الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 18349
تحميل: 292


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 18349 / تحميل: 292
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

من ذلك تكفينا تعب البحوث المطوّلة.

وفي مناظرة للإمام الصادقعليه‌السلام مع احد الزنادقة حول قوله تعالى :( كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ ) قال : فما بال الغير؟

أجابه الامام : «ويحك هي هي وهي غيرها!» قال : فمثّل لي ذلك شيئا من امر الدنيا! قال : «نعم ، أرأيت لو انّ رجلا أخذ لبنة فكسرها ثمّ ردّها في ملبنها ، فهي هي وهي غيرها»(1) .

ولا بدّ هنا من ملاحظة هذه اللفظة وهي انّ المثال وما له من تأثير كبير ودور فعّال يجب ان يكون مطابقا وموافقا للمقصود ، والّا يكون ضالا ومنحرفا.

ولهذا السبب يستفيد المنافقون من هذه الامثلة المنحرفة ليضلّوا بها الناس البسطاء ، فهم يستعينون بشعاع المثال ليصدق الناس اكاذيبهم ، فيجب ان نحذر من هذه الامثلة المنحرفة ونلاحظها بدقّة.

* * *

__________________

(1) الاحتجاج ، ص 354.

٣٨١

الآية

( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ (18) )

التّفسير

الذين استجابوا لدعوة الحقّ :

بعد ما كشفت الآيات السابقة عن وجهي الحقّ والباطل من خلال مثال واضح وبلي ، اشارت هذه الآية الى مصير الذين استجابوا لربّهم والذين لم يستجيبوا لهذه الدعوة واتّجهوا صوب الباطل. تقول اوّلا :( لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى ) .

«الحسنى» في معناها الواسع تشمل كلّ خير وسعادة ، بدءا من الخصال الحسنة والفضائل الاخلاقية الى الحياة الاجتماعية الطاهرة والنصر على الأعداء وجنّة الخلد.

ثمّ تضيف الآية( وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً

٣٨٢

وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ ) .

لا توجد صيغة أوضح من هذه الآية في بيان شدّة عذابهم وعقابهم ، يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض وضعفه ايضا ويفتدي به للنجاة ولا يحصل النجاة.

تشير هذه الجملة في الواقع الى آخر امنية والتي لا يمكن ان يتصوّر اكثر منها ، وهي ان يمتلك الإنسان كلّ ما في الأرض ، ولكن شدّة العذاب للظالمين ومخالفي الحقّ تصل بهم الى درجة ان يفتدوا بكلّ هذه الامنية او أكثر منها لنجاتهم. ولنفرض انّها قبلت منهم فتكون نجاتهم من العذاب فقط ، ولكن الثواب العظيم يكون من نصيب الذين استجابوا لدعوة الحقّ.

ومن هنا يتّضح انّ العبارة( وَمِثْلَهُ مَعَهُ ) ليس المقصود منها ان يكون لهم ضعف ما في الأرض ، بل انّهم مهما ملكوا اكثر من ذلك فانّهم مستعدّون للتنازل عنه مقابل نجاتهم من العذاب. ودليله واضح ، لانّ الإنسان يطلب كلّ شيء لمنفعته ، ولكن عند ما يجد نفسه غارقا في العذاب فما فائدة تملكه للدنيا كلّها؟

وعلى اثر هذا الشقاء (عدم قبول ما في الأرض مقابل نجاتهم) يشير القرآن الكريم الى شقاء آخر( أُولئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسابِ ) . فما هو المقصود من سوء الحساب؟

للمفسّرين آراء مختلفة حيث يعتقد البعض انّه الحساب الدقيق بدون اي عفو او مسامحة ، فسوء الحساب ليس بمفهوم الظلم ، لانّ الله سبحانه وتعالى هو العدل المطلق ، ويؤيّد هذا المعنى الحديث الوارد

عن الامام الصادقعليه‌السلام انّه قال لرجل : «يا فلان مالك ولأخيك؟» قال : جعلت فداك كان لي عليه حقّ فأستقصيت منه حقّي الى آخره ، وعنده سماع الامام لهذا الجواب غضب وجلس ثمّ قال : «كأنّك إذا استقصيت حقّك لم تسيء اليه! أرأيت ما حكى اللهعزوجل ( وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) أتراهم يخافون الله ان يجور عليهم؟! لا والله ما خافوا الّا الاستقصاء

٣٨٣

فسمّاه اللهعزوجل سوء الحساب ، فمن استقصى فقد أساءه»(1) .

