الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 29070
تحميل: 353


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 29070 / تحميل: 353
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

انّها تريد ان تشير الى هذه النقطة المهمّة وهي : انّ للقصص المصنوعة ذات الاثارة كثيرة في اوساط الأمم وهي من الأساطير الخيالية ، ولكن لا يتوهّم احد بأنّ سيرة يوسف او سير بقيّة الأنبياء التي ذكرها القرآن الكريم من ذلك القبيل.

المهمّ انّ هذه القصص المثيرة وذات العبر هي عين الواقع ولا تحتوي على ادنى انحراف عن الواقع الموضوعي ، ولهذا السبب يكون تأثيرها كبيرا جدّا ، لأنّنا نعلم أنّ الأساطير مهما تكن شيّقة ومثيرة فإنّ تأثيرها قليل إذا ما قورنت مع سيرة واقعيّة لانّ :

1 ـ عند ما يصل القارئ او المستمع للقصّة الى أقصى لحظات الاثارة يتبادر الى ذهنه فجأة انّ هذا وهم وخيال ليس اكثر!

2 ـ انّ هذه القصص في الواقع هي من هندسة الإنسان ، فهو يحاول ان يجسّم أفكاره في سلوك بطل القصّة ، ولذلك فهي ليست اكثر من فكر الإنسان ، وهذه القصّة بالمقارنة مع السير الواقعيّة بينهما فرق شاسع ولا تستطيع القصّة البشرية ان تكون اكثر من موعظة لصاحب المقالة. ولكن التاريخ الواقعي للبشر ليس كذلك ، فهو اكثر ثمرا ونفعا واكثر بركة.

* * *

نهاية سورة يوسف

اللهمّ! امنحنا البصر في أعيننا والسمع في آذاننا والعلم في قلوبنا ، حتّى نستطيع ان نحصل من سيرة السابقين على طرقا للنجاة من المشاكل التي نغوص الآن فيها.

ربّنا! ألهمنا بصرا حادّا حتّى نرى عاقبة الذين اختلفوا وتشتّتوا فيما بينهم فكان عاقبتهم الهزيمة والخسران ، وحتّى لا نسير في نفس الطريق الذي سلكوه.

اللهمّ! ارزقنا تلك النيّة الخالصة لكي نتغلّب بها على نفوسنا ، وتلك المعرفة

٣٢١

حتّى لا يصيبنا الغرور بالنصر ، وتلك السّماحة ونكران الذات بحيث إذا رأينا من هو أفضل منّا على انجاز المسؤولية تركناها وتنازلنا عنها اليه.

فإن منحتنا هذا فسوف نستطيع ان نتغلّب على جميع المشاكل ، وان نحفظ نور الإسلام والقرآن في هذه الدنيا.

* * *

٣٢٢

سورة الرّعد

مكّيّة

وعدد آياتها مائة وثلاث وأربعون آية

٣٢٣
٣٢٤

سورة الرّعد

محتوى السّورة

كما قلنا سابقا ، بما انّ السور المكيّة كان نزولها في بداية دعوة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأثناء محاربته للمشركين ، فإنّها غالبا ما كانت تتحدّث عن المسائل العقائدية وخصوصا الدعوة الى التوحيد والمعاد ومحاربة الشرك. في الوقت الذي نرى فيه أنّ السور المدنية نزلت بعد انتشار الإسلام وقيام الحكومة الاسلامية ، فقد تناولت الأحكام والمسائل المتعلّقة بالنظام الاجتماعي واحتياجات المجتمع.

فهذه السورة (سورة الرعد) التي هي من السور المكّية لها نفس الخصائص السابقة ، فبعد ما تشير الى احقّية القرآن وعظمته ، تتطرّق الى آيات التوحيد واسرار الكون التي هي من دلائل ذات الله المقدّسة. فتارة تتحدّث عن رفع السّماوات بغير عمد ، واخرى عن تسخير الشمس والقمر ، ومرّة عن مدّ الأرض وخلق الجبال والأشجار والثمار ، ومرّة عن ستار الليل المظلم الذي يغشي النهار.

