الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 8857
تحميل: 215


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 8857 / تحميل: 215
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

بحوث

1 ـ ماذا يعني مقام الربّ؟

قرانا في الآيات أعلاه انّ النصر على الظالمين واسكان الأرض للذين يخافون مقام ربّهم ، فما هو المقصود من «المقام»؟ هناك عدّة احتمالات :

الف : ـ المقصود هو مقام الربّ عند الحساب ، كما ذكرت بعض الآيات الاخرى( وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى ) ،(1) ( وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ ) (2) .

باء : ـ المقام بمعنى القيام اي المراقبة ، ومعناه الشخص الذي يخاف من مراقبة الله له ، ويحسّ بالمسؤولية.

ج : ـ والمقام بمعنى «القيام لإجراء العدالة واحقاق الحقّ».

وعلى ايّة حال ، فلا مانع ان تكون الآية الشريفة متضمّنة لكلّ هذه المفاهيم ، فالذين يرون مراقبة الله لهم ، يخافون من حسابه واجراء عدالته ، خوفا بنّاء يجعلهم يحسّون بمسؤولياتهم في كلّ عمل يقومون به ، ويبعدهم عن الظلم والذنوب ، فالغلبة وحكومة الأرض من نصيبهم.

2 ـ هناك جدل بين المفسّرين حول جملة «واستفتحوا» حيث اعتقد البعض بأنّها بمعنى طلب الفتح والنصر ، كما ذكرناه سابقا ، وشاهدهم الآية (19) من سورة الأنفال( إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ ) .

وقال بعض آخر : انّها بمعنى القضاء والحكومة ، يعني انّ الأنبياء طلبوا من الله ان يحكم بينهم وبين الكفّار ، وشاهدهم الآية (89) من سورة الأعراف( رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ ) .

3 ـ جاء في التأريخ والتّفسير انّ الوليد بن يزيد بن عبد الملك الحاكم الاموي

__________________

(1) النازعات ، 40.

(2) الرحمان ، 46.

٤٨١

الجبّار تفألّ بالقرآن يوما لكي يرى حظّه في المستقبل ، فظهرت قوله تعالى( وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ) في بداية الصفحة ، فاستوحش وأخذته العصبية بحيث مزّق القرآن الكريم ثمّ انشد :

اتوعد كلّ جبّار عنيد؟

فها انا ذاك جبّار عنيد؟

إذا ما جئت ربّك يوم حشر

فقل يا ربّ مزّقني الوليد

ولكن لم يمض وقت طويل حتّى قتل اسوا قتلة من قبل أعدائه ، وقطعوا رأسه وعلّقوه فوق سطح قصره ، ومن ثمّ نقلوه الى باب المدينة(1) .

* * *

__________________

(1) تفسير القرطبي ، ص 3579.

٤٨٢

الآية

( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (18) )

التّفسير

رماد اشتدّت به الريح :

ضربت هذه الآية مثالا واضحا وبليغا لاعمال الكفّار ، وبذلك تكمل بحث الآيات السابقة في مجال عاقبة أمرهم.

يقول تعالى :( مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ ) فيتناثر الرماد في الريح العاصف بحيث لا يستطيع احد جمعه ، كذلك منكرو الحقّ ليست باستطاعتهم ان يجمعوا ما كسبوا( لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ ) .

* * *

٤٨٣

بحوث

1 ـ لماذا شبّهت اعمالهم كرماد اشتدّت به الريح؟

الجواب :

1 ـ التشبيه بالرماد (مع إمكان الاستفادة من التراب والغبار في ذلك) لانّه عبارة عن بقايا الاحتراق ، والآية توضّح انّ اعمالهم ظاهرية فقط وليس لها اي محتوى ، فيمكن ان تنمو وردة جميلة في حفنة من التراب ، ولكن لا يمكن ان ينمو في الرماد حتّى العلف الرّديء.

2 ـ ان ذرّات الرماد غير متلاصقة ، وحتّى بمساعدة الماء لا يمكن ترابطها فالذرّات تنفصل عن بعضها البعض بسرعة ، وكأنّ ذلك يشير الى انّ اعمال الكفّار غير منسجمة ولا موحّدة ، على العكس من اعمال المؤمنين حيث نراها منسجمة وموحّدة ومترابطة وكلّ عمل يكمل العمل الآخر ، فروح التوحيد والوحدة لا تقتصر على توحيد الجماعة المؤمنة في ما بينهم بل تنعكس حتّى في اعمال الفرد المسلم.

