الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ٩

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 576

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 576
المشاهدات: 17299
تحميل: 330


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 576 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 17299 / تحميل: 330
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 9

مؤلف:
العربية

«إمر» على وزن «شمر» وتطلق على العمل المهم العجيب أو القبيح للغاية.

وحقا ، لقد كان ظاهر عمل الرجل العالم عجيبا وسيئا للغاية ، فهل هناك عمل أخطر من أن يثقب شخص سفينة تحمل عددا من المسافرين!

وفي بعض الرّوايات نقرأ أنّ أهل السفينة انتبهوا إلى الخطر بسرعة وقاموا بإصلاح الثقب (الخرق) مؤقتا ، ولكن السفينة أصبحت بعد ذلك معيبة وغير سالمة.

وفي هذه الأثناء نظر الرجل العالم إلى موسىعليه‌السلام نظرة خاصّة وخاطبة :( قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) .

أمّا موسى الذي ندم على استعجاله ، بسبب أهمية الحادثة ، فقد تذكّر عهده الذي قطعة لهذا العالم الأستاذ ، لذا فقد التفت إليه قائلا :( قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً ) . يعني لقد أخطأت ونسيت الوعد فلا تؤاخذني بهذا الاشتباه.

«لا ترهقني» مشتقّة من «إرهاق» وتعني تغطية شيء ما بالقهر والغلبة ، وتأتي في بعض الأحيان بمعنى التكليف ، وفي الآية ـ أعلاه ـ يكون معناها : لا تصعّب الأمور عليّ، ولا تقطع فيضك عنّي بسبب هذا العمل.

لقد انتهت سفرتهم البحرية وترجلوا من السفينة :( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ ) ، وقد تمّ ذلك بدون أي مقدمات!

وهنا ثار موسىعليه‌السلام مرّة أخرى حيث لم يستطع السكوت على قتل طفل بريء بدون أي سبب ، وظهرت آثار الغضب على وجهه وملأ الحزن وعدم الرضا عينيه ونسي وعده مرّة أخرى ، فقام للاعتراض ، وكان اعتراضه هذه المرّة أشد من اعتراضه في المرّة الأولى، لأنّ الحادثة هذه المرّة كانت موحشة أكثر من الأولى ، فقالعليه‌السلام :( قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ) . أي إنّك قتلت إنسانا بريئا من دون أن يرتكب جريمة قتل ،( لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً ) .

٣٢١

كلمة «غلام» تعني الفتى الحدث ، أي الصبي سواء كان بالغا أو غير بالغ. وبين المفسّرين ثمّة كلام كثير عن الغلام المقتول ، وفيما إذا كان بالغا أم لا ، فالبعض استدل بعبارة( نَفْساً زَكِيَّةً ) على أنّ الفتى لم يكن بالغا. والبعض الآخر اعتبر عبارة( بِغَيْرِ نَفْسٍ ) دليلا على أنّ الفتى كان بالغا ، ذلك لأنّ القصاص يجوز بحق البالغ فقط ، ولكن لا يمكن القطع في هذا المجال بالنسبة لنفس الآية.

«نكر» تعني القبيح والمنكر ، وأثرها أقوى من كلمة «إمر» التي وردت في حادثة ثقب السفينة ، والسبب في ذلك واضح ، فالأمر الأوّل قد أوجد الخطر لمجموعة من الناس ، إلّا أنّهم تداركوه بسرعة ، لكن ظاهر العمل الثّاني يدل على إرتكاب جريمة.

ومرّة أخرى كرّر العالم الكبير جملته السابقة التي اتسمت ببرود خاص ، حيث قال لموسىعليه‌السلام :( قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً ) .

والاختلاف الوحيد مع الجملة السابقة هو إضافة كلمة «لك» التي تفيد التأكيد الأكثر ؛ يعني : إنّني قلت هذا الكلام لشخصك!

تذكر موسى تعهده فانتبه إلى ذلك وهو خجل ، حيث أخلّ بالعهد مرّتين ـ ولو بسبب النسيان ـ وبدأ تدريجيا يشعر بصدق عبارة الأستاذ في أنّ موسى لا يستطيع تحمّل أعماله ، لذا فلا يطيق رفقته كما قال له عند ما عرض عليه موسى الرفقة ، لذا فقد بادر الى الاعتذار وقال : إذا اعترضت عليك مرّة أخرى فلا تصاحبني وأنت في حل منّي :( قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً ) . صيغة العذر هنا تدل على انصاف موسىعليه‌السلام ورؤيته البعيدة للأمور ، وتبيّن أنّهعليه‌السلام كان يستسلم للحقائق ولو كانت مرّة ؛ بعبارة أخرى : إنّ الجملة توضح وبعد ثلاث مراحل للاختبار أنّ مهمّة هذين الرجلين كانت مختلفة.

بعد هذا الكلام والعهد الجديد :( فَانْطَلَقا حَتَّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَما

٣٢٢

أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما ) .

لا ريب ، إنّ موسى وصاحبه لم يكونا ممّن يلقي بكلّه على الناس ولكن يتّضح أنّ زادهم وأموالهم قد نفدت في تلك السفرة ، لذا فقد رغبا أن يضيفهما أهل تلك المدينة (ويحتمل أنّ الرجل العالم تعمد طرح هذا الاقتراح كي يعطي موسى درسا بليغا آخر).

