الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 14549
تحميل: 269


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 14549 / تحميل: 269
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

الساعات الحرجة ، فقد أودع نفسه عند الله بهذا الكلام( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) .

ربّاه انّني أتقبّل السجن الموحش رعاية لأمرك وحفظا لطهارة نفسي هذا السجن تتحرّر فيه روحي وتطهّر نفسي ، وانا ارفض هذه الحريّة الظاهرية التي تأسر روحي في سجن «الشهوة» وتلوّث نفسي.

ربّاه اعنّي ، وهب لي القوّة ، وزدني قدرة وعقلا وايمانا وتقوى ، حتّى انتصر على هذه الوساوس!

وحيث انّ وعد الله حقّ ، وانّه يعين المجاهد (لنفسه او لعدوّه) فإنّه لم يترك يوسف سدى وتلقفته رحمته ولطفه كما يقول القرآن الكريم :( فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) .

فهو يسمع نجوى عبيده ، وهو مطلع على اسرارهم ، ويعرف طريق الحلّ لهم.

* * *

ملاحظات

1 ـ كما رأينا من قبل فإنّ امراة العزيز ونسوة مصر ، استفدن من امور مختلفة في سبيل الوصول الى مرادهن ، فمرّة بإظهار العشق والعلاقة الشديدة والتسليم المحض ، ومرّة بالترغيب والطمع ، ثمّ بالتهديد ، او بتعبير آخر : توسلن بالشهوة والمال والقوّة!!

وهذه اصول متّحدة المآل يتوسّل بها الطغاة والمتجبرون في كلّ عصر وزمان ، حتّى لقد رأينا كرارا ومرارا انّهم ومن اجل ان يجبروا رجال الحقّ على الاستسلام ، يظهرون لهم في مجلس واحد لينا للغاية ويلوّحون بالمساعدات وانواع الأمداد ترغيبا ، ثمّ يتوسلون في نهاية المجلس بالتهديد والوعيد ، ولا يلتفتون الى ما في هذا من التناقض في مجلس واحد وما فيه من دناءة وخسّة

٢٠١

ولؤم فاضح.

والسبب واضح فهم يريدون الهدف ولا تهمّهم الوسيلة ، وبتعبير آخر : يستسيغون للوصول الى اهدافهم اي أسلوب وايّة وسيلة كانت.

وفي هذا المحيط يستسلم الافراد الضعاف ، سواء في اوّل المرحلة او وسطها او نهايتها ، الّا انّ اولياء الحقّ لا يكترثون بهذه الاساليب بما لديهم من شهامة وشجاعة ونور الايمان ويرفضون التسليم بضرس قاطع حتّى ولو ادّى ذلك الى الموت وعاقبتهم الانتصار طبعا ، انتصار أنفسهم وانتصار مبادئهم ، او على الأقل انتصار مبادئهم.

2 ـ كثيرون هم مثل نسوة مصر ، فطالما هم جالسون حول الحمى يظهرون أنفسهم منزّهين وأتقياء ويلبسون ثياب العفّة ويعدّون الانحراف ـ كما هو في امراة العزيز ـ في ضلال مبين.

ولكن حين يتعرّضون لأدنى صدمة ينكشف انّ أقوالهم لا تصدّق أفعالهم فإذا كانت امراة العزيز بعد سنين من معاشرة يوسف قد وقعت في شرك حبّه وعشقه ، فإنّهم في اوّل مجلس يبتلون بمثل هذا المصير ويقطّعون «الايدي» مكان «الأترنج».

3 ـ هنا قد يرد سؤال وهو : لم وافق يوسف على طلب امراة العزيز وخرج على النسوة في المجلس؟ المجلس الذي ترتّب من اجل الإثم ، او لتبرئة امراة آثمة؟!

ولكن مع ملاحظة انّ يوسف كان بحسب الظاهر غلاما مشترى وعليه ان يخدم في القصر ، فلعلّ امراة العزيز استغلّت هذه الفرصة والحيلة ليأتي بالطعام مثلا دون ان يعرف بهذه الخطّة ومكر النسوة.

وخاصّة انّنا قلنا انّ تعبير القرآن( اخْرُجْ عَلَيْهِنَ ) كما يظهر منه انّه لم يكن خارجا ، بل كان في احدى الغرف المجاورة للمجلس كالمطبخ مثلا.

