الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 8864
تحميل: 215


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 8864 / تحميل: 215
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

وثالثا : انّنا نقرا في ذيل هذه الآية( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) والمراد بالفحشاء هو التلوّث وعدم العفّة والمراد بصرف السوء ، هو نجاته من مخالف امراة العزيز ، وعلى كلّ حال فحين راى يوسف برهان ربّه تجنّب الصراع مع امراة العزيز وضربها ، لانّه قد يكون دليلا على تجاوزه وعدوانه عليها ، ولذا رجّح ان يبتعد عن ذلك المكان ويفرّ نحو الباب.

3 ـ ممّا لا شكّ فيه انّ يوسف كان شابّا يحمل جميع الاحاسيس التي في الشباب ، وبالرغم من انّ غرائزه كانت طوع عقله وايمانه الّا انّ مثل هذا الإنسان ـ بطبيعة الحال ـ يهيج طوفان في داخله لما يشاهده من مثيرات في هذا المجال ، فيصطرع العقل والغريزة ، وكلّما كانت أمواج المثيرات اشدّ كانت كفّة الغرائز أرجح ، حتّى انّها قد تصل في لحظة خاطفة الى أقصى مرحلة من القوّة ، بحيث لو تجاوز هذه المرحلة خطوة لهوى في مزلق مهول ، ولكنّ قوّة الايمان والعقل ثارت في نفسه فجأة وتسلّمت زمام الأمور في انقلاب عسكري سريع وكبحت جماح الشهوة.

والقرآن يصوّر هذه اللحظة الخاطفة الحسّاسة والمتأزّمة التي وقعت بين زمانين هادئين ـ في الآية المتقدّمة ـ فيكون المراد من قوله تعالى :( وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) انّ يوسف انجرّ الى حافّة الهاوية في الصراع بين الغريزة العقل ، ولكن فجأة ثارت قوّة الايمان والعقل وهزمت طوفان الغريزة(1) لئلّا يتصوّر احد انّ يوسف عند ما استطاع ان يخلّص نفسه من هذه الهاوية فلم يقم بعمل مهمّ ، لانّ اسباب الذنب والهياج الجنسي كانت فيه ضعيفة كلّا ابدا فهو في هذه اللحظة الحسّاسة جاهد نفسه اشدّ الجهاد.

__________________

(1) مقتبس من تفسير «في ظلال القرآن» لسيّد قطب ذيل الآية ج 4 ص 711.

١٨١

ما المراد من برهان ربّه؟

«البرهان» في الأصل مصدر «بره» ومعناه «صيرورة الشيء ابيضا» ثمّ اطلق هذا اللفظ على كلّ دليل محكم قوي يوجب وضوح المقصود ، فعلى هذا يكون برهان الله الذي نجّى يوسف نوعا من الادلّة الالهيّة الواضحة ، وقد احتمل فيه المفسّرون احتمالات كثيرة ، من جملتها :

1 ـ العلم والايمان والتربية الانسانية والصفات البارزة.

2 ـ معرفته بحكم تحريم الزنا.

3 ـ مقام النبوّة وعصمته من الذنب.

4 ـ نوع من الأمداد الالهي الذي تداركه في هذه اللحظة الحسّاسة بسبب اعماله الصالحة.

5 ـ هناك رواية يستفاد منها انّه كان في قصر امراة عزيز مصر صنم تعبده ، وفجأة وقعت عيناها عليه ، فكأنّها احسّت بأنّ الصنم ينظر الى حركاتها الخيانيّة بغضب ، فنهضت والقت عليه سترا ، فاهتزّ يوسف لهذا المنظر ، وقال : أنت تستحين من صنم لا يملك عقلا ولا شعورا ولا إحساسا ، فكيف لا استحيي من ربّي الخبير بكلّ شيء ، والذي لا تخفى عليه خافية؟.

فهذا الاحساس منح يوسف قوّة جديدة ، وأعانه على الصراع الشديد في اعماق نفسه بين الغريزة والعقل ، ليتمكّن من التغلّب على أمواج الغريزة في نفسه(1) .

وفي الوقت ذاته لا مانع ان تكون جميع هذه المعاني منظورة ، لانّ مفهوم البرهان العام يستوعبها جميعا ، وقد أطلقت آيات القرآن كلمة «البرهان» على كثير من المعاني المتقدّمة.

امّا الرّوايات التي لا سند لها والتي ينقلها بعض المفسّرين ، والتي مؤدّاها انّ

__________________

(1) نور الثقلين ، ج 2 ، ص 422 ، وتفسير القرطبي ، ص 398 ، ج 5.

١٨٢

يوسف صمّم على الذنب ، ولكنّه لاحظ فجأة حالة من المكاشفة بين جبرئيل ويعقوب وهو يعضّ على إصبعه ، فراى يوسف هذا المنظر وتخلّف عن اقدامه على هذا الذنب فهذه الرّوايات ليس لها اي سند معتبر وهي روايات إسرائيلية انتجتها الذهنيات البشرية الضيّقة التي لم تدرك مقام النبوّة ابدا.