ومرّة اخرى تأخذ بأيدي الناس وتنقلهم الى جنّات النخيل والأعناب والزروع ، وتحصي لهم عجائبها.

ثمّ تتطرّق الى المعاد وبعث الإنسان من جديد ومحكمة العدل الالهي ، وهذه المجموعة من اصول المبدإ والمعاد تكمل ما أوضح من مسئولية ووظائف الناس وانّ اي تحوّل في قضاياهم المصيريّة يجب ان يبدأ من داخل أنفسهم.

ثمّ تعود مرّة اخرى الى فكرة التوحيد ، وتسبيح الرعد وخوف الناس من البرق والصاعقة ، وسجود السّماوات والأرضين في مقابل عظمة الربّ. ولأجل

٣٢٥

ان تتعقّل القلوب والأسماع وتوقظ الأفكار ، ولإيضاح انّ الأوثان ليس لها اي ميزة او فائدة ، تدعوهم الى التفكّر والتعلّم ، وتضرب لهم الأمثال لمعرفة الحقّ من الباطل. الأمثال الحيّة والقابلة للإدراك.

ومن هنا فالحصيلة النهائية للايمان بالتوحيد والمعاد هي تلك التطبيقات العملية والحيّة لها ، فالقرآن في هذه السورة يدعو الناس الى الوفاء بالعهد وصلة الأرحام والصبر والاستقامة والإنفاق في السرّ والعلانية والنهي عن الانتقام.

ويوضّح لهم انّ الدنيا فانية ، والطمأنينة والراحة لا تحصلان الّا في ظلّ الايمان بالله.

وفي النهاية يأخذ بأيدي الناس ويغور بهم في اعماق التاريخ ، ويريهم العواقب السيّئة للذين طغوا وعصوا وابعدوا الناس عن الحقّ ، ويختم السورة بتهديد الكفّار بعبارات وجمل لاذعة.

اذن فالسورة تبتدئ بالعقائد والايمان وتنتهي بالبرامج التربوية للإنسان.

* * *

٣٢٦

الآيات

( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ )

( المر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (1) اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) )

التّفسير

آيات الله في السّماء والأرض وعالم النّبات :

مرّة اخرى نواجه الحروف المقطّعة في بداية هذه السورة ، والتي وردت في

٣٢٧

(29) سورة اخرى ، ولكن الحروف المقطّعة المذكورة هنا تتكوّن من( الم ) التي وردت في بداية عدّة سور ، و( الر ) والتي وردت في بداية سور اخرى ، وفي الواقع انّ هذه السورة تنفرد عن غيرها من السور ب( المر ) .

ومن المعتقد في تفسير الحروف المقطّعة انّ لها ارتباطا مباشرا بمعاني نفس السورة ، فمن المحتمل انّ هذا التركيب في بداية سورة الرعد يشير الى جمعها لمحتوى مجموعتين من السور التي تبتدئ ب( الم ) و( الر ) .

وإذا ما امعنا النظر في محتوى هذه السور نجدها مطابقة لما قلناه ، وبخصوص تفسير الحروف المقطّعة كانت لنا شروح مفصّلة عنها في بداية سورة البقرة وآل عمران والأعراف فلا ضرورة في التكرار.

وعلى ايّة حال فالآية الاولى من هذه السورة تتحدّث عن عظمة القرآن( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُ ) (1) .

ولا يوجد اي شك أو ترديد في هذه الآيات ، لانّها تبيّن عين الحقيقة للكون ونظامه المرتبط بالإنسان. فهو حقّ لا يشوبه باطل ، ولهذا السبب فإنّ علائم الحقّ واضحة فيه لا تحتاج الى براهين( وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) .

لانّ الناس إذا ما تركوا وشأنهم ولم يتّبعوا معلما صادقا يهديهم ويربيهم في حياتهم وكانوا أحرارا في اتباع أهوائهم فانّهم سوف يتيهون في الطريق ويضلّون عن الحقّ.

