ للأمم السابقة وقصص الماضين ، فقد يتساءل البعض : لم يحمل هذا الكتاب التربوي كل هذا «التأريخ» والقصص؟!

وتتضح العلة الحقيقية للموضوع بملاحظة عدّة نقاط :

1 ـ انّ التاريخ مختبر لنشاطات البشرية المختلفة ، وما رسمه الإنسان في ذهنه من الأفكار والتصورات يجده بصورة عينية على صفحات التأريخ. وبملاحظة انّ اكثر المعلومات البشرية توافقا مع الواقع والحقيقة هي التي تحمل جانبا حسيّا ، فإنّ دور التاريخ في اظهار الواقعيّات الحياتية يمكن دركه جيدا.

فالإنسان يرى بأم عينيه الهزيمة المردية ـ لامّة ما ـ نتيجة اختلافها وتفرقها ، كما يرى النجاح المشرق في قوم آخرين في ظل اتّحادهم وتوافقهم. فالتاريخ

١٢١

يتحدّث بلغة ـ من دون لسان ـ عن النتائج القطعية وغير القابلة للإنكار للتطبيقات العملية للمذاهب والخطط والبرامج عند كل قوم.

وقصص الماضين مجموعة من اكثر التجارب قيمة. ونعرف انّ خلاصة الحياة ومحصولها ليس شيئا سوى التجربة.

والتاريخ مرآة تنعكس عليها جميع ما للمجتمعات الانسانية من محاسن ومساوئ ورقي وانحطاط والعوامل لكلّ منها.

وعلى هذا فإنّ مطالعة تاريخ الماضين تجعل عمر الإنسان طويلا بقدر أعمارهم حقّا ، لانّها تضع مجموعة تجاربهم خلال أعمارهم تحت تصرفه واختياره.

ولهذا يقول الامام عليعليه‌السلام في حديثه التاريخي خلال وصاياه لولده الحسن المجتبى في هذا الصدد : «اي بني اني وان لم أكن عمّرت عمر من كان قبلي ، فقد نظرت في اعمالهم ، وفكّرت في اخبارهم ، وسرت في آثارهم ، حتى عدت كأحدهم ، بل كأنّي بما انتهى الي من أمورهم قد عمرت من اوّلهم الى آخرهم»(1) .

والتاريخ الذي نتحدث عنه طبعا هو التاريخ الخالي من الخرافات والأكاذيب والتملّقات والتحريفات والمسوخات.

ولكن ـ وللأسف ـ مثل هذا النوع من التاريخ قليل جدا.

ولا ينبغي ان نبعد عن النظر ما للقرآن من اثر في بيان «نماذج» من التاريخ الأصيل واراءتها.

التاريخ الذي ينبغي ان يكون كالمرآة الصافية لا المقعّرة.

التاريخ الذي لا يتحدث عن الوقائع فحسب ، بل يصل الى الجذور ويسترشف النتائج.

فمع هذه الحال لم لا يستند القرآن ـ الذي هو كتاب تربوي عال في فصوله ـ

__________________

(1) نهج البلاغة ، من كتاب لهعليه‌السلام لولده الحسن المجتبىعليه‌السلام .

١٢٢

على التاريخ ويأتي بالشواهد والأمثال من قصص الماضين؟! 2 ـ ثمّ بعد هذا فإنّ للتاريخ والقصّة جاذبية خاصّة ، والإنسان واقع تحت هذا التأثير الخارق للعادة في جميع أدوار حياته من سنّ الطفولة حتى الشيخوخة.

ولذلك فإنّ التاريخ والقصّة يشكلان القسم الأكبر من آداب العالم وآثار الكتّاب. واحسن الآثار التي خلّفها الشعراء والكتاب الكبار سواء كانوا من بلاد العرب او من فارس او من بلاد اخرى هي قصصهم.

فأنت تلاحظ «الكلستان» ـ لسعدي و «الشاهنامة» لفردوسي و «الخمسة» للنظامي وكذلك آثار «فيجتور هيجو» الفرنسي و «شكسبير» الانجليزي و «غوته» الالماني جميعها كتبت على هيئة قصص جذابة».

والقصّة سواء كتبت نثرا او شعرا ، او عرضت على شاشة المسرح او بواسطة الفيلم السينمائي ، فإنّها تترك أثرا في المشاهد والمستمع دونها اثر الاستدلالات العقلية في مثل هذا التأثير.

والعلّة في ذلك قد تكون انّ الإنسان حسي بالطبع قبل ان يكون عقليا ويتخبط في المسائل المادية قبل ان يتعمق في المسائل الفكرية.

وكلما ابتعد الإنسان عن ميدان الحسّ في نفسها جانبا عقليا ، كانت هذه المسائل أثقل على الذهن وابطأ هضما.

