الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٧

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 572

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 572
المشاهدات: 1671
تحميل: 91


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 572 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1671 / تحميل: 91
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 7

مؤلف:
العربية

انْتَثَرَتْ وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ ) .

يستفاد من مجموع هذه الآيات والآيات الاخرى التي تتحدّث عن بعث الناس من القبور ، انّ النظام الحالي للعالم لا يبقى بهذه الصورة التي هو عليها ، ولا يفنى فناء تامّا ، بل تتغيّر صورة العالم وتعود الأرض مسطّحة مستوية ويبعث الناس في ارض جديدة (بالطبع تكون الأرض اكثر كمالا لانّ الآخرة كلّ ما فيها أوسع وأكمل).

ومن الطبيعي انّ عالمنا اليوم ليس له الاستعداد لتقبّل مشاهد الآخرة ، وهو محدود المجال بالنسبة لحياتنا الاخروية وكما قلنا مرارا : انّ نسبة عالم الآخرة الى عالم الدنيا كنسبة عالم الجنين في الرحم الى الدنيا.

والآيات التي تقول :( يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ ) دليل واضح على هذه الحقيقة.

من الطبيعي انّنا لا نستطيع ان نصوّر الآخرة وخصائصها بشكل دقيق ـ كما هو حال الجنين في بطن امّه لو افترضنا انّ له عقلا كاملا ، فإنّه لا يستطيع ان يتصوّر عالم الدنيا ـ الّا انّنا نعلم انّه سوف يحدث تغيير عظيم لهذا العالم ، حيث يتمّ تدميره وتبديله بعالم جديد ، ومن الطريف ما ورد في الرّوايات من انّ الأرض تبدّل بخبزة نقيّة بيضاء يأكل الناس منها حتّى يفرغ من الحساب.

وقد وردت هذه الرّوايات بطرق مختلفة في تفسير نور الثقلين ، وأشار إليها القرطبي في تفسيره كذلك.

وليس من المستبعد ان يكون المقصود من هذه الرّوايات انّ الأرض سوف تغطّيها مادّة غذائية يمكن للإنسان ان يستعملها بسهولة ، ووصفها بالخبز لانّه الأكثر احتواء لهذه المادّة الغذائية.

٥٤١

2 ـ بداية وختام سورة ابراهيم

وكما رأينا فإنّ سورة ابراهيم ابتدأت في بيان دور القرآن الكريم في إخراج الناس من الظّلمات الى نور العلم والتوحيد ، وانتهت في بيان دور القرآن في إنذار الناس وتعليمهم التوحيد.

انّ هذه البداية والنهاية تبيّن هذه الحقيقة ، وهو انّ كلّ ما نحتاجه موجود في هذا القرآن ، حيث

يقول الامام عليعليه‌السلام : «فيه ربيع القلوب وينابيع العلم ، فاستشفوه من أدوائكم»

وهذا البيان دليل على خلاف ما يراه بعض المسلمين من انّ القرآن الكريم كتاب مقدّس يقتصر وجوده في ترتّب الثواب لقارئه. بل هو كتاب شامل لجميع مراحل الحياة الانسانية.

كتاب رشد وهداية ودستور للعمل ، فهو يذكّر العالم ويستلهم منه عموم الناس.

انّ مثل هذا الكتاب يجب ان يأخذ موقعه في قلوب المسلمين ، ويشكّل قانونا ونظاما اساسيا في حياتهم ، ويجب عليهم ان يطالعوه ويبحثوا مضامينه بدقّة في تطبيقاتهم العمليّة.

انّ هجران القرآن الكريم واتّخاذ المبادئ المنحرفة الشرقيّة منها والغربية ، احد العوامل المهمّة في تأخّر المسلمين.

وما أروع ما قاله الامام عليعليه‌السلام «واعلموا انّه ليس على احد بعد القرآن من فاقة ، ولا لأحد قبل القرآن من غنى».(1)

وما اشدّ مصيبتنا في غربتنا عن القرآن ، ومعرفة الغرباء به!

