الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 4854
تحميل: 165


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4854 / تحميل: 165
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

والقمر والكواكب الأحد عشر الذين رايتهم في منامك ، ليكونوا مؤنسيك في هذه البئر ، ويكسوك ويلبسوك ثوبا على بدنك فدعا يوسف على اثر اليأس المطلق بالدعاء الآنف الذكر.(1)

وفي رواية عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : «حين القي يوسف في الجبّ هبط عليه جبرئيل وقال : ما تصنع هنا ايّها الغلام؟ فقال له : ان اخوتي القوني في البئر. فقال له جبرئيل : أتحبّ ان تخرج من البئر؟ قال : ذلك بمشيئة الله ، ان شاء اخرجني.

فقال له : ان الله يأمرك ان تدعو بهذا الدعاء لتخرج من البئر : «اللهم انّي اسألك بأنّ لك الحمد ، لا اله الّا أنت المنّان ، بديع السماوات والأرض ، ذو الجلال والإكرام ، ان تصلي على محمّد وآل محمّد وان تجعل لي ممّا انا فيه فرجا ومخرجا»(2) .

3 ـ جملة( وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِ ) تدلّ على انّهم لم يرموه في البئر ، أنزلوه على مكان يشبه الرصيف لمن يريد النّزول الى سطح الماء ، وقد شدوه بحبل حتى إذا نزل ووصل الى غيابة الجبّ تركوه وحده.

وهناك قسم من الرّوايات التي تفسّر الآيات المتقدمة تؤيد هذا الموضوع.

4 ـ تسويل النفس

جملة «سوّلت» مشتقّة من «التسويل» ومعناه «التزيين» وقد يأتي بمعنى «الترغيب» وقد يأتي بمعنى «الوسوسة» كما في بعض التفاسير جميع هذه المعاني ترجع الى شيء واحد اي انّ هوى النفس زيّن لكم هذا العمل.

وهي اشارة الى انّه حين يطغى هوى النفس على الإنسان ويستبدّ به عناده ، فإنه يتصور ان اسوا الجنايات لديه امر حسن ، كما لو كان ذلك قتل الأخ او ابعاده ، وقد يتصور ان ذلك امر مقدّس وهذه نافذة على اصل كلي في المسائل

__________________

(1) المصدر السابق ، ص 416.

(2) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 216.

١٦١

النفسية ، بحيث يجعل الميل المفرط والرغبة الجامحة لأمر ما ـ وخاصّة مع اقترانهما بالرذائل الاخلاقية ـ غشاوة على احساس الإنسان ، فتنقلب عنده الحقائق وتتغير صورها.

لذا فإنّ القضاء الصحيح وادراك الواقعيّات العينيّة ، لا يمكن لها ان تتحقق دون تهذيب النفس ، وإذا كانت العدالة شرط في القاضي فإنّ هذا الأمر واحد من أسبابها وإذا كان القرآن الكريم يقول في الآية (282) من سورة البقرة( وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ ) فذلك اشارة الى هذه الحقيقة ايضا.

5 ـ الكذاب عديم الحافظة

قصّة يوسف ـ وما جرى له مع اخوته ـ تثبت مرّة اخرى هذا الأصل المعروف الذي يقول : انّ الكذاب لا يستطيع ان يكتم سرّه دائما ، لانّ الواقعيات العينية حين تظهر الى الوجود الخارجي تظهر ومعها روابط ـ اكثر من ان تعدّ ـ مع موضوعات اخرى تدور حولها ، وإذا أراد الكاذب ان يهيئ مناخا لمسألة غير واقعية فإنّه لا يستطيع ان يحفظ هذه الروابط مهما كان دقيقا.

ولنفرض انّه يستطيع ان يؤلف بين عدد من الروابط الكاذبة في حادثة ما ، ولكن المحافظة على هذه الروابط المصطنعة في ذهنه ليست عملا هيّنا ، فإنّ اقل غفلة منه تسبب وقوعه في التناقض ، فتتسبب هذه الغفلة في فضيحة صاحبها وتكشف الأمر الواقعي وهذا درس كبير لمن يريد المحافظة على ماء وجهه ومكانته في المجتمع ان لا يلجأ الى الكذب فيتعرض موقعه الاجتماعي للخطر وينزل عليه غضب الله.

6 ـ ما هو الصبر الجميل؟

الصبر امام الحوادث الصعبة والأزمات الشديدة يدلّ على قوة شخصية الإنسان ، وعلى سعة روحه بسعة ما تتركه هذه الحوادث فلا يتأثر ولا يهتز لها.

١٦٢

ربّما يحرك النسيم العليل ماء الحوض الصغير ، ولكن المحيطات العظيمة كالمحيط الهادي ـ مثلا ـ يستوعب حتى الاعصار الذي يتلاشى امام هدوئه وسعته.

وقد يتصبر الإنسان أحيانا ، ولكنّه سرعان ما يتلف هذا الصبر بكلماته النابية التي تدل على عدم الشكر وعدم تحمل الحادثة ونفاد الصبر.