ومن هنا نلاحظ انّه لأجل بيان الاستدلال العقلي يستمد المفكرين في المسائل الاجتماعية والحياتية المختلفة وتوغل في البعد العقلي من الامثلة الحسيّة ، وأحيانا يكون للمثال المناسب والمؤثر في الاستدلال قيمة مضاعفة ، ولذلك فإنّ العلماء الناجحين هم أولئك الذين لهم هيمنة على انتخاب احسن الامثلة.

ولم لا يكون الأمر كذلك ، والاستدلالات العقلية هي حصيلة المسائل الحسّية والعينيّة والتجريبيّة؟!

١٢٣

3 ـ القصّة والتاريخ مفهومان عند كل احد ، على خلاف الاستدلالات العقلية ، فإنّ الناس في فهمها ليسوا سواسية وعلى هذا فإنّ الكتاب الشامل الذي يريد ان يستفيد منه البدوي الامّي والمتوحش الى الفيلسوف والمفكر الكبير ، يجب ان يكون معتمدا على التاريخ والقصص والامثلة.

ومجموعة هذه الجهات تبيّن انّ القرآن خطا احسن الخطوات في بيان التواريخ والقصص في سبيل التعليم والتربية ، ولا سيّما إذ التفتنا الى هذه النقطة ، وهي انّ القرآن لا يذكر الوقائع التاريخية في ايّ مجال بشكل عار من الفائدة ، بل يذكر معطياتها بشكل ينتفع بها تربويا ، كما سنلاحظ «النماذج» والامثلة في هذه السورة.

* * *

١٢٤

الآيات

( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ (4) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6) )

التّفسير

بارقة الأمل وبداية المشاكل :

بدا القرآن بذكر قصّة يوسف من رؤياه العجيبة ذات المعنى الكبير ، لانّ هذه الرؤيا في الواقع تعدّ اوّل فصل من فصول حياة يوسف المتلاطمة.

جاء يوسف في احد الايّام صباحا الى أبيه وهو في غاية الشوق ليحدثه عن رؤياه ، وليكشف ستارا عن حادثة جديدة لم تكن ذات اهمية في الظاهر ، ولكنّها كانت إرهاصا لبداية فصل جديد من حياته( إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي

١٢٥

رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ) .

يقول ابن عباس : (انّ يوسف راى رؤياه ليلة الجمعة التي صادفت ليلة القدر) (ليلة تعيين الأقدار والآجال).

ولكن كم كان ليوسف من العمر حين راى رؤياه؟!

هناك من يقول : كان ابن تسع سنوات ، ومن يقول : ابن سبع ، ومنهم من يقول : ابن اثنتي عشرة سنة ، والقدر المسلم به انّه كان صبيّا.

وممّا يستلفت الانتباه الى جملة «رأيت» جاءت مكررة في الآية للتأكيد والقاطعية ، وهي اشارة الى ان يوسفعليه‌السلام يريد ان يقول : إذا كان كثير من الناس ينسون رؤياهم ويتحدثون عنها بالشك والتردّد ، فلست كذلك. بل اقطع بأنّي رأيت احد عشر كوكبا والشمس والقمر ساجدين لي دون شك.

واللطيفة الاخرى هي انّ ضمير «هم» الذي يأتي لجمع المذكر السالم العاقل ، قد استعمل للكواكب والشّمس والقمر ، ومثل هذا الاستعمال «ساجدين» ايضا اشارة الى انّ سجود الكواكب لم يكن من قبيل الصدفة بل كان امرا مدروسا ومحسوبا كما يسجد الرجال العقلاء!

وواضح ـ طبعا ـ انّ السجود المقصود منه هنا هو الخضوع والتواضع ، والّا فإنّ السجود المعروف عند الناس لا مفهوم له بالنسبة للكواكب والشمس والقمر.

ان هذه الرؤيا المثيرة ذات المغزى تركت يعقوب النّبي غارقا في التفكير فالقمر والشمس والكواكب ، واي الكواكب! انّها احد عشر يسجدون جميعا لولدي يوسف ، كم هي رؤيا ذات مغزى! لا شك انّ الشمس والقمر «انا وامه او خالته» والكواكب الأحد عشر اخوته ، هكذا يرتفع قدر ولدي حتى تسجد له الشمس والقمر وكواكب السّماء.

ان ولدي «يوسف» عزيز عند الله إذا راى هذه الرؤيا المثيرة! لذلك توجه الى يوسف بلهجة يشوبها الاضطراب والخوف المقرون

١٢٦

«بالفرحة» و( قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً ) وانا اعرف( إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ) وهو منتظر الفرصة ليوسوس لهم ويثير نار الفتنة والحسد وليجعل الاخوة يقتتلون فيما بينهم.