3 ـ بالرغم من تناثر الرماد في اشتداد الريح ، الّا انّه يؤكّده في يوم عاصف ، لانّ الرياح إذا كانت محدودة وآنيّة فمن الممكن ان ينتقل الرماد من مكان الى مكان ليس بالبعيد ، ولكن إذا كان يوم عاصف فمن البديهي ان يتناثر الرماد بشكل واسع ، وتنتشر ذرّاته ولا يمكن لايّة قدرة جمعها.

4 ـ إذا كانت العاصفة تهبّ على التبن وأوراق الشجر وتنتثرها في أماكن بعيدة الّا انّه يمكن تشخيصها ، ولكن ذرّات الرماد من الصغر بحيث لو انتثرت لا يبقى لها اي اثر وكأنّ ليس لها وجود سابق.

5 ـ انّ الرياح وحتّى العواصف لها فوائد جمّة في الطبيعة بغضّ النظر عن آثارها المدمّرة في بعض الأحيان ، وفوائدها هي :

الف : ـ تقوم بنشر بذور النباتات في كلّ مكان من الكرة الارضيّة ، كالمزارع

٤٨٤

والفلاح.

ب : ـ تلقّح الأشجار بنقل حبوب اللقاح من الذكور الى الإناث.

ج : ـ تقوم بتحريك السحاب من المحيطات الى الاراضي اليابسة.

د : ـ تحكّ الجبال العالية وتحوّلها الى تراب ناعم ومفيد.

ه : ـ تنقل الهواء من المناطق القطبية الى المناطق الاستوائية وبالعكس ، حيث تقوم بدور فعّال في تعديل درجات الحرارة.

و: ـ انّ حركة الرياح تثير البحار فتجعلها متلاطمة وموّاجة كي يدخل فيها الهواء ، لانّها إذا ركدت سوف تتعفّن ، وهكذا نجد انّ كلّ ما في الوجود من الأشجار والكائنات الحيّة قد استفاد من هبوب الرياح كلّ على قدره.

ولكن «الرماد» الخفيف الوزن والتافه وعديم الفائدة والذي لا يمكن لاي موجود ان يعيش فيه ، هذا الرماد المتناثر يتلاشى بسرعة حينما تهبّ الريح عليه ، ويزول حتّى ظاهره غير المفيد.

2 ـ لماذا فرغت اعمالهم من المحتوى؟

يجب ان نرى لماذا كانت اعمال الكفّار غير ذات قيمة وغير ثابتة؟ ولماذا لا يستطيع الكفّار الاستفادة من نتائج اعمالهم؟

ويتّضح الجواب على هذا السؤال لو درسنا المسألة من ناحية النظرة التوحيديّة للعالم ، لانّ النيّة والهدف والمنهجية هي التي تعطي للعمل شكله ومضمونه ، فإذا كانت الخطّة والنيّة والغاية سالمة وجديرة بالاهتمام فسوف يكون العمل كذلك ، ولكن لو قمنا بأحسن الأعمال بنيّة غير صادقة وخطّة سقيمة وهدف شيطاني ، فإنّ ذلك العمل يكون ممسوخا ويفقد محتواه ويزول كليّا كالرماد إذا اشتدّت به الريح!

ولا بأس هنا ان نذكر مثالا حيّا لذلك ، نشاهد الآن برامجا تحت عنوان

٤٨٥

حقوق الإنسان في العالم الغربي ومن قبل القوى المستكبرة ، هذه البرامج نفسها كانت تجري من قبل الأنبياء ايضا ، ولكن حصيلة الاثنين متفاوتة كما بين الأرض والسّماء. فالقوى الاستكبارية عند ما تنادي بحقوق الإنسان فمن المسلّم انّ اهدافها غير انسانية وغير أخلاقية ، بل التغطية على جرائمهم واستعمارهم بشكل اكثر ، لذلك وعلى سبيل المثال لو اعتقل احد جواسيسهم في مكان ما ، فسوف يملا عويلهم وصراخهم الدنيا بالدفاع ، عن حقوق الإنسان ، ولكن عند ما تلطّخت أيديهم بدماء آلاف الناس في فيتنام ، وارتكبوا الفجائع في الدول الاسلامية ، ونسيت فيه حقوق الإنسان ، بل انّهم استغلّوا حقوق الإنسان لمساعدة الانظمة الجائرة والعميلة!