ويجب أن نلتفت إلى أنّ (قرية) في لغة القرآن تنطوي على مفهوم عام ، وتشمل المناطق السكنية في الريف والمدينة ، أمّا المقصود منها في الآية فهو المدينة لا القرية ، كما تصرح بعد ذلك الآيات اللاحقة.

وذكر المفسّرون نقلا عن ابن عباس أنّ المقصود بهذه المدينة ، هو (أنطاكية)(1) .

وذكر آخرون : إنّ المقصود منها هو مدينة «أيلة» التي تسمى اليوم ميناء (أيلات) المعروف والذي يقع على البحر الأحمر قرب خليج العقبة. أمّا البعض الثّالث فيرى بأنّها مدينة (الناصرة) الواقعة شمال فلسطين ، وهي محل ولادة السيّد المسيحعليه‌السلام . وقد نقل العلّامة الطبرسي حديثا عن الإمام الصادقعليه‌السلام يدعم صحة هذا الاحتمال.

ورجوعا إلى ما قلناه في المقصود من (مجمع البحرين) إذ قلنا : إنّه كناية عن محل التقاء خليج العقبة وخليج السويس ، يتّضح أنّ مدينة (الناصرة) أو ميناء (أيلة) أقرب إلى هذا المكان من انطاكية.

المهم في الأمر ، أنّنا نستنتج من خلال ما جرى لموسىعليه‌السلام وصاحبه من أهل هذه المدينة أنّهم كانوا لئاما دنيئي الهمّة ، لذا نقرأ في رواية عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

__________________

(1) أنطاكية من المدن السورية القديمة التي تقع على بعد (96) كم من حلب ، و (59) كم عن الإسكندرونة ، تشتهر المدينة بالحبوب الغذائية ، والحبوب الدهنية ، فيها ميناء يسمى «سويدية» ويبعد عن مركزها (27) كيلومتر. (يراجع في ذلك دائرة فريد وجدي ، ج 1 ، ص 835).

٣٢٣

قوله في وصف أهل هذه المدينة : «كانوا أهل قرية لئام»(1) .

ثمّ يضيف القرآن :( فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ ) (2) وقد كان موسىعليه‌السلام يشعر بالتعب والجوع ، والأهم من ذلك أنّه كان يشعر بأنّ كرامته وكرامة أستاذه قد أهينت من أهل هذه القرية التي أبت أن نضيفهما ؛ ومن جانب آخر شاهد كيف أنّ الخضر قام بترميم الجدار بالرغم من سلوك أهل القرية القبيح إزاءهما ، وكأنّه بذلك أراد أن يجازي أهل القرية بفعالهم السيئة ، وكان موسى يعتقد بأنّ على صاحبه أن يطالب بالأجر على هذا العمل حتى يستطيعا أن يعدّا طعاما لهما.

لذا فقد نسي موسىعليه‌السلام عهده مرّة أخرى وبدأ بالاعتراض ، إلّا أنّ اعتراضه هذه المرّة بدا خفيفا فقال :( قالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً ) .

وفي الواقع فإنّ موسى يعتقد بأنّ قيام الإنسان بالتضحية في سبيل أناس سيئين عمل مجاف لروح العدالة ؛ بعبارة أخرى : إنّ الجميل جيّد وحسن ، بشرط أن يكون في محلّه.

صحيح أنّ الجزاء الجميل في مقابل العمل القبيح هو من صفات الناس الإلهيين ، إلّا أنّ ذلك ينبغي أن لا يكون سببا في دفع المسيئين للقيام بالمزيد من الأعمال السيئة.

وهنا قال الرجل العالم كلامه الأخير لموسى ، بأنّك ومن خلال حوادث مختلفة ، لا تستطيع معي صبرا ، لذلك قرّر العالم قراره الأخير :( قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) .

موسىعليه‌السلام لم يعترض على القرار ـ طبعا ـ لأنّه هو الذي كان قد اقترحه عند

__________________

(1) مجمع البيان في تفسير الآية.

(2) إنّ نسبة (الإرادة» إلى الجدار هو استخدام مجازي ، ومفهوم ذلك أنّ الجدار كان ضعيفا للغاية وهو على مشارف الانهيار.

٣٢٤

وقوع الحادثة السابقة ، وهكذا ثبت لموسى أنّه لا يستطيع الاستمرار مع هذا الرجل العالم. ولكن برغم كل ذلك ، فإنّ خبر الفراق قد نزل بوقع شديد على قلب موسىعليه‌السلام ، إذا يعني فراق أستاذ قلبه مملوء بالأسرار ، ومفارقة صحبة مليئة بالبركة ، إذ كان كلام الأستاذ درسا ، وتعامله يتسّم بالإلهام ؛ نور الله يشع من جبينه ، وقلبه مخزن للعلم الإلهي.

إنّ مفارقة رجل بهذه الخصائص أمر صعب للغاية ، لكن على موسىعليه‌السلام أن ينصاع لهذه الحقيقة المرّة.

المفسّر المعروف أبو الفتوح الرازي يقول : ورد في الخبر ، أنّ موسىعليه‌السلام عند ما سئل عن أصعب ما لاقى من مشكلات في طول حياته ، أجاب قائلا : لقد واجهت الكثير من المشاكل والصعوبات (إشارة إلى ما لاقاهعليه‌السلام من فرعون ، وما عاناه من بني إسرائيل) ولكن لم يكن أيّا منها أصعب وأكثر ألما على قلبي من قرار الخضر في فراقي إيّاه»(1) .