الطريف هنا انّ يعقوب لم يقل «أخاف من إخوتك ان يقصدوا إليك بسوء» بل اكّد ذلك على انّه امر قطعي ، وخصوصا بتكرار «الكيد» لانّه كان يعرف نوازع ابنائه وحساسيّاتهم بالنسبة لأخيهم يوسف ، وربّما كان اخوته يعرفون تأويل الرؤيا ، ثمّ انّ هذه الرؤيا لم تكن بشكل يعسر تعبيرها.

ومن جهة اخرى لا يتصور ان تكون هذه الرؤيا شبيهة برؤيا الأطفال ، إذ يمكن احتمال رؤية الأطفال للشمس والقمر والكواكب في منامهم ، ولكن ان تكون الشمس والقمر والكواكب موجودات عاقلة وتنحني بالسجود لهم ، فهذه ليست رؤيا أطفال ومن هذا المنطلق خشي يعقوب على ولده يوسف نائرة الحسد من اخوته عليه.

ولكن هذه الرؤيا لم تكن دليلا على عظمة يوسف في المستقبل من الوجهة الظاهرية والمادية فحسب ، بل تدل على مقام النبوّة التي سيصل إليها يوسف في المستقبل.

ولذلك فقد أضاف يعقوب ـ لولده يوسف ـ قائلا :( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ ) (1) ( الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ ) .

اجل فإنّ الله على كل شيء قدير و( إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) .

* * *

__________________

(1) «التأويل» في الأصل إرجاع الشيء ، وكل عمل او كل حديث يصل الى الهدف النهائي يطلق عليه «تأويل» وتحقق الرؤيا في الخارج مصداق للتأويل و «الأحاديث» جمع الحديث ، وهو نقل ما يجري ، والحديث هنا كناية عن الرؤيا لان الإنسان ينقلها للمعبرين.

١٢٧

ملاحظات

1 ـ الرّؤيا والحلم

انّ مسألة الرؤيا في المنام من المسائل التي تستقطب أفكار الافراد العاديين من الناس والعلماء في الوقت نفسه.

فما هذه الأحلام التي يراها الإنسان في منامه من احداث سيئة او حسنة ، وميادين موحشة او مؤنسة ، وما يثير السرور او الغم في نفسه؟!

أهي مرتبطة بالماضي الذي عشعش في اعماق روح الإنسان وبرز الى الساحة بعد بعض التبديلات والتغييرات؟ ام هي مرتبطة بالمستقبل الذي تلتقط صوره عدسة الروح برموز خاصّة من الحوادث المستقبلية؟! او هي انواع مختلفة ، منها ما يتعلق بالماضي ، ومنها ما يتعلق بالمستقبل ، ومنها ناتج عن الميول النفسية والرغبات وما الى ذلك ...؟!

انّ القرآن يصرّح في آيات متعددة انّ بعض هذه الأحلام ـ على الأقل ـ انعكاسات عن المستقبل القريب او البعيد.

وقد قرانا عن رؤيا يوسف في الآيات المتقدمة ، كما سنرى قصّة الرؤيا التي حدثت لبعض السجناء مع يوسف في الآية (36) وقصّة رؤيا عزيز مصر في الآية (43) وجميعها تكشف الحجب عن المستقبل.

وبعض هذه الحوادث ـ كما في رؤيا يوسف ـ تحقق في وقت متأخر نسبيا «يقال انّ رؤيا يوسف تحققت بعد أربعين سنة» وبعضها تحقق في المستقبل القريب كما في رؤيا عزيز مصر ولمن في السجن مع يوسف.

وفي غير سورة يوسف إشارات الى الرؤيا التي كان لها تعبير ايضا ، كما ورد في سورة الفتح عن رؤيا النّبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وما ورد في سورة الصافات عن رؤيا إبراهيم الخليل «وهذه الرؤيا كانت وحيا الهيا بالاضافة لما حملت من تعبير».

ونقرا في الحديث عن النّبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عن الرؤيا قوله : «الرؤيا ثلاث :

١٢٨

بشرى من الله ، وتحزين من الشيطان ، والذي يحدث به الإنسان نفسه فيراه في منامه»(1) .

وواضح انّ أحلام الشيطان ليست شيئا حتى يكون لها تعبير ، ولكن ما يكون من الله في الرؤيا فهي تحمل بشارة حتما ويجب ان تكون رؤيا تكشف الستار عن المستقبل المشرق.

وعلى كل حال يلزمنا هنا ان نبيّن النظرات المختلفة في حقيقة الرؤيا ، ونشير إليها بأسلوب مكثف مضغوط.

والتفاسير في حقيقة الرؤيا كثيرة ويمكن تصنيفها الى قسمين هما :

1 ـ التّفسير المادي

2 ـ التّفسير المعنوي

1 ـ التّفسير المادي :

يقول الماديون : يمكن ان تكون للرؤيا عدّة علل :

الف : قد تكون الرؤيا نتيجة مباشرة للأعمال اليومية ، اي انّ ما يحدث للإنسان في يومه قد يراه في منامه.