ولكن المؤمنين الذين يتمتعون بإرادة قويّة واستيعاب للحوادث ، هم أولئك الذين لا يتأثرون بها ولا يجري على لسانهم ما يدلّ على عدم الشكر وكفران النعمة او الجزع او الهلع.

صبر هؤلاء هو الصبر الجميل قد يبرز الآن هذا السؤال ، وهو اننا نقرا في الآيات الاخرى ـ من هذه السورة ـ انّ يعقوب بكى على يوسف حتى ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم ، أفلا ينافي ما صدر من يعقوب صبره الجميل؟!

والجواب على هذا السؤال في جملة واحدة ، وهي : ان قلوب عباد الله مركز للعواطف ، فلا عجب ان ينهلّ دمع عينهم مدرارا ، المهم ان يسيطروا على أنفسهم ، ولا يفقدوا توازنهم ، ولا يقولوا شيئا يسخط الله.

ومن الطريف ان مثل هذا السؤال وجه الى النّبي محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حين بكى على موت ولده ابراهيم حيث قالوا له : يا رسول الله ، أتنهانا عن البكاء وتبكي؟! فأجابهم النّبي الكريمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «تدمع العين ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الربّ».

وفي رواية اخرى انّه قال : «ليس هذا بكاء انّه رحمة»(1) .

وهذا اشارة الى انّ ما في صدر الإنسان هو القلب ، وليس حجر! وطبيعيّ ان يتأثر الإنسان امام المسائل العاطفية ، وابسط هذا التأثر هو انهلال الدمع انّ هذا لا يعدّ عيبا ، بل هو امر حسن ، العيب هو ان يقول الإنسان ما يسخط الربّ.

* * *

__________________

(1) بحار الأنوار ، ج 22 ، ص 157 و 158.

١٦٣

الآيتان

( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ (19) وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20) )

التّفسير

نحو ارض مصر :

قضى يوسف في ظلمة الجب الموحشة والوحدة القاتلة ساعات مرّة ، ولكنّه بإيمانه بالله وسكينته المنبثقة عن الايمان شع في قلبه نور الأمل ، وألهمه الله تعالى القوة والقدرة على تحمّل الوحدة الموحشة ، وان ينجح في هذا الامتحان.

ولكنّ الله اعلم كم يوما قضى يوسف في هذه الحالة؟

قال بعض المفسّرين : قضى ثلاثة ايام ، وقال آخرون : يومين.

وعلى كل حال تبلج النّور( وَجاءَتْ سَيَّارَةٌ ) (1) .

وانتخبت منزلها على مقربة من الجبّ ، وطبيعي انّ اوّل ما تفكر القافلة فيه ـ

__________________

(1) سمّيت القافلة «سيارة» لانّها في سير وحركة دائمين.

١٦٤

في منزلها الجديد ـ هو تأمين الماء وسد حاجتها منه( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ ) (1) .

فانتبه يوسف الى صوت وحركة من أعلى البئر ، ثمّ راى الحبل والدلو يسرعان الى النّزول ، فانتهز الفرصة وانتفع من هذا العطاء الالهي وتعلق بالحبل بوثوق.

فأحسّ المأمور بالإتيان بالماء ان الدلو قد ثقل اكثر ممّا ينبغي ، فلمّا سحبه بقوة الى الأعلى فوجئ نظره بغلام كأنّه فلقة قمر ، فصرخ وقال :( يا بُشْرى هذا غُلامٌ ) .

وشيئا فشيئا سرى خبر يوسف بين جماعة من اهل القافلة ، ولكن من اجل ان لا يذاع هذا الخبر وينتشر ، ولكي يمكن بيع هذا الغلام الجميل في مصر ، اخفوه( وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً ) (2) .

وبالطبع هناك احتمالات اخرى في تفسير هذه الجملة منها ان الذين عثروا على يوسف اسرّوه واخفوا خبره ، وقالوا : هذا متاع لأصحاب هذا الجبّ أودعوه عندنا لنبيعه في مصر.

ومنها ان احد اخوة يوسف كان بين الحين والحين يأتي الى الجبّ ليطلع على يوسف ويأتيه بالطعام وحين اطلع اخوة يوسف على ما جرى اخفوا علاقتهم الاخوية بيوسف وقالوا : هذا غلامنا فرّ من أيدينا واختفى هنا ، وهددوا يوسف بالموت إذ كشف الستار عن الحقيقة.

ولكن التّفسير الاوّل يبدو اقرب للنظر.

وتقول الآية في نهايتها :( وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ ) وبالرغم من اختلاف المفسّرين في من هم الذين شروا يوسف بثمن بخس ، وقول بعضهم : هم اخوة

__________________

(1) «الوارد» في الأصل من «الورود» وهو من يأتي بالماء ، ثمّ توسع استعمال الكلمة وأطلقت على كل ورود ودخول.