ومن المؤلم ان تكون وسيلة السعادة في دارنا ونحن نبحث عنها في دور الناس!

وما أعظم المصاب حين نكون الى جانب نبع ماء الحياة ، عطاشى ، ظمأى ،

__________________

(1) نهج البلاغة ، الخطبة 176.

٥٤٢

او نهرول في الصحاري حفاة وراء السراب!

اللهمّ ارزقنا العقل والهداية والايمان حتّى لا نفقد وسيلة السعادة هذه ، التي هي من ثمار دماء الشهداء في سبيلك!

والطف علينا بالجدّ حتّى نعلم ضالّتنا في هذا الكتاب العظيم ولا نمدّ أيدينا الى الآخرين.

3 ـ التوحيد هو البداية والنهاية

الفائدة الاخرى التي علّمتنا ايّاها الآية أعلاه ، هي التأكيد على التوحيد بعنوان الحديث الأخير ، وعلى اولي الألباب بعنوان التذكّر الأخير.

نعم ، فالتوحيد اعمق اصل اسلامي حيث تنتهي اليه جميع خطوط التربية والتعليم في الإسلام ، ويجب ان نبتدئ به وننتهي اليه لانّه العمود الفقري للإسلام. وليس توحيد الله في العبادة فقط ، بل التوحيد في الهدف ، والتوحيد في صفوف القتال ، والتوحيد في البرامج العملية والتنفيذيّة ، فكلّها توضّح الأركان الاصليّة للدين ، وسبب وجود المشاكل الكثيرة في مجتمعاتنا الاسلامية هو حذف التوحيد من واقعنا العملي.

ومع الأسف الشديد نلاحظ انّ الدول العربية والتي هي مهد الإسلام قد اقترنت برامجها واهدافها بالشرك والقومية وتكالبت خلف أمجاد العروبة وعظمة العرب وأمثال ذلك من الاهداف والغايات الوهميّة ، واتّخذت الدول الاخرى لها أصناما من هذا القبيل ، وبذلك قطعوا أواصر التوحيد الاسلامي التي كانت تربط في ما مضى شرق العالم وغربه ، وتغرّبوا عن مبادئهم السّماوية الى درجة انّ الحرب والاقتتال فيما بينهم اكثر واشدّ من حربهم مع أعدائهم!!

٥٤٣

حياة النّبي ابراهيمعليه‌السلام

مع انّ سورة ابراهيم هي السورة الوحيدة في القرآن سمّيت بهذا الاسم ، رأينا من المناسب ان نفهرس حياة هذا الرجل العظيم ومحطّم الأصنام في نهايتها ـ مع العلم انّها لا تذكر حالات ابراهيم الاخرى التي وردت في آيات اخرى من القرآن ـ لكي يكون القارئ العزيز على علم كاف بحياة هذا الرجل العظيم التي تذكرها الآيات الاخرى ان شاء تعالى.

ونستطيع ان نقسّم مراحل حياته الشريفة الى ثلاث فترات :

1 ـ فترة ما قبل النبوّة.

2 ـ فترة نبوّته ومحاربته للأصنام في بابل.

3 ـ فترة الهجرة من بابل وتجواله في ارض مصر وفلسطين ومكّة.

ولادته وطفولته

ولد ابراهيمعليه‌السلام في ارض «بابل» التي كانت من بلدان العالم المهمّة ، وتحكّمها حكومة قويّة وجائرة ، وفتح عينيه على العالم في الوقت الذي كان نمرود بن كنعان الملك الجبّار الظالم يحكم ارض بابل ويعتبر نفسه الربّ الأعلى(1) .

بالطبع لم يكن للناس في ذلك الوقت هذا الصنم فقط ، بل كانت لهم أصنام مختلفة يعبدونها ويتقرّبون إليها. والدولة في ذلك الوقت كانت تدافع بقوّة عن الأصنام ، لانّها الوسيلة المؤثّرة في تخدير وتسخيف المجتمع ، بحيث لو صدرت اي اهانة من احد تجاهها يعتبرونها خيانة عظمى.