ب ـ وقد تكون الرؤيا عبارة عن سلسلة من الاماني ، فيراها الإنسان في النوم كما يرى الظمآن في منامه الماء ، او ان إنسانا ينتظر مسافرا فيراه في منامه قادما من سفره.

ج ـ وقد يكون الباعث للرؤيا الخوف من شيء ما ، وقد كشفت التجارب ان الذين يخافون من لص يرونه في النوم.

امّا فرويد واتباعه فلديهم مذهب خاص في تفسير الأحلام ، إذ انهم بعد

__________________

(1) بحار الأنوار ، ج 14 ، ص 44 ويضيف بعض العلماء قسما رابعا على هذه الأقسام ، هو الرؤيا التي تكون نتيجة مباشرة عن الوضع المزاجي والجسماني للإنسان ، وسيشار إليها في البحوث المقبلة ان شاء الله.

١٢٩

شرح بعض المقدمات يقولون : انّ الرؤيا عبارة عن إرضاء الميول المكبوتة التي تحاول الظهور على مسرح الوعي بعد تحويرها وتبدّلها في عملية خداع الانا.

ولزيادة الإيضاح يقولون : ـ بعد قبول ان النفس البشرية مشتملة على قسمين «الوعي» وهو ما له ارتباط بالأفكار اليومية والمعلومات الارادية والاختيارية للإنسان ، و «اللّاوعي» وهو ما خفي في باطن الإنسان بصورة رغبة لم تتحقق ـ فكثيرا ما يحدث ان تكون لنا ميول لكننا لم نستطع ارضاءها ـ لظروف ما ـ فتأخذ مكانها في ضمير الباطن : وعند النوم حين يتعطل جهاز الوعي تمضي في نوع من إشباع التخيل الى الوعي نفسه ، فتنعكس أحيانا دون تغيير [كمثل العاشق الذي يرى في النوم معشوقته] وأحيانا تتغير اشكالها وتنعكس بصور مناسبة ، وفي هذه الحالة تحتاج الرؤيا الى تعبير.

فعلى هذا تكون الأحلام مرتبطة بالماضي دائما ولا تخبر عن المستقبل ابدا ، نعم يمكن ان تكون وسيلة جيدة لقراءة «ضمير اللاوعي!».

ومن هنا فهم يستعينون لمعالجة الأمراض النفسيّة المرتبطة بضمير «اللاوعي» باستدراج أحلام المريض نفسه.

ويعتقد بعض علماء التغذية انّ هناك علاقة بين الرؤيا وحاجة البدن للغذاء ، فمثلا لو راى الإنسان في نومه دما يقطر من أسنانه ، فتعبير ذلك انّ بدنه يحتاج الى فيتامين (ث) وإذا رأى في نومه أن شعر رأسه صار أبيضا ، فمعناه انّه مبتلى بنقص فيتامين (ب).

2 ـ التّفسير المعنوي

وامّا الفلاسفة الميتافيزيقيون فلهم تفسير آخر للرؤيا ، حيث يقولون : انّ الرؤيا والأحلام على اقسام :

1 ـ الرّؤيا المرتبطة بماضي الحياة حيث تشكل الرغبات والامنيات قسما

١٣٠

مهما من هذه الأحلام.

2 ـ الرؤيا غير المفهومة والمضطربة وأضغاث الأحلام التي تنشأ من التوهم والخيال (وان كان من المحتمل ان يكون لها دافع نفسي.

3 ـ الرّؤيا المرتبطة بالمستقبل والتي تخبر عنه.

وممّا لا شك فيه انّ الأحلام المتعلقة بالحياة الماضية وتجسّد الأمور التي راها الإنسان في طول حياته ليس لها تعبير خاص ومثلها الاطياف المضطربة او ما تسمى بأضغاث أحلام التي هي افرازات الأفكار المضطربة ، كالاطياف التي تمرّ بالإنسان وهو في حال الهذيان او الحمّى ، فهي ـ ايضا ـ لا يمكن ان تكون تعبيرا عن مستقبل الحياة ولهذا فإنّ علماء النفس يستفيدون من هذه الأحلام ويتخذونها نوافذ للدخول الى ضمير اللّاوعي في البشر ، ويعدّونها مفاتيح لعلاج الأمراض النفسيّة ، ويكون تعبير الرؤيا عند هؤلاء لكشف الأسرار النفسية وأساس الأمراض ، لا لكشف حوادث المستقبل في الحياة!

امّا الأحلام المتعلقة بالمستقبل فهي على نحوين :

قسم منها أحلام واضحة وصريحة لا تحتاج الى تعبير وأحيانا تتحقق بشكل عجيب في المستقبل القريب او البعيد دون اي تفاوت.