والآن لنتوجّه الى تفسير بقيّة الآية إذ يقول القرآن المجيد :( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) . وهي اشارة الى انّ هذا الأمداد الغيبي والاعانة المعنوية لانقاذ يوسف من السوء والفحشاء من قبل الله لم يكن اعتباطا ، فقد كان عبدا عارفا مؤمنا ورعا ذا عمل صالح طهّر قلبه من الشرك وظلماته ، فكان جديرا بهذا الأمداد الالهي.

وبيان هذا الأمر يدلّ على انّ مثل هذه الامدادات الغيبية ، في لحظات الشدّة والازمة التي تدرك الأنبياء ـ كيوسف مثلا ـ غير مخصوصة بهم ، فإنّ كلّ من كان في زمرة عباد الله الصالحين المخلصين فهو جدير به هذه المواهب ايضا.

* * *

ملاحظات

1 ـ جهاد النفس

نحن نعرف انّ أعظم الجهاد في الإسلام هو جهاد النفس ، الذي عبّر عنه في حديث عن النّبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بـ «الجهاد الأكبر» اي هو جهاد أعظم من جهاد العدوّ الذي عبّر عنه بالجهاد الأصغر وإذا لم يتوفّر في الإنسان الجهاد الأكبر بالمعنى الواقعي ـ أساسا ـ فلن ينتصر في جهاده على أعدائه.

وفي القرآن المجيد ترتسم صور شتّى في ميادين الجهاد ، وتتجلّى فيها علاقة الأنبياء واولياء الله الصالحين. وقصّة يوسف وما كان من عشق امراة العزيز الملتهب واحدة من هذه الصور ، وبالرغم من انّ القرآن لم يوضّح جميع ما في القصّة من خفايا وزوايا ، الّا انّه أجملها بصورة موجزة في جملة قصيرة هي( وَهَمَ

١٨٣

بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) وبيّن شدّة هذا الطوفان.

لقد خرج يوسف من هذا الصراع منتصرا بوجه مشرق لثلاثة اسباب :

الاوّل : انّه التجأ الى الله واستعاذ به ، وقال :( مَعاذَ اللهِ ) .

الثّاني : التفاته الى الإحسان الذي اسداه اليه عزيز مصر ، وما تناوله في بيته فأثّر فيه ، فلم ينس فضله طيلة حياته ، ومع ملاحظة نعم الله التي لا تحصى وانقاذه له من غيابة الجبّ الموحشة الى محيط الامان والهدوء جعلته يفكّر في ماضيه ومستقبله ، ولا يستسلم للتيارات العابرة.

الثّالث : بناء شخصيّته وعبوديّته المقرونة بالإخلاص التي عبّر عنها القرآن( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) يستفاد منها انّها منحته القوّة والقدرة ليخرج من ميادين الوسوسة التي تهجم عليه من الداخل والخارج بانتصار.

وهذا درس كبير لجميع الناس الأحرار الذين يريدون ان ينتصروا على عدوّهم الخطر في ميادين جهاد النفس.

يقول الامام علي بن أبي طالب «امير المؤمنين» في دعاء الصباح ، بأسلوب جميل رائق : «وان خذلني نصرك عند محاربة النفس والشيطان ، فقد وكلني خذلانك الى حيث النصب والحرمان».

ونقرا في بعض الأحاديث انّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعث سرية فلمّا رجعوا قال : «مرحبا بقوم قضوا الجهاد الأصغر ، وبقي عليهم الجهاد الأكبر» فقيل : يا رسول الله ، وما الجهاد الأكبر قال : «جهاد النفس»(1) .

ويقول الامام عليعليه‌السلام ايضا «المجاهد من جاهد نفسه»(2) .

كما ينقل عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال : «من ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا اشتهى وإذا غضب وإذا رضي حرّم الله جسده على النار»(3) .

__________________

(1) وسائل الشيعة ، ج 11 ، ص 122.

(2) المصدر السابق ، ص 124.

(3) المصدر نفسه ، ص 123.

١٨٤

2 ـ ثواب الإخلاص

كما أشرنا في تفسير الآيات المتقدّمة ، فإنّ القرآن المجيد عزا نجاة يوسف ـ من هذه الازمة الخطرة التي أوقعته امراة العزيز فيها ـ الى الله ، إذ قال :( كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ) .

ولكن مع ملاحظة الجملة التي تليها :( إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ ) تتجلّى هذه الحقيقة ، وهي انّ الله سبحانه لا يترك عباده المخلصين في اللحظات المتأزّمة وحدهم ولا يقطع عنهم امداداته المعنويّة بل يحفظ عباده بألطافه الخفيّة.