وقال البعض : المقصود من سوء الحساب ، انّه يلازم حسابهم التوبيخ والملامة وغيرها ، فبالاضافة الى خوفهم من العذاب يؤلمهم التوبيخ.

ويقول البعض الآخر : المقصود هو الجزاء الذي يسوؤهم ، كما نقول : انّ فلان حسابه نقي ، او لآخر : حسابه مظلم ، وهذا يعني نتيجة حسابهم جيدة او سيّئة ، او تقول : (ضع حسابه في يده) يعني حاسبه طبقا لعمله.

هذه التفاسير الثلاثة غير متضادّة فيما بينها ، ويمكن ان يستفاد منها في تفسير الآية ، وهذا يعني انّ هؤلاء الافراد يحاسبون حسابا دقيقا ، وأثناء حسابهم يوبّخون ويلامون ومن ثمّ يستقصى منهم.

وفي نهاية الآية اشارة الى الجزاء الثّالث او النتيجة النهائية لجزائهم( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهادُ ) .

«المهاد» جمع مهد ، بمعنى التهيؤ ، ويستفاد منها معنى السرير الذي يستخدم لراحة الإنسان ، هذا السرير يهيّأ للاستراحة ، وقد ذكر القرآن الكريم هذه الكلمة للاشارة الى انّ هؤلاء الطغاة بدلا من ان يستريحوا في مهادهم يجب ان يحرقوا بلهيب النار.

* * *

بحث

يستفاد من الآيات القرآنية انّ الناس في يوم القيامة ينقسمون الى مجموعتين ، فمجموعة يحاسبهم الله بيسر وسهولة وبغير تدقيق( فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً ) .(2)

__________________

(1) تفسير البرهان ، المجلّد الثّاني ، صفحة 288.

(2) الانشقاق ، 8.

٣٨٤

وعلى العكس من ذلك هناك مجموعة يحاسبون بشدّة حتّى الذرّة والمثقال من الأعمال يحاسبون عليه ، كما حدث لبعض البلاد التي كان أهلها من العاصين ،( فَحاسَبْناها حِساباً شَدِيداً وَعَذَّبْناها عَذاباً نُكْراً ) (1) .

انّ هذا الحساب الشديد هو نتيجة لما كان يقوم به هؤلاء في حياتهم من استقصاء الآخرين حتّى الدينار الأخير ، وإذا ما حدث خطأ من احد فإنّهم يعاقبون بأشدّ ما يمكن ، ولم يسامحوا أحدا حتّى أبناءهم وإخوانهم وأصدقائهم ، وبما انّ الآخرة انعكاس لحياة الدنيا فإنّ الله سبحانه وتعالى يحاسبهم حسابا شديدا على اي عمل عملوه بدون ادنى سماح ، وعلى العكس فهناك اشخاص سهلون ومسامحون ومن اهل العفو ، خصوصا في مقابل أصدقائهم واقربائهم وذوي الحقوق عليهم او الضعفاء ، ويغضّون النظر عنهم وعن كثير من زلّاتهم الشخصيّة ، وفي مقابل ذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى يشملهم بعفوه ورحمته الواسعة ويحاسبهم حسابا يسيرا.

وهذا درس كبير لكلّ الناس وخصوصا أولئك الذين يتصدّرون الأمور.

* * *

__________________

(1) الطلاق ، 8.

٣٨٥

الآيات

( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (19) الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ (20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ (21) وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (22) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ (23) سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (24) )

التّفسير

الأبواب الثّمانية للجنّة وصفات اولي الألباب :

تتحدّث هذه الآيات عن سيرة اولي الألباب وصفاتهم الحسنة ، وفيها تكميل

٣٨٦

للبحث السابق.

في الآية الاولى من هذه المجموعة استفهام انكاري :( أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى ) .

وهذا وصف رائع ، فهو لم يقل : أفمن يعلم انّ هذا القرآن على الحقّ كمن لا يعلم؟ بل قال : كمن هو أعمى؟ وهذه اشارة لطيفة الى انّه من المحال ان لا يعلم احد بهذه الحقيقة الّا ان يكون أعمى القلب ، فكيف يمكن لإنسان يمتلك عينا سليمة ولا يرى نور الشمس ، وهذا القرآن كالشمس. ولذلك يجيء في نهاية الآية قوله تعالى :( إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ ) .