٢٠٢

4 ـ جملة( يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ ) وجملة( تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَ ) تدلّان جيّدا على انّ نسوة مصر ـ ذوات الهوى ـ بعد ما جرى لهنّ من تقطيع الايدي والانبهار بجمال يوسف ، وردن هذا الميدان ايضا وطلبن من يوسف ان يستسلم لهنّ او لامراة العزيز ، ولكن يوسف ابى عليهنّ جميعا ، وهذا يعني انّ امراة العزيز لم تكن وحدها في الجريمة بل كان لها شريكات في ذلك.

5 ـ حين يقع الإنسان أسيرا بقبضة الشدائد والحوادث وتجرّه الى شفى الهاوية ، فعليه ان يتوكّل على الله ويلتجئ اليه ويستمدّ منه فقط ، فإذا لم يحظ بلطفه وعونه فإنّه لا يستطيع ان يقوم بأي عمل ، وهذا درس علّمنا ايّاه يوسف العظيم الطاهر الذيل ، فهو القائل :( وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ ) فأنت يا ربّ الحافظ لي ، ولا اعتمد على قواي وقدرتي وتقواي.

هذه الحالة «التعلّق المطلق بلطف الله» بالاضافة الى انّها تمنح عبادة الله قدرة واستقامة غير محدودة ، فهي تشملهم بألطافه الخفيّة تلك الألطاف التي لا يمكن وصفها والتصديق بها الّا عند رؤيتها ومشاهدتها.

فهؤلاء هم الذين يسكنون في ظلّ الله ورحمته في الدنيا والآخرة فقد ورد حديثعن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في هذا الشأن يقول : «سبعة يظلّهم الله في ظلّ عرشه يوم لا ظلّ الّا ظلّه : امام عادل ، وشابّ نشأ في عبادة اللهعزوجل ، ورجل قلبه متعلّق بالمسجد إذا خرج منه حتّى يعود اليه ، ورجلان كانا على طاعة اللهعزوجل فاجتمعا على ذلك وتفرّقا ، ورجل ذكر اللهعزوجل خاليا ففاضت عيناه ، ورجل دعته امراة ذات حسن وجمال فقال : انّي أخاف الله تعالى ، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تصدّق بيمينه»(1) .

* * *

__________________

(1) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 595 ، مادّة «ظلّ».

٢٠٣

الآيات

( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35) وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36) قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (37) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ (38) )

التّفسير

السّجن بسبب البراءة :

انتهى المجلس العجيب لنسوة مصر مع يوسف في قصر العزيز في تلك

٢٠٤

الغوغاء والهياج ، ولكنّ خبره ـ بالطبع ـ وصل الى سمع العزيز ومن مجموع هذه المجريات اتّضح انّ يوسف لم يكن شابّا عادّيا ، بل كان طاهرا لدرجة لا يمكن لاي قوّة ان تجرّه الى الانحراف والتلوّث ، واتّضحت علامات هذه الظاهرة من جهات مختلفة ، فتمزّق قميصه من دبر ، ومقاومته امام وساوس نسوة مصر ، واستعداده لدخول السجن وعدم الاستسلام لتهديدات امراة العزيز بالسجن والعذاب الأليم ، كلّ هذه الأمور ادلّة على طهارته لا يمكن لأحد ان يسدل عليها الستار او ينكرها!.

ولازم هذه الادلّة اثبات عدم طهارة امراة العزيز وانكشاف جريمتها ، وعلى اثر ثبوت هذه الجريمة فإنّ الخوف من فضيحة جنسية في اسرة العزيز كان يزداد يوما بعد يوم.

فكان الراي بعد تبادل المشورة بين العزيز ومستشاريه هو ابعاد يوسف عن الانظار لينسى الناس اسمه وشخصه ، واحسن السبل لذلك ايداعه قعر السجن المظلم اوّلا ، وليشيع بين الناس انّ المذنب الاصلي هو يوسف ثانيا ، لذلك يقول القرآن في هذا الصدد :( ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) .

التعبير بكلمة «بدا» التي معناها ظهور الراي الجديد ، يدلّ على انّ مثل هذا التصميم في حقّ يوسف لم يكن من قبل. ويحتمل ان تكون هذه الفكرة اقترحتها امراة العزيز الاوّل مرّة وبهذا دخل يوسف النزيه ـ بسبب طهارة ثوبه ـ السجن ، وليست هذه اوّل مرّة ولا آخرها ان يدخل الإنسان النزيه «بجريرة نزاهته» السجن!!