وهذا الثواب في الواقع هو ما يمنحه الله جلّ جلاله لامثال هؤلاء العباد ، وهو ثواب الطهارة والتقوى والإخلاص.

وهناك مسألة جديرة بالتنويه ، وهي انّ يوسف «من عباد الله المخلصين» ومفرد الكلمة «مخلص» على وزن «مطلق» وهو اسم مفعول. ولم تأت الكلمة على وزن اسم الفاعل اي «مخلص» على وزن «محسن».

والدقّة في آيات القرآن تكشف عن انّ كلمة «مخلص» (بكسر اللام) غالبا ما تستعمل في مراحل تكامل الإنسان الاولى وفي حال بناء شخصيته ، كقوله تعالى :( فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (1) .

وكقوله تعالى :( وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ) (2) .

غير انّ كلمة «مخلص» بفتح اللام استعملت في المرحلة العالية التي تحصل بعد مدّة مديدة من جهاد النفس ، تلك المرحلة التي ييأس الشيطان فيها من نفوذه ووسوسته داخل الإنسان ، وفي الحقيقة تكون نفس الإنسان مؤمّنا عليها من قبل الله ، يقول القرآن في هذا الصدد :( قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ

__________________

(1) العنكبوت ، 65.

(2) البينة ، 5.

١٨٥

إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ ) (1) .

وكان يوسف قد بلغ هذه المرحلة بحيث وقف كالجبل امام تلك الازمة ، فينبغي على كلّ فرد السعي لبلوغ هذه المرحلة.

3 ـ العفّة والمتانة في البيان

من عجائب القرآن وواحدة من ادلّة الاعجاز ، انّه لا يوجد في تعبيره ركّة وابتذال وعدم العفّة وما الى ذلك ، كما انّه لا يتناسب مع أسلوب الفرد العادي الامّي الذي تربّى في محيط الجاهليّة ، مع انّ حديث كلّ احد يتناسب مع محيطه وأفكاره!.

وبين جميع قصص القرآن واحداثه التي ينقلها توجد قصّة غرام وعشق واقعية ، وهي قصّة (يوسف وامراة عزيز مصر).

قصّة تتحدّث عن عشق امراة جميلة والهة ذات أهواء جامحة لشاب جميل طاهر القلب.

اصحاب المقالات والكتاب حين يواجهون مثل هذا الأمر امّا ان يتحدّثوا عن ابطال القصّة بأن يطلقوا للقلم او اللسان العنان ، حتّى تظهر في (البين) تعابير مثيرة وغير أخلاقية كثيرة.

وامّا ان يحافظوا على العفّة والنزاهة في القلم واللسان ، فيحوّلوا القصّة الى القرّاء او السامعين بشكل غامض ومبهم.

فالكاتب او صاحب المقال مهما كان ماهرا يبتلى بواحد من هذين الإشكالين ، ترى هل يعقل انّ فردا لم يدرس يرسم رسما دقيقا وكاملا لفصول مثل هذا العشق المثير ، دون ان يستعمل اقلّ تعبير مهيّج وبعيد عن العفّة؟!

ولكنّ القرآن يمزج في رسم هذه الميادين الحسّاسة من هذه القصّة ـ

__________________

(1) سورة ص ، الآية 83.

١٨٦

بأسلوب معجب ـ الدقّة في البيان مع المتانة والعفّة ، دون ان يغضّ الطرف عن ذكر الوقائع ، او ان يظهر العجز ، وقد استعمل جميع الأصول الاخلاقية والأمور الخاصّة بالعفّة.

ونعرف انّ اخطر ما في هذه القصّة ما جرى في «خلوة العشق» وما أظهرته امراة العزيز بابتكارها وهواها.

والقرآن يتناول كلّ ما جرى من حوادث ويتحدّث عنها دون ان يظهر اقلّ انحراف من اصول العفّة حيث يقول :( وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) (يوسف 23).

والمسائل التي تسترعي الانتباه في هذه القصّة ما يلي :

1 ـ كلمة «راود» تستعمل في مكان يطلب فيه احد من الآخر شيئا بإصرار ممزوجا بالترغيب واللين ، لكن ما الذي ارادته امراة العزيز من يوسف؟! بما انّه كان واضحا فقد اكتفى القرآن بالكناية والتلميح دون التصريح!.

2 ـ انّ القرآن هنا لم يعبّر عن امراة العزيز تعبيرا مباشرا ، بل قال :( الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها ) ليقترب من بيان العفّة واسدال الحجاب ، كما جسّد معرفة يوسف للحقّ وجسّد مشاكل يوسف ايضا في عدم التسليم إزاء من كانت حياته في قبضتها.

3 ـ( غَلَّقَتِ الْأَبْوابَ ) التي تدلّ على المبالغة وانّ الأبواب جميعا أوصدت بشدّة ، (وهذا تصوير من هذا الميدان المثير).