وهناك قسم آخر من هذه الأحلام التي تتحدث عن المستقبل ، ولكنّها في الوقت ذاته غير واضحة ، وقد تغيّرت نتيجة العوامل الذهنية والروحيّة الخاصّة فتحتاج الى تعبير.

ولكل من هذه الأحلام نماذج ومصاديق كثيرة ، ولا يمكن إنكارها جميعا ، لانّها لا في المصادر المذهبية او الكتب التأريخية ـ فحسب ـ بل تتكرر في حياتنا او حياة من نعرفهم بشكل لا يمكن عدّه من باب المصادفات والاتفاقات!.

* * *

١٣١

ونذكر هنا عدّة نماذج من الأحلام الصادقة التي كشفت بشكل عجيب عن حوادث مستقبلية سمعناها من افراد موثوقين :

1 ـ المرحوم الآخوند ملا علي من علماء همدان الموثوقين والمعروفين ينقل عن المرحوم الميرزا عبد النّبي النوري وهو من علماء طهران الكبار هذه القضية :

عند ما كنت في سامراء كان يصلني سنويا من مدينة مازندران مبلغ بمقدار مائة تومان تقريبا ، وعلى أساس هذا الأمر كنت استقرض دائما مقدار حاجتي من المؤونة وعند ما يصلني هذا المبلغ كنت أقوم بتسديد هذه القروض.

وفي احد الأعوام جاءني خبر مؤسف ، وهو انّ المحصول الزراعي في مازندران سيء للغاية بسبب القحط ، ولهذا فإنّهم يعتذرون عن عدم إرسال المبلغ المقرر في هذه السنة ، ولما سمعت بذلك تألمت بشدّة ونمت وانا في هذه الحال من الهم والغم ، فرأيت في عالم الرؤيا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو يدعوني ويقول : يا فلان ، قم وافتح تلك الخزانة (وأشار الى خزانة في الحائط) وخذ منها مائة تومان موجودة هناك. فانتبهت من النوم ، ولم تمض فترة حتى طرقت الباب بعد الظهر ، فرأيت رسول الميرزا الشيرازيقدس‌سره المرجع الكبير للشيعة وقال لي : انّ الميرزا يدعوك : فتعجبت من هذه الدعوة في هذا الوقت بالذات. فذهبت اليه فرأيته جالسا في حجرته (وقد نسيت الرؤيا تماما) وفجأة قال لي المرحوم الميرزا الشيرازي : يا ميرزا عبد النّبي افتح باب تلك الخزانة وخذ منها مائة تومان موجودة هناك. فتذكرت الرؤيا فورا وتعجبت كثيرا وأردت ان أقول شيئا ، ولكني شعرت بأنّه لا يرغب في ذلك ، فقمت الى الخزانة فأخذت المبلغ المذكور وخرجت.

2 ـ وينقل صديق ـ وهو محل اعتماد ـ ان المرحوم التبريزي صاحب كتاب «ريحانة الأدب» كان له ولد يشكو من يده اليمنى (ربّما كان مبتلى بالروماتيزم)

١٣٢

بشكل يصعب عليه ان يمسك القلم بيده ، فتقرر ان يسافر الى المانيا للمعالجة ويقول : حين كنت في السفينة رأيت في المنام ان امي توفيت ففتحت التقويم السنوي وسجلت الحادثة ـ مقيدة بالساعة واليوم ـ ولم تمض فترة حتى رجعت الى بلدي فاستقبلني جماعة من الأقاربوالأصدقاء فوجدتهم لبسوا ثياب الحداد فتعجبت ، وكنت قد نسيت الرؤيا ، وأخيرا أخبرت ـ بالتدريج ـ ان امي توفيت ، فتذكرت مباشرة رؤياي في السفينة فأخرجت التقويم وسألت عن اليوم الذي توفيت فيه فكان مطابقا لذلك اليوم تماما.

3 ـ يقول سيد قطب في تفسيره «في ظلال القرآن» في هامشه على الآيات المتعلقة بسورة يوسف : «إذا كنت أنكر جميع ما قلتم في الرؤيا فلن أستطيع ان أنكر ما حدث لي يوم كنت في امريكا ابدا رأيت هناك في المنام انّ ابن أختي قد نزفت عيناه دما ولا يستطيع ان يرى (كان ابن أختي وسائر أعضاء اسرتي بمصر) فاستوحشت ممّا رأيت وكتبت رسالة الى اسرتي بمصر فورا ، وسألتهم عن حال ابن أختي بوجه خاص ، فلم تمض فترة حتى جاءتني الجواب الذي يخبرني بأنّ ابن أختي مبتلى بنزيف داخلي في عينيه ولا يستطيع ان يرى ، وهو مشغول بالمعالجة.