__________________

(1) ذكر بعض المؤرّخين انّ ولادتهعليه‌السلام ـ في مدينة (اور) التابعة لدولة بابل.

٥٤٤

وقد نقل المؤرّخون قصّة عجيبة حول ولادة ابراهيمعليه‌السلام وخلاصتها هي : توقّع المنجّمون انّه سوف يولد شخص ويحارب نمرود بكلّ قوّة ، ولذلك فقد سعى جاهدا لان يوقف ولادة هذا الشخص او ان يقتله حين ولادته ، الّا انّه لم يتمكّن من ذلك وولد المولود.

واستطاعت امّه ان تحفظه عبر تربيته في زوايا الغار القريب من مولده ، بالشكل الذي امضى ثلاثة عشر عاما هناك.

وفي النهاية وبعد ان ترعرع في مخفاه بعيدا عن انظار شرطة نمرود ، ووصل الى سنّ الشباب ، صمّم على الخروج منه والنّزول الى المجتمع ليشرح لهم دروس التوحيد التي استلهمها من دخيلة نفسه وتأمّلاته الفكرية.

محاربته للمجاميع المختلفة من الوثنيين

وفي هذه الأثناء التي كان يعبد فيها شعب بابل ـ بالاضافة الى الأصنام ـ الموجودات السّماوية كالشمس والقمر والنّجوم ، صمّم ابراهيمعليه‌السلام على ان يوقظ وجدانهم عن طريق المنطق والادلّة الواضحة ، ويزيل عن فطرتهم النقيّة ستار الظّلمات حتّى يشعّ في نفوسهم نور الفطرة ويسلكوا في طريق التوحيد.

وكان يتفكّر في خلق السّماوات والأرض حتّى شعّ نور اليقين في قلبه [75 ـ الانعام].

الجهاد المنطقي مع الوثنيين

واجه ابراهيم اوّلا عبّاد النّجوم ووقف مع مجموعة ممّن يعبدون الزهرة ، التي تظهر بعد غروب الشمس مباشرة ، حيث كانوا منشغلين في عبادتها ، نادى ابراهيم ـ امّا من باب الاستفهام الانكاري ، او من باب التنسيق مع الطرف المقابل بعنوان المقدّمة ، لاثبات اشتباههم ـ (هذا رَبِّي) وحينما أقل قال( إنّي لا أُحِبُ

٥٤٥

الْآفِلِينَ ) .

( فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً ) وبدا عبدة القمر مراسم دعائهم( قالَ هذا رَبِّي ) ؟( فَلَمَّا أَفَلَ قالَ : لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ) .

( فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً ) وقد نشرت اشعّتها الذهبية على السهول الخضراء ، وبدا عبّاد الشمس تضرّعهم وعبادتهم لها قال ابراهيم( هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ) (1) . انّ هذه الآلهة دائمة الأفول والغروب ، فلا اختيار لها إطلاقا ، بل هي اسيرة القوانين الطبيعية فكيف تكون خالقه للكون؟

وانهىعليه‌السلام هذه الفترة مع الوثنيين على أفضل صورة واستطاع ان يوقظ جماعة منهم ويجعل مجموعة اخرى تشكّ في عقيدتها.

ولم يمض وقت طويل حتّى شاع صيته هذا الشاب الذي أنار قلوب الناس بمنطقه وبيانه البليغين!

الحديث مع آزر

وفي مرحلة اخرى بدا حديثه مع عمّه آزر بعبارات محكمة جدّا وواضحة مقترنة بالمحبّة ، وأحيانا يوبّخه وينذره من مغبّة عبادة الأصنام ويقول له : لماذا تعبد شيئا لا يسمع ولا يرى ولا يغني عنك شيئا؟

( فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ) ،( إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ) الّا انّ عمّه لم يستجب له وهدّده بالرجم إذا لم يرجع عن مساره هذا ، لكن ابراهيم بقلبه الواسع قال :( سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ) 47 ـ مريم.