4 ـ جملة( هَيْتَ لَكَ ) تشرح آخر كلام امراة العزيز للبلوغ الى وصال يوسف ، ولكنّها في عبارة متينة ذات مغزى كبير وليس فيها ما يشير الى تعبير سيئ.

5 ـ( مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ ) التي قالها يوسف لتلك المراة الجملية ، معناها كما يقول اكثر المفسّرين : انّي ألتجئ الى الله فإنّ عزيز مصر

١٨٧

صاحبي وسيّدي وهو يجلّني ويحترمني ويعتمد عليّ ، فكيف اخونه؟! وهذا العمل خيانة وظلم( إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ) وبهذا توضّح الآية سعي يوسف الى إيقاظ العواطف الانسانية في امراة العزيز.

6 ـ جملة( وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ ) ترسم ـ من جهة ـ تلك الخلوة بدقّة ، بحيث لو انّ يوسف لم يكن لديه مقام العصمة او العقل او الايمان لكان قد وقع في «الفخّ».

ومن جهة أخرى ترسم انتصار يوسف أخيرا في هذه الظروف على شيطان الشهوة الطاغي بأسلوب رائع.

الطريف هنا انّ الآية استعملت كلمة «همّ» فحسب ، «اي انّ امراة العزيز صمّمت من جهتها ولو لم ير يوسف برهان ربّه لصمّم من جهته ايضا ، ترى هل توجد كلمة اكثر متانة للتعبير عن (القصد والتصميم) أفضل من هذه؟!

* * *

١٨٨

الآيات

( وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ (25) قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ (26) وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ (29) )

التّفسير

فضيحة امراة العزيز!!

المقاومة الشديدة التي أبداها يوسف جعلت امراة العزيز آيسة منه تقريبا ولكن يوسف الذي انتصر في هذا الدور على تلك المراة المعاندة احسّ انّ بقاءه في بيتها ـ في هذا المزلق الخطر ـ غير صالح ، وينبغي ان يبتعد عنه ، ولذلك اسرع نحو باب القصر ليفتحه ويخرج ، ولم تقف امراة العزيز مكتوفة الايدي ، بل

١٨٩

أسرعت خلفه لتمنعه من الخروج ، وسحبت قميصه من خلفه فقدّته( وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ ) .

(الاستباق) في اللغة هو المسابقة بين شخصين او اكثر.

و (قدّ) بمعنى مزّق طولا ، كما انّ «قطّ» بمعنى مزّق عرضا ، ولذلك نقرا في الحديث «كانت ضربات علي بن أبي طالبعليه‌السلام أبكارا ، إذا اعتلى قدّ ، وإذا اعترض قطّ»(1) .

وعلى كلّ حال فقد أوصل يوسف نفسه نحو الباب وفتحه فرأيا «يوسف وامراة العزيز» عزيز مصر خلف الباب فجأة. يقول القرآن الكريم :( وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ ) .

«ألفيا» من مادّة «الالفاء» ومعناها العثور المفاجئ والتعبير عن الزوج بـ «السيّد» كما يقول بعض المفسّرين كان طبقا للعرف السائد في مصر ، حيث كانت تخاطب المراة زوجها بالسيّد.

في هذه اللحظة التي رأت امراة العزيز نفسها على أبواب الفضيحة من جهة ، وشعلة الانتقام تتأجّج في داخلها من جهة اخرى ، كان اوّل شيء توجّهت اليه ان تخاطب زوجها متظاهرة بمظهر الحقّ متّهمة يوسف إذ( قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .

من الطريف هنا انّ هذه المراة الخائنة نسيت نفسها انّها امراة العزيز حينما كانت لوحدها مع يوسف ، ولكن عند ما وجدت نفسها مشرفة على الافتضاح ، عبّرت عن نفسها بأنّها اهله لتثير فيه احساس الغيرة! فهي خاصّة به ولا ينبغي لأحد ان يلقي عليها نظرات الطمع!!

وهذا الكلام قريب الشبه بكلام فرعون مصر في عصر موسى إذ قال :( أَلَيْسَ

__________________

(1) مجمع البيان : ذيل الآية.

١٩٠

لِي مُلْكُ مِصْرَ ) ،(1) حيث كان جالسا على عرش السلطنة! ولكنّه حين وجد نفسه مشرفا على السقوط ، ووجد ملكه وتاجه في خطر ، قال عن موسى وأخيه :( يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ ) (2) .

والأمر الآخر انّ امراة العزيز لم تقل انّ يوسف كان يريد السوء بي ، بل تحدّثت [عن ما يستحقّه من الجزاء] مع عزيز مصر ، فكأنّ اصل المسألة مسلّم به!! والكلام عن كيفية الجزاء.