وممّا يستلفت النظر انّ النزف الداخلي كان بشكل لا يمكن رؤيته الّا بالاجهزة الطبيّة ، وقد حرم ابن أختي من النظر والرؤية على كل حال. غير انني رأيت في منامي حتى هذه المسألة الدقيقة.

ان الأحلام التي تكشف الحجب عن الأسرار والحقائق المرتبطة بالمستقبل ، او الحقائق الخفيّة المتعلقة بالحاضر ، هي اكثر من ان تحصر ، وليس بمقدور بعض الافراد الذي لا يعتقدون بهذه الحقائق إنكارها ، او حملها على المصادفة والاتفاق!

من خلال التحقيق مع الأصدقاء القريبين يمكن الحصول على شواهد

١٣٣

كثيرة من هذه الأحلام ، وهذه الأحلام لا يمكن تعبيرها عن طريق التّفسير المادي ابدا ، وانما الطريق الوحيد هو تعبير فلاسفة الروح والاعتقاد باستقلال الروح ، ومن مجموع هذه الأحلام يمكن ان نستفيد منها كشاهد على استقلال الروح.

2 ـ في الآيات ـ محل البحث ـ نلاحظ ان يعقوب ـ بالاضافة الى تحذيره لولده يوسف من ان يقصّ رؤياه على اخوته ـ فإنّه عبر عن رؤياه بصورة اجماليّة وقال له( وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ ) .

ودلالة رؤيا يوسف على انّه سيبلغ في المستقبل مقامات كبيرة معنوية ومادية يمكن دركها تماما ولكن يبرز هذا السؤال ، وهو : كيف عرف يعقوب انّ ابنه يوسف سيعلمتأويل الأحاديث في المستقبل؟ اهو خبر أخبره يعقوب ليوسف مصادفة ولا علاقة له بالرؤيا ، ام انّه اكتشف ذلك من رؤيا يوسف؟

الظاهر ان يعقوب فهم ذلك من رؤيا يوسف ، ويمكن ان يكون ذلك عن احد طريقين :

الاوّل : انّ يوسف في حداثة سنّه وقد نقل لأبيه ـ خاصّة ـ بعيدا عن أعين اخوته (لانّ أباه أوصاه ان لا يقصّها على اخوته) وهذا الأمر يدلّ على ان يوسف نفسه كان له احساس خاص برؤياه بحيث لم يقصصها بمحضر الجميع

ولانّ مثل هذا الاحساس في صبيّ ـ كيوسفعليه‌السلام ـ يدلّ على انّ له استعدادا روحيّا لتعبير الرؤيا ، وانّ أباه قد احسّ بهذا الاستعداد وبالتربية الصحيحة سيكون له في المستقبل حظّ زاهر في هذا المجال.

الثّاني : انّ ارتباط الأنبياء ، بعالم الغيب له عدّة طرق ، فمرّة عن طريق «الإلهامات القلبية» وتارة عن طريق «ملك الوحي» واخرى عن طريق «الرؤيا».

وبالرغم من انّ يوسف لم يكن نبيّا في ذلك الوقت ، لكن رؤيته لهذه الرؤيا ذات المعنى الكبير يدلّ على ان سيكون له ارتباط بعالم الغيب في المستقبل ،

١٣٤

ولا بدّ أن يعرف تعبير الرؤيا ـ طبعا ـ حتى يكون له مثل هذا الارتباط.

3 ـ من الدروس التي نستلهمها من هذا القسم من الآيات ان نحفظ الأسرار ، وينبغي ان يطبق هذا الدرس أحيانا حتى امام الاخوة ، فدائما تقع في حياة الإنسان اسرار لو اذيعت وفشت بات مستقبله او مستقبل مجتمعه معرضا للخطر ، والمواظبة على حفظ هذه الأسرار دليل على سعة الروح وتملك الارادة ، فكثير من ضعاف الشخصيّة أوقعوا أنفسهم او مجتمعهم في الخطر بسبب افشاء الأسرار ، وكم يرى الإنسان ـ من مساءة وضرر لانّه ترك حفظ الأسرار وفي هذا المجال ورد حديث عن الامام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام إذ قال : «لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال : سنّة من ربّه ، وسنّة من نبيّه ، وسنّة من وليّه. فأمّا السّنة من ربّه فكتمان السرّ ، وامّا السّنة من نبيّه فمداراة الناس ، وامّا السّنة من وليّه فالصبر على البأساء والضراء»(1) .

وورد حديث عن الامام الصادقعليه‌السلام يقول : «سرّك من دمك فلا يجرينّ من غير أوداجك»(2) .

* * *

__________________

(1) بحار الأنوار ، ط جديدة ، ج 78 ، ص 334.

(2) سفينة البحار ، مادة : كتم.