اجل في المحيط المنحرف تكون الحرية من نصيب المنحرفين الذين يسيرون مع التيار وليست الحرية وحدها من نصيبهم فحسب ، بل أنّ الأفراد النجباء كيوسف الذي لا يتلاءم مع ذلك المحيط ولونه ويتحرّك على خلاف مجرى الماء! ينبغي ان يقبعوا في زاوية النسيان ولكن الى متى؟ هل تستمر هذه

٢٠٥

الحالة؟ قطعا لا ومن جملة السجناء الداخلين مع يوسف فتيان( وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ ) .

وحيث انّ من الظروف لم تكن تسمح للإنسان ان يحصل فيها على الاخبار بطريق عادي ، فإنّه يأنس لاحاسيس الآخرين ليبحث عن مسير الحوادث ويتوقّع ما سيكون ، حتّى انّ الرؤيا وتعبيرها عنده يكون مطلبا مهمّا.

من هذا المنطلق جاء ليوسف يوما هذان الفتيان اللذان يقال : انّ أحدهما كان ساقيا في بيت الملك ، والآخر كان مأمورا للطعام والمطبخ ، وبسبب وشاية الأعداء وسعايتهم بهما دخلا السجن بتهمة التصميم لسمّ الملك ، وتحدّث كلّ منهما عن رؤيا رآها الليلة الفائتة وكانت بالنسبة له امرا عجيبا.

( قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ) ثمّ اضافا( نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .

وحول معرفة الفتيين واطلاعهما على انّ يوسف له خبرة بتأويل الأحلام هناك اقوال بين المفسّرين : قال بعضهم : انّ يوسف نفسه اخبر السجناء بأنّ له اطلاعا واسعا في تفسير الأحلام ، وقال بعضهم : انّ سيماء يوسف الملكوتية كانت تدلّ على انّه ليس فردا عاديا بل هو فرد عارف مطّلع وصاحب فكر ونظر ، ولا بدّ ان يكون مثل هذا الشخص قادرا على حلّ مشاكلهم في تعبير الرؤيا.

وقال البعض الآخر : انّ يوسف من بداية دخول السجن برهن ـ بأخلاقه الحسنة والمعاشرة الطيّبة للسجناء وخدمتهم وعيادة مرضاهم ـ انّه رجل صالح وحلّال المشاكل ، لذلك كانوا يلتجئون اليه في حلّ مشاكلهم ويستعينون به.

وهناك ملاحظة جدير ذكرها ، وهي انّ القرآن عبّر بـ «الفتى» مكان «العبد» وهو نوع من الاحترام ، وعندنا في الحديث «لا يقولنّ أحدكم عبدي وامتي ولكن

٢٠٦

فتاي وفتاتي»(1) ليكون العبيد في مراحل الانعتاق والحريّة التي نظّمها الإسلام في مأمن من كلّ انواع التحقير.

التعبير ب( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) امّا لانّه راى في النوم انّه يعصر العنب للشراب او العنب المخمّر الذي في الدنّ ، وهو يعصره ليصفّيه مستخرجا منه الشراب ، او انّه يعصر العنب ليقدّم عصيره للملك! دون ان يكون خمرا ، وحيث انّ العنب يمكن ان يتبدّل خمرا اطلق عليه لفظ الخمر.

والتعبير ب( إِنِّي أَرانِي ) بدلا من «إنّي رأيت» هو بعنوان حكاية الحال ، أي إنّه يفرض نفسه في اللحظة التي يرى فيها الرؤيا «النوم» وهذا الكلام لتصوير تلك الحالة.

وعلى كلّ حال فقد اغتنم يوسف مراجعة السجينين له لتعبير الرؤيا ـ وكان لا يدع فرصة لإرشاد السجناء ونصحهم ـ وبحجّة التعبير كان يبيّن حقائق مهمّة تفتح لهم السبل ولجميع الناس ايضا.

في البداية ، ومن اجل ان يستلفت اهتمامهما واعتمادهما على معرفته بتأويل الأحلام الذي كان مثار اهتمامهما وتوجّههما( قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) .

وبهذا فقد طمأنهما انّهما سيجدان ضالّتهما قبل وصول الطعام إليهما.