وهذا التعبير المدروس الذي كان في لحظة اضطراب ومفاجأة للمراة يدلّ على شدّة احتيالها(3) .

ثمّ انّ التعبير عن السجن اوّلا ، ثمّ عدم قناعتها بالسجن وحده ، إذ تتجاوز هذا الحكم الى العذاب الأليم او «الاعدام» مثلا.

ولكن يوسف أدرك انّ السكوت هنا غير جائز فأماط اللثام عن عشق امراة العزيز( قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ) .

وطبيعي انّ مثل هذا الحادث من العسير تصديقه في البداية ، اي انّ شابّا يافعا غير متزوّج لا يعدّ آثما ، ولكن امراة متزوّجة ذات مكانة اجتماعية ـ ظاهرا ـ آثمة! فلذلك كانت أصابع الاتّهام تشير الى يوسف اكثر من امراة العزيز.

ولكن حيث انّ الله حامي الصالحين والمخلصين فلا يرضى ان يحترق هذا الشاب المجاهد بشعلة الاتّهام ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد :( وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) . واي دليل أقوى من هذا الدليل ، لانّ طلب المعصية ان كان من طرف امراة العزيز فقد ركضت خلف يوسف وقدّت

__________________

(1) الزخرف ، 51.

(2) سورة طه ، 63.

(3) في المراد من «ما» من قولها «ما جَزاءُ » أهي نافية ام استفهامية ، هناك اختلاف بين المفسّرين ، والنتيجة واحدة.

١٩١

قميصه من دبر ، لانّه كان يريد الفرار فأمسكت بثوبه فقدّته ، وإذا كان يوسف هو الذي هجم عليها وهي تريد الفرار او وقفت امامه للمواجهة والدفاع ، فمن المسلّم ان يقدّ قميص يوسف من قبل! وايّ شيء اعجب من ان تكون هذه المسألة البسيطة «خرق الثوب» مؤشّرا على تغيير مسير حياة بريء وسندا على طهارته ودليلا على افتضاح المجرم!.

امّا عزيز مصر فقد قبل هذا الحكم الدقيق ، وتحيّر في قميص يوسف ذاهلا :( فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) .

في هذه الحال ، ولخوف عزيز مصر من انتشار خبر هذا الحادث المؤسف على الملا ، فتسقط منزلته وكرامته في مصر راى انّ من الصلاح كتمان القضيّة ، فالتفت الى يوسف وقال :( يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا ) اي اكتم هذا الأمر ولا تخبر به أحدا ثمّ التفت الى امرأته وقال :( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) (1) .

وذهب بعض المفسّرين الى انّ القائل لهذه الجملة ليس عزيز مصر ، بل الشاهد نفسه ، ولكن لا دليل يؤيّد هذا الاحتمال وخاصّة مع وقوع هذه الجملة بعد قول العزيز.

* * *

ملاحظات

1 ـ من كان الشاهد؟!

هناك اقوال في الشاهد الذي ختم «ملفّ يوسف وامراة العزيز» بسرعة ، وأوضح البريء من المسيء من هو؟

__________________

(1) ورد التعبير بالخاطئين وهو جمع مذكّر ، ولم يرد التعبير بالخاطئات الذي هو جمع مؤنث ، لانّ جمع المذكّر السالم يغلّب في كثير من الموارد ويطلق على جماعة الذكور والإناث اي «انّك في زمرة الخاطئين».

١٩٢

قال بعضهم : هو احد أقارب امراة العزيز ، وكلمة «مِنْ أَهْلِها » دليل على ذلك وعلى القاعدة فهو رجل حكيم وعارف ذكي بحيث استطاع ان يستنبط الحكم من قدّ الثوب دون ان يكون لديه شاهد او بيّنة. بل اكتشف حقيقة الحال ويقال : انّ هذا الرجل كان من مشاوري عزيز مصر وكان معه.

التّفسير الآخر : انّ الشاهد كان طفلا رضيعا من أقارب امراة العزيز وكان على مقربة من الحادث ، وكان يوسف قد طلب من عزيز مصر ان يحتكم الى هذا الطفل ، فتعجّب عزيز مصر من هذا الطلب ترى هل يمكن هذا؟! لكن «الطفل» حين تكلّم ـ كما تكلّم المسيحعليه‌السلام في المهد ـ واعطى هذا المعيار لمعرفة البريء من المسيء ، التفت عزيز مصر الى انّ يوسف ليس غلاما (عاديّا) بل هو نبي او متنّبي.

والرّوايات المنقولة عن طريق اهل البيتعليهم‌السلام واهل السنّة تشير الى هذا التّفسير ، من جملتها ما نقله ابن عبّاس عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : انّه قال : «اربعة تكلّموا أطفالا : ابن ماشطة فرعون ، وشاهد يوسف ، وصاحب جريح ، وعيسى بن مريم»(1) .