وامّا إذا كان الرسل وهداة الحقّ هم الائمّة والقادة حيث يضع الفرد نفسه في تصرّفهم ، فإنّ الاكثرية تسير في طريق الحقّ.

ثمّ تتطرّق السورة الى شرح القسم المهمّ من ادلّة التوحيد وآيات الله في الكون ، وتتجوّل بالإنسان في عرض السّماوات وتريه الكواكب العظيمة واسرار هذا النظام وحركته ، حتّى يؤمن بالقدرة المطلقة والحكمة اللامتناهية( اللهُ الَّذِي

__________________

(1) استخدام تلك للبعيد ـ وكما قلنا سابقا ـ كناية عن عظمة القرآن واعجازه.

٣٢٨

رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) (1) .

الجملة( بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ) لها تفسيران :

1 ـ فكما ترون انّ السّماء مرفوعة بدون عمد (اي انّها في الأصل بلا عمد كما ترونها فعلا).

2 ـ والثانية ان (ترونها) صفة للعمد فيكون المعنى : انّ السّماء مرفوعة بعمد ولكن لا ترونها لانّها غير مرئية!

وهذا هو الذي يراه الامام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام ، ففي حديث رواه الحسين بن خالد قال : سألت الامام أبا الحسن الرضاعليه‌السلام : ما المقصود في قوله تعالى :( وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ ) قال : هذه السّماء لها طرق الى الأرض ، فقلت له : كيف تكون لها طرق الى الأرض في الوقت الذي يقول سبحانه وتعالى :( رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ ) فأجابه الامام : «سبحان الله ، أليس الله يقول بغير عمد ترونها؟ قلت بلى ، فقال : ثمّ عمد ولكن لا ترونها»(2) .

انّ هذه الآية بالرغم من وجود هذا الحديث الذي يفسّرها ، فإنّها تكشف عن حقيقة علمية لم تكن معروفة عند نزول الآيات الكريمة ، لانّه في ذاك الوقت كانت نظرية «بطليموس» في الهيئة تتحكّم بكلّ قواها في المحافل العلمية في العالم وعلى أفكار الناس ، وطبقا لهذه النظرية فإنّ السّماوات عبارة عن اجرام متداخلة تشبه قشور البصل ، وانّها لم تكن معلّقة وبدون عمد ، بل كلّ واحدة منها تستند الى الاخرى.

ولكن بعد نزول هذه الآيات بألف سنة تقريبا توصل علم الإنسان الى انّ هذه الفكرة غير صحيحة ، فالحقيقة انّ الاجرام السّماوية لها مقرّ ومدار ثابت ، ولا

__________________

(1) (عمد) على وزن (صمد) «وعمد» على وزن (زحل) والاثنان جمع عمود ، فالاوّل جمع ، والثّاني اسم الجمع (مجمع البيان ذيل الآية).

(2) الحديث في تفسير البرهان ، عن علي بن ابراهيم عن العياشي (البرهان ، المجلّد الثّاني ، ص 278).

٣٢٩

تستند الى شيء ، فالشيء الوحيد الذي يجعلها مستقرّة وثابتة في مكانها هو تعادل قوّة التجاذب والتنافر ، فالاولى تربط الاجرام فيما بينها ، والاخرى لها علاقة بحركتها.

هذا التعادل للقوّتين الذي يشكّل اعمدة غير مرئيّة يحفظ الاجرام السّماوية ويجعلها مستقرّة في مكانها.

وفي الحديث عن الامام امير المؤمنينعليه‌السلام بخصوص هذا الموضوع قال : «هذه النّجوم التي في السّماء مدائن مثل المدائن التي في الأرض مربوطة كلّ مدينة الى عمود من نور»(1) .