«تأويل» من «أول» على وزن «قول» وتعني الإرجاع ، لذا فإنّ أي عمل أو كلام يرجعنا إلى الهدف الأصلي يسمّى «تأويل» كما أنّ رفع الحجب عن أسرار شيء هو نوع من التأويل.

اطلاق كلمة (التأويل) على تفسير الأحلام يعود لهذا السبب بالذات ، كما ورد في سورة يوسف( هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ ) (2) (3) .

* * *

__________________

(1) أبو الفتوح الرازي في (روح الجنان) ، ج 3 ، أثناء تفسير الآية.

(2) للتوضيح أكثر يمكن مراجعة الآية (7) من سورة آل عمران.

(3) يوسف ، 100.

٣٢٥

الآيات

( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81) وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (82) )

التّفسير

الأسرار الداخلية لهذه الحوادث :

بعد أن أصبح الفراق بين موسى والخضرعليهما‌السلام أمرا حتميا ، كان من اللازم أن يقوم الأستاذ الإلهي بتوضيح أسرار أعماله التي لم يستطع موسى أن يصبر عليها ، وفي الواقع فإنّ استفادة موسى من صحبته تتمثل في معرفة أسرار هذه الحوادث

٣٢٦

الثلاثة العجيبة ، والتي يمكن أن تكون مفتاحا للعديد من المسائل ، وجوابا لكثير من الأسئلة.

ففي البداية ذكر قصّة السفينة وقال :( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً ) .

وبهذا الترتيب كان ثمّة هدف خيّر وراء ثقب السفينة الذي بدأ في حينه عملا مشينا سيئا ، والهدف هو نجاتهم من قبضة ملك غاصب ، وكان هذا الملك يترك السفينة المعيبة ويصرف النظر عنها. إذا خلاصة المقصود في الحادثة الأولى هو حفظ مصالح مجموعة من المساكين.

كلمة «وراء» لا تعني هنا الجانب المكاني ، وإنّما هي كناية عن الخطر المحيط بهم (خطر الملك) بدون أن يعلموا به ، وبما أنّ الإنسان لا يحيط بالحوادث التي سوف تصيبه لاحقا ، لذا استخدمت الآية التعبير الآنف الذكر.

إضافة إلى ذلك فإنّ الإنسان عند ما يخضع لضغط فرد أو مجموعة فإنّه يستخدم تعبير (وراء) كقوله مثلا : الدّيانون ورائي ولا يتركوني ؛ وفي الآية (16) من سورة إبراهيم نقرأ قوله تعالى :( مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) وكأنّ جهنّم تلاحق وتتبع المذنبين ، لذا فقد استخدمت كلمة وراء(1) .

ويفيد استخدام كلمة (مسكين) أنّ «المسكين» ليس هو الشخص الذي لا يملك شيئا مطلقا ، بل هي وصف يطلق على الأشخاص الذين يملكون أموالا وثروة لكنّها لا تفي بحاجاتهم.

ويحتمل أيضا أن يكون السبب في إطلاق وصف (المساكين) عليهم ليس بسبب الفقر المالي ، بل بسبب افتقارهم للقوّة والقدرة ، وهذا التعبير يستخدم في لغة العرب ، كما وأنّه يتلاءم مع الجذور الأصلية لمعنى مسكين لغويا ، والذي يعني السكون والضعف.

__________________

(1) في معنى (وراء) يمكن مراجعة البحث الوارد في ذيل الآية (16) من سورة إبراهيم في تفسيرنا هذا.

٣٢٧

وفي نهج البلاغة نقرأ قول أمير المؤمنينعليه‌السلام : «مسكين ابن آدم تؤلمه البقة ، وتقتله الشرقة ، وتنتنه العرقة»(1) .

بعد ذلك ينتقل العالم إلى بيان سر الحادثة الثّانية التي قتل فيها الفتى فيقول :( وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً ) .

تحتمل مجموعة من المفسّرين أنّ المقصود من الآية ليس ما يتبيّن من ظاهرها من أنّ الفتى الكافر والعاصي قد يكون سببا في انحراف أبويه ، وإنّما المقصود أنّه بسبب من طغيانه وكفره يؤذي أبويه كثيرا(2) ؛ ولكن التّفسير الأوّل أقرب للصحة.

في كل الأحوال ، فإنّ الرجل العالم قام بقتل هذا الفتى ، واعتبر سبب ذلك ما سوف يقع للأب والأم المؤمنين في حال بقاء الابن على قيد الحياة.

وسوف نجيب في فقرة البحوث على شبهة (القصاص قبل الجناية) التي ترد على أعمال الخضر هذه.

كلمة (خشينا) تستبطن معنى كبيرا ، فهذا التعبير يوضح أنّ هذا الرجل العالم كان يعتبر نفسه مسئولا عن مستقبل الناس ، ولم يكن مستعدا لأن تصاب أم أو أب مؤمنان بسوء بسبب انحراف ابنهم.

كما إنّ تعبير (خشينا) جاء هنا بمعنى : لم نكن نرغب ، وإلّا لا معنى للخوف في هذه الموارد بالنسبة لشخص بهذا المستوى من العلم والوعي والقدرة.

وبعبارة أخرى ، فإنّ الهدف هو الاتقاء من حادث سيء نرغب أن نقي الأبوين منه على أساس المودّة لهما.