وهناك احتمالات كثيرة في هذه الجملة بين المفسّرين ، من جملتها : انّ يوسف قال : انا بأمر الله مطّلع على بعض الأسرار ، لا انّي أستطيع تعبير الأحلام فحسب ، بل انا أستطيع حتّى اخباركم بما سيأتيكم من الطعام وما نوعه وبأي صورة واي خصوصية!.

فعلى هذا يكون التأويل بمعنى ذكر خصوصيات ذلك الطعام ، وان كان التأويل قليل الاستعمال في مثل هذا المعنى طبعا ، ولا سيّما انّه ورد في الجملة

__________________

(1) مجمع البيان ، ج 5 ، ص 232.

٢٠٧

السابقة بمعنى تعبير الرؤيا.

والاحتمال الآخر من مقصود يوسف هو : انّ اي نوع من الطعام ترونه في النوم فأنا اعرف ما تأويله (ولكن هذا الاحتمال لا ينسجم مع الجملة السابقة)( قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ) .

فعلى هذا يكون احسن التفاسير للجملة المتقدّمة ، هو التّفسير الاوّل الذي ذكرناه في بداية الحديث.

ثمّ انّ يوسف أضاف الى كلامه مقرونا بالايمان بالله والتوحيد الجاري بجميع ابعاده في اعماق وجوده ، ليبيّن بوضوح ان لا شيء يتحقّق الّا بإرادة الله قائلا :( ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي ) ولئلّا يتصوّر انّ الله يمنح مثل هذه الأمور دون حساب ، قال( إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ) .

والمقصود بهذه الملّة او الجماعة هم عبدة الأصنام بمصر او عبدة الأصنام من كنعان.

وينبغي لي ان اترك مثل هذه العقائد لانّها على خلاف الفطرة الانسانية النقيّة ، ثمّ انّي تربّيت في اسرة الوحي والنّبوّة( وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ) .

ولعلّ هذه هي اوّل مرّة يعرّف يوسف نفسه للسجناء بهذا التعريف ، ليعلموا انّه سليل الوحي والنّبوّة وقد دخل السجن بريئا كبقيّة السجناء الابرياء في حكومة الطواغيت.

ثمّ يضيف على نحو التأكيد( ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ) لانّ أسرتنا اسرة التوحيد اسرة ابراهيم محطّم الأصنام( ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ ) .

وعلى هذا فلا تتصوّروا انّ هذا الفضل والحبّ شملا أسرتنا اهل النّبوّة فحسب ـ بل هي الموهبة العامّة التي تشمل جميع عباد الله المودعة في أرواحهم

٢٠٨

المسمّاة بالفطرة حيث يتكاملون بقيادة الأنبياء( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ ) .

جدير بالذكر والالتفات انّ «إسحاق» عدّ في الآية المتقدّمة في زمرة «آباء يوسف» في حين انّنا نعرف انّ يوسف هو ابن يعقوب ويعقوب هو ابن إسحاق ، فتكون كلمة أب بهذا مستعملة في الجدّ ايضا.

* * *

٢٠٩

الآيات

( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (39) ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (40) يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ (41) وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42) )

التّفسير

السّجن او مركز التّربية :

حين هيّأ يوسف في البحث السابق قلوب السجينين لقبول حقيقة التوحيد ،

٢١٠

توجّه إليهما وقال :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ ) .

فكأنّ يوسف يريد ان يفهم السجينين انّه لم تريان الحرية في النوم ولا تريانها في اليقظة؟! أليس ذلك من تفرقتكم وشرككم ونفاقكم الذي مصدره عبادة الأوثان والأرباب المتفرّقين ممّا سبّب ان يتغلّب عليكم الطغاة والجبابرة؟! فلم لا تجتمعون تحت راية التوحيد ، وتعتصموا بحبل الواحد القهّار ، لتطردوا من مجتمعكم هؤلاء الظالمين والجبابرة الذين يسوقونكم الى السجن ابرياء دون ذنب؟!

ثمّ يضيف قائلا :( ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ) بل هي صنع عقولكم العاجزة وافكاركم المنحرفة( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) فلا ينبغي ان تطأطئوا رؤوسكم لسواه من الطغاة والفراعنة ، ثمّ أضاف زيادة في التأكيد قائلا :( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) .

اي انّ التوحيد في جميع ابعاده ـ في العبادة ، في الحكومة ، في المجتمع ، في المسائل الثقافية ، وفي كلّ شيء ـ هو الدين الالهي المستقيم والثابت.( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) ولذلك خضعوا لحكومة غير (الله) فذاقوا الشقاء والسجون في هذا السبيل.