وهل نجد أوضح من هذا الوصف «عمود غير مرئي» او «عمود من نور» في ادب ذلك العصر لبيان أمواج الجاذبية وتعادل قوّتي الجذب والدفع. وللاطلاع اكثر راجع كتاب [القرآن وآخر الرسل] صفحة 166 وما بعدها.

( ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) في خصوص معنى العرش والاستواء عليه هناك شرح واف عنه في ذيل الآية 54 من سورة الأعراف.

وبعد ان بيّن خلق السّماوات وهيمنة الخالق عليها ، تحدّث عن تسخير الشمس والقمر( وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) .

ما أعظم هذا التسخير الذي يقع تحت ارادة ومشيئة الخالق ، وفي خدمة الوجود الانساني والكائنات الحيّة حيث يشعّ نورهما وتضيئان العالم ، وتحافظان على دفء الكائنات وتساعدانها على النمو ، وتخلقان ظاهرة الجزر والمدّ في البحار ، وخلاصة القول انّهما منشأ لجميع البركات ، ولكن هذا النظام المادّي ليس ابديّا ، بل( كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ) .

ثمّ يضيف بعد ذلك : انّ هذه الحركات والتغيّرات في الأحوال ليست بدون حساب وكتاب ، وبدون فائدة ونتيجة ، بل( يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ

__________________

(1) سفينة البحار ، المجلد الثاني ، ص 574 نقلا من تفسير علي بن ابراهيم القمي.

٣٣٠

رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) .

وتعقيبا للآيات السّابقة التي نقلت الإنسان الى السّماء لتريه الآيات الالهيّة هناك ، تنقله الآية الثانية من آيات التوحيد الى كتاب الكون اي الأرض والجبال والأنهار وانواع الثمار وشروق الشمس وغروبها ، حتّى يتفكّر في محل استقراره في البداية ماذا كان؟ وكيف أصبح الآن بهذه الصورة؟

قوله تعالى :( وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ ) وبسطها بالشكل الذي تتهيّأ فيه لحياة الإنسان ونمو النباتات والحيوانات ، وملا الاودية والمنحدرات الصعبة بالتراب من خلال تفتّت الصخور الجبليّة ، وجعل الأرض مسطّحة وقابلة للسكن ، بعد ان كانت التضاريس مانعة من سكن الإنسان عليها.

وقد يحتمل في تفسير هذه الجملة( مَدَّ الْأَرْضَ ) الاشارة الى ما يقوله علماء الطبيعة من انّ الأرض كانت مغطاة بالماء. ثمّ استقرّت المياه في الوديان ظهرت اليابسة ، وبمرور الوقت اتّسعت حتّى أصبحت على ما نراه اليوم.

ثمّ يشير القرآن الكريم الى ظهور الجبال( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ ) فهي تلك الجبال التي عبّرت عنها في آيات اخرى ب (الأوتاد) ولعلّ ذلك اشارة الى انّها متشابكة فيما بينها من الأسفل مثلها مثل الدرع الواقي وتغطّي سطح الأرض ، فهي تبطل الضغوط الداخلية في الأسفل والضغط الخارجي المتمثّل بجاذبية القمر والمدّ والجزر. وكذلك تقضي على الاضطرابات والزلازل ، وتجعل الأرض مستقرّة وساكنة وصالحة لحياة الإنسان.

انّ ذكر القرآن الكريم الجبال بعد مدّ الأرض يحتمل ان يكون المراد منه انّ الأرض ليست منبسطة بشكل تامّ بحيث تنعدم فيها المرتفعات ، ففي هذه الصورة لا تستقرّ فيها الأمطار والمياه ، او تتحوّل الى مستنقعات وتجري فيها السيول وتتعرّض للطوفانات الدائمة ، فخلق الجبال لتأمن البشرية من هذين الأمرين.

وليست الأرض كلّها جبالا ووديانا فتكون غير قابلة للسكن ، بل تحتوي

٣٣١

على مناطق منبسطة ومناطق جبلية ووديان ، وهذه أفضل صيغة لحياة الإنسان والكائنات الحيّة. ثمّ تضيف الآية بعد ذلك الأنهار( وَأَنْهاراً ) .