ويحتمل أن يكون التعبير بمعنى (علمنا) كما ينقل عن ابن عباس ، يعني أنّنا

__________________

(1) نهج البلاغة ، الكلمات القصار الجملة رقم 419.

(2) وفق التّفسير الأوّل يكون الفعل «يرهق» متعديا إلى مفعولين : الأوّل (هما) ، والمفعول الثّاني (طغيانا) ، أمّا وفق التّفسير الثّاني فإن (طغيانا) و (كفرا) يكونان مفعولا لأجله.

٣٢٨

كنّا نعلم أنّ الفتى ـ في حال بقائه ـ سوف يكون سببا لأحداث أليمة تقع لأبيه وأمه في المستقبل.

أمّا لماذا استخدم ضمير المتكلّم في حالة الجمع ، بينما كان المتكلّم فردا واحدا ، فإنّ سبب ذلك واضح ، حيث أنّها ليست المرّة الأولى التي يستخدم القرآن هذه الصيغة ، ففي كلام العرب عند ما يتحدث الأشخاص الكبار عن أنفسهم فإنّهم يستخدمون ضمير الجمع. والسبب في ذلك أنّ هؤلاء الأشخاص يملكون أشخاصا تحت أيديهم ويعطونهم الأوامر لتنفيذ الأعمال ، فالله يعطي الأوامر للملائكة ، والإنسان يعطي الأوامر للذين هم تحت يديه.

ثمّ تحكي الآيات على لسان العالم قوله :( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً ) .

إنّ تعبير (أردنا) و (ربّهما) يطوي معاني كبيرة سوف نقف عليها بعد قليل.

(زكاة) هنا بمعنى الطهارة والنظافة ، ولها مفهوم واسع حيث تشمل الإيمان والعمل الصالح ، وتتسع للأمور الدينية والمادية ، وقد يكون في هذا التعبير ما هو جواب على اعتراض موسىعليه‌السلام الذي قال :( أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً ) فقال له العالم في الجواب : إنّ هذه النفس ليست زكية ، وأردنا أن يبدلهما ربّهما ابنا طاهرا بدلا عن ذلك.

وفي روايات عديدة نقرأ «أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيّا»(1) .

في آخر آية من الآيات التي نبحثها ، كشف الرجل العالم عن السر الثّالث الذي دعاه إلى بناء الجدار فقال :( وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً ) .

( فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما ) .

( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ) .

__________________

(1) نور الثقلين ، ج 3 ، ص 286 و 287.

٣٢٩

وأنا كنت مأمورا ببناء هذا الجدار بسبب جميل وإحسان أبوي هذين اليتيمين ، كي لا يسقط وينكشف الكنز ويكون معرّضا للخطر.

وفي خاتمة الحديث ، ولأجل أن تنتفي أي شبهة محتملة ، أو شك لدى موسىعليه‌السلام ، ولكي يكون على يقين بأنّ هذه الأعمال كانت طبقا لمخطط وتوجيه أعلى خاص ، قال العالم :( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) بل بأمر من الله.

وذلك سر ما لم يستطع موسىعليه‌السلام صبرا ، إذ قال :( ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً ) .

* * *

بحوث

1 ـ هل كانت مهمّة الخضر في اطار النظام التشريعي أم التكويني!؟

إنّ هذه الحوادث الثّلاث شغلت عقول العلماء الكبار ، وأثارت بينهم الكثير من الكلام والاستفهامات.

والسؤال الأوّل هو : هل يمكن إتلاف جزء من أموال شخص بدون إجازته بذريعة أنّ هناك غاصبا يريد أن يصادرها؟

وهل يمكن معاقبة فتى بذريعة الأعمال التي سيقوم بها في المستقبل؟

ثمّ هل هناك ضرورة للعمل المجاني بهدف الحفاظ على أموال شخص معين؟

لقد رأينا من سياق القصّة القرآنية أنّ موسى اعتراض على الرجل العالم ، ولكنّه بعد أن استمع للتوضيحات وأحاط ببواطن الأمور عاد واقتنع.

أمّا نحن فأمامنا طريقان للإجابة على الأسئلة ، نعرضها بالتفصيل الآتي :

الطريق الأوّل : أن نطابق الحوادث وتصرفات الرجل العالم مع الموازين الفقهية ، وقوانين الشرع ، وقد قامت مجموعة من المفسّرين بسلوك هذا الطريق.

٣٣٠

فالحادثة الأولى اعتبروها منطبقة مع قانون الأهم والمهم ؛ وقالوا بأنّ حفظ مجموع السفينة عمل أهم حتما من الضرر الجزئي الذي لحقها بالخرق ؛ وبعبارة أخرى ، فإنّ الخضر قام هنا (بدفع الأفسد بالفاسد) خاصّة وأنّه كان يمكن تقدير الرضا الباطني لأهل السفينة فيما إذا علموا بهذه الحادثة. (أي أنّ الخضر قد حصل من وجهة الإحكام والقواعد الشرعية على إذن الفحوى).

وفيما يتعلق بالغلام فقد أصرّ المفسّرون ممن سلك هذا الطريق ، على أنّ الفتى كان بالغا وأنّه كان مرتدا أو مفسدا ، وبسبب أعماله الفعلية فإنّه من الجائز أن يقتل.