وبعد ان ارشد يوسف صاحبي سجنه ودلّهما ودعاهما الى حقيقة التوحيد ، بدا بتعبير الرؤيا لهما لانّهما من البداية جاءا لهذا الأمر وقد وعدهما بتعبير الرؤيا ، ولكنّه اغتنم الفرصة وحدّثهما عن التوحيد الحي والمواجهة مع الشرك ، ثمّ التفت إليهما وقال :( يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ ) .

وبالرغم من تناسب كلّ رؤيا مع ما عبّره يوسف ، فكان معلوما اجمالا من الذي يطلق من السجينين؟ ومن الذي يصلب منهما؟ الّا انّ يوسف لم يرغب في

٢١١

ان يبيّن التعبير بصراحة اكثر من هذه خاصّة وانّ فيه خبرا غير مريح ، لذلك جعل التعبير تحت عنوان «أحدكما».

ثمّ أضاف مؤكدا( قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ ) وهو اشارة الى انّ هذا التعبير ليس تعبيرا ساذجا ، بل هو من انباء الغيب التي تعلّمها من الله ، فلا مجال للترديد والكلام بعد هذا.

في كثير من التفاسير ورد في ذيل الجملة المتقدّمة انّ السجين الثّاني الذي سمع بالخبر المزعج أخذ يكذّب رؤياه ويقول : كنت امزح معك ، ظانّا انّ مصيره سيتبدّل بهذا التكذيب ، فعقّب عليه يوسف بالجملة المتقدّمة!

ويحتمل ايضا انّ يوسف كان قاطعا في تعبير الرؤيا الى درجة بحيث ذكر الجملة المتقدّمة تأكيدا لما سبق بيانه.

وحين احسّ يوسف انّ السجينين سينفصلان عنه عاجلا ، ومن اجل ان يجد يوما يطلق فيه ويبرّأ من هذه التهمة ، اوصى احد السجينين الذي كان يعلم انّه سيطلق ان يذكره عند الملك( وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) لكن هذا الغلام «الناسي» مثله مثل الافراد قليلي الاستيعاب ، ما ان يبلغوا نعمة ما حتّى ينسوا صاحبها ، وهكذا نسي يوسف تماما ، ولكن القرآن عبّر عن ذلك بقوله :( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ ) وهكذا أصبح يوسف منسيّا( فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ) .

هناك اقوال بين المفسّرين في انّ الضمير من( فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ) هل يعود على ساقي الملك ، ام على يوسف؟ كثير من المفسّرين يعيدون الضمير على يوسف فيكون المعنى : انّ الشيطان انسى يوسف ذكر الله فتوسّل بسواه.

ولكن مع ملاحظة الجملة السابقة التي تذكر انّ يوسف كان يوصي صاحبه ان يذكره عند ربّه ، يظهر انّ الضمير يعود على الساقي نفسه.

وكلمتا «الربّ» في المكانين بمعنى واحد.

٢١٢

كما انّ جملة( وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ) التي ستأتي في الآيات التالية ، تدلّ على انّ الذي نسي هو الساقي.

ولكن سواء عاد الضمير على يوسف ام على صاحبه ، فما من شكّ من انّ يوسف توسّل بالغير في سبيل نجاة نفسه!

وبديهي انّ مثل هذا التوسّل للنجاة من السجن ومن سائر المشاكل ، ليس امرا غريبا بالنسبة للافراد العاديين ، وهو من قبيل التوسّل بالأسباب الطبيعية ، ولكن بالنسبة للافراد الذين هم قدوة وفي مكانة عالية من الايمان والتوحيد ، لا يمكن ان يخلو من إيراد ، ولعلّ هذا كان سببا في بقاء يوسف في السجن بضع سنين ، إذ لم يرض الله سبحانه ليوسف «ترك الاولى»!.

في حديث عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم انّه قال : «عجيب من اخي يوسف كيف استغاث بالمخلوق دون الخالق؟» وروي انّه قال : «لو لا كلمته ما لبث في السجن طول ما لبث» يعني قوله( اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ ) .