١٣٥

الآيات

( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (8) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ (9) قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10) )

التّفسير

المؤامرة :

من هنا تبدا قصّة مواجهة اخوة يوسف واشتباكهم معه : ففي الآية الاولى ـ من الآيات محل البحث ـ اشارة الى الدروس التربوية الكثيرة التي توحيها القصّة ، إذ تقول الآية :( لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسَّائِلِينَ ) .

وفي انّ المراد بالسائلين ، من هم؟ يقول بعض المفسّرين كالقرطبي في التّفسير الجامع وغيره : انّ هؤلاء السائلين هم جماعة من يهود المدينة ، جاؤوا

١٣٦

يسألون النّبي اسئلة في هذا المجال ، ولكن ظاهر الآية مطلق ، فلا مرجّح لانّ يكون المراد بالسائلين هم اليهود دون غيرهم.

وايّ درس أعظم من ان يجتمع عدّة افراد لإهلاك فرد ضعيف ووحيد ـ في الظاهر ـ وبخطط اعدّها الحسد ، ويبذلون أقصى جهودهم لهذا الأمر ، ولكن نفس هذا العمل ـ ودون شعور وارادة منهم ـ بات سببا في تربّعه على سرير الملك وصيرورته آمرا على البلد الكبير «مصر» ثمّ يأتي اخوته في النهاية ليطأطئوا برؤوسهم إعظاما له ، وهذا يدلّ على ان الله إذا أراد امرا فهو قادر على ان يجريه حتى على ايدي من يخالفون ذلك الأمر ، ليتجلّى ان الإنسان المؤمن الطاهر ليس وحيدا في هذا العالم ، فلو سعى جميع افراد هذا العالم الى إزهاق روحه والله لا يريد ذلك ، فإنهم لا يستطيعون ان يسلبوا منه شعرة واحدة.

كان ليعقوب اثنا عشر ولدا ، واثنان منهم : يوسف وبنيامين وهما من ام واحدة اسمها راحيل ، وكان يعقوب يولي هذين الولدين محبّة خاصّة ، لا سيما يوسف.

لانّهما اوّلا : أصغر أولاده ، وبالطبع فهما يحتاجان الى العناية والرعاية والمحبة.

وثانيا : لانّ امّهما ارتحلت من الدنيا ـ طبقا لبعض الرّوايات ـ وبعد هذا كلّه كانت بوادر النبوغ والذكاء والحادّ ترتسم على يوسف ، وهذه الأمور ادّت الى ان أن يولي يعقوب ابنه هذا عناية اكثر.

الّا ان الاخوة الحساد ـ دون ان يلتفتوا الى هذه الجهات ـ تألّموا من حبّ أبيهم ليوسف وأخيه ، وخاصّة بعد اختلافهم في الام والمنافسة الطبيعية المترتبة على هذا الأمر. لهذا اجتمعوا فيما بينهم وتدارسوا الأمر وصمموا على المؤامرة( إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ ) (1) .

__________________

(1) «العصبة» معناها الجماعة المتفقون على الأمر ، وهذه الكلمة معناها الجمع الّا لا مفرد لها من جنسها.

١٣٧

وحكموا على أبيهم من جانب واحد بقولهم :( إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) .

ان نار الحسد والحقد لم تدعهم ليفكروا في جميع جوانب الأمر ليكتشفوا دلائل علاقة الحبّ التي تربط يعقوب بولديه يوسف وبنيامين ، لانّ المنافع الخاصّة لكل فرد تجعل بينه وبين عقله حجابا فيقضي من جانب واحد لتكون النتيجة «الضلال عن جادة الحق والعدل» وبالطبع فإنّ اتهامهم لأبيهم بالضلالة ، لم يكن المقصود منها الضلالة الدينية ، لانّ الآيات الآتية تكشف عن اعتقادهم بنبوّة أبيهم ، وانما استنكروا طريقة معاشرته فحسب.

ثمّ ادّى بهم الحسد الى ان يخططوا لهذا الأمر ، فاجتمعوا وقدموا مقترحين وقالوا :( اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ) ـ أرسلوه الى منطقة بعيدة ـ( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) .

ومن الحق ان تشعروا بالذنب والخجل في وجدانكم لانّكم تقدمون على هذه الجناية في حق أخيكم الصغير ، ولكن يمكن أن تتوبوا وتغسلوا الذنب( تَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ ) .

وهناك احتمال آخر لتفسير هذه الآية هو انّكم إذا أبعدتم أخاكم عن عيني أبيكم يصلح ما بينكم وبين أبيكم وتذهب اتعابكم ويزول اذاكم من هذا الموضوع ، ولكن التّفسير الاوّل اقرب للنظر!

وعلى كل حال فإنّ هذه الجملة تدلّ على احساسهم بالذنب من هذا العمل ، وكانوا يخافون الله في اعماق قلوبهم ، ولذلك قالوا : نتوب ونكون من بعده قوما صالحين.