__________________

(1) الانعام ، 975 ـ 7.

٥٤٦

نبوّة ابراهيمعليه‌السلام

ليس عندنا دليل واضح على عمر ابراهيمعليه‌السلام حينما تقلّد مقام النبوّة ، ولكن نستفيد من الآيات في سورة مريم ، انّه أثناء محاورته لعمّه كان من الأنبياء ، حيث يقول تعالى :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً ) .

ونعلم انّ هذه الحادثة كانت قبل القائه في النار ، وإذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ما قاله بعض المؤرّخين من انّ عمره أثناء القائه في النّار كان 16 عاما سوف يثبت لدينا انّه تحمّل اعباء الرسالة منذ صباه.

الجهاد العملي مع الوثنيين

على أي حال ازداد صدامه مع الوثنيين يوما بعد يوم حتّى انتهى إلى قيامه بكسر الأصنام في معبد بابل (الّا كبيرهم) بالاستفادة من الفرصة الملائمة!

الحديث مع الحاكم المتجبّر!

لقد وصلت هذه الاحداث الى اسماع نمرود فأمر بإحضاره ليطفئ هذا النّور من خلال النصيحة والتهديد. وكان ماهرا في الدجل ، فسأل ابراهيم : إذا كنت لا تعبد الأصنام ، فمن هو إلهك؟

قال : ربّي الذي يحيي ويميت.

قال : انا احيي وأميت ، الا ترى انّي اطلق سراح المحكوم بالاعدام ، واعدم من أريد اعدامه؟

فأجابه ابراهيمعليه‌السلام بكلام حاسم وقاطع :( فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ ) .(1)

__________________

(1) البقرة ، 258.

٥٤٧

وممّا لا شكّ فيه انّ ابراهيم كان يعلم انّ نمرود لا يستطيع ان يحيي الموتى ، ولكن مهارته في الدجل جعلت ابراهيم يأتيه بسؤال لا قدرة له على جوابه.

هجرة ابراهيم

لقد احسّت حكومة نمرود الجبّارة بخطر هذا الشاب على دولته وانّ من الممكن ان يسبّب يقظة الشعب الرازح تحت ظلمه ، وان يحطّم القيود الاستعمارية المتسلّطة على رقاب الشعب ، فصمّم على الإيقاع بإبراهيم من خلال إحراقه بالنّار التي اجّجها جهل الناس وإرهاب النظام الحاكم.

وحينما أصبحت النّار بردا وسلاما بأمر من الله تعالى وخرج ابراهيم سالما منها ، أصابت نمرود وحكومته الدهشة ، وفقدوا معنوياتهم لانّهم كانوا يصوّرون ابراهيم على انّه شاب مغامر يريد تفرقة الناس ، لكنّه ظهر قائدا الهيّا وبطلا شجاعا يستطيع ان يقارع الجبّارين لوحده.

ولهذا السبب صمّم نمرود وأعوانه ـ الذين كانوا يمتصّون قوّتهم من دماء الناس البؤساء ـ على ان يقفوا بوجه ابراهيم بكلّ قواهم.

ومن جهة اخرى فإنّ ابراهيم قد ادّى دوره في هذا المجتمع ، حيث جعل القلوب المستعدّة تميل اليه وتؤمن بدعوته ، ولذلك راى من الأفضل ان يترك ارض بابل هو والتابعون له ، ولأجل نشر دعوته سافر الى بلاد الشام وفلسطين ومصر ، واستطاع هناك ان يدعو كثيرا من الناس الى التوحيد وعبادة الواحد القهّار.

المرحلة الاخيرة للرسالة

امضى ابراهيمعليه‌السلام عمره في جهاد الوثنيين وخصوصا صنمية الإنسان ، واستطاع ان ينير قلوب المؤمنين بنور التوحيد ، ويبعث فيهم روحا جديدة ،

٥٤٨

ويحرّر مجاميع اخرى من قيود المتسلّطين.