وروي عن أبي عبد الله الصادقعليه‌السلام قال : «جاء جبرئيلعليه‌السلام فقال : يا يوسف من جعلك احسن الناس؟ قال : ربّي ، قال : فمن حبّبك الى أبيك دون إخوانك؟قال : ربّي ، قال : فمن ساق إليك السيارة؟ قال : ربّي ، قال : فمن صرف عنك الحجارة؟قال : ربّي ، قال : فمن أنقذك من الجبّ؟ قال : ربّي ، قال : فمن صرف عنك كيد النسوة؟ قال : ربّي ، قال : فإنّ ربّك يقول : ما دعاك الى ان تنزل حاجتك بمخلوق دوني؟ البث بالسجن بما قلت بضع سنين»(1) .

* * *

__________________

(1) مجمع البيان في تفسير الآية ، الجزء 3 ، ص 235.

٢١٣

ملاحظات

1 ـ السّجن مركز للإرشاد او بؤرة للفساد

للسجن تأريخ مؤلم ومثير للغمّ جدّا في هذا العالم ، فأسوا المجرمين واحسن الناس كلاهما دخل السجن ، ولهذا السبب كان مركزا دائما لافضل الدروس البنّاءة او لأسوإ الاختبارات.

وفي الحقيقة انّ السجون التي يجتمع فيها المفسدون تعدّ معهدا عاليا للفساد! ففي هذه السجون تتمّ مبادلة الخطط التخريبيّة والتجارب وكلّ منحرف يعلم درسه للآخرين ، ولهذا السبب حين يطلقون من السجن يواصلون طريقهم بأسلوب اكثر مهارة من السابق وبتشكيل جديد الّا ان يلتفت مسئولو السجن لهذا الموضوع ، ويعملوا على تغيير هؤلاء الافراد الذين فيهم الاستعداد والقابلية الى عناصر صالحة ومفيدة وبنّاءة.

وامّا السجون التي تتشكّل من الصالحين والابرياء والنزيهين والمجاهدين في طريق الحقّ والحرية ، فهي معاهد ومراكز لتعليم الدروس العقائديّة والطرق العملية للجهاد والمبارزة والبناء.

وهذه السجون تعطي فرصة طيّبة للمنافحين في طريق الحقّ ليؤدّوا دورهم ، وينسّقوا جهودهم بعد التحرّر من هذه السجون.

وحين انتصر يوسف على امراة محتالة ماكرة متّبعة لهواها ـ كامرأة عزيز مصر ـ ودخل السجن ، سعى ان يبدّل محيط السجن الى محيط بنّاء ومركز للتعليم والتربية ، حتّى انّه وضع أساس حريته وحرية الآخرين ضمن تخطيطه هناك.

وهذا الماضي يعطينا درسا مهمّا ، وهو انّ الإرشاد والتربية ليسا محدودين في مركز معيّن كالمسجد والمدرسة ـ مثلا ـ بل ينبغي ان يستفاد من كلّ فرصة سانحة للوصول الى هذا الهدف ، حتّى ولو كانت في السجن وتحت أثقال القيود.

امّا عدد السنوات التي قضاها يوسف في السجن ، فهناك اقوال بين

٢١٤

المفسّرين ، والمشهور انّها سبع سنوات ، الّا انّ بعضهم قال : انّ يوسف بقي في السجن اثنتي عشرة سنة ، خمس قبل رؤيا صاحبي سجنه ، وسبع بعدها ، وكانت سنوات ملأى بالتعب والنصب الّا انّها من جهة الإرشاد كانت سنوات مفعمة بالبركة والخير(1) .

2 ـ حين يصلب المصلحون!

من الطريف انّنا نقرا في هذه القصّة انّ الذي راى في منامه انّه يعصر خمرا ويقدّمه للملك قد تحرّر واطلق من السجن ، وانّ الذي راى انّه يحمل فوق رأسه خبزا تأكل الطير منه قد صعد عود المشنقة.

أليس مفهوم هذا انّ الذين هم على خطى الشّهوات وفي محيط المفسدين وانظمة الطغاة ينالون الحريّة ، وامّا الذين يقدّمون خدمة للمجتمع ويعطون الخبز للناس فليس من حقّهم الحياة! وينبغي ان يموتوا؟ فهذا نسيج المجتمع الذي يحكمه النظام الفاسد وهذه نهاية الصالحين في أمثال هذا المجتمع!.

صحيح انّ يوسف ـ اعتمادا على الوحي الالهي وعلم التعبير ـ توقّع ما كان ، ولكنّ ايّ معبّر لا يمكن له ان يبعد عن نظره هذه المناسبات! ففي الحقيقة انّ الخدمة في مثل هذه المجتمعات ذنب عظيم ، والخيانة والاساءة هي الثواب بعينه!.