رائع جدّا نظام سقي الأرض بواسطة الجبال ، وعلاقة الأنهار بالجبال ، لانّ كثيرا من الجبال تختزن المياه بشكل ثلوج على قممها وفي شقوق الوديان ، ثمّ تذوب تدريجيّا ، وطبقا لقانون الجاذبية تأخذ طريقها من المناطق المرتفعة الى المناطق المنخفضة بدون ان تحتاج الى قوّة اخرى لمساعدتها ، فهي تقوم بسقي كثير من المناطق وبشكل طبيعي على مدار السنة.

فلو لم يكن للأرض انحدار كاف ولم تختزن الجبال المياه بهذا الشكل ، لكان سقي كثير من المناطق اليابسة صعبا ، وفي حالة الإمكان كنّا نحتاج الى صرف مبالغ هائلة لإيصال الماء إليها.

ثمّ يذكر القرآن بعد ذلك النّباتات والأشجار التي تتكوّن من الأرض والمياه واشعّة الشمس ، والتي هي أفضل وسيلة لإمرار الإنسان بالغذاء :( وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ) .

والآية تشير هنا الى انّ الفاكهة كائنات حيّة فيها الذكر والأنثى ، وبواسطة التلقيح تتكوّن الثمار.

فإذا كان العالم السّويدي «لينه» المختص بعلم النبات هو الذي توصّل الى هذه الحقيقة في حوالي منتصف القرن الثامن عشر الميلادي وهي انّ التزويج في عالم النباتات يعتبر قانونا عامّا تقريبا كالحيوانات ولها نطف ذكرية وانثوية وانّ الثمرة تتكوّن من التلقيح. فالقرآن الكريم قبل الف ومائة عام من ذلك كشف لنا عن هذه الحقيقة ، وهذه واحدة من معاجز القرآن العلمية التي تبيّن عظمة هذا الكتاب السّماوي الكبير.

وليس من شكّ انّ ما قبل «لينه» كان كثير من العلماء يعتقدون بوجود الذكور والإناث في بعض الأشجار ، حتّى الناس العاديين كانوا يعلمون بذلك ،

٣٣٢

ولكن لم يكن يعلم اي واحد انّ هذا القانون عام ، حتّى كشفه «لينه» ومن قبله القرآن الكريم.

وبما انّ حياة الإنسان وكلّ الكائنات ـ وخصوصا النباتات ـ لا يمكن لها الاستمرار الّا بوجود نظام دقيق للّيل والنهار ، فإنّ القرآن يشير الى ذلك في القسم الآخر من الآية( يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ ) .

ولو لا ظلمة الليل وهدوؤه ، لأحرقت الشمس بنورها المستمر كلّ النباتات ، ولم تبق فاكهة ولا اي كائن حي على وجه الأرض ، فسطح القمر ليس له نهار دائم ومع هذا نجد ان حتّى هذا المقدار من نهاره الذي يعادل خمسة عشر يوما من ايّام الأرض. نرى انّ درجة فيها مرتفعة جدّا بحيث لو وضعنا هناك ماءا او اي سائل آخر فسوف يغلي ويتبخّر ، ولا يمكن لاي موجود حيّ في الأرض ان يتحمّل هذه الحرارة.

وتبيّن الآية في النهاية( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) أولئك الذين يتفكّرون في هذا النظام الرائع ، في نظام النّور والظلام ، وحركة الاجرام السّماوية ، وتسخير الشمس والقمر وجعلها في خدمة الإنسان ، وفي نظام مدّ الأرض واسرار خلق الجبال والأنهار والنّباتات ، نعم! فهم يرون بوضوح في هذه الآيات الحكمة المطلقة والقدرة اللامتناهية للخالق العلّام.