كما نقل عن تفسير علي بن ابراهيم عن الامام الصادق انّ شاهد يوسف كان طفلا في المهد(2) .

ولكن ينبغي الالتفات الى انّ ايّا من الحديثين المتقدّمين ليس له سند قوي ، بل هما مرفوعان.

الاحتمال الثالث : انّ الشاهد هو القدّ في الثوب الذي تكلّم بلسان الحال ، ولكن مع ملاحظة كلمة( مِنْ أَهْلِها ) يضعّف هذا الاحتمال ، بل ينفيه!.

__________________

(1) تفسير المنار ، ج 12 ، ص 287.

(2) تفسير نور الثقلين ، ج 12 ، ص 422.

١٩٣

2 ـ الموقف الضعيف لعزيز مصر

من جملة المسائل التي تستجلب الانتباه في هذه القصّة انّ في مثل هذه المسألة المهمّة التي طعن فيها بناموس عزيز مصر وعرضه ، كيف يكتفي قانعا بالقول( وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ) وربّما كانت هذه المسألة سببا لانّ تدعوا امراة العزيز نساء الاشراف الى مجلسها الخاص ، وتكاشفهنّ بفصّة حبّها وغرامها بجلاء.

ترى : أكان هذا خوفا من الافتضاح ، فاختصر عزيز مصر هذه المسألة وغضّ النظر عنها!؟

ام انّ هذه المسألة ـ أساسا ـ ليست بذات اهميّة للحكّام ومالكي ازمّة الأمور والطواغيت ، فهم لا يكترثون للغيرة وحفظ الناموس ، لانّهم ملوّثون بالذنوب وغارقون في مثل هذه الرذائل والفساد حتّى كأنّه لا اهميّة لهذا الموضوع في نظرهم.

يبدو انّ الاحتمال الثّاني اقرب للنظر!.

3 ـ حماية الله في الأزمات

الدرس الكبير الآخر الذي نتعلّمه من قصّة يوسف ، هو حماية الله ورعايته للإنسان الاكيدة في اشدّ الحالات ، وبمقتضى قوله :( يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ ) ـ فمن جهة كان يوسف لا يصدّق ابدا انّ نافذة من الأمل ستفتح له ، ويكون قدّ القميص سندا للطهارة والبراءة ، ذلك القميص الذي يصنع الحوادث ، فيوما يفضح اخوة يوسف لانّهم جاؤوا أباهم وهو غير ممزّق ، ويوما يفضح امراة العزيز لانّه قدّ من دبر ، ويوما آخر يهب البصر والنّور ليعقوب ، وريحه المعروف يسافر مع نسيم الصباح من مصر الى ارض كنعان ويبشّر العجوز «الكنعاني» بقدوم موكب البشير!.

١٩٤

وعلى كلّ حال فإنّ لله الطافا خفيّة لا يسبر غورها احد ، وحين يهبّ نسيم هذه الألطاف تتغيّر الأسباب والمسبّبات بشكل لا يمكن حتّى لاذكى الافراد ان يتنبّأ عنها!.

بل قد يتّفق أحيانا انّ خيوط العنكبوت تبدّل مسير الحياة لامّة او قوم بشكل دائم ، كما حدث في قصّة غار ثور وهجرة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

4 ـ خطّة امراة العزيز

في الآيات المتقدّمة اشارة الى مكر النسوة (طبعا النساء اللائي لا ارتباط لهنّ بشيء الّا هواهنّ كامرأة العزيز) وهذا المكر والتحيّل الموصوف بالعظمة( إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ ) يوجد منه في التاريخ والقصص التأريخيّة امثلة كثيرة ، حيث تكشف اجمالا انّ النساء اللائي يسوقهنّ هواهنّ يرسمن خططا لا نظير لها من نوعها.

رأينا في القصّة المتقدّمة كيف انّ امراة العزيز بعد الهزيمة في عشقها وافتضاح أمرها ، برّات نفسها بمهارة واتّهمت يوسف ولم تقل انّ يوسف قصد السوء بي ، بل افترضت ذلك امرا مسلّما به. وانّما سألت فقط عن جزاء مثل من يعمل هذا العمل!! جزاء لا يتوقّف على السجن فحسب ، بل يأخذ ابعادا اخرى غير محدودة.

ونرى ايضا انّ هذه المراة في مقابل لوم نسوة مصر لها إذ عشقت غلامها ـ في الآيات التالية ـ تستعمل مثل هذا المكر او الخداع ، وهذا تأكيد آخر على مكر مثل هؤلاء النسوة!