وأمّا حديث الخضر عن جرائم الغلام المستقبلية ، فإنّه بذلك أراد أن يقول بأن جرائم هذا الغلام لا تقتصر على إفساده الراهن وجرائمه الحالية ، بل سيقوم بالمستقبل بجرائم أكبر ، لذا فإنّ قتله طبقا للموازين الشرعية وبسبب ما اقترفه من جرائم فعلية يكون جائزا.

أمّا ما يخص الحادثة الثّالثة ، فلا أحد يستطيع أن يعترض على الآخرين فيما لو قاموا بالتضحية والإيثار من أجل الآخرين ، ومن أجل أن لا تضيع أموالهم دون أن يتقاضوا أجرا على أعمالهم ، وهو بالضبط ما قام به الخضر ، وقد لا تصل هذه الأفعال إلى حدّ الوجوب، إلّا أنّها تعتبر ـ حتما ـ من السلوك الحسن.

بل قد يقال من الوجهة الفقهية أنّ الإيثار والتضحية في بعض الموارد من الأمور الواجبة ، مثل أن تكون أموال كثيرة لطفل يتيم معرضة للتلف ، ويمكن المحافظة عليها بجهد قليل فلا يستبعد وجوب بذل الجهد.

الطريق الثّاني : تتمّ فيه مناقشة بعض عناصر الاستدلال الفقهية التي وردت في الطريق الأوّل ، فإذا كانت التوضيحات الآنفة مقنعة فيما يخص الكنز والحائط ، إلّا أنّها في قضية قتل الغلام لا تتلاءم مع ظاهر الآية ، الذي اعتبر علّة قتل الغلام هو ما سيقوم به من أعمال في المستقبل ، وليس أعماله الفعلية.

٣٣١

أمّا الدليل الوارد حول خرق السفينة ، فهو أيضا لا يخلو من تأمل فهل نستطيع مثلا ـ ومن الوجهة الفقهية ـ أن نتلف جزءا من أموال أو بيت شخص معين بدون علمه لانقاذها من خطر ما ، حتى لو علمنا وتيقنا بأنّه سيتمّ غصب تلك الأموال في المستقبل ترى هل يسمح الفقهاء بمثل هذا الحكم؟!

وعلى هذا الأساس يجب علينا أن نسلك طريقا آخر :

الطريق الثّالث : إنّ في هذا العالم ثمّة نظامان هما : «النظام التكويني ، والنظام التشريعي» ، وبالرغم من أنّ هذين النظامين متناسقين فيما بينهما في الأصول الكلية ، ولكنها قد ينفصلان ويفترقان في الجزئيات.

على سبيل المثال ، يقوم الله سبحانه وتعالى ومن أجل اختبار العباد ، بابتلائهم بالخوف ونقص في الأموال والثمرات وموت الأعزّة وفقدانهم حتى يتبيّن الصابر من غيره تجاه هذه الحوادث والبلاءات.

والسؤال هنا هو : هل يستطيع أي فقيه أو حتى نبي أن يقوم بهذا العمل ، أي ابتلاء العباد بنقص الأموال والثمرات وفقدان الأعزة ، وفقدان الأمن والاستقرار بهدف اختبار الناس وابتلائهم؟

ونرى أنّ الله سبحانه وتعالى يقوم بتحذير وتربية بعض أنبيائه وعباده الصالحين ، وذلك بابتلائهم بمصائب بسبب تركهم للأولى ، مثل ما ابتلى به يعقوبعليه‌السلام بسبب قلّة توجهه إلى المساكين ، أو ما ابتلى به يونسعليه‌السلام بسبب تركه الأولى من بعض الأمور ولو لفترة قصيرة فهل يا ترى يحق لأحد أن يقوم بهذه الأعمال بعنوان الجزاء والعقاب لهؤلاء الرسل الكرام والعباد الصالحين؟

ونرى أنّ الله سبحانه وتعالى يقوم في بعض الأحيان ، بسلب النعمة من الإنسان بسبب عدم شكره ، كأن تغرق أمواله في البحر ـ مثلا ـ يخسر هذه الأموال ، أو يصاب بالمرض بسبب عدم شكره لربّه على نعمة السلامة

والسؤال هنا : هل يستطيع أحد من الناحية الفقهية والتشريعية أن يسلب

٣٣٢

النعمة من الآخرين ، أو ينزل الضرر بسلامتهم وصحتهم بسبب عدم شكرهم وبدعوى ابتلائهم؟

إنّ أمثال هذه الأمور كثير للغاية ، وهي تظهر ـ بشكل عام ـ أنّ عالم الوجود ، وخصوصا خلق الإنسان ، قد قام على النظام الأحسن ، حيث وضع الله تعالى مجموعة من القوانين والمقررات التكوينية حتى يسلك الإنسان طريق التكامل ، وعند ما يتخلف عنها فسيصاب بردود فعل مختلفة.

ولكنّا من وجهة قوانين الشرع وضوابط الأحكام لا نستطيع أن نصنّف الأمور في إطار هذه القوانين التكوينية.

على سبيل المثال نرى أنّ الطبيب يستطيع أن يقطع إصبع شخص معين بحجّة عدم سراية السم إلى قلبه ، ولكن هل يستطيع أي شخص أن يقطع إصبع شخص آخر بحجّة تربيته على الصبر أو عقابا له على كفرانه للنعم؟ (بالطبع الخالق يستطيع القيام بذلك حتما لأنّه يلائم النظام الأحسن).