(2) «البضاعة» في الأصل من مادة «بضع» على وزن «نذر» ومعناها : القطعة من اللحم ، ثمّ توسعوا في المعنى وأطلقوا هذا اللفظ على القطعة المهمّة ، من المال. والبضعة هي القطعة من الجسد ، وحسن البضع معناه : الإنسان المكتنز لحمه ، و «بضع» على وزن «حزب» معناه العدد من ثلاثة الى عشرة (راجع المفردات للراغب).

١٦٥

يوسف ، ولكن ظاهر الآيات هو من كان في القافلة ، وقد تمّ البحث عن اخوته في نهاية الآية التي سبقت هذه الآيات ، وجميع الضمائر في الجمل( فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ أَسَرُّوهُ بِضاعَةً ) تعود على من كان في القافلة.

هنا يبرز هذا السؤال وهو : لم باعوا يوسف الذي كان يعدّ ـ على الأقل ـ غلاما ذا قيمة بثمن قليل ، او كما عبّر عنه القرآن( وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ ) ؟

ولكن هذا امر مألوف فإنّ السراق او أولئك الذين تأتيهم بضاعة مهمّة دون اي تعب ونصب يبيعونها سريعا لئلا يطلع الآخرون.

ومن الطبيعي انّهم لا يستطيعون بهذه الفورية ان يبيعوه بسعر غال.

و «البخس» في الأصل معناه تقليل قيمة الشيء ظلما ، ولذلك فإنّ القرآن يقول :( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ ) (1) .

ثمّ انّ هناك اختلافا آخر بين المفسّرين في الثمن الذي بيع به يوسف ، وكيف قسّم بينهم؟ فقال البعض : عشرون درهما ، وقالت طائفة : اثنان وعشرون ، ومع ملاحظة انّ الباعة كانوا عشرين يتّضح سهم كل منهم ، وكم هو زهيد! وتقول الآية :( وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ ) .

وفي الحقيقة انّ هذه الجملة في حكم بيان العلة للجملة المتقدمة ، وهي اشارة الى انّهم باعوا يوسف بثمن بخس ، لانّهم لم يرغبوا في هذه المعاملة ولم يعتنوا بها.

وهذا البيع البخس امّا لانّ اهل القافلة اشتروا يوسف بثمن بخس ، والإنسان إذا اشترى شيئا رخيصا باعه رخيصا عادة ، او انّهم كانوا يخافون ان يفتضح سرّهم ويجدون من يدّعيه ، او من جهة انّهم لم يجدوا في يوسف أثرا للغلام الذي يباع ويشترى ، بل وجدوا فيه آثار الحرّية واضحة في وجهه ، ومن هنا فلا البائعون كانوا راغبين ببيعه ولا المشترون كانوا راغبين بشرائه.

* * *

__________________

(1) هود ، 85.

١٦٦

الآيتان

( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (21) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22) )

التّفسير

في قصر عزيز مصر :

انتهت حكاية يوسف مع اخوته الذين القوه في غيابة الجبّ وبيّناها تفصيلا ، بدا فصل جديد من حياة هذا الغلام الحدث في مصر فقد جيء بيوسف الى مصر وعرض للبيع ، ولما كان تحفة نفيسة فقد صار من نصيب «عزيز مصر» الذي كان وزيرا لفرعون او رئيسا لوزرائه ، لانّه كان يستطيع ان يدفع قيمة أعلى لغلام ممتاز من جميع الجهات ، والآن لنر ما الذي حدث له في بيت عزيز مصر.

يقول القرآن الكريم في شأن يوسف :( وَقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ

١٦٧

أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً ) (1) فلا ينبغي ان تنظري اليه كما ينظر الى العبيد.

يستفاد من سياق الآية انّ عزيز مصر لم يرزق ولدا وكان في غاية الشوق للولد ، وحين وقعت عيناه على هذا الصبيّ الجميل والسعيد تعلّق قلبه به ليكون مكان ولده.

ثمّ يضيف القرآن الكريم( وَكَذلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ ) .

هذا «التمكين» في الأرض امّا ان يكون لمجيء يوسف الى مصر ، وخاصّة ان خطواته ، في محيط مصر مقدّمة لما سيكون عليه من الاقتدار والمكانة القصوى ، وامّا انّه لا قياس ، بين هذه الحياة في مصر «العزيز» وبين تلك الحياة في غيابة الجبّ والوحدة والوحشة. فأين تلك الشدّة من هذه النعمة والرفاه!

ويضيف القرآن ايضا( وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ ) .

المراد من «تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ » ـ كما أشرنا سابقا ـ هو علم تفسير الأحلام وتعبير الرؤيا حيث كان يوسف قادرا على ان يطلع على بعض اسرار المستقبل من خلاله ، او المراد منه الوحي لانّ يوسف مع عبوره من المضايق الصعبة والشدائد القاسية ونجاحه في الاختبارات الالهية في قصر عزيز مصر ، نال الجدارة بحمل الرسالة والوحي. ولكن الاحتمال الاوّل اقرب كما يبدو للنظر.

ثمّ يختتم القرآن هذه الآية بالقول :( وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .

انّ واحدة من مظاهر قدرة الله العجيبة وهيمنته على الأمور كلها ان يدع ـ في كثير من الموارد ـ اسباب موفقية الإنسان ونجاحه بيد أعدائه كما حدث في مسألة يوسفعليه‌السلام ، فلو لا خطة اخوته لم يصل الى الجبّ ابدا ، ولو لم يصل الى الجبّ لما وصل الى مصر ، ولو لم يصل الى مصر لما ذهب الى السجن ولما كان

__________________

(1) «المثوى» من مادة (ثوى) ومعناه المقام ، ولكن معناه هنا الموقعية والمنزلة والمقام كذلك.

١٦٨

هناك اثر من رؤيا فرعون التي أصبح يوسف بسببها عزيز مصر! ففي الحقيقة ان الله اجلس يوسف على عرش الاقتدار بواسطة اخوته الذين تصوروا انّهم سيقضون عليه في تركهم ايّاه في غيابة الجبّ.

لقد واجه يوسف في هذا المحيط الجديد ، الذي يعدّ واحدا من المراكز السياسية المهمة في مصر مسائل مستحدثة فمن جهة كان يرى قصور الطغاة المدهشة وثرواتهم ومن جهة اخرى كانت تتجسد في ذهنه صورة أسواق النخاسين وبيع المماليك والعبيد ومن خلال الموازنة بين هاتين الصورتين كان يفكر في كيفية القضاء على هموم المستضعفين من الناس لو أصبح مقتدرا على ذلك!

اجل ، لقد تعلم الكثير من هذه الأشياء في هذا المحيط المفعم بالضوضاء ، وكان قلبه يفيض همّا لانّ الظروف لم تتهيأ له بعد. فاشتغل بتهذيب نفسه وبنائها ، يقول القرآن الكريم في هذا الصدد :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) .

كلمة «اشدّ» مشتقّة من مادة «شدّ» وتعني فتل العقدة باستحكام وهي هنا اشارة الى الاستحكام الجسماني والروحاني.

قال بعضهم : انّ هذه الكلمة جمع لا مفرد لها ولكن البعض الآخر قال : انّها جمع (شدّ) على وزن (سدّ) ولكن معناها الجمعي غير قابل للإنكار على كل حال!

المراد من «الحكم» و «العلم» الواردين في الآية المتقدمة التي تقول :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً ) امّا ان يكون مقام النبوّة كما ذهب الى ذلك بعض المفسّرين ، وامّا ان يكون المراد من الحكم العقل والفهم والقدرة على القضاء الصحيح الخالي من اتباع الهوى والاشتباه. والمراد من العلم الاطلاع الذي لا يقترن معه الجهل ، ومهما كان فإنّ الحكم والعلم موهبتان نادرتان وهبهما

١٦٩

الله ليوسف لتقواه وصبره وتوكله عليه ، وجميع هذه الصفات مجتمعة في كلمة «المحسنين».

قال بعض المفسّرين : هناك ثلاثة احتمالات لمعنى كلمتي (الحكم والعلم) الواردتين في الآية ، وهي :

1 ـ انّ الحكم اشارة الى مقام النبوة (لانّ النّبي حاكم على الحق) والعلم اشارة الى علم الدين.

2 ـ ان الحكم يعني ضبط النفس إزاء الهوى والميول النفسيّة ، وهو هنا اشارة الى الحكمة العملية. والعلم اشارة الى العلم النظري وتقديم الحكم على العلم هنا لانّ الإنسان إذا لم يهذب نفسه ويبنيها بناء صحيحا لا يصل الى العلم الصحيح.

3 ـ انّ الحكم معناه ان يبلغ الإنسان مقام «النفس المطمئنة» ويتسلّط على نفسه بحيث يستطيع ان يتملك زمام النفس الامّارة ووسوستها والمراد من العلم هو الأنوار القدسيّة واشعة الفيض الالهي الذي تنزل من عالم الملكوت على قلب الإنسان الطاهر(1) .

* * *

ملاحظات

1 ـ ما هو اسم «عزيز» مصر؟

ممّا يستجلب النظر في الآيات المتقدمة ان اسم عزيز مصر لم يذكر فيها ، انّما ورد التعبير عنه ب( الَّذِي اشْتَراهُ ) .

لكن من هو هذا العزيز؟! لم تذكره الآية ، كما سنرى في الآيات المقبلة ان عنوانه لم يصرّح به الّا بالتدريج ، فمثلا نقرا في الآية (25) هذا النصّ( وَأَلْفَيا

__________________

(1) راجع التفسير الكبير للفخر الرازي ، ج 18 ، ص 111.

١٧٠

سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) .

وحين نتجاوز هذه الآيات ونصل الى الآية (30) نواجه التعبير عن زوجته بـ «امْرَأَتُ الْعَزِيزِ ».

وهذا البيان التدريجي امّا لانّ القرآن يتحدث ـ حسب طريقته ـ بالمقدار اللازم ، وهذا دليل من ادلة الفصاحة والبلاغة ، او لأنّه ـ كما هو ملاحظ هذا اليوم في «نصوص الآداب» ايضا ـ حين يبدأ بالقصّة ـ يبدأ بها من نقطة غامضة ليتحرك الاحساس في الباحث ، وليلفت نظره نحو القصّة.