ولكن الأنبياءعليهم‌السلام او أوصياءهم ينادون بحقوق البشر لتحرير الإنسان من القيود والأغلال والظلم ، وعند ما يرون إنسانا مظلوما نراهم يهبون للدفاع عنه بالقول والعمل.

وبهذا النحو يكون الاوّل رماد اشتدّت به الريح ، والثّاني ارض مباركة طيّبة لنمو النباتات والثمار والأوراد.

ويتّضح من هنا ما دار بين المفسّرين من المقصود من العمل في الآية أعلاه ، وهو انّ مراد الآية جميع اعمال الكفّار حتّى اعمالهم الحسنة في الظاهر ، الّا انّها مبطّنة بالشرك والإلحاد.

3 ـ مسألة الإحباط

هناك جدل كبير بين علماء المسلمين في مسألة «حبط الأعمال» فهل معناه ذهاب عمل الخير بسبب عمل الشرّ ، او بسبب الكفر وعدم الايمان ، ولكن الحقّ ما قلناه في ذيل الآية (217) من سورة البقرة ، من انّ الإصرار على الكفر والعناد وايضا بعض الأعمال الاخرى كالحسد والغيبة وقتل النفس لها آثار سيّئة كبيرة

٤٨٦

بحيث تذهب بأعمال الخير والحسنات.

والآية أعلاه دليل آخر في إمكان حبط الأعمال(1) .

4 ـ هل للمخترعين والمكتشفين ثواب الهي؟

بالنظر للبحوث الآنفة الذكر يرد سؤال مهمّ ، وهو انّنا من خلال مطالعتنا في تأريخ العلوم والاختراعات والاكتشافات نرى انّ هناك مجموعة من العلماء استطاعوا ان يقدّموا خدمات جليلة للبشرية وتحمّلوا في سبيل خدمة البشرية منتهى الشدّة والصعوبة ليقدّموا اختراعاتهم واكتشافاتهم للناس ، فعلى سبيل المثال مخترع الكهرباء «اديسون» تحمّل الصعاب ويقال فقد حياته في هذا الطريق لكنّه أضاء العالم ، وحرّك المعامل ، وببركة اختراعه وجدت الآبار العميقة حيث اخضّرت الأرض وتغيّرت الدنيا. و «باستور» الذي اكتشف المكروب ، وأنقذ ملايين الناس من الموت المحتوم فهؤلاء وعشرات مثلهم كيف يجعلهم الله في جهنّم لكونهم غير مؤمنين؟ مع انّ هناك افرادا لم يقدّموا ايّة خدمة للانسانية طول حياتهم ، ويدخلون الجنّة!

الجواب : انّ العمل في حدّ ذاته ليس كافيا من وجهة نظر العقيدة الاسلامية ، بل قيمته في النيّة والقوى المحرّكة له ، فكثيرا ما نشاهد من اعمال الخير كبناء مدرسة او مستشفى او اي عمل آخر وهدف صاحبه في الظاهر هو خدمة المجتمع الانساني ، الّا انّه تحت هذا الغطاء شيء آخر وذاك هو حفظ جاهه او ماله او جلب انظار الناس اليه ، وتحكيم منافعه المادية ، او حتّى ستر خيانته بعيدا عن انظار الآخرين!

وعلى العكس ، فمن الممكن ان يعمل شخص عملا صغيرا ، الّا انّه مخلص في نيّته صادق ، والآن يجب ان نحقّق في ملفات هؤلاء الرجال العظام من وجهة

__________________

(1) للاطلاع اكثر راجع تفسير الآية (217) من سورة البقرة من تفسيرنا هذا.

٤٨٧

نظر عملهم وكذلك الأسباب والدوافع ، وهي لا تخرج من احد امور :

الف : ـ يكون الهدف من الاختراع أحيانا عملا تخريبيّا (كما في اكتشاف الطاقة النووية حيث كان الهدف الاوّل منها صناعة القنابل النووية) ويمكن الاستفادة منها لخدمة الإنسان ، الّا انّه لم يكن الهدف الاصلي من اختراعها ، فقيمة عمل هذه المجموعة من المخترعين واضح تماما.

ب : ـ وقد يكون هدف المخترع او المكتشف الربح المادّي او الشهرة ، فحكمه ـ في الحقيقة ـ حكم التاجر الذي يقوم بتأسيس الخدمات العامّة لكي يحصل على أرباح اكثر ، ويقوم بتشغيل العمّال وانتاج المحاصيل الزراعية للبلد ، فالهدف من كلّ ذلك هو الحصول على اكبر وارد ممكن ، ولو كان هناك عمل اكثر ربحا لركض وراءه.