وفي الآية الاخيرة من هذه المجموعة يشير القرآن الكريم الى عدّة نقاط حول علم الأرض وعلم النّبات ، والتي تعبّر عن النظام الدقيق للخلقة ، يقول اوّلا( وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) (1) فبالرغم من انّ هذه القطع متصلة مع بعضها البعض ، فإنّ لكلّ واحد منها بناءه وتركيبه الخاص به ، فبعضها قوي والآخر ضعيف ، وبعضها مالح والآخر حلو ، وكلّ قطعة لها الاستعداد في تربية نوع خاص

__________________

(1) متجاور بمعنى الجار وما يكون قريبا ، فقوله :( قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ) يقصد منه انّ هذه القطع مختلفة وليست متساوية ، والّا لم يكن للجملة معنى.

٣٣٣

من النباتات وأشجار الفاكهة والزراعة ، لانّ احتياجات الإنسان والحيوان كثيرة ومتفاوتة ، وقد تكون لكلّ قطعة من الأرض المسؤولية في تلبية احدى هذه الحاجات. وامّا إذا كانت في مستوى واحد ، او لم تكن استعداداتها مقسّمة بالشكل المطلوب ، لكان الإنسان يمرّ بأزمة ونقص في مواده الغذائية والطبية وسائر الاحتياجات الاخرى ، ولكن هذا التقسيم المناسب للمسؤولية وتوزيعها على القطعات المختلفة للأرض سوف يسدّ الاحتياجات اللازمة للإنسان.

قوله تعالى :( وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ ) (1) ( صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ ) (2) .

«صنوان» جمع «صنو» بمعنى الغصن الخارج من اصل الشجرة ، وعليه فالكلمة تعني الاغصان المختلفة الخارجة من اصل الشجرة.

والملفت للنظر انّه يمكن ان يكون لكلّ واحد من هذه الاغصان نوع خاصّ من الثمر ، وهذه قد تشير الى قابلية الأشجار للتركيب. ففي بعض الأحيان يتمّ تركيب عدّة أغصان مختلفة على ساق واحدة ، وبعد نمو هذه التراكيب تعطي كلّ واحدة منها نوعا خاصا من الثمر ، فالتربة واحدة والساق والجذر واحد ولكن الثمر مختلف.

والأعجب من ذلك انّها تسقى بماء واحد( يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ ) .

وقد نرى كثيرا انّه في الشجرة الواحدة او في غصن واحد توجد ثمار من نفس الصنف ولكن لها اطعمة وألوان مختلفة ، وفي العالم نشاهد اورادا كثيرة ، وقد يحمل الغصن الواحد اورادا مختلفة الألوان.

__________________

(1) «أعناب» جمع عنب و «النخيل» جمع نخلة ، ويحتمل انّهما ذكرتا بصيغة الجمع للدلالة على الأنواع المختلفة للعنب والتمر والتي قد تصل الى مئات الأنواع في العالم.

(2) وقد ذكروا معنى آخر لصنو ، وهو الشبيه ، ولكن يحتمل انّ هذا المعنى مأخوذ من نفس المعنى الذي ذكرناه آنفا.

٣٣٤

اي مختبر للأسرار هذا الذي يعمل في أغصان الأشجار ، والذي ينتج من مواد قليلة متحدة ، تركيبات مختلفة تؤمّن احتياجات الإنسان.

أليست هذه الأسرار تدلّ على وجود من يقود هذا النظام بالعلم والحكمة. وهنا في آخر الآية يقول تعالى :( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) .

* * *

هناك عدّة نقاط :

1 ـ ما هي وجه العلاقة بين التوحيد والمعاد؟

كان الحديث في بداية الآية عن التوحيد واسرار الكون ، ولكن نقرا في نهايتها( يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ ) فما هي وجه العلاقة بين التوحيد والمعاد حتّى تكون الواحدة نتيجة للأخرى؟

للاجابة على هذا السؤال لا بدّ من ملاحظة ما يلي :

ا ـ انّ قدرة الله على إيجاد الكون دليل على قدرته في إعادته كما نقرا في الآية (29) من سورة الأعراف( كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ) او نقرا في أواخر سورة «يس» قوله تعالى :( أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ) .