2 ـ يوسفعليه‌السلام وتعبير الأحلام

الملاحظة الاخرى التي تثير السؤال في الآيات المتقدمة ، هي : ما علاقة الاطلاع على تفسير الأحلام وتأويل الأحاديث بمجيء يوسف الى قصر عزيز مصر الذي أشير اليه بلام الغاية في جملة( وَلِنُعَلِّمَهُ ) ؟!

لكن مع الالتفات الى انّ هذه النقطة يمكن ان تكون جوابا للسؤال الآنف الذكر ، وهي ان كثيرا من المواهب العلمية يهبها الله قبال التقوى من الذنوب ومقاومة الأهواء والميول النفسيّة ، او بتعبير آخر : انّ هذه المواهب التي هي ثمرة البصيرة القلبية الثاقبة ، هي جائزة الهية يهبها الله لمثل هؤلاء الأشخاص.

نقرا في حالات ابن سيرين مفسر الأحلام المشهور انّه كان رجلا بزازا وكان جميلا للغاية فعشقته امراة وتعلق قلبها به ، واستدرجته الى بيتها بأساليب وحيل خاصّة ، ثمّ غلّقت الأبواب عليه (لينال منها الحرام) لكنه لم يستسلم لهوى تلك المراة وأخذ ينصحها ويذكر مفاسد هذا الذنب العظيم ، ولكن نار الهوى كانت متأججة في قلبها بحيث لم يطفئها ماء الموعظة ، ففكر ابن سيرين في الخلاص من قبضتها ، فلوّث جسده بما كان في بيتها من اقذار تنفّر الرائي ، فلما رأته المراة نفرت منه وأخرجته من البيت.

١٧١

يقال انّ ابن سيرين أصبح ذكيّا بعد هذه الحادثة ورزق موهبة عظيمة في تفسير الأحلام ، وذكروا قصصا عجيبة عنه في الكتب التي تتناول تفسير الأحلام تدل على عمق اطلاعه في هذا المجال!

فعلى هذا يمكن ان يكون يوسفعليه‌السلام قد نال هذه الموهبة الخاصّة (العلم بتأويل الأحاديث) لتسلّطه على نفسه قبال اثارة امراة العزيز لهوى النفس!

ثمّ بعد هذا كله فإنّ قصور الملوك في ذلك الزمان كانت مراكز لمفسري الأحلام ، وانّ شابا ـ ذكيا كيوسف ـ كان يستطيع ان يستفيد من تجارب الآخرين ، وان يكون له استعداد روحي لافاضة العلم الالهي في هذا المجال!

وعلى كل حال فإنّه ليس مستبعدا ان يهب الله سبحانه لعباده المخلصين المنتصرين في ميادين «جهاد النفس للهوى والشّهوات» مواهب من المعارف والعلوم التي لا تقاس بأيّ معيار مادي ، ويمكن ان يكون الحديث المعروف «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء» اشارة الى هذه الحقيقة.

هذا العلم ليس ممّا يقرا عند الأستاذ ، ولا يعطى لايّ كان وبدون حساب بل هو جائزة من الجوائز التي تمنح للمتسابقين في ميادين جهاد النفس!

3 ـ المراد من قوله تعالى :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ )

قلنا ان (اشدّ) معناه الاستحكام الجسماني والروحاني ، وبلوغ الرشد معناه الوصول الى هذه المرحلة ، ولكن هذا العنوان قد عبّر عنه القرآن الكريم في مراحل مختلفة من عمر الإنسان.

فتارة أطلقه على سنّ البلوغ كقوله تعالى :( وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ) (1) .

وتارة يرد هذا المعنى في وصول الإنسان الى أربعين سنة ، كقوله تعالى :

__________________

(1) سورة الاسراء ، الآية 34.

١٧٢

( حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً ) (1) .

وتارة يراد به ما قبل مرحلة الشيخوخة والكبر ، كقوله تعالى :( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ) (2) .

ولعل هذا التفاوت في التعبيرات آت من طيّ الإنسان مراحل مختلفة لاستحكام الروح والجسم ، ولا شكّ ان الوصول الى سنّ البلوغ واحد من هذه المراحل.

وبلوغ الأربعين الذي يكون تواما للنضج الفكري والعقلي مرحلة ثانية ، كما ان المرحلة الثّالثة تكون قبل ان يسير الإنسان نحو قوس النّزول ويبلغ الضعف والوهن!