«الألباب» جمع لبّ بمعنى جوهر الشيء ، ويقابل اولي الألباب اولوا الجهل والعمى.

انّ هذه الآية ـ وكما يذهب اليه بعض المفسّرين ـ تحثّ الناس على طلب العلم ومحاربة الجهل ، لانّها تعدّ الفرد الفاقد للعلم كمن هو أعمى. ثمّ بيّن سيرة اولي الألباب من خلال ذكر صفاتهم الحميدة ، واوّل ما أشار القرآن اليه وفاؤهم بالعهد وعدم نقضهم له و( الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) .

انّ «عهد الله» له معنى واسع ، ويشمل العهود الفطرية التي عاهدوا بها ربّهم كالفطرة على التوحيد وحبّ الحقّ والعدالة ، والمواثيق العقليّة التي يدركها الإنسان من خلال التفكير والتعقّل لعالم الوجود ، والمبدإ والمعاد ، وتشمل كذلك العهود الشرعيّة ، وهي ما عاهدوا الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليه من الطاعة للأوامر الالهيّة وترك المعاصي والذنوب.

وتشمل هذه المجموعة كذلك الوفاء بالعهد بين الافراد ، لانّ الله سبحانه وتعالى اوصى بها ، بل تدخل ضمن الوفاء الشرعي والميثاق العقلي.

الصفة الثّانية من صفات اولي الألباب هي( وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) .

٣٨٧

لا نجد صيغة أوسع من هذه في هذا المجال ، فالإنسان له صلات وروابط كثيرة ، صلة مع ربّه ، ومع الأنبياء والقادة ، وروابطه مع الأصدقاء والجيران والأقرباء ومع كلّ الناس ، والآية تأمر ان تحترم هذه الصلات ، وتنهى عن اي عمل يؤدّي الى قطع هذه الصلات والروابط.

والإنسان في الحقيقة ليس منزويا او منفكّا من عالم الوجود ، بل تحكم كلّ وجوده الصلات والروابط ، ومن جملة هذه الصلات :

1 ـ صلته بالله سبحانه وتعالى ، والتي إذا ما قطعها الإنسان تؤدّي الى هلاكه كما في انطفاء نور المصباح في حالة قطع التيار الكهربائي عنه ، وعلى هذا فإنّ هذه الصلة التكوينيّة بين الإنسان وربّه يجب ان تتبعها صلة بأوامره واحكامه من حيث الطاعة والعبودية.

2 ـ صلته بالأنبياء والائمّةعليهم‌السلام على أساس انّهم قادة للبشرية وقطعها يؤدّي بالإنسان الى الضلال والانحراف.

3 ـ صلته بالمجتمع كافّة وخصوصا بذوي الحقوق عليه أمثال الأب والامّ والأقرباء.

4 ـ صلته بنفسه ، من حيث انّه مأمور بحفظها وإصلاحها وتكاملها.

انّ اقامة اي صلة من هذه الصلات ، هي في الواقع مصداق للآية( يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ ) وقطعها قطع لما امر الله به ان يوصل ، لانّ الله سبحانه وتعالى امر بأن توصل ولا تقطع.

وبالاضافة الى ما قلناه ، فهناك أحاديث واردة بخصوص هذه الآية يتّضح منها انّ المراد القرابة مرّة ، ومرّة الامامة او آل الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومرّة اخرى كلّ المؤمنين! فقد جاء عن الامام الصادقعليه‌السلام في تفسير الآية قال : «قرابتك» وعنه ايضاعليه‌السلام قال : «نزلت في رحم آل محمّد وقد يكون في قرابتك»(1) ومن الطريف

__________________

(1) نور الثقلين ، ج 2 ، صفحة 494.

٣٨٨

انّهعليه‌السلام يقول في نهاية الحديث : «فلا تكونن ممّن يقول للشيء انّه في شيء واحد» وهذه الجملة اشارة واضحة الى المعاني الواسعة للقرآن الكريم.

وعن الامام الصادقعليه‌السلام في حديث ثالث يقول : «هو صلة الامام في كلّ سنة (اي بالمال) بما قلّ او اكثر ، ثمّ قال : وما أريد بذلك الّا تزكيتكم»(1) .

الصفة الثّالثة والرّابعة من سيرة اولي الألباب هي قوله تعالى :( وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) .