والآن بعد أن ثبت وتوضح أنّ في العالم نظامان (تكويني وتشريعي) ، وأنّ الله هو الحاكم والمسيطر على هذين النظامين ، لذا فلا مانع في أن يأمر تعالى مجموعة بأن تطبّق النظام التشريعي ، بينما يأمر مجموعة من الملائكة أو بعض البشر (كالخضر مثلا) بأن يطبقوا النظام التكويني.

ومن وجهة النظام التكويني لا يوجد أي مانع في أن يبتلي الله طفلا غير بالغ بحادثة معينة ، ثمّ يموت ذلك الطفل بسبب هذه الحادثة ، وذلك لعلم الله تعالى بأنّ أخطارا كبيرة كامنة لهذا الطفل في المستقبل كما أنّ وجود مثل هؤلاء الأشخاص وبقاءهم يتمّ لمصلحة معينة كالامتحان والابتلاء وغير ذلك.

وأيضا لا مانع في أن يبتليني الله اليوم بمرض صعب يقعدني الفراش لعلمه تعالى بأنّ خروجي من البيت لو تمّ فسأتعرض لحادثة خطيرة لا أستحقها ، لذا فهو تعالى يمنعني منها.

٣٣٣

بعبارة أخرى : إنّ مجموعة من أوليائه وعباده مكلّفون في هذا العالم بالبواطن ، بينما المجموعة الأخرى مكلّفون بالظواهر. والمكلّفون بالبواطن لهم ضوابط وأصول وبرامج خاصّة بهم ، مثلما للمكلّفين بالظواهر ضوابطهم وأصولهم الخاصّة بهم أيضا.

صحيح أنّ الخط العام لهذين البرنامجين يوصل الإنسان إلى الكمال ؛ وصحيح أنّ البرنامجين متناسقين من حيث القواعد الكلية ، إلّا أنّهما يفترقان في التفاصيل والجزئيات كما لاحظنا ذلك في الأمثلة.

بالطبع لا يستطيع أحد أن يعمل كما يحلو له ضمن هذين الخطين ، بل يجب أن يحصل على إجازة المالك القادر الحكيم الخالق جلّ وعلا ، لذا رأينا الخضر (العالم الكبير) يوضح هذه الحقيقة بصراحة قائلا ، (ما فعلته عن أمري) بل إنّي خطوت الخطوات وفقا للبرنامج الإلهي والضوابط التي كانت موضوعة لي.

وهكذا سيزول التعارض والتضاد وتنتفي الأسئلة والمشكلات المثارة حول مواقف الخضر في الحوادث الثلاث.

وسبب عدم تحمّل موسىعليه‌السلام لأعمال الخضر يعود إلى مهمّة موسى التي كانت تختلف عن مهمّة الخضر في العالم ، لذا فقد كان موسىعليه‌السلام يبادر إلى الاعتراض على مواقف الخضر المخالفة لضوابط الشريعة بينما كان الخضر مستمرا في طريق ببرود ، لأنّ وظيفة كل من هذين المبعوثين الإلهيين تختلف عن وظيفة الآخر ودوره المرسوم له إلهيا ، لذلك لم يستطيعا العيش سوية ، لذا قال الخضر لموسىعليه‌السلام :( هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ) .

2 ـ من هو الخضر؟

لقد رأينا القرآن الكريم يتحدّث عن العالم من دون أن يسميّه بالخضر وقد عبّر عن معلّم موسىعليه‌السلام بقوله :( عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ

٣٣٤

مِنْ لَدُنَّا عِلْماً ) والآية توضح المقام الخاص للعبودية والعلم والمعرفة ، لذا فإنّنا غالبا ما نصفه بالرجل العالم.

أمّا الرّوايات الإسلامية وفي مختلف مصادرها عرّفت هذا الرجل باسم (الخضر) ومن بعض هذه الرّوايات نستفيد بأنّ اسمه الحقيقي كان (بليا بن ملكان) أمّا الخضر فهو لقب له ، حيث أنّه أينما كان يطأ الأرض فإنّ الأرض كانت تخضر تحت قدميه.

البعض احتمل أنّ اسم الرجل العالم هذا هو (إلياس) ومن هنا ظهرت فكرة أن الياس والخضر هما اسمان لشخص واحد.

ولكن المشهور المعروف بين المفسّرين والرواة هو الأوّل.

وطبيعي أن نقول : إنّ اسم الرجل العالم أيّا كان فهو غير مهم لا لمضمون القصّة ولا لقصدها ، إذ المهم أن نعرف أنّه كان عالما إلهيا ، شملته الرحمة الإلهية الخاصّة ، وكان مكلّفا بالباطن والنظام التكويني للعالم ، ويعرف بعض الأسرار ، وكان معلّم موسى بن عمران بالرغم من أنّ موسىعليه‌السلام كان أفضل منه من بعض الجوانب.

وهناك أيضا آراء وروايات مختلفة فيما إذا كان الخضر نبيّا أم لا.

ففي المجلد الأوّل من أصول الكافي وردت روايات عديدة تدل على أنّ هذا الرجل لم يكن نبيّا ، بل كان عالما مثل (ذو القرنين) و (آصف بن برخيا)(1) .

في حين نستفيد من روايات أخرى أنّه كان نبيّا ، وظاهر بعض الآيات أعلاه يدل على هذا المعنى ، لأنّها تقول على لسانه :( وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ) . وفي مكان آخر قوله :( فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ ) .