وعلى كل حال فإنّ المقصود في الآية ـ محل البحث ـ هو مرحلة البلوغ الجسمي والروحي الذي ظهر في يوسف بداية شبابه ، يقول الفخر الرازي في تفسيره في هذا الصدد : «مدة دور القمر ثمانية وعشرون يوما وكسر ، فإذا جعلت هذه الدورة اربعة اقسام كان كل قسم منها سبعة ايام ، فلا جرم رتبوا احوال الأبدان على الأسابيع ، فالإنسان إذا ولد كان ضعيف الخلقة نحيف التركيب الى ان يتم له سبع سنين ، ثمّ إذا دخل في السبعة الثانية حصل فيه آثار الفهم والذكاء والقوّة ، ثمّ لا يزال في الترقي الى ان يتمّ له اربع عشرة سنة ، فإذا دخل في السنة الخامسة عشرة دخل في الأسبوع الثّالث وهناك يكمل العقل ويبلغ الى حد التكليف وتتحرك فيه الشهودة ، ثمّ لا يزال يرتقي على هذه الحالة الى ان يتم السنة الحادية والعشرين وهناك يتم الأسبوع الثّالث ، ويدخل في السنة الثّانية والعشرين وهذا الأسبوع آخر أسبوع النشوء والنماء ، فإذا تمّت السنة الثّامنة والعشرون فقد تمّت مدّة النشوء والنماء وينتقل الإنسان منه الى زمان الوقوف ،

__________________

(1) سورة الأحقاف ، الآية 15.

(2) سورة غافر ، 67.

١٧٣

وهو الزمان الذي يبلغ الإنسان فيه اشدّه ، وبتمام هذا الأسبوع الخامس ـ يحصل للإنسان خمسة وثلاثون سنة ثمّ انّ هذه المراتب مختلفة في الزيادة والنقصان ، فهذا الأسبوع الخامس الذي هو أسبوع الشدّة والكمال يبتدئ من السنة التّاسعة والعشرين الى الثّالثة والثّلاثين ، وقد يمتّد الى الخامسة والثّلاثين ، فهذا هو الطريق المعقول في هذا الباب ، والله اعلم بحقائق الأشياء»(1) .

التقسيم المتقدّم وان كان مقبولا الى حدّ ما لكنّه يبدو غير دقيق ، لانّ مرحلة البلوغ اوّلا ليست في انتهاء العقد الثاني ، وكذلك فإن التكامل الجسماني ـ طبقا لما يقول علماء اليوم ـ هو 25 سنة والبلوغ الفكري الكامل أربعون سنة طبقا لبعض الرّوايات ، وبعد هذا كله فإنّ ما ورد آنفا لا يصحّ ان يكون قانونا عامّا ليصدق على جميع الأشخاص.

4 ـ وآخر ما ينبغي الالتفات اليه هنا هو ان القرآن بعد ان يتحدث عن إتيان يوسف الحكم والعلم يعقب بالقول :( وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ) ومعنى ذلك ان مواهب الله ـ حتى للأنبياء ـ ليست اعتباطا ، وكل ينال بمقدار إحسانه ويغرف من بحر الله وفيضه اللامحدود كما نال يوسف سهما وافرا من ذلك بصبره واستقامته امام كل تلك المشاكل.

* * *

__________________

(1) تفسير الفخر الرازي ، ج 18 ، ص 111.

١٧٤

الآيتان

( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23) وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) )

التّفسير

العشق الملتهب :

لم يأسر جمال يوسف الملكوتي عزيز مصر فحسب ، بل أسر قلب امراة العزيز كذلك وأصبح متيّما بجماله!.

وامتدّت مخالب العشق الى اعماق قلبها ، وبمرور الزمن كان هذا العشق يتجذّر يوما بعد يوم ويزداد اشتعالا لكنّ يوسف هذا الشابّ الطاهر التقي ، لم يفكّر بغير الله ، ولم يتعلّق قلبه بغير عشق الله سبحانه.

وهناك امور اخرى زادت من عشق امراة العزيز ليوسف فمن جهة لم ترزق الولد ، ومن جهة اخرى انغمارها في حياة مترفة مفعمة بالبذخ ومن جهة

١٧٥

ثالثة عدم ابتلائها بأيّ نوع من البلاء كما هي حال المتنعّمين ، وعدم الرقابة الشديدة على هذا القصر من قبل العزيز من جهة رابعة كلّ ذلك ترك امراة العزيز ـ الفارغة من الايمان والتقوى ـ تهوي في وساوسها الشيطانية الى الحضيض ، بحيث أفضت ليوسف أخيرا عمّا في قلبها وراودته عن نفسه.

واتّبعت جميع الاساليب والطرق للوصول الى هدفها ، وسعت لكي تلقي في قلبه أثرا من هواها وترغيبها وطلبها ، كما يقول عن ذلك القرآن الكريم :( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) .

وجملة «راودته» مأخوذة من مادّة «المراودة» وأصلها البحث عن المرتع والمرعى ، وما ورد في المثل المعروف «الرائد لا يكذب اهله» اشارة الى هذا المعنى ، كما يطلق «المرود» على وزن (منبر) على قلم الكحل الذي تكحل به العين ، ثمّ توسّعوا في هذا اللفظ فأطلق على كلّ ما يطلب بالمداراة والملاءمة.

وهذا التعبير يشير الى انّ امراة العزيز طلبت من يوسف ان ينال منها بطريق المسالمة والمساومة ـ كما يصطلح عليه ـ وبدون اي تهديد ، وأبدت محبّتها القصوى له بمنتهى اللين.