والآن يجب ان يصل الى ذروة عبوديته لله ويبذل كلّ ما عنده في هذا الطريق بإخلا ، ويصل الى مرحلة الامامة بقفزة روحية كبيرة من خلال الامتحانات الالهيّة الكثيرة ، وفي نفس الوقت يقوم ببناء القواعد للكعبة حتّى تكون اكبر قاعدة للعبادة التوحيديّة ، ويدعو جميع المؤمنين لهذا المؤتمر العظيم الى جانب هذا البيت الكريم.

وقد ادّى حسد سارة زوجته الاولى لهاجر التي كانت جارية واختارها زوجة له وولدت له إسماعيل ادّى الى ان يأتي بها من فلسطين بأمر الله الى مكّة ويتركها وابنها بين الصحاري والجبال اليابسة ، بدون مأوى ولا قطرة ماء ، ويعود ثانية الى فلسطين.

انّ ظهور عين زمزم ومجيء قبيلة جرهم والسّماح لها بالسكن كلّ ذلك ادّى لان تعمّر هذه الأرض.( رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) .

ومن الطريف ان يقول بعض المؤرّخين : حينما وضع ابراهيم زوجته هاجر وابنه الرضيع إسماعيل في مكّة وأراد الرجوع ، نادته : يا ابراهيم ، من أمرك ان تضعنا في ارض قاحلة لا نبات فيها ولا ماء ولا انسان؟ فأجابها بجملة قصيرة : ربّي امرني بذلك ، قالت : ما دام كذلك فإنّ الله لا يتركنا.

وقد سافر إبراهيمعليه‌السلام مرارا الى مكّة بقصد زيارة ابنه إسماعيل ، وفي واحدة من هذه السفرات ادّى مراسم الحجّ ، وجاء بإسماعيل الذي كان شابّا قويا ومؤمنا صادقا الى المذبح ليفتدي به بأمر من الله وعند ما لبّى امر ربّه وخرج من هذا الامتحان العظيم بأفضل صورة ، قبل الله سبحانه وتعالى فديته ، وحفظ له إسماعيل ، وبعث له كبشا ليفتدي به.

٥٤٩

وفي النهاية وبعد ان ابلى بلاء حسنا نال كبير درجة من المقامات التي يمكن للإنسان ان يصل إليها حيث يقول القرآن الكريم :( وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِماماً قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) .

منزلتهعليه‌السلام في القرآن

توضّح الآيات القرآنية انّ الله سبحانه وتعالى اعطى لإبراهيم مقاما لم يعطه لأحد من الأنبياء من قبله ، ويمكن ترتيب الآيات كما يلي :

1 ـ انّ الله تعالى ذكره بعنوان انّه «امّة» :( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (1) .

2 ـ مقام الخلّة( وَاتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً ) .(2)

وقد جاء في بعض الرّوايات : (انّما اتّخذ الله ابراهيم خليلا لانّه لم يردّ أحدا ولم يسأل أحدا قطّ غير الله تعالى)(3) .

3 ـ وكان من( الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ ) (4) ، و( لَمِنَ الصَّالِحِينَ ) (5) ،( وَالْقانِتِينَ ) (6) ،( وَالصِّدِّيقِينَ ) (7) ، وكان( لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) (8) ، ومن( الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ ) (9) .

4 ـ انّ ابراهيم كان محبّا للضيوف ، وقد ورد في بعض الرّوايات انّه كان

__________________

(1) النحل ، 120.

(2) النساء ، 125.

(3) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 74.

(4) سورة ص ، 47.

(5) النحل ، 122.

(6) النحل ، 120.

(7) مريم ، 41.

(8) التوبة ، 114.

(9) النجم ، 37.