ونستفيد من روايات أخرى أنّ الخضر عمّر طويلا.

وهنا قد يطرح هذا السؤال : هل ذكرت قصّة موسى وهذا العالم الكبير في

__________________

(1) أصول الكافي ، المجلد الأوّل ، باب «إنّ الأئمّة بمن يشبهون فيمن مضى» ، ص 210.

٣٣٥

مصادر اليهود والمسيح؟

في الجواب نقول : إذا كان المقصود هو كتب العهدين (التوراة والإنجيل) فإنّ ذلك غير مذكور فيهما ، أمّا بعض كتب علماء اليهود التي تمّ تدوينها في القرن الحادي عشر الميلادي ، ففيها قصّة تشبه إلى حد كبير حادثة موسىعليه‌السلام وعالم زمانه ، بالرغم من أنّها تذكر أنّ أبطال تلك القصّة هما (إلياس) و (يوشع بن لاوي) وهما من مفسّري (التلمود) في القرن الثّالث الميلادي ، وتختلف من خلال عدّة أمور عن قصّة موسى والخضر ، والقصة هذه هي :

«وهو (اي يوشع) يطلب من الله أن يلقى الياس ، وبمجردّ أن يستجاب دعاؤه ويحظى بلقاء الياس فإنّه يرجوه أن يطلعه على بعض الأسرار. فيجيبه الياس : إنّك لا طاقة لك على تحمّل ذلك ، إلّا أن يوشع يصّر ويلحّ في طلبه فيستجيب له الياس مشترطا عليه أن لا يسأل عن أيّ شيء يراه ، وإذا تخلّف يوشع عن هذا الشرط فإنّ الياس حرّ في الانفصال عنه وتركه ، وعلى أساس هذا الاتّفاق يترافق يوشع والياس في السفر.

وأثناء سفرهما يدخلان إلى بيت فيستقبلهما صاحب البيت أحرّ استقبال ويكرم وفادهما. وكان لأهل ذلك البيت بقرة هي كلّ ما يملكون من حطام الدنيا حيث كانوا يوفّرون لأنفسهم لقمة العيش من بيع لبنها. فيأمر الياس صاحب البيت أن يذبح تلك البقرة ، ويستولي على يوشع العجب والاستغراب من هذا التصّرف ويدفعه ذلك لأن يسأله عن المبرّر لهذا الفعل. فيذكّره الياس بما اتّفقا عليه ويهددّه بمفارقته له فيصمت يوشع ولا ينبس بكلمة.

ومن هناك يواصلان سفرهما إلى قرية أخرى فيدخلان إلى بيت شخص ثريّ وينهض الياس إلى جدار في ذلك البيت يشرف على السقوط فيرمّمه ويقيمه. وفي قرية أخرى يواجهان عددا من سكان تلك القرية مجتمعين في مكان معيّن ولا يعيرون هذين الشخصين بالا ولا يواجهونهما باحترام. فيقوم

٣٣٦

الياس بالدعاء لهم أن يصلوا جميعا إلى الرئاسة. وفي قرية رابعة يواجههما سكّانها باحترام فائق فيدعو لهم الياس بأن يصل شخص واحد منهم فحسب إلى الرئاسة. وبالتالي فإنّ يوشع بن لاوى لا يطيق الصبر فيسأل عن الوقايع الأربع ، ويجيبه الياس : بأنّه في البيت الأوّل كانت زوجة ربّ الدار مريضة ولو أنّ تلك البقرة لم تذبح بعنوان الصدقة فإنّ تلك المرأة تموت ويصاب صاحب الدار بخسارة أفدح من الخسارة التي تلحقه نتيجة لذبح البقرة ، وفي البيت الثّاني كان هناك كنز ينبغي الاحتفاظ به لطفل يتيم ، وأمّا إنّه قد دعوت لأهل القرية الثّالثة بأن يصلوا إلى الرئاسة جميعا فذلك لكي تضطرب أمورهم ويختلّ النظام عندهم. على العكس من أهل القرية الرّابعة فإنّهم إذا أسندوا زمام أمورهم إلى شخص واحد فإنّ أمورهم سوف تنتظم وتسير على ما يرام»(1) .

ويجب عدم التوهّم أنّنا نرى بأنّ القصتين هما قصة واحدة ، بل إنّ غرضنا الإشارة إلى أنّ القصة التي يذكرها علماء اليهود يمكن أن تكون قصة مشابهة أو محرّفة لما حصل أصلا لموسىعليه‌السلام والخضر ، وقد تغيرت بسبب طول الزمان وأصبحت على هذا الشكل.

3 ـ الأساطير الموضوعة

إنّ الأساس في قصّة موسى والخضرعليهما‌السلام هو ما ذكر في القرآن ، ولكن مع الأسف هناك أساطير كثيرة قيلت حول القصّة وحول رمزيها (موسى والخضر) حتى أنّ بعض الإضافات تعطي للقصّة طابعا خرافيا. وينبغي أن نعرف أنّ مصير كثير من القصص لم يختلف عن مصير هذه القصة ، إذ لم تنج قصة من الوضع والتحريف والتقوّل.

مقياسنا في واقعية القصّة هو أن نضع الآيات الثلاث والعشرون أعلاه كمعيار

__________________

(1) ما ورد أعلاه منقول عن كتاب (أعلام القرآن) ، ص 213.