لمعرفة الفرق بين «الخشية» و «الخوف» المتقاربان في المعنى يقول البعض : «الخشية» هي حالة الخوف مع احترام الطرف المقابل ومع العلم واليقين ، ولذلك عدّها القرآن الكريم من خصوصيات العلماء حيث يقول :( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) .

ولكن بالنظر الى استخدام القرآن الكريم لكلمة الخشية مرّات كثيرة يتّضح لنا انّها تأتي بمعنى الخوف وتستعمل معها بشكل مترادف.

هنا يطرح هذا السؤال : إذا كان الخوف من الخالق هو نفس الخوف من حسابه ، فما هو الفرق بين( يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ) و( يَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ ) ؟

الجواب : انّ الخوف من الله سبحانه وتعالى ليس ملزما دائما ان يكون خوفا من حسابه وعقابه ، بل انّ العظمة الالهيّة والاحساس بالعبوديّة له توجد حالة من الخوف في قلوب المؤمنين (بغضّ النظر عن الجزاء والعقاب) ، والآية (28) من سورة فاطر قد تشير الى هذا المعنى.

وهناك سؤال آخر يتعلّق بسوء الحساب ، وهو : هل من الصحيح انّ هناك ظلم في محاسبة الافراد؟

وقد تقدّم الجواب على هذا السؤال قبل عدّة آيات من هذه الآية وقلنا انّ المراد هو التدقيق الشديد في الحساب من دون عفو او تسامح وذكرنا ايضا

__________________

(1) المصدر السابق ، صفحة 495.

٣٨٩

حديثا في هذا الصدد.

الصّفة الخامسة من صفات اولي الألباب الاستقامة في مقابل جميع المشاكل التي يواجهها الإنسان في مسيرة الطاعة وترك المعصية ، وجهاد الأعداء ومحاربة الظلم والفساد(1) ، والصبر في مرضاة الخالق ، ولذلك يقول تعالى :( وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ ) لقد أشرنا مرارا الى مفهوم الاستقامة التي هي المعنى الواسع للصبر.

امّا معنى العبارة( وَجْهِ رَبِّهِمْ ) فقد تشير الى احد معنيين :

اوّلا : كلمة الوجه في هذه الموارد تعني العظمة ، كما نقول للرأي الصائب والمهمّ «هذا وجه الراي» باعتبار انّ الوجه يمثّل الشكل الظاهر والمهمّ للشيء ، كما في وجه الإنسان الذي يعتبر اهمّ جزء من جسده ، وفيه يقع السمع والبصر والنطق.

ثانيا : الوجه هنا بمعنى رضا الخالق ، فهم يصبرون على المحن والمشاكل لجلب مرضاة الله ، فاستعمال الوجه بهذا المعنى بسبب انّ الإنسان عند ما يريد ان يجلب رضا شخص يمعن النظر في وجهه (وعلى ذلك فهو يستعمل للكناية عن الشيء). وعلى ايّة حال فإنّ هذه الجملة تبيّن انّ كلّ صبر وعمل خير تكون له قيمة عند ما يصبح لوجه الله ، وايّ عمل آخر يقع تحت تأثير الرياء والغرور لا قيمة له مطلقا.

يقول بعض المفسّرين : انّ الإنسان يصبر مرّة لكي يقول عنه الناس : انّ هذا كثير الاستقامة. واخرى لخشيته ان يقولوا عنه انّه قليل الصبر ، او يصبر حتّى لا يشمت به الأعداء ، او يعلم ان لا فائدة من الجزع كلّ هذه الأمور والنيّات لا تدخل ضمن الكمال الانساني الّا إذا كانت خالصة لوجه الله. فهو يصبر ويستقيم لانّه يعلم انّ ايّ فاجعة او مصيبة لها حكمة ودليل ، ولا يقول ما يسخط الربّ ،

__________________

(1) ليس الصبر على الطاعة والمعصية والمصيبة فقط بل الصبر على النعم كذلك حتّى لا يصيب الإنسان الغرور.

٣٩٠

فهذا الصبر هو المعني بقوله تعالى :( ابْتِغاءَ وَجْهِ اللهِ ) .

الصفة السّادسة من صفاتهم هي( وَأَقامُوا الصَّلاةَ ) . رغم انّ اقامة الصلاة هي مصداق للوفاء بعهد الله وكذلك المصداق البارز لحفظ ما امر الله به ان يوصل ، ومصداق للصبر والاستقامة ، ولكن هناك بعض مصاديق تلك المفاهيم الكلّية اكثر اهميّة في مصير الإنسان ، فهذه الجملة والجمل التي ما بعدها تشير الى ذلك.