بالطبع فإنّ هذه التجارة لو كانت طبقا للموازين الشرعيّة ، فإنّها ليست حراما ، الّا انّها لا تحتسب عملا مقدّسا ومهمّا.

ومثل هؤلاء المخترعين والمكتشفين ليسوا قليلين على طول التاريخ ، فطريقة تفكيرهم ان يقدّموا العمل الأكثر ربحا ـ حتّى لو كان مضرّا بالمجتمع ـ (فمثلا صناعة الادوية لها من الفوائد 20 خ بينما في صناعة الهيروئين 50 خ فهم يرجّحون الثّاني على الاوّل) فحكم هذه المجموعة واضح ايضا ، حيث لم يطلبوا من الله ولا من الناس اي شيء وجزاؤهم الربح والشهرة فقط.

ج : ـ هناك مجموعة ثالثة لا شكّ في انّ دوافعها انسانية ، او الهيّة إذا كانت الجماعة مؤمنة ، وأحيانا يمضون سنين طويلة في زوايا المختبرات بكامل الفاقة والحرمان على امل ان يقدّموا خدمة لبني جنسهم ، او هديّة للعالم ، ليحلّوا أغلال المتعبين ، ويمسحوا التراب من وجوب المعذّبين. فإذا كان هؤلاء الافراد مؤمنين ودوافعهم الهيّة فمصيرهم واضح.

وامّا إذا كانوا غير مؤمنين ودوافعهم انسانيّة ، فسوف يحصلون على الجزاء

٤٨٨

المناسب من الله بلا ادنى شكّ ، هذا الجزاء يمكن ان يكون في الدنيا او الآخرة ، فاللهعزوجل عالم وعادل لا يحرمهم من ذلك ، ولكن كيف؟ تفاصيله غير واضحة لنا ، ويمكن ان نقول : (انّ الله لا يضيع اجر هؤلاء المحسنين فيما إذا كانوا غير مقصّرين لعدم ايمانهم).

وليس عندنا اي دليل من انّ الآية( إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ) لا تشمل هؤلاء الافراد ، فإطلاق المحسنين في القرآن ليس خاصّا بالمؤمنين فقط ، ولذلك نرى انّ اخوة يوسف لما حضروا عنده وهم لا يعرفوه ويظنّون انّه عزيز مصر قالوا :( إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ) .(1)

وكذلك الآية( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ) تشمل هؤلاء الافراد.

عن علي بن يقطين عن الامام الكاظمعليه‌السلام قال : «كان في بني إسرائيل رجل مؤمن وجاره كافر ، وكان هذا الجار الكافر يحسن الى جاره المؤمن ، فعند ما ارتحل من الدنيا بنى له الله بيتا يمنعه من نار جهنّم. وقيل له : انّ هذا بسبب حسن سيرتك مع جارك المؤمن»(2) .

وعن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «انّ ابن جدعان اقلّ اهل جهنّم عذابا» قالوا : لماذا يا رسول الله؟ قال «انّه كان يطعم الطعام» وعبد الله بن جدعان احد مشركي مكّة المعروفين ومن زعماء قريش(3) .

وعن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لعدي بن حاتم الطائي «رفع عن أبيك العذاب الشديد بسخاء نفسه»(4) .

وعن الامام الصادقعليه‌السلام قال : «أتى رسول الله وفد من اليمن وكان فيهم رجل

__________________

(1) يوسف ، 90.

(2) البحار ، ج 3 ، مطبعة كمباني ص 377.

(3) المصدر السابق ، ص 382.

(4) البحار ، ج 2 ، ص 607.

٤٨٩

أعظمهم كلاما واشدّهم في محاجة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، فغضب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حتّى التوى عرق الغضب بين عينيه ، وتغيّر وجهه واطرق الى الأرض فأتاه جبرئيل فقال : ربّك يقرئك السّلام ويقول لك : هذا رجل سخي يطعم الطعام ، فسكن عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الغضب ورفع رأسه وقال : لولا انّ جبرئيل اخبرني عن اللهعزوجل انّك سخي تطعم الطعام ، لشدوت بك وجعلتك حديثا لمن خلفك ، فقال له الرجل : وانّ ربّك ليحبّ السخاء؟ فقال : نعم ، قال : انّي اشهد ان لا اله الّا الله وانّك رسول الله والذي بعثك بالحقّ لا رددت عن مالي أحدا»(1) .