٥٥٠

يلقّب بـ «أبي الأضياف».(1)

5 ـ وكان من المتوكّلين على الله ، ولا يطلب حاجة الّا منه ، وقد ورد في التاريخ انّه كان معلّقا بين السّماء والأرض أثناء قذفه بالمنجنيق سأله جبرئيل : هل لك حاجة؟ قال : نعم ، ولكن ليست منك بل من الله!(2) .

6 ـ وكان شجاعا مقداما حيث وقف وحيدا بوجه التعصّبات الوثنيّة ، ولم يظهر اي خوف في مقابلتهم ، كسّر أصنامهم وجعلها ركاما ، وتحدّث مع نمرود وأعوانه بكلّ شجاعة.

7 ـ كان لإبراهيمعليه‌السلام منطق قوي واستطاع من خلال عباراته وجمله القصيرة المحكمة ان يبطل اقوال المضلّين. ولم يثنه بأسهم عن مواصلة الطريق ، بل كان يواجه الأمور بالصبر والحلم المعبّرين عن روحه الكبيرة ، كما جاء في محاجته مع نمرود ومع عمّه آزر ومع القضاة أثناء محاكمته حيث قالوا له :( أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ ، قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ ) لقد استطاع من خلال هذه الجملة ان يفحمهم ويسدّ عليهم طريق الردّ عليه ، فإذا قالوا : آلهتنا لا تسمع ولا تنطق. فتبّا لهذه الآلهة! وإذا قالوا : تنطق.

فلما ذا لا يتكلّمون؟!( فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ ) اي قالت لهم أنفسهم : انّكم ظالمون ، وعلى اي حال كان عليهم ان يجيبوا( ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ ) هكذا كان جواب ابراهيم كالصاعقة على رؤوسهم( أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ ) .

وعند ما رأوا انّهم لا يستطيعون مقاومة هذا المنطق الرصين( قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ ) .

__________________

(1) سفينة البحار ، ج 1 ، ص 74.

(2) الكامل لابن الأثير ج 1 ـ ص 99.

٥٥١

هذا نموذج من المنطق الواضح المبيّن والذي كان ابراهيم فيه هو الفائز.

8 ـ لقد عدّ القرآن الكريم الحنيفيّة الابراهيميّة واحدة من مفاخر المسلمين(1) وانه هو الذي( سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ ) (2) .

9 ـ وضع مناسك الحجّ بأمر من الله ، ولذلك امتزج اسمه في جميع مراسيم الحجّ ، حيث يتذكّر كلّ مسلم أثناء ادائه للفرائض هذه الشخصيّة العظيمة ويحسّ بعظمة نبوّته في قلبه ، انّ أداء فريضة الحجّ بدون ذكر ابراهيم تصبح خاوية المعنى.

10 ـ لقد حاولت كلّ المذاهب ان تنسب ابراهيم لنفسها ، فاليهودية والنصرانية تؤكّدان على صلتهما به بسبب شخصيته الكبيرة ، ولكن القرآن الكريم ينفي هذه الصلة حيث يقول تعالى :( ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) (3)

* * *

آمين ربّ العالمين

نهاية المجلد السّابع

__________________

(1) سورة الأنبياء ، 763 ـ 6 ، وسورة الحجّ ، 78( مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ ) .

(2) الممتحنة ، 4.

(3) آل عمران ، 67.