اي شيء اهمّ من هذا؟! انّ الإنسان يجدّد عهده وصلته بالله سبحانه وتعالى صباحا ومساء ، ويتفكّر بعظمة الخالق ويدعوه ، ويطهّر نفسه من الذنوب ، ويرتبط بالحقّ المطلق ، نعم فإنّ الصلاة لها كلّ هذه الآثار والبركات.

ثمّ يبيّن الصفة السّابعة لدعاة الحقّ حيث يقول تعالى :( وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً ) .

وهذه الآية ليست الوحيدة التي تشير الى مسألة الإنفاق او الزكاة بعد ذكر الصلاة ، فكثير من الآيات تشير الى هذا الترادف ، فواحدة تحكم الصلة بين العبد وربّه والثّانية بين العباد.

والجملة( مِمَّا رَزَقْناهُمْ ) تشمل كلّ العطايا من الأموال والعلوم والقوّة والجاه ، والإنفاق كذلك يشمل جميع هذه الابعاد. والعبارة( سِرًّا وَعَلانِيَةً ) اشارة اخرى الى هذه الحقيقة وهي انّ إنفاقهم يتمّ بشكل مدروس ، فتارة يكون سرّا ويترتّب عليه اثر كبير ، وذلك في الحالات التي توجب ان يحفظ فيها ماء الوجه للطرف الآخر او تصون الطرف المنفق من الرياء ، ومرّة يكون الإنفاق العلني اكثر تأثيرا وذلك في الحالات التي تدعو الآخرين لكي يتأسّوا بهذا العمل الخيّر ويقتدوا به ، فيكون سببا لكثير من اعمال الخير.

ومن هنا يتّضح انّ القرآن الكريم يدقّق في اعمال الخير بشكل كبير ، ليس فقط في اصل العمل ، بل حتّى في كيفيّة تنفيذه.

الصفة الثّامنة والاخيرة هي قوله تعالى :( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) .

٣٩١

ومعنى هذه العبارة انّهم لم يكتفوا بالتوبة والاستغفار فقط عند ارتكابهم الذنوب ، بل يدفعونها كذلك بالحسنات على مقدار تلك الذنوب ، حتّى يطهّروا أنفسهم والمجتمع بماء الحسنات.

«يدرءون» مضارع «درأ» على وزن «زرع» بمعنى دفع.

ويحتمل في تفسير الآية انّهم لا يقابلون السيء بالسيء ، بل يسعون من خلال إحسانهم للمسيئين ان يجعلوهم يعيدون النظر في مواقفهم ، كما نقرا في الآية (34) من سورة فصلت قوله تعالى :( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) .

وفي نفس الوقت ليس هناك مانع من انّ الآية تشير الى هذين المعنيين ، كما اشارت إليها الأحاديث الاسلامية. ففي الحديث عن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لمعاذ بن جبل : «إذا عملت سيّئة فاعمل بجنبها حسنة تمحها»(1) .

وعن الامام عليعليه‌السلام قال «عاتب أخاك بالإحسان اليه واردد شرّه بالانعام عليه»(2) .

ولا بدّ هنا من الالتفات الى هذه النقطة ، وهي انّ هذه الأحكام أخلاقية تخصّ الحالات التي يحصل فيها تأثير على الآخرين ، وهناك قوانين واحكام جزائية واردة في التشريع الاسلامي لمعاقبة المسيئين.

وبعد ما ذكر القرآن الكريم الصفات الثمانية لاولي الألباب ، أشار في نهاية الآية الى عاقبة أمرهم حيث يقول تعالى :( أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ) (3) .

الآية الاخرى توضّح هذه العاقبة( جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ) .

__________________

(1) مجمع البيان ذيل الآية أعلاه.

(2) الكلمات القصار في نهج البلاغة ، الكلمة 158.

(3) «العقبى» بمعنى العاقبة او نهاية العمل خيرا كان او شرّا ، ولكن بالنظر الى قرينة الحال في الآية أعلاه تشير الى العاقبة الحسنة.