وهنا يأتي هذا السؤال والذي يمكن ان نستفيده من بعض الآيات وكثير من الرّوايات ، وهو : هل انّ الايمان والولاية شرط لقبول الأعمال والدخول الى الجنّة؟ فإذا كان كذلك فإنّ أفضل اعمال الكفّار ليس مقبولا عند الله.

ويمكن ان نجيب على هذا السؤال بأنّ مسألة «قبول الأعمال» شيء ، و «الجزاء المناسب» شيء آخر ، فمثلا المشهور بين علماء المسلمين انّ الصلاة بدون حضور القلب او مع ارتكاب بعض الذنوب كالغيبة غير مقبولة عند الله ، ونحن نعلم انّ مثل هذه الصلوات صحيحة شرعا ، وتحتسب طاعة لاوامر الله وتفرغ بها ذمّة المصلّي والطاعة لا تكون بدون اجر. ولذلك فقبول العمل هو الدرجة العالية للعمل ، ونحن نقول هذا ايضا : إذا كانت الخدمات الانسانية مصاحبة للايمان فلها أعلى المضامين ، ولكن في غير هذه الصورة لا تكون بدون مضمون وجزاء ، وجزاء العمل لا ينحصر بدخول الجنّة. (هذه عصارة الفكرة بما يتناسب وهذا التّفسير ، وتفصيل ذلك في الأبحاث الفقهيّة).

* * *

__________________

(1) البحار ، ج 2.

٤٩٠

الآيتان

( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ (20) )

التّفسير

الخلق على أساس الحقّ :

بعد ما بحثنا عن الباطل وانّه كالرماد المتناثر إذا اشتدّت به الريح ، نبحث في هذه الآية عن الحقّ واستقراره. يقول الله تعالى مخاطبا النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم باعتباره الاسوة لكلّ دعاة الحقّ( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِ ) .

«الحقّ» كما يقول الراغب في مفرداته «المطابقة والتنسيق» وله استعمالات اخرى : فتارة يستعمل الحقّ في العمل الصادر وفقا للحكمة والنظام كما في قوله تعالى :( هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِ ) .(1)

وتارة يطلق على الشخص الذي قام بهذا العمل المحكم ، كما نطلقها على الله

__________________

(1) يونس ، 5.

٤٩١

عزوجل ( فَذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُ ) .(1)

وتارة اخرى يطلق على الاعتقاد الذي يطابق الواقع كما في قوله تعالى :( فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِ ) .(2)

ومرّة يقال للقول والعمل الذي يتحقّق في الوقت المناسب كما في قوله تعالى :( حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ ) .(3)

وعلى ايّة الحال فمقابل «الحقّ» الباطل والضلال واللعب وأمثالهما.

لكنّ الآية التي نحن بصددها تشير الى المعنى الاوّل ، وهو إنشاء عالم الخلق. حيث توضّح السّماء والأرض انّ في الهدف من خلقها الحكمة والنظام والحساب. فالله تعالى ليس محتاجا في خلقها ولا ناقصا لكي يسدّ نقصه بها ، بل هو الغني عن كلّ شيء ، وهذا العالم الواسع دار لنمو المخلوقات وتكاملها.

ثمّ يضيف : انّ الدليل في عدم الحاجة إليكم ولا الى ايمانكم هو :( إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ) .

وهذا العمل ليس صعبا عند الله( وَما ذلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ ) .

والشاهد على هذا القول في سورة النساء( وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللهُ غَنِيًّا حَمِيداً إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً ) .(4) وهذا التّفسير بخصوص الآية أعلاه منقول عن ابن عبّاس.

وهناك احتمال آخر ، وهو انّ الجملة أعلاه تشير الى مسألة المعاد وانّ الله قادرا على ان يفني جميع الناس ويأت بخلق آخر ، فهل تشكّون في مسألة المعاد وبعثكم من جديد؟

* * *

__________________

(1) يونس ، 32.

(2) البقرة ، 213.

(3) السجدة ، 13.

(4) النساء ، 131 الى 133.

٤٩٢

الآيات

( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاَّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (22) وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ (23) )

التّفسير

المحادثة الصريحة بين الشيطان واتباعه :

اشارت الآيات السابقة الى العقاب الشديد للمخالفين والمعاندين

٤٩٣

والكافرين ، وهذه الآيات تكمل ذاك البحث.