ولكن المسألة المهمة هنا هي انّ الحديث عن التوبة قبل الجريمة ـ في الواقع ـ هو لأجل خداع «الوجدان» واغرائه وفتح الباب للدخول الى الذنب ، فلا يعدّ دليلا على الندم ابدا.

وبتعبير آخر : انّ التوبة الواقعية هي التي توجد بعد الذنب حالة من الندم

١٣٨

والخجل للإنسان ، وامّا الكلام في التوبة قبل الذنب فليس توبة.

وتوضيح ذلك انّه كثيرا ما يقع أن الإنسان حين يواجه الضمير و «الوجدان» عند الاقدام على الذنب ، او حين يكون الاعتقاد الديني سدّا وحاجزا امامه يمنعه عن الذنب وهو مصمم عليه ، فمن اجل ان يجتاز حاجز الوجدان او الشرع بيسر ، يقوم الشخص بخداع نفسه وضميره يأتي سوف اقف مكتوف اليدين بعد الذنب ، بل سأتوب وامضي الى بيت الله وأؤدي الأعمال الصالحة ، وسأغسل جميع آثار الذنوب.

اي انّه في الوقت الذي يرسم الخطة الشيطانية للاقدام على الذنب ، يرسم خطة شيطانية اخرى لمخادعة الضمير والوجدان وللاعتداء على عقيدته! فإلى ايّ درجة تبلغ هذه الخطة من السوء بحيث تمكّن الإنسان من تحقيق الجناية والذنب وكسر الحاجز الديني الذي يقف امامه!! انّ اخوة يوسف دخلوا من هذا الطريق ايضا.

المسألة الدقيقة الاخرى في هذه الآية : انّهم قالوا :( يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ ) ولم يقولون : يخل لكم قلب أبيكم ، وذلك لانّهم لم يطمئنّوا الى انّ أباهم ينسى يوسف بهذه السرعة فيكفي ان يتوجه إليهم أبوهم ، ولو ظاهرا!

وهناك احتمال آخر لهذا التعبير ، وهو أنّ الوجه والعينين نافذتان الى القلب ، فمتى ما خلا الوجه لهم فإنّ القلب سيخلو ويتوجه إليهم بالتدريج.

ولكن كان من بين الاخوة من هو اكثر ذكاء وارق عاطفة ووجدانا ، لانّه لم يرض بقتل يوسف او إرساله الى البقاع البعيدة التي يخشي عليه من الهلاك فيها فاقترح عليهم اقتراحا ثالثا ، وهو ان يلقى في البئر (بشكل لا يصيبه مكروه) لتمرّ قافلة فتأخذه معها ، ويغيب عن وجه أبيه ووجوههم ، حيث تقول الآية في هذا الصدد( قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .

* * *

١٣٩

ملاحظات

1 ـ «الجبّ» معناه «البئر» التي لم تنضّد بالطابوق والصخور ، ولعلّ اغلب آبار الصحراء على هذه الشاكلة.

و «الغيابة» المخبأ من البئر الغائب عن النظر ولعلّ هذا التعبير يشير الى ان الآبار الصحراوية يصنع في قعرها مكان قريب من الماء ، بحيث لو أراد احد النزول الى البئر ليستفيد من الماء ، فإنّه يستطيع ان يجلس هناك ويملا دلوه من ذلك الماء دون ان ينزل هو في الماء ، وبالطبع فإنّ من ينظر البئر من فوقها لا يرى ذلك المكان ولذلك سمي «غيابة»(1) .

2 ـ لا شك انّ اقتراح هذا القائل( أَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) لم يكن الهدف منه موت يوسف في البئر ، بل بقاءه سالما لتنقذه القافلة عند مرورها على البئر للاستسقاء.

3 ـ يستفاد من جملة( إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) انّ القائل لم يكن يرغب ـ أساسا ـ حتى بهذا الاقتراح ولعله كان لا يوافقهم على إيذاء يوسف أصلا.

4 ـ هناك اختلاف بين المفسّرين في اسم هذا الأخ القائل( لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ ) فقال بعضهم : اسمه «روبين» وكان اذكاهم ، وقال بعضهم : اسمه «يهودا» وقال آخرون : اسمه «لاوى».

5 ـ اثر الحسد المدمّر في حياة الناس

الدرس الآخر الذي نتعلّمه من هذه القصّة ، وهو انّ الحسد يمكن ان يدفع الإنسان حتى الى قتل أخيه ، او إيجاد المشاكل له ، فنار الحسد إذا لم يمكن إخمادها فإنّها ستحرق صاحبها بالاضافة الى إحراق الآخرين بها.

وأساسا إذا حرم الإنسان من نعمة أنعمها الله على عبد سواه ، فإنّه سيكون

__________________

(1) مقتبس من تفسير المنار في تفسير الآية.

١٤٠