3 ـ اكبر دروس الحرّية

رأينا انّ اكبر درس علّمه يوسف للسجناء هو درس التوحيد وعبادة الله الواحد الأحد ، ذلك الدرس الذي حصيلته الحريّة والتحرّر.

لقد كان يعرف انّ الأرباب «المتفرّقين» والمعبودين المختلفين والاهداف

__________________

(1) لزيادة الإيضاح في سنوات سجن يوسف يراجع تفسير المنار ، والقرطبي ، والميزان ، والفخر الرازي.

٢١٥

المتفرّقة ، كلّها أساس التفرقة في المجتمعات ، وطالما هناك تفرقة فالجبابرة مسلّطون على رقاب الناس ، لذلك اعطى يوسف «دستورا» وامرا بقطع جذورهم بسيف التوحيد الباتر ، لئلّا يضطرّوا الى رؤية الحريّة في الأحلام والمنام ، بل ينبغي ان يشاهدوا الحريّة في اليقظة.

ترى ، أليس الجبابرة المسلّطون على رقاب الناس هم ثلّة من الافراد يستطيع الناس مكافحتهم ، الّا انّهم بإيجاد التفرقة والنفاق ، وعن طريق «الأرباب المتفرقين» استطاعوا ان يتحكّموا على رقاب الناس ويهدّوا قوى المجتمع!.

ومن الطبيعي ان يكون اليوم الذي تجتمع فيه الأمم على كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة تحت راية «الله الواحد القهّار» ويجمعوا قواهم ، هو يوم زوال أولئك الجبابرة الظالمين ، وهذا درس مهم جدّا ليومنا وغدنا ولجميع الناس في كلّ المجتمعات البشرية وعلى امتداد التاريخ.

ومن الضروري ان نلتفت الى هذه المسألة الدقيقة ، وهي انّ يوسف يقول :( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) ثمّ يؤكّد أنّ العبادة والخضوع لا تكونان إلّا له( أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ) ويؤكّد بعد ذلك بالقول :( ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ويعقّب أخيرا( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) .

فعلى هذا لو تعلّم الناس المعارف الصحيحة وعرفوا الحقيقة ، ونهضت فيهم حقيقة التوحيد ، فإنّ المشاكل ستنحلّ لا محالة.

4 ـ استغلال شعار بنّاء بشكل سيئ

شعار( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) الذي هو شعار قرآني ايجابي مثبت ، ينفي ايّة حكومة كانت سوى حكومة الله او ما تنتهي اليه حكومة الله ، الّا انّه ـ وللأسف ـ استغلّ على امتداد التاريخ بشكل عجيب ، ومن ذلك استغلال الخوارج لهذا الشعار في واقعة «النهروان» حيث كانوا أناسا جامدين حمقى قشريين منحرفين

٢١٦

جدّا فتمسكوا بهذا الشعار لنفي التحكيم في حرب صفين وقالوا : لا يصحّ الحكم لنهاية الحرب او الخليفة لانّ الله يقول :( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ) .

لقد كانوا غافلين او متغافلين عن هذه المسألة البديهيّة ، وهي انّ التحكيم إذا كان قد تعيّن من ائمّة امر الله باتّباعهم فحكمهم ايضا حكم الله لانّه ينتهي اليه.

صحيح انّ الحكمين في حرب صفين لم يتمّ تعيينهما من قبل الامام عليعليه‌السلام ، ولو كان الامام امير المؤمنين عليعليه‌السلام عيّنهما فإنّ حكمهما حكمه ، وحكم علي حكم النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وحكم النّبي حكم الله.

وهل يا ترى يحكم الله او يقضي مباشرة بين المجتمعات! او يتولّى امور الناس اشخاص من جنسهم ، غاية ما في الأمر ينتهي أمرهم الى الله؟! ولكن الخوارج ودون ان يتوجّهوا الى هذه الحقيقة الواضحة اشكلوا على اصل قصّة التحكيم على الامام عليعليه‌السلام وحتّى عدّوه ـ والعياذ بالله ـ زيغا منه ، يا لهذا الجهل والجمود والبلادة.

وهكذا فإنّ مثل هذه الأمور البنّاءة حين تقع بأيدي افراد جهّال تتحوّل الى أسوإ الوسائل التخريبيّة.