* * *

١٩٥

الآيات

( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (30) فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ (31) قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ (32) قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ (33) فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) )

التّفسير

مؤامرة اخرى :

بالرغم من انّ عشق امراة العزيز المذكور آنفا كان ـ مسألة خصوصية ـ

١٩٦

بحيث اكّد حتّى العزيز على كتمانها ، ولكن حيث انّ هذه الأسرار لا تبقى خافية ، ولا سيّما في قصور الملوك واصحاب المال والقوّة ـ التي في حيطانها آذان صاغية ـ فسوف تتسرّب الى خارج القصر كما يقول القرآن في هذا الشأن :( وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا ) ثمّ لمنها وعنّفنها بهذه الجملة( إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ) . وواضح انّ المتحدّث بمثل هذا الكلام كنّ نساء اشراف مصر حيث كانت اخبار القصور المفعمة بفساد الفراعنة والمستكبرين مثيرة لهنّ وكنّ يستقصينها دائما.

لم يكن فساد هؤلاء النسوة بأقلّ من امراة العزيز ولكنّ ايديهنّ لم تصل الى يوسف ، وكما يقول المثل ـ «العين بصيرة واليد قصيرة» فكنّ يرين امراة العزيز بسبب هذا العشق في ضلال مبين.

ويقول بعض المفسّرين : انّ اذاعة هذا السرّ من قبل هذه المجموعة من نساء مصر ، كانت خطّة لتحريك امراة العزيز حتّى تدعوهنّ الى قصرها لتكشف لهنّ عن براءتها وتريهن يوسف وجماله!

ولعلّهنّ كنّ يتصوّرن انّ يوسف إذا رآهنّ بهره جمالهنّ ، وربّما رآهنّ أجمل من امراة العزيز ، ولانّ يوسف كان يحترم امراة العزيز احترام الولد لوالدته ـ ام مربّيته ـ فهو لا يطمع فيها ، ولهذا السبب يكون احتمال نفوذهنّ الى قلبه أقوى من نفوذ امراة العزيز اليه!.

«الشغف» من مادّة «الشغاف» ومعناه أعلى القلب او الغشاء الرقيق المحيط بالقلب ، وشغفها حبّا معناه انّها تعلّقت به الى درجة بحيث نفذ حبّه الى قلبها واستقرّ في أعماقه.

وهذا التعبير اشارة الى العشق الشديد والملتهب.

يذكر «الآلوسي» في تفسيره «روح المعاني» نقلا عن كتاب اسرار البلاغة مراتب الحبّ والعشق ونشير هنا الى قسم منها :

١٩٧

فأوّل مراحل الحبّ «الهوى» ومعناه الميل ، ثمّ «العلاقة» وهي المحبّة الملازمة للقلب ، وبعدها «الكلف» وهو الحبّ الشديد ، ثمّ «العشق» وبعده «الشعف» بالعين المهملة اي الحالة التي يحترق القلب فيها من الحبّ ويحسّ باللّذة من هذه الحالة وبعدها «اللوعة» ثمّ «الشغف» وهو المرحلة التي ينفذ العشق فيها الى جميع زوايا القلب ، ثمّ «الوله» وهو المرحلة التي تخطف عقل الإنسان من العشق ، وآخر المراحل «الهيام» وهو المرحلة التي تذهل العاشق وتجرّه الى كلّ جهة دون اختياره(1) .

هناك مسألة جديرة بالالتفات وهي : من الذي أذاع هذا السرّ؟ هل كان من امراة العزيز التي لم ترغب في هذه الفضيحة ابدا! او من قبل العزيز نفسه! وكان يؤكّد على كتمان السرّ ، او القاضي الحكيم الذي حكم في الأمر ، ويستبعد منه هذا العمل؟!

وعلى كلّ حال فإنّ مثل هذه المسائل في هذه القصور المفعمة بالفساد لا تبقى طيّ الكتمان ، وأخيرا فإنّها تنتقل على السنة الذين يظهرون الحرص على شرف القصر وتنتشر ، ومن الطبيعي ان يضيف عليها آخرون اوراقا واغصانا.

امّا امراة العزيز فقد وصلها ما دار بين النسوة من افتضاحها( فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً ) (2) .

هذا العمل دليل على انّ امراة العزيز لم تكن تكترث بزوجها ، ولم تأخذ الدرس من فضيحتها ، ثمّ أمرت يوسف ان يتخطّى في المجلس( وَقالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) وتعبير( اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) بدلا من «ادخل» يشير الى انّها كانت اخفت يوسف داخل البيت ، او جعلته مشغولا في احدى الغرف التي يوضع فيها الغذاء

__________________

(1) تفسير (روح المعاني) ج 12 ص 203.

(2) «المتّكأ» ما يتكأ عليه كالكراسي والاسرة ، وما يوضع خلف الظهر كما هو معروف في القصور ، ولكن البعض قال : انّ المتّكأ هو نوع من الفواكه المعروفة «بالاترنج» والذين فسّروا المتّكأ بالمعنى المتقدّم قالوا ايضا : انّها فاكهة «الأترنج» وهي فاكهة من فصائل الحمضيات لها قشر ضخم يستعمل في المربيات ، وهذه الفاكهة في مصر خفيفة الحموضة الحموضة وتؤكل!