ب ـ وكما قلنا في بحثنا عن المعاد ، فإنّه لا فائدة من خلق العالم إذا لم تكن الآخرة حقيقة ، لانّه لا يمكن ان تكون هذه الحياة هي الهدف من خلق هذا العالم الواسع. يقول القرآن الكريم ضمن آياته المتعلّقة بالمعاد من سورة الواقعة آية (62) :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ ) (1) .

__________________

(1) للمطالعة اكثر راجع كتاب [المعاد والعالم بعد الموت].

٣٣٥

2 ـ الاعجاز العلمي للقرآن

هناك آيات كثيرة في القرآن المجيد أزاحت الستار عن مجموعة من الأسرار العلمية التي كانت خافية على العلماء في ذلك الوقت. وهذه واحدة من دلائل اعجاز وعظمة القرآن ، وغالبا ما كان يشير إليها كثير من المحقّقين في مسألة الاعجاز.

فمن جملة هذه الآيات ما ذكرناه آنفا وهي الآية التي تذكر الزوجية في النباتات ، فكما قلنا سابقا : انّ ظاهرة الزوجية في النباتات كانت معروفة للناس منذ القديم ولو بشكلها الجزئي ، ولكن لم تكن تعرف بشكل قانون عام حتّى أواسط القرن الثامن عشر حين استطاع العالم «لينه» والاوّل مرّة ان يكشف عن هذه الحقيقة ، ولكن القرآن الكريم اخبر بذلك قبل اكثر من الف عام.

كما أشار القرآن الى هذا الموضوع في سورة لقمان الآية 10 قوله تعالى :( وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ ) .

كما اشارت إليها آيات اخرى.

3 ـ تسخير الشمس والقمر

قرانا في الآيات السابقة انّ الله سخّر الشمس والقمر ، كما نقرا في آيات كثيرة اخرى عن تسخير السّماء والأرض والليل والنهار للإنسان.

فنقرا في آية( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ ) (1) وفي آية اخرى( وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ ) (2) ( سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ ) (3) ( وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ) (4) ( وَهُوَ

__________________

(1) ابراهيم ، 32.

(2) ابراهيم ، 32.

(3) النحل ، 12.

(4) ابراهيم ، 33.

٣٣٦

الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا ) (1) ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ ) (2) ( وَسَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ ) (3) .

من مجموع هذه الآيات يمكن ان نستفيد ما يلي :

اوّلا : انّ الإنسان أكمل من جميع الموجودات في هذا العالم ، فمن وجهة اسلامية نرى انّ الشريعة الاسلامية تعطي للإنسان القيمة الكبيرة بحيث تسخّر له كلّ ما في الكون ، فهو خليفة الله ، وقلبه مستودع نوره!

ثانيا : ويتّضح انّ التسخير ليس المقصود منه انّ جميع هذه الكائنات هي تحت امرة الإنسان ، بل هي بقدر معيّن تدخل ضمن منافعه وخدمته ، وعلى سبيل المثال فإنّ تسخير الكواكب السّماوية من اجل ان يستفيد الإنسان من نورها او لفوائد اخرى.

فلا يوجد اي مبدا يقيّم الإنسان بهذا الشكل ، ولا يوجد في ايّة فلسفة هذا المقام لشخصيته ، فهذه من خصائص المدرسة الاسلامية التي ترفع من قيمة الإنسان بهذا الشكل الكبير ، فالمعرفة بها لها اثر عميق على تربيته ، لانّه حينما يفكر الإنسان بتعظيم الله له ، وتسخير السحاب والهواء والشمس والقمر والنّجوم وجعلها في خدمته ، فمثل هذا الإنسان لا تعتريه الغفلة ولا يكون عبدا للشهوات وأسيرا للمال والمقام ، بل يحطّم القيود ويتطلّع الى آفاق السّماء.