٥٥٢

فهرس الموضوعات

تفسير الآيات : 69 ـ 73 5

جانب من حياة محطم الأصنام 5

تفسير الآيات : 74 ـ 76 11

تفسير الآيات : 77 ـ 80 14

قوم لوط وحياة الخزي 14

ملاحظات

تفسير الآية : 81 ـ 83 21

عاقبة الجماعة الظّالمة 21

ملاحظات

1 ـ لِمَ كان العذاب صباحاً 25

2 ـ لَمِ قلب الله عاليها سافلها 25

3 ـ لماذا الوابل من الأحجار 25

4 ـ لماذا العلامة المتميّزة 26

5 ـ تحريم الإنحراف الجنسي 27

فلسفة تحريم الميول الجنسية لأمثالها 28

أخلاق قوم لوط 31

٥٥٣

تفسير الآيات : 84 ـ 86 32

مدين بل دة شعيب 32

تفسير الآيات : 87 ـ 90 37

المن طق الواهي 37

تفسير الآيات : 91 ـ 93 42

الت ّهديدات المتبادلة بين شعيب وقومه 42

تفسير الآيتا : 94 ـ 95 45

عاقب ة المفسدين في مدين 45

دروس تربوية في قصّة شعيب 46

1 ـ أهمية المسائل الإقتصادية 47

2 ـ لاينبغي التّضحية بالأصالة من أجل التعصب 47

3 ـ الصلاة تدعوالى التوحيد والتطهير 47

4 ـ النظرة الذاتيّة (الأنانيّة) رمزللجمود 48

5 ـ تلازم الإيمان والعمل 48

6 ـ الملكية غيرالمحدودة أساس الفساد 49

7 ـ هدف الأنبياء هوالإًصلاح 50

تفسير الآيات : 96 ـ 99 51

الب طل المبارز لفرعون 51

تفسير الآيات : 100 ـ 104 55

تفسير الآيات : 105 ـ 108 59

الس ّعادة الشّقاوة 59

ملاحظات

1 ـ هل أنّ السعادة والشقاوة ذاتيان 62

2 ـ واقع الانسان بين السعادة والشقاوة 64

٥٥٤

3 ـ مسألة الخلود في القر آن 65

س ؤال مهم 65

الأجوبة غيرالمقنعة 66

الحلّ النهائي للإشكال 67

4 ـ مفهوم الخلود في هذه ال آيات 70

5 ـ ما معن ى الإستثناء في ال آي ة 71

أسباب السعادة والشقاء 73

تفسير الآيات : 109 ـ 112 77

الاستقامة والثّبات 77

المسؤولية الكبيرة 80

تفسير الآية : 113 82

الرّكون إلى الظالمين 82

ملاحظات

1 ـ ما هو مفهوم الرّكون 82

2 ـ في أيّ الأمور لا ينبغي الرّكون الى الظالمين 83

3 ـ فلسفة تحريم الركون إلى الظالمين 83

4 ـ من المقصود ب«الذين ظلموا» 84

5 ـ إشكال 85

تفسير ال آيتان : 114 ـ 115 87

الصلا ة والصبر 87

الأهمية القصوى للصلاة 89

أرجى آية في القر آن 91

تفسير الآيتان : 116 ـ 117 94

عامل ال إنحراف والفساد في المجتمعات 94

٥٥٥

من هم (أولوا بقيّة) 96

تفسير الآيتان : 118 ـ 119 99

ملاحظات

تفسير الآيات : 120 ـ 123 103

أربع معطيات لقصص الماضين 103

ملاحظات

1 ـ علم الغيب خاص بالله 106

2 ـ العبادة لله وحده 107

سورة يوسف

«بداية سورة يوسف» 111

4 ـ قصّة يوسف قبل الإسلام وبعده 113

5 ـ لِمَ ذكرت قصّة يوسف في مكان واحد على خلاف قصص سائرالأنبياء 114

6 ـ فضيلة سورة يوسف 115

تفسير الأيات : 1 ـ 3 117

أحسن القصص بين يديك 117

أثر القصّة في حياة الناس 121

تفسير الآيات : 4 ـ 6 125

بارق ة الأمل وبداية المشاكل 125

ملاحظات

1 ـ الرّؤيا والحُلم 128

1 ـ التّفسير المادي 129

٥٥٦