٣٩٢

والشيء الذي يكمل هذه النعم الكبيرة واللامتناهية( وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ) فهذه السلامة جاءت بعد ما صبرتم على الشدائد وتحمّلتم المسؤوليات الجسام والمصائب ، ولكم هنا كامل الطمأنينة والامان ، فلا حرب ولا نزاع ، وكلّ شيء يبتسم لكم ، والراحة الخالية من المتاعب ـ هنا ـ معدّة لكم.

* * *

بحوث

1 ـ لماذا ذكر الصبر فقط؟

جملة( سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ ) تشير الى مسألة الصبر فقط ، في الوقت الذي نرى فيه الآيات السابقة اشارت الى ثمانية صفات لاولي الألباب ، فما هو السرّ في ذلك؟

للاجابة على هذا الاستفهام نورد ما جاء عن الامام عليعليه‌السلام في حديث قيّم وذي مغزى كبير ، حيث قال : «انّ الصبر من الايمان كالرأس من الجسد ، ولا خير في جسد لا راس معه ، ولا في ايمان لا صبر معه».

في الحقيقة انّ كلّ الأفعال الحيّة والصفات الحميدة للافراد والمجتمعات تستند الى الصبر والاستقامة ، وبدونها لا يمكن ان نحصل على اي شيء من هذه الصفات ، لانّ في مسيرة عمل الخير عقبات وموانع لا يمكن ان ننتصر عليها الّا بالاستقامة ، فلا الوفاء بالعهد يمكن تنفيذه بدون الصبر والاستقامة ولا الصلات الالهيّة ، ولا الخوف من الله ، ولا اقامة الصلاة ولا الإنفاق يمكن بلوغها بغير الصبر والاستقامة.

٣٩٣

2 ـ أبواب الجنّة

يستفاد من آيات القرآن الكريم والأحاديث الشريفة انّ للجنّة عدّة أبواب ، ولكن هذا التعدّد للأبواب ليس لكثرة الداخلين الى الجنّة فيضيق عليهم الباب الواحد ، وليس كذلك للتفاوت الطبقي حتّى تدخل كلّ مجموعة من باب ، ولا لبعد المسافة او قربها ، ولا لجمال الأبواب وكثرتها ، فأبواب الجنّة ليست كأبواب القصور والبساتين في الدنيا ، بل تعدّدت هذه الأبواب بسبب الأعمال المختلفة للافراد. ولذا نقرا في بعض الاخبار انّ للأبواب اسماء مختلفة ، فهناك باب يسمّى باب المجاهدين ، والمجاهدون يدخلون بسلاحهم من ذلك الباب الى الجنّة ، والملائكة تحييهم(1) !

وروي عن الامام الباقرعليه‌السلام «واعلموا انّ للجنّة ثمانية أبواب ، عرض كلّ باب مسيرة أربعين سنة»(2) .

ومن الظريف انّ القرآن الكريم يذكر لجهنّم سبعة أبواب( لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ ) (3) وطبقا للرّوايات فإنّ للجنّة ثمانية أبواب ، وهذه اشارة واضحة الى انّ طرق الوصول الى السعادة وجنّة الخلد اكثر من طرق الوصول الى الشقاء والجحيم. ورحمة الله سبقت غضبه «يا من سبقت رحمته غضبه».

ومن الطف ما في الأمر انّ الآيات السابقة اشارت الى ثمان صفات من صفات اولي الألباب ، وكلّ واحدة منها ـ في الواقع ـ هي باب من أبواب الجنّة وطريق للوصول الى السعادة الابدية.

__________________

(1) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة ، المجلّد الثّالث ، ص 995.

(2) الخصال للصدوق ، الباب الثاني.

(3) الحجر ، 44.

٣٩٤

3 ـ يلحق بأهل الجنّة اقرباؤهم

الآية أعلاه وآيات اخرى من القرآن الكريم تصرّح انّ من بين اهل الجنّة آباؤهم وأزواجهم وأبناؤهم الصالحون ، وهذا انّما هو لإتمام النعمة عليهم ، وكي لا يشعروا بفراق احبّائهم ، وبما انّ تلك الدار متكاملة وكلّ شيء يتجدّد فيها ، فإنّ أصحابها يدخلون فيها بوجوه جديدة واكثر محبّة والفة. المحبّة التي تضاعف من نعم الجنّة لهم.