يقول تعالى اوّلا :( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) (1) .

وفي هذه الأثناء يقول الضعفاء الذين تاهوا في وادي الضلالة للمستكبرين الذين كانوا سبب ضلالهم( فَقالَ الضُّعَفاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ ) فيجيبونهم بدون توقّف( قالُوا لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) .

ولكن للأسف فالمسألة منتهية( سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ ) .

* * *

ملاحظات

1 ـ ما هو المراد من( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ؟

أوّل سؤال يطرح بخصوص هذه الآية هو : هل أنّ الناس في هذه الدنيا غير ظاهرين في علم الله لكي تقول الآية :( وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً ) ؟

في الجواب على هذا السؤال قال كثير من المفسّرين : انّ المقصود عدم احساس الناس بهذا الظهور والبروز امام الله في هذه الدنيا ، فيكون احساسهم ظاهرا لهم في الآخرة.

وقال بعض ايضا : المقصود هو البروز والظهور من القبور في ساحة العدل الالهي للحساب.

هذان التّفسيران جيدان وليس هناك مانع من ان تجمعا في مفهوم الآية.

__________________

(1) يجب الانتباه الى انّ «برزوا» فعل ماضي ، الّا انّه جاء هنا بصيغة المستقبل ، لانّ المسائل المتعلّقة بالقيامة قطعيّة وغير قابلة للنقاش ، ولذلك وردت في كثير من الآيات بصيغة الماضي.

٤٩٤

2 ـ ما هو المقصود من جملة( لَوْ هَدانَا اللهُ لَهَدَيْناكُمْ ) ؟

يعتقد كثير من المفسّرين انّ المقصود الهداية عن طريق النجاة من العقاب الالهي في ذلك العالم ، لانّ هذا الحديث قاله المستكبرون لاتباعهم حينما طلبوا منهم ان يغنوا عنهم قسما من العذاب ، فالسؤال والجواب متناسبان ويوحيان انّ المقصود هو هدايتهم للنجاة من العذاب.

وقد استخدم القرآن هذه الكلمة «الهداية» بخصوص الوصول الى نعم الجنّة ، كما يقول اهل الجنّة :( وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللهُ ) .(1)

وهناك احتمال انّ «قادة الضلالة» حينما يرون أنفسهم امام طلب اتباعهم ، ولكي يتنصّلوا من الذنب ويلقوا باللائمة على الغير ، كما هي طريقة كلّ المستكبرين ـ يقولون بكلّ وقاحة : ماذا نعمل؟ فلو كان الله قد هدانا الى الطريق الصحيح لهديناكم اليه! ومعناه انّنا مجبورون على ذلك وليست لنا ارادة حرّة.

وهذا هو منطق الشيطان بعينه ، او ليس هو القائل( فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ) ؟ ولكن يجب ان يعلم المستكبرون انّهم يتحمّلون مسئولية ذنوب اتباعهم شاؤوا ام أبوا ، طبقا لصريح القرآن والرّوايات ، لانّهم المؤسّسون للانحراف والضلال دون ان ينقص اي شيء من عذاب اتباعهم.

3 ـ أوضح بيان في ذمّ التقليد الأعمى

يتّضح لنا من الآية أعلاه ما يلي :

اوّلا : الأشخاص الذين يضعون زمام أمورهم بيد الآخرين هم ضعفاء الشخصيّة ، وقد عبّر عنهم القرآن الكريم ب( الضُّعَفاءُ ) .

ثانيا : انّ مصيرهم ومصير قادتهم واحد ، وهؤلاء البؤساء لا يستطيعون حتّى في احلك الظروف ان يستفيدوا من حماية قادتهم المضلّين ، او ان يخفّفوا عنهم

__________________

(1) الأعراف ، 43.

٤٩٥

قليلا من العذاب ، بل يسخرون منهم ويقولون لهم : لا تجزعوا ولا تفزعوا فلا طريق للخلاص والنجاة من العذاب!

ثالثا : «برزوا» في الأصل من مادّة «البروز» اي الظهور او الخروج من الصفّ في مقابل الخصم في ساحة القتال ، وتأتي ايضا بمعنى المقاتلة.

«المحيص» من «المحص» بمعنى التخلّص من العيوب او الألم.