2 ـ التفسير المعنوي 130

تفسير الآيات : 7 ـ 10 136

الم ؤامرة 136

ملاحظات

5 ـ أثرالحسد المدمّرفي حياة الناس 140

تفسير الآيات : 11 ـ 14 144

الم ؤامرة المشؤومة 144

بحوث

1 ـ مؤامرة الأعداء في ثياب الأصدقا 147

2 ـ حاجة الإنسان الفطرية والطبيعة الى التنزّه والإرتياح 148

3 ـ الولدفي ظلّ الوالد 150

4 ـ لاقصاص ولا اتهام قبل الجناية 152

5 ـ تلقين العدوّ 152

تفسير الآيات : 15 ـ 18 154

الکذب المفضوح 154

ملاحظات

1 ـ حول الترك «الأ ول ى» 158

2 ـ دعاء يوسف البليغ الجذّاب 160

4 ـ تسويل النفس 161

5 ـ الكذاب عديم الحافظة 162

6 ـ ما هو الصبرالجميل 162

تفسير الآيات : 19 ـ 20 164

٥٥٧

نحو أرض مصر 164

تفسير الآيتان : 21 ـ 22 167

في قصر عزيز مصر 167

ملاحظات

1 ـ ما هواسم «عزيز» مصر 170

2 ـ يوسف عليه السلام وتعبيرالأحلام 171

3 ـ المراد من قوله تعالى :( وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ) 172

تفسير الآيتان : 23 ـ 24 175

العشق الملتهب 175

المراد من كلمة «ربّي» 182

ما المراد من برهان ربّه 182

ملاحظات

1 ـ جهاد النفس 183

2 ـ ثواب الإخلاص 185

3 ـ العفّة والمتانة في البيان 186

تفسير الآيات : 25 ـ 29 189

فضيح ة امرأة العزيز 189

ملاحظات

1 ـ من كان الشاهد 192

2 ـ الموقف الضعيف لعزيزمصر 194

3 حماية الله في الأزمات 194

4 ـ خطّة أمراة العزيز 195

٥٥٨

تفسير الآيات : 30 ـ 34 196

م ؤامرة أُخرى 196

ملاحظات

تفسير الآيات : 35 ـ 38 204

الس ّجن بسبب البراءة 204

تفسير الآيات : 39 ـ 42 210

الس ّجن أو مركز التّربية 210

ملاحظات

1 ـ السّجن مركزللإرشاد أو بؤرة للفساد 214

2 ـ حين يُصلبُ المصلحون 215

3 ـ أكبردروس الحريّة 215

4 ـ إستغلال شعاربنّاء بشكل سييء 216

5 ـ التوجّة لغيرالله 217

تفسير الآيات : 43 ـ 49 219

ر ؤيا مل ك مصر وما جرى له 220

ملاحظات

تفسير الآية : 50 ـ 53 226

تبرئة يوسف من كلّ إتّهام 226

ملاحظات

1 ـ هذه عاقبة التقوى 230

2 ـ الهزائم التي تكون سبباً للتيقّظ 231

٥٥٩

3 ـ الحفاظ على الشرف خير من الحرية الظاهرية 232

4 ـ النفس الأمّارة «المتمردّة» 232

تفسير الآية : 54 ـ 57 235

يوسف أميناً على خزائن مصر 235

بحوث

1 ـ كيف إستجاب يوسف لطلب طاغوت زمانه 238

2 ـ أهميّة المسائل الإقتصادية والإدارية 240

3 ـ الرقابة على الإستهلاك 242

4 ـ مدح النفس 244

5 ـ أفضليّة الجزاء المعنوي على سواه 245

6 ـ الدفاع عن المسجونين 245

تفسير الآيات : 58 ـ 62 247

إقتراح جديد من يوسف لاُخوته 247

بحوث

1 ـ لماذا يظهر يوسف حقيقته لإخوته 251

2 ـ لماذا أرجع يوسف الأموال إلى إخوته 251

3 ـ كيف وهب يوسف إلى إخوته أموال بيت المال 252

تفسير الآيات : 63 ـ 66 254

موافق ة يعقوب 254

بحوث

تفسير الآيتان : 67 ـ 69 259

تفسير الآيات : 69 ـ 76 263

يوسف يخ طّط للإحتفاظ بأخيه 263

٥٦٠