لا شكّ انّ الآية أعلاه اشارت الى الآباء والأزواج والأبناء ، ولكن في الواقع كلّ الأقرباء سيجتمعون هناك ، لانّه من غير الممكن وجود الأبناء والآباء بدون إخوانهم وأخواتهم وحتّى جميع اقربائهم ، فالأب الصالح يلحق به ابناؤه واخوته ، وعلى هذا الأساس يكون حضور الأقرباء معهم بشكل طبيعي.

4 ـ ما هي جنّات عدن؟

«العدن» الاستقرار ، وهنا جاءت الكلمة بمعنى الخلود ، ومنه المعدن لمستقرّ العناصر الفلزية. ويستفاد من مختلف آيات القرآن انّ الجنّة دار خلود لأهلها ، ولكن ـ كما قلنا في ذيل الآية (72) من سورة التوبة ـ جنّات عدن هي محلّ خاص في الجنّة ، ولها صفات ومنازل عالية ، ولا يدخلها الّا ثلاثة : الأنبياء والصدّيقون والشهداء(1) .

5 ـ التطهير من آثار الذنوب

ممّا لا شكّ فيه انّ الحسنات والسيئات لها اثر متقابل في النفس ونحن نرى في حياتنا اليوميّة كثيرا من النماذج بخصوص هذا الموضوع ، فمرّة يتحمّل الإنسان مشاق سنين كثيرة ويسعى للحصول على الثروة ، ولكن يفقدها بعمل

__________________

(1) للتوضيح اكثر راجع ما ذكر ذيل الآية (72) من سورة التوبة.

٣٩٥

بسيط ناتج عن اللامبالاة ، او ليس هذا احباطا للحسنات المادية. ومرّة اخرى على العكس حيث يرتكب الإنسان كثيرا من الاخطاء في حياته ويتحمّل الخسارة الكبيرة ، ولكن يسترجعها من خلال عمل شجاع ومحسوب.

والآية( وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ ) اشارة الى هذا الموضوع ، لانّ الإنسان غير معصوم ، وهو معرّض للخطأ والمعصية ، فعليه ان يفكّر بإصلاح ما فسد ، فأعمال الخير لا تمحو الآثار الاجتماعية للذنوب ، بل كذلك تمحو من قلبه الظلمة وتعيده الى النّور والصفاء الفطري. وهذه الحالة تسمّى في القرآن الكريم بـ «التكفير» (كما تقدّم في ذيل الآية 217 من تفسير سورة البقرة إشارات كثيرة في هذا المجال).

ولكن كما قلنا ـ في تفسير الآية أعلاه ـ يمكن ان تكون اشارة الى الفضيلة الاخلاقية لاولي الألباب ، وذلك انّهم لا يواجهون السيّئة بالسيّئة ، بل العكس يقابلون الانتقام بالإحسان والسيّئة بالحسنة.

* * *

٣٩٦

الآيتان

( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ (25) اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ مَتاعٌ (26) )

التّفسير

المفسدون في الأرض!

بعد ما ذكرت الآيات السابقة صفات اولي الألباب ودعاة الحقّ ، اشارت هذه الآيات الى قسم من الصفات الاصليّة للمفسدين الذين فقدوا حظّهم من العلم والمعرفة حيث يقول جلّ وعلا :( وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ) .

في الحقيقة يتلخّص فساد عقيدتهم في الجمل الثلاث الآتية :

٣٩٧

1 ـ نقض العهود الالهيّة : وتشمل المواثيق الفطرية والعقليّة والتشريعيّة.

2 ـ قطع الصلات : وتشمل الصلة مع الله والرسل والناس ومع أنفسهم.

3 ـ الإفساد في الأرض : وهو نتيجة حتمية لنقض العهود وقطع الصلات.

او ليس المفسد هو الذي ينقض عهد الله ويقطع الصلات؟!

فهذا السعي من قبل هذه المجموعة من الافراد بهدف الوصول الى الأغراض المادّية ، وعوضا ان تصل بهم هذه الجهود المبذولة الى الاهداف النّبيلة تبعدهم عنها ، لانّ اللعن هو عبارة عن الابتعاد من رحمة الله(1) .

ومن الظريف انّ الدار هنا وفي الآية السابقة جاءت بصيغة مطلقة ، وهذه اشارة الى انّ الدار الحقيقيّة هي الدار الآخرة ، واي دار ما عداها فانية وزائلة.