وفي هذا اليوم نرى مجموعة من الناس من ضعاف النفوس الذين لا يقلّون عن أولئك جهلا ولجاجة ، تمسّكوا بالآية المتقدّمة لنفي التقليد عن المجتهدين ، او نفي صلاحيّة حكومتهم ، لكن جوابهم جميعا هو ما ذكرناه آنفا.

5 ـ التوجّه لغير الله

التوحيد لا يتلخّص في انّ الله تعالى احد فرد ، بل ينبغي ان يتجسّد في جميع شؤون الحياة ، واحد ابرز علائمه انّ الإنسان الموحّد لا يعتمد على غير الله ولا يلتجئ الّا اليه.

نحن لا نقول يجب على الإنسان ان لا يلحظ عالم الأسباب وقانون العلّية لا

٢١٧

يرى الأسباب شيئا ، ولا يعتمد على الوسائل والأسباب ، بل نقول : انّ لا يرى تأثيرا واقعيّا في السبب ، بل يرى راس الخيط في جميع الأمور بيد مسبّب الأسباب. وبتعبير آخر : لا يرى للأسباب استقلالا ، بل يراها تحت هيمنة الذات المقدّسة لله سبحانه.

ويمكن ان يكون عدم توجّه الافراد العاديين لهذه الحقيقة الكبرى مدعاة للعفو ، ولكن عدم الالتفات ولو بمقدار راس الابرة بالنسبة لأولياء الله يكون سببا لمجازاتهم ، وان لم يكن اكثر من «ترك الاولى» ورأينا كيف انّ يوسف بسبب عدم توجّهه لهذه المسألة المهمّة امتدّ حبسه سنوات لينضج آخرا في «موقد» الحوادث ، وليحصل على استعداد اكبر لمواجهة الطغاة ، وليعلم انّه لا ينبغي الاعتماد الّا على الله. وعلى المظلومين الذين يسيرون في طريق (الله).

وهذا درس كبير لمن يطوي هذه الطريق وللمجاهدين الصادقين بأن لا يخطر ببالهم الاتّفاق مع الشيطان لضرب شيطان آخر! ولئلّا يميلوا الى الشرق او الغرب ، ولا يغذّون الخطى الّا على الجادّة الوسطى وهي «الصراط المستقيم».

* * *

٢١٨

الآيات

( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ (43) قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ (44) وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45) يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) )

٢١٩

التّفسير

رؤيا ملك مصر وما جرى له :

بقي يوسف سنين في السجن المظلم كأي انسان منسيّ ، ولم يكن لديه من عمل الّا بناء شخصيته ، وارشاد السجناء وعيادة مرضاهم وتسلية الموجعين منهم.

حتّى غيّرت (حظّه وطالعه) حادثة صغيرة بحسب الظاهر ولم تغيّر هذه «الظاهرة» حظّه فحسب ، بل حظّ امّة مصر وما حولها.

لقد راى ملك مصر الذي يقال انّ اسمه هو «الوليد بن الرّيان» وكان «عزيز مصر وزيره» راى هذا الملك رؤيا مهولة ، فأحضر عند الصباح المعبّرين للرؤيا ومن حوله فقصّ عليهم رؤياه( وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ ) ثمّ التفت إليهم طالبا منهم تعبير رؤياه فقال :( يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ ) .

ولكن حاشية السلطان وجموا إزاء هذه الرؤيا و( قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) .

«الأضغاث» جمع «ضغث» على وزن (حرص) ومعناه المجموعة من الحطب او العشب اليابس او الأخضر او شيء آخر ، و «الأحلام» جمع «حلم» على وزن «رخم» معناه الطيف والرؤيا ، فيكون معنى( أَضْغاثُ أَحْلامٍ ) هو الاطياف المختلطة ، فكأنّها متشكّلة من مجموعة مختلفة ومتفاوتة من الأشياء ، وجاءت كلمة الأحلام في جملة( وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ ) مسبوقة بالألف واللام العهدية وهي اشارة الى انّ المعبّرين غير قادرين على تأويل مثل هذه الأحلام.

ومن اللازم ذكر هذه المسألة الدقيقة وهي : انّ اظهار عجز أولئك في الحقيقة كان من اجل انّ المفهوم الواقعي لهذه الرؤيا عندهم غير واضح ، ولذلك عدّوها

٢٢٠