وأخيرا فكّرت في ان تخلو به وتوفّر له جميع ما يثير غريزته ، من ثياب فضفاضة ، وعطور عبقة شذيّة ، وتجميلات مرغبة ، حتّى تستولي على يوسف وتأسره!.

يقول القرآن الكريم :( وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ ) .

«غلّقت» تدلّ على المبالغة وانّها أحكمت غلق الأبواب ، وهذا يعني انّها سحبت يوسف الى مكان من القصر المتشكّل من غرف متداخلة وكما ورد في بعض الرّوايات كانت سبعة أبواب ، فغلقتها عليه جميعا لئلّا يجد يوسف اي طريق للفرار اضافة الى ذلك أرادت ان تشعر يوسف ان لا يقلق لانتشار الخبر فإنّه سوف لا يفتضح ، حيث لا يستطيع احد ان ينفذ الى داخل القصر ابدا.

١٧٦

وفي هذه الحال ، حين راى يوسف انّ هذه الأمور تجري نحو الإثم ، ولم ير طريقا لخلاصه منها ، توجّه يوسف الى زليخا و( قالَ مَعاذَ اللهِ ) وبهذا الكلام رفض يوسف طلب امراة العزيز غير المشروع وأعلمها انّه لن يستسلم لارادتها. وافهمها ضمنا ـ كما افهم كلّ انسان ـ انّه في مثل هذه الظروف الصعبة لا سبيل الى النجاة من وساوس الشيطان واغراءاته الّا بالالتجاء الى الله الله الذي لا فرق عنده بين السرّ والعلن ، بين الخلوة والاجتماع ، فهو مطّلع ومهيمن على كلّ شيء ، ولا شيء الّا وهو طوع امره وارادته!

وبهذه الجملة اعترف يوسف بوحدانية الله تعالى من الناحية النظرية ، وكذلك من الناحية العملية ايضا ، ثمّ أضاف( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) أليس التجاوز ظلما وخيانة واضحة( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) .

المراد من كلمة «ربّي»

هناك اقوال كثيرة بين المفسّرين في المراد من قوله :( إِنَّهُ رَبِّي ) فأكثر المفسّرين ، كالعلّامة الطبرسي في مجمع البيان وكاتب المنار في تفسير المنار وغيرهما ، قالوا : انّ كلمة «ربّ» هنا استعملت في معناها الواسع ، وقالوا : انّ المراد من كلمة «ربّ» هنا هو «عزيز مصر» الذي لم يأل جهدا في إكرام يوسف ، وكان يوصي امرأته من البداية بالاهتمام به وقال لها :( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) .

ومن يظنّ انّ هذه الكلمة لم تستعمل بهذا المعنى فهو مخطئ تماما ، لانّ كلمة «ربّ» في هذه السورة أطلقت عدّة مرّات على غير الله سبحانه. وأحيانا ورد هذا الاستعمال على لسان يوسف نفسه ، وأحيانا على لسان غيره!

فمثلا في قصّة تعبير الرؤيا للسجناء ، طلب يوسف من الذي بشّره بالنجاة ان يذكر حاله عند ملك مصر( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) (الآية 42).

١٧٧

كما نلاحظ هذا الاستعمال على لسان يوسف ـ أيضا ـ حين جاءه مبعوث فرعون مصر ، إذ يقول القرآن الكريم في هذا الصدد :( فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) (الآية 50).

وفي الآية (41) من هذه السورة ، وذيل الآية (42) أطلقت كلمة «ربّ» في لسان القرآن الكريم بمعنى المالك وصاحب النعمة. فعلى هذا تلاحظون انّ كلمة «ربّ» استعملت 4 مرّات ـ سوى الآية محلّ البحث ـ في غير الله ، وإن كانت قد استعملت في هذه السورة وفي سور اخرى من القرآن في خصوص ربّ العالمين (الله) مرارا.

فالحاصل انّ هذه الكلمة من المشترك اللفظي وهي تستعمل في المعنيين.

ولكن رجّح بعض المفسّرين ان تكون كلمة «ربّ» في هذه الآية( إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) يقصد بها الله لانّها جاءت بعد كلمة( مَعاذَ اللهِ ) مباشرة ، وكونها الى جنب لفظ الجلالة صار سببا لعود الضمير في( إِنَّهُ رَبِّي ) عليه فيكون معنى الآية : انّني ألتجئ الى الله وأعوذ به فهو الهي الذي اكرمني وعظم مقامي وكلّ ما عندي من النعم فهو منه.

ولكن مع ملاحظة وصية عزيز مصر لامراته( أَكْرِمِي مَثْواهُ ) وتكرارها في الآية ـ محل البحث ـ يكون المعنى الاوّل اقرب وأقوى.

جاء في التوراة الفصل 39 رقم 8 و 9 و 10 ما مؤدّاه : «وبعد هذا وقعت المقدّمات ، انّ امراة سيّده القت نظرتها على يوسف وقالت : اضطجع معي ، لكنّه ابى وقال لامراة سيّده : انّه سيّدي غير عارف بما معي في البيت ، وكلّ ما يملك مودع عندي ، ولا أجد اكبر منّي في هذا البيت ، ولم يزاحمني شيء سواك لانّك امرأته ، فكيف اقدم على هذا العمل القبيح جدّا ، واتجرّا في الذنب على الله». فهذه الجمل في التوراة تؤيّد المعنى الاوّل.