١٩٨

عادة حتّى يكون دخوله الى المجلس مفاجأة للجميع.

نساء مصر ـ وطبقا لبعض الرّوايات التي تقول : كنّ عشرا او اكثر ـ فوجئن بظهور يوسف كأنّه البدر او الشمس الطالعة ، فتحيّرن من جماله( فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ ) وفقدن انفسهنّ( وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَ ) مكان الفاكهة ، وحين وجدن الحياء والعفّة تشرقان من عينيه وقد احمّر وجهه خجلا صحن جميعا( وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ) (1) .

وهناك اقوال بين المفسّرين في انّ النسوة الى اي حدّ قطّعن أيديهن؟ فمنهم من بالغ في الأمر ، ولكن كما يستفاد من القرآن على نحو الإجمال انّهن جرحن ايديهنّ.

وفي هذه الحال التي كانت الدماء تسيل من ايدي النسوة وقد لاحظن ملامح يوسف كلّها وصرن امامه «كالخشب المسنّدة» كشفن عن انّهن لسن بأقل من امراة العزيز عشقا ليوسف ، فاستغلّت امراة العزيز هذه الفرصة ف( قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ ) .

فكأنّ امراة العزيز أرادت ان تقول لهنّ : لقد رأيتن يوسف مرّة واحدة فحدث لكنّ ما حدث وفقدتنّ صوابكن وقطعتن أيديكن من جماله وعشقه ، فكيف الام وانا أراه واسكن معه ليل نهار؟!

وهكذا احسّت امراة العزيز بالغرور لانّها وفّقت في ما ألقته من فكرة واعطت لنفسها العذر ، واعترفت بكلّ صراحة بكلّ ما فعلت وقالت :( وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ) .

وبدلا من ان تظهر الندم على كلامها او تتحفّظ على الأقل امام ضيوفها ، أردفت القول بكلّ جدّ يحكي عن ارادتها القطعيّة :( وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ

__________________

(1) «حاش لله» من مادة «حشى» معناها الطرف او الناحية والتحاشي الابتعاد ومفهوم جملة «حاش لله» اي ان الله منزه ، وهي اشارة الى ان يوسف عبد منزه وطاهر.

١٩٩

لَيُسْجَنَنَ ) ولا اكتفي بسجنه ، بل( وَلَيَكُوناً مِنَ الصَّاغِرِينَ ) .

ومن الطبيعي انّه إذا اكتفى عزيز مصر إزاء خيانة امرأته بالقول :( اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ ) فينبغي ان تجرّ امرأته الفضيحة الى هذه المرحلة وأساسا فإنّ مثل هذه الأمور والمسائل في قصور الفراعنة والملوك ليست أمورا مهمّة.

ينقل البعض روايات عجيبة مؤدّاها انّ بعضا من نسوة مصر أعطين الحقّ لامرأة العزيز ودرن حول يوسف ليرغّبنه بأن يستسلم لحبّها وكلّ واحدة تكلّمت بكلام!

فقالت واحدة : ايّها الشاب ما هذا الصبر والدلال ، ولم لا ترحم هذه العاشقة الواهبة قلبها لك ، الا ترى هذا الجمال الآسر؟ أليس عندك قلب؟! الست شابّا؟ الا تستلذّ بالعشق والجمال ، فهل أنت حجارة او خشب؟!

وقالت الثّانية : إذا كنت لا تعرف عن الجمال والعشق شيئا لكن الا تدري انّ امراة العزيز ذات نفوذ وقدرة الا تفكّر ان لو ملكت قلبها فستنال كلّ شيء وتبلغ ايّ مقام شئت وقالت الثّالثة : إذا كنت لا ترغب في جمالها المثير ولا تحتاج الى مقامها ومالها ، ولكن الا تعرف انّها ستنتقم لنفسها بما أوتيت من وسائل الانتقام الخطرة ، الا تخاف من السجن ووحشته ومن الغربة المضاعفة فيه؟!

تهديد امراة العزيز من جانبها بالسجن والاذلال من جهة ، ووساوس النسوة الملوّثات اللائي خطّطن ليوسف كما يخطّط الدلّال من جهة اخرى ، اوقعا يوسف في ازمة شديدة ، وأحاط به طوفان المشاكل ، ولكن حيث انّ يوسف كان قد صنع نفسه ، وقد أوجد نور الايمان والعفّة والتقوى في قلبه هدوءا وسكينة خاصّة ، فقد صمّم بعزم وشجاعة والتفت نحو السّماء ليناجي ربّه وهو في هذه الشدّة( قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) .

وحيث كان يدري ان لا مهرب له الّا الى الله في جميع الأحوال ولا سيما في

٢٠٠