كيف يمكن القول : انّ الشمس والقمر غير مسخّرين للإنسان في الوقت الذي نرى انّ في اشعّتها نور يضيء حياة الإنسان ويحافظ على دفئه ، ولولا اشعّة الشمس لما وجدت اي حركة او نشاط على الكرة الارضية ، ومن جهة اخرى فإنّ جاذبيتها تنظم حركة الأرض حول مدارها ، وتوجد ظاهرة المدّ والجزر في

__________________

(1) النحل ، 14.

(2) الحجّ ، 65.

(3) الجاثية ، 13.

٣٣٧

البحار بمساعدة القمر وهي بالتالي منبع لكثير من الفوائد والبركات.

فالبحار والأنهار ، والليل والنهار ، والفلك ، كلّ واحدة هي في خدمة الإنسان ومصالحه. والدقّة في هذا التسخير والنظام دليل واضح على عظمة وقدرة وحكمة الخالق المتعال.

* * *

٣٣٨

الآيتان

( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (5) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقابِ (6) )

التّفسير

تعجّب الكفّار من المعاد :

بعد ما انتهينا من البحث السّابق عن عظمة الله ودلائله ، تتطرّق الآية الاولى من هذه المجموعة الى مسألة المعاد التي لها علاقة خاصّة بمسألة المبدإ ، ويؤكّد القرآن الكريم هذا المعنى حيث يقول :( وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذا كُنَّا تُراباً أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ) (1) اي إذا أردت ان تتعجّب من قولهم هذا فتعجب لقولهم في

__________________

(1) ويحتمل في تفسير جملة( إِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ ) انّ المقصود منه ان تعجب من عبادتهم للأصنام فالأعجب ان ينكروا المعاد ، ولكن هذا الاحتمال غير وارد ، والصحيح ما هو ظاهر الآية المذكور في المتن.

٣٣٩

المعاد.

هذا التعجّب من المعاد كان موجودا عند جميع الأقوام الجاهلة ، فهم يظنّون انّ الحياة بعد الموت امر محال ، ولكنّنانرى انّ الآيات السابقة وآيات اخرى من القرآن الكريم تجيب على هذا التساؤل ، فما هو الفرق بين بدء الخلق والبعث من جديد؟ فالقادر الذي خلقهم اوّل مرّة باستطاعته ان يبعث الروح فيهم مرّة ثانية ، وهل نسي هؤلاء بداية خلقهم حتّى يجادلوا في بعثهم!؟

ثمّ يبيّن حالهم الحاضر ومصيرهم في ثلاث جمل :

يقول اوّلا :( أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ ) لانّهم لو كانوا يعتقدون بربوبيّة الله لما كانوا يتردّدون في قدرة الله على بعث الإنسان من جديد ، وعلى هذا فسوء ظنّهم بالمعاد هو نتيجة لسوء ظنّهم بالتوحيد وربوبية الله.

والأمر الآخر انّه بكفرهم وعدم ايمانهم وخروجهم من ساحة التوحيد قيّدوا أنفسهم بالاغلال ، أغلال عبادة الأصنام والأهواء والمادة والجهل والخرافة ، وجعلوها في أعناقهم( وَأُولئِكَ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ ) .

ومثل هؤلاء الأشخاص ليس لهم عاقبة سوى دخول النّار( وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ ) .

وفي الآية الثانية يشير الى دعوى اخرى للمشركين حيث يقول :( وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ ) بدلا من طلب الرحمة ببركة وجودك بينهم.

لماذا يصرّ هؤلاء القوم على الجهل والعناد؟ لماذا لم يقولوا : لو كنت صادقا لأنزلت علينا رحمة الله ، او لرفعت العذاب عنّا!؟ وهل يعتقدون بكذب العقوبات الالهيّة؟( وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلاتُ ) (1) . ثمّ تضيف الآية( وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ

__________________

(1) المثلات جمع «مثلة» بفتح الميم وضم الثاء ومعناها العقوبات النازلة على الأمم الماضية.

٣٤٠