وهنا يبلغ امر يوسف وامراة العزيز الى ادقّ مرحلة واخطرها ، حيث يعبّر

١٧٨

القرآن عنه تعبيرا ذا مغزى كبير( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) .

وفي معنى هذه الجملة اقوال بين المفسّرين يمكن تصنيفها واجمالها الى ثلاثة تفاسير :

1 ـ انّ امراة العزيز كانت تريد ان تقضي وطرا مع يوسف ، وبذلت وسعها في ذلك ، وكاد يوسف يستجيب لرغبتها بطبيعة كونه بشرا شابّا لم يتزوّج ويرى نفسه إزاء المثيرات الجنسيّة وجها لوجه لو لا ان راى برهان الله اي روح الايمان والتقوى وتربية النفس ، أضف الى كلّ ذلك مقام العصمة الذي كان حائلا دون هذا العمل!

فعلى هذا يكون الفرق بين معاني «همّ» اي القصد من امراة العزيز ، والقصد من قبل يوسف ، هو انّ يوسف كان يتوقّف قصده على شرط لم يتحقّق ، اي (عدم وجود برهان ربّه) ولكن القصد من امراة العزيز كان مطلقا ، ولانّها لم يكن لديها مثل هذا المقام من التقوى والعفّة ، فإنّها صمّمت على هذا القصد حتّى آخر مرحلة ، والى ان اصطدمت جبهتها بالصخرة الصمّاء!

ونظير هذا التعبير موجود في الآداب العربيّة وغيرها كما نقول مثلا : انّ جماعة لا ترتبط بقيم أخلاقية ولا ذمّة صمّمت على الاغارة على مزرعة فلان ونهب خيراته ، ولولا انّي تربّيت سنين طوالا عند استاذي العارف الزاهد فلان ، لاقدمت على هذا العمل معهم.

فعلى هذا كان تصميم يوسف مشروطا بشرط لم يتحقّق ، وهذا الأمر لا منافاة له مع مقام يوسف من العصمة والتقوى ، بل يؤكّد له هذا المقام العظيم كذلك.

وطبقا لهذا التّفسير لم يبد من يوسف اي شيء يدلّ على التصميم على الذنب ، بل لم يكن في قلبه حتّى هذا التصميم.

ومن هنا فيمكن القول انّ بعض الرّوايات التي تزعم انّ يوسف كان مهيّئا

١٧٩

لينال وطرا من امراة العزيز ، وخلع ثيابه عن بدنه ، وذكرت تعبيرات اخرى نستحيي من ذكرها ، كلّ هذه الأمور عارية من الصحّة ومختلقة ، وهذه اعمال من شأن الافراد والمنحرفين الملوّثين غير الانقياء. فكيف يمكن ان يتّهم يوسف مع هذه المنزلة وقداسة روحه ومقام تقواه بمثل هذا الاتّهام.

الطريف انّ التّفسير الاوّل نقل عن الامام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام في عبارة موجزة جدّا وقصيرة ، حيث يسأله المأمون «الخليفة العبّاسي» قائلا : الا تقولون انّ الأنبياء معصومون؟ فقال الامام : «بلى». فقال : فما تفسير هذه الآية( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) فقال الامامعليه‌السلام : «لقد همّت به ، ولولا ان راى برهان ربّه لهمّ بها كما همّت ، لكنّه كان معصوما والمعصوم لا يهمّ بذنب ولا يأتيه» فقال المأمون : لله درّك يا أبا الحسن(1) .

2 ـ انّ تصميم كلّ من امراة العزيز ويوسف لا علاقة له بالوطر الجنسي ، بل كان تصميما على ضرب أحدهما الآخر

فتصميم امراة العزيز على هذا العمل كان لعدم انتصارها في عشقها وبروز روح الانتقام فيها ثأرا لهذا العشق.

وتصميم يوسف كان دفاعا عن نفسه ، وعدم التسليم لطلب تلك المراة.

ومن جملة القرائن التي تذكر في هذا الموضوع :

اوّلا : انّ امراة العزيز كانت قد صمّمت على نيل الوطر الجنسي قبل هذه الحالة ، وكانت قد هيّأت مقدّمات هذا الأمر ، فلا مجال ـ اذن ـ لان يقول القرآن : انّها صمّمت على هذا العمل الآن ، لانّ هذه الساعة لم تكن ساعة تصميم.

وثانيا : انّ ظهور حالة الخشونة والانتقام بعد هذه الهزيمة امر طبيعي ، لانّها بذلت ما في وسعها لاقناع يوسف ، ولمّا لم توفّق الى ما رغبت فيه توسلّت بطريق آخر ، وهو طريق الخشونة والضرب.

__________________

(1) تفسير نور الثقلين ج 2 ص 421.

١٨٠