ثمّ يشير القرآن الكريم الى موقف آخر من مواقف القيامة والعقاب النفسي للجبّارين والمذنبين واتباعهم الشياطين ، حيث يقول تعالى :( وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ) وبهذا الترتيب فالشيطان وجميع المستكبرين الذين هم قادة طرق الضلال ، أصبحوا يلومون ويوبّخون تابعيهم البؤساء.

ثمّ يضيف( وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ) ويستمرّ في القول( فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ) .

أنتم فعلتم فاللعنة عليكم!!

وعلى كلّ حال فلا انا أستطيع انقاذكم من العذاب ولا أنتم تستطيعون انقاذي :( ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَ ) والآن أعلمكم بأنّي أتبرّأ من شرككم وإطاعتكم لي( إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ) فقد فهمت الآن انّ الشرك في الطاعة ادّى الى شقائي وشقائكم ، وهذه التعاسة ليس لها طريق للنجاة ، واعلموا( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) .

* * *

بحوث

1 ـ جواب الشيطان الحاسم لاتباعه

مع انّ كلمة «الشيطان»(1) لها مفهوم واسع وتشمل كلّ الطواغيت ووساوس

__________________

(1) للتوضيح اكثر في معنى الشيطان في القرآن راجع تفسير الآية 36 من سورة البقرة من تفسيرنا هذا.

٤٩٦

الجنّ والانس ، ولكن في قراءتنا لهذه الآية وما قبلها علمنا انّ المقصود هنا هو شخص إبليس الذي يعتبر رئيسا للشياطين ، ولذلك انتخب جميع المفسّرين هذا التّفسير ايضا.

ونستفيد بشكل اكيد من هذه الآية انّ وساوس الشيطان لا تسلب الإنسان اختياره وحرية ارادته ، بل هي مجرّد دعوة ليس اكثر ، فالناس هم الذين يلبّون دعوته بإرادتهم ، وقد تصل الارضيّة السابقة والدوام على الخلاف بالإنسان الى حالة من سلب الاختيار في مقابل وساوسه ، كما نشاهد بعض المدمنين على المخدرات ، ولكن نعلم انّ السبب الاوّل كان هو الاختيار. يقول تعالى في الآية (100) من سورة النحل :( إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ ) .

وعلى هذا فالشيطان يجيب بشكل قاطع على الذين يعتبرونه العامل الاوّل في انحرافهم وضلالهم ، وما يقوله بعض الجهلاء لتبرئتهم من ذنوبهم ، فإنّ السلطان الحقيقي على الإنسان هو ارادته وعمله ولا شيء غيره.

2 ـ كيف استطاع الشيطان ان يلتقي باتّباعه ويلومهم في ذاك الموقف الكبير؟

الجواب : هو انّ الله تعالى يمنحه القدرة على ذلك ، وهذا في الواقع نوع من العقاب النفسي لاتباع الشيطان ، وإنذار لكلّ السائرين في طريقه في هذه الدنيا ، لكي يعلموا من الآن مصيرهم ومصير قادتهم ، وعلى ايّة حال فالله تعالى بطريقة ما يهيئ وسيلة الارتباط بين الشيطان واتباعه.

ومن الطّريف انّ هذه المواجهة غير منحصرة بالشيطان واتباعه ، بل انّ جميع ائمّة الضلالة في هذا العالم لهم نفس البرنامج ايضا ، يأخذون بأيدي اتباعهم (بموافقتهم طبعا) ويذهبون بهم الى أمواج العذاب والبلاء ، وحينما يرون الأوضاع سيّئة يتركونهم وشأنهم حتّى انّهم يلومونهم ويوبّخونهم في خسران

٤٩٧

الدنيا والآخرة.

3 ـ «المصرخ» من مادّة «اصراخ» وفي الأصل من مادّة «صرخ» ، وهي بمعنى الاغاثة وطلب المساعدة ، ولذلك فالمصرخ بمعنى المغيث ، والمستصرخ طالب الاستغاثة.

4 ـ القصد من اتّخاذ الكفّار الشيطان شريكا في الآية أعلاه شرك الطاعة وليس شرك العبادة.

5 ـ في انّ جملة( إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ) تابعة لحديث الشيطان ام كلام مستقل من الله تعالى ، هناك آراء مختلفة عند المفسّرين ، لكن التّفسير الأقرب هو انّ الجملة مستقلّة ومن كلام الله حيث قالها في نهاية حديث الشيطان مع اتباعه لتكون درسا تربويّا.