قوله تعالى :( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ ) وهذه اشارة لأولئك الذين يسعون للحصول على دخل اكثر فهم يفسدون في الأرض وينقضون عهد الله ويقطعون ما امر الله به ان يوصل لكي يزيدوا من دخلهم المادّي ، وهم غافلون عن هذه الحقيقة وهي انّ الرزق ـ في زيادته ونقصه ـ بيد الله سبحانه وتعالى.

وبالاضافة الى ذلك يمكن ان تكون هذه الجملة جوابا على سؤال مقدّر ، وهو : كيف انّ الله سبحانه وتعالى يرزق كلّ هؤلاء الناس الصالح منهم والطالح من فيض كرمه.

والآية تجيب على هذا السؤال وتقول :( اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ) ومع ذلك فهو متاع قليل وزائل ، وما ينبغي السعي اليه هو الآخرة والسعادة الابديّة.

وعلى ايّة حال فإنّ المشيئة الالهيّة في مجال الرزق هي انّ الله سبحانه وتعالى لا يبسط الرزق لأحد بدون الاستفادة من الأسباب الطبيعيّة له «ابى الله ان يجري الأمور الّا بأسبابه».

__________________

(1) يقول الراغب في مفرداته : اللعن بمعنى الطرد مع الغضب ، واللعن في الآخرة تشير الى العقوبة وفي الدنيا الابتعاد من رحمة الله ، وإذا كان من قبل الناس فمعناه دعاء السوء.

٣٩٨

ثمّ تضيف الآية( وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتاعٌ ) .

وقد ذكر «متاع» بصيغة النكرة لبيان تفاهة الدنيا بالمقارنة مع الآخرة.

* * *

بحثان

1 ـ من هو المفسد في الأرض؟

الفساد يقابله الإصلاح ، ويطلق على كلّ عمل تخريبي ، ويقول الراغب في مفرداته : «الفساد خروج الشيء عن الاعتدال قليلا كان او كثيرا ، ويضادّه الصلاح ، ويستعمل ذلك في النفس والبدن والأشياء الخارجة عن الاستقامة» وعلى ذلك فكلّ عمل فيه نقص ، وكلّ افراط وتفريط في المسائل الفردية والاجتماعية هو مصداق للفساد!

وفي كثير من موارد القرآن الكريم ذكر الفساد في مقابل الإصلاح( الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ ) (1) ، وقوله تعالى :( وَاللهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ) ،(2) وقوله تعالى :( وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ) (3) .

كما ذكر الايمان والعمل الصالح في مقابل الفساد ، وحيث يقول جلّ وعلا( أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ ) .(4)

ومن جانب آخر ذكر الفساد ، مع كلمة «في الأرض» في كثير من آيات القرآن الكريم نحو عشرين آية ونيّف ، وهي توضّح الجوانب الاجتماعية للمسألة.

__________________

(1) الشعراء ، 152.

(2) البقرة ، 220.

(3) الأعراف ، 142.

(4) سورة ص ، 28.

٣٩٩

ومن جانب ثالث ذكر الفساد والإفساد مع ذنوب اخرى ، ويحتمل ان يكون مصداقا لها ، وبعض هذه الذنوب كبيرة وبعضها الآخر أصغر فمثلا قوله تعالى :( إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً ) ،(1) وقوله تعالى( وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ ) (2) ( النَّسْلَ ) ، وقوله تعالى :( الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ) ،(3) وقوله تعالى :( تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً ) .(4)

ومرّة يعتبر فرعون من المفسدين ، وأثناء توبته عند غرقه في النيل يقول :( آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ) .(5)

وقد استعمل «الفساد في الأرض» تعبيرا عن السرقة كما في قصّة يوسفعليه‌السلام ( تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنَّا سارِقِينَ ) .(6)

ومرّة اخرى كناية عن قلّة البيع ، كما في قصّة شعيب حيث نقرا قوله تعالى :( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ) .(7)

وأخيرا استخدم القرآن الكريم الفساد في التعبير عن اضطراب النظام الكوني( لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللهُ لَفَسَدَتا ) .(8)

نستفيد من مجموع هذه الآيات انّ الفساد ـ بشكل عام ـ او الفساد في الأرض ، له معنى واسع جدّا ، بحيث يشمل اكبر الجرائم مثل جرائم فرعون وسائر

__________________

(1) المائدة ، 33.

(2) البقرة ، 205.

(3) البقرة ، 27.

(4) القصص ، 83.

(5) يونس ، 91.

(6) يوسف ، 73.

(7) هود ، 85.

(8) الأنبياء ، 22.

٤٠٠