وبعد بيان حال الجبّارين والظالمين ومصيرهم المؤلم ، تتطرّق الآية الاخيرة من هذا البحث الى حال المؤمنين وعاقبتهم حيث يقول تعالى :( وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) الى آخر الآية.

«التحيّة» في الأصل «الحياة» وتستعمل لسلامة وحياة الافراد ، وتطلق لكلّ تحيّة وسلام ودعاء في بداية اللقاء.

قال بعض المفسّرين : «التحية» هنا من الله للمؤمنين قرينة على نعمهم وسلامتهم من كلّ أذى ونزاع (لذلك فتحيّتهم اضافة لمفعول ، وفاعله الله).

وقال البعض الآخر : انّ القصد هو تحيّة المؤمنين فيما بينهم ، او تحيّة الملائكة لهم ، وعلى ايّة حال فـ «سلام» التي قيلت بشكل مطلق لها من المفهوم الواسع بحيث يشمل كلّ سلامة من اي نوع من انواع العذاب الروحي والجسمي(1) .

* * *

__________________

(1) بحثنا هذا الموضوع «السّلام والتحيّة» في المجلد الثّاني ، ذيل الآية (86) : من سورة النساء من تفسيرنا هذا.

٤٩٨

الآيات

( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُها ثابِتٌ وَفَرْعُها فِي السَّماءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها وَيَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ ما لَها مِنْ قَرارٍ (26) يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ (27) )

التّفسير

الشّجرة الطيّبة والشّجرة الخبيثة!

هنا مشهد آخر في تجسيم الحقّ والباطل ، الكفر والايمان ، الطيّب والخبيث ضمن مثال واحد جميل وعميق المعنى يكمل البحوث السابقة في هذا الباب.

يقول تعالى اوّلا :( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ ) ثمّ يشير الى خصائص هذه الشجرة الطيّبة في جميع ابعادها ضمن عبارات قصيرة.

ولكن قبل ان نستعرض هذه الخصائص يجب ان نعرف ما المقصود من

٤٩٩

«الكلمة الطيّبة»؟

قال بعض المفسّرين : انّها كلمة التوحيد (لا اله الّا الله).

وقال آخرون : انّها تشير الى الأوامر الالهيّة.

وقال البعض الآخر : انّه الايمان الذي محتواه ومفهومه (لا اله الّا الله).

وقال آخرون في تفسيرها : انّها شخص المؤمن.

وأخيرا قال بعضهم : انّها الطريقة والبرامج العمليّة.

ولكن بالنظر الى سعة مفهوم ومحتوى الكلمة الطيّبة نستطيع ان نقول : انّها تشمل جميع هذه الأقوال ، لانّ «الكلمة» في معناها الواسع تشمل جميع الموجودات ، ولهذا السبب يقال للمخلوقات «كلمة الله».

و «الطيّب» كلّ طاهر ونظيف ، فالنتيجة من هذا المثال انّه يشمل كلّ سنّة ودستور وبرنامج وطريقة ، وكلّ عمل ، وكلّ انسان والخلاصة : كلّ موجود طاهر ونظيف وذي بركة ، وجميعها كشجرة طيّبة فيها الخصائص التالية :

1 ـ كائن يمتلك الحركة والنمو ، وليس جامدا ولا خاملا ، بل ثابت وفاعل ومبدع للآخرين ولنفسه (التعبير بـ «الشجرة» بيان لهذه الحقيقة).

2 ـ هذه الشجرة طيّبة ، ولكن من ايّة جهة؟ بما انّه لم يذكر لها قسم خاص بها ، فإنّها طيّبة من كلّ جهة منظرها ، ثمارها ، ازهارها ، ظلالها ، ونسيمها جميعها طيب وطاهر.

3 ـ لهذه الشجرة نظام دقيق ، لها جذور وأغصان ، وكلّ واحد له وظيفته الخاصّة ، فوجود الأصل والفرع فيها دليل على سيادة النظام الدقيق عليها.

4 ـ أصلها ثابت محكم بشكل لا يمكن ان يقلعها الطوفان ولا العواصف.

وباستطاعتها ان تحفظ أغصانها العالية في الفضاء وتحت نور الشمس ، لانّ الغصن كلّما كان عاليا يحتاج الى جذور قوّية( أَصْلُها ثابِتٌ ) .

5 ـ انّ أغصان هذه الشجرة الطيّبة ليست في محيط ضيّق ولا رديء ، بل

٥٠٠