٣٣٧

أمامنا ، وحتى بالنسبة للأحاديث والرّوايات فإنّنا نقبلها في حال كونها مطابقة للآيات ، فإذا كان هناك حديث لا يطابق الآيات فسنرفضه حتما ومن حسن الحظ لم يرد في هذه الأحاديث حديث معتبر.

4 ـ هل يمكن أن يصاب الأنبياء بالنسيان؟

لقد واجهتنا ـ أعلاه ، ولعدّة مرّات ـ قضية نسيان موسىعليه‌السلام ، فمرّة في قضية تلك السمكّة المعدّة لطعامهم ؛ وثلاث مرّات أخرى خلال الحوادث الثلاث التي وقعت عند مرافقته للخضر ، حينما نسي تعهده!

إذن ، نحن أمام هذا السؤال : هل يقع النسيان بالنسبة للأنبياء؟

البعض يعتقد بصدور ووقوع مثل هذا النسيان بالنسبة للأنبياء ، لأنّه لا يرتبط بأساس دعوة النّبوة ولا بفروعها ولا بتبليغ الدعوة ، بل يقع في قضية عادية تخص الحياة اليومية ، فالمسلّم به أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لا يصاب بالنسيان في أصل دعوة النّبوة ، ولا يخطأ أو يشتبه في التبليغ ، حيث أن عناية الله تعصمه في مثل هذه الأمور.

ولكن ما المانع أن ينسى موسىعليه‌السلام طعامه ، خصوصا وأن هذا النسيان أمر طبيعي عند ما يكون موسى متوجها بحواسه في البحث عن الرجل العالم؟

ثمّ ما المانع من أن يصاب بالهيجان بحيث ينسى تعهد الذي قطعه مع صاحبه العالم ، وذلك عند ما شاهد هذه الحوادث العظيمة التي مرّت به كقتل الفتى وخرق السفينة وبناء الجدار في مدينة البخلاء؟

إنّ موارد النسيان هذه لا تتعارض مع مقام العصمة ، ولا هي مستبعدة عن أي نبي.

بعض المفسّرين احتملوا أن يكون النسيان هنا بمعنى مجازي ، ويعني الترك ، لأنّ الإنسان عند ما يترك شيئا فهو كمن قد نسيه ؛ أمّا لماذا ترك موسى طعامه ، فقد

٣٣٨

يعود ذلك إلى عدم اهتمامه بمثل هذا الأمر. وفيما يتعلق بتعهده اتجاه صاحبه العالم ، فذاك منه لأنّه كان ينظر إلى ظواهر الأمور ، إذ من غير المألوف أن يعرّض أحد أرواح وأموال الناس إلى الضرر ، فضلا عن أن يكون ذلك الشخص هو العالم الكبير ، لذا فإنّ موسىعليه‌السلام كان يعتبر نفسه مكلفا بالاعتراض ، وكان يعتقد بأنّ هذا الأمر لا يقيّد بالتعهد.

لكن من الواضح أنّ هذه التفاسير والآراء لا تتسق مع ظواهر الآيات.

5 ـ لماذا ذهب موسى لرؤية الخضر؟

في حديث عن ابن عباس قال : أخبرني أبي بن كعب قال : خطبنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال : «إنّ موسىعليه‌السلام قام خطيبا في بني إسرائيل ، فسئل أي الناس أعلم؟

قال : أنا.

فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه. فأوحى إليه : إنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك.

قال موسى : يا ربّ فكيف لي به؟

قال : تأخذ معك حوتا ...»(1) إلخ الرّواية حيث أرشد تعالى نبيّه موسى للوصول إلى الرجل العالم.

كما روي ما يشابه هذا الحديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام (2) .

إنّ مفاد هذه الواقعة هو تحذير لموسىعليه‌السلام حتى لا يعتبر نفسه ـ برغم علمه ومعرفته ـ أفضل الأشخاص.

ولكن هنا يثار هذا السؤال : ألا يجب أن يكون النّبي ـ وهو هنا من أولي العزم وصاحب رسالة ـ أعلم أهل زمانه؟

__________________

(1) مجمع البيان ، ج 3 ، ص 481.

(2) نور الثقلين ، ج 3 ، ص 275.

٣٣٩

في معرض الجواب نقول : نعم ، ينبغي أن يكون أعلم فيما يتعلق بمهمّته ، يعني الأعلم بالنظام التشريعي ، وموسىعليه‌السلام كان كذلك. أمّا الرجل العالم (الخضر) فهو كما قلنا سابقا ، كانت له مهمّة تختلف عن مهمّة موسىعليه‌السلام ولا ترتبط بعالم التشريع. بعبارة أخرى : إنّ الرجل العالم كان يعرف من الأسرار ما لا تعتمد عليه دعوة النّبوة.

وفي حديث جاء عن الإمام الصادقعليه‌السلام قولهعليه‌السلام : «كان موسى أعلم من الخضر»(1) . أي أعلم منه في علم الشرع.

وهنا نلاحظ أنّ هذه الشبهة وقضية نسيان موسىعليه‌السلام هما اللتان دفعتا البعض إلى القول أنّ موسى المذكور في القصة ليس هو موسى بن عمران ، بل هو شخص آخر. لكن مع حل هاتين المشكلتين لا يبقى مجال لهذا الكلام.

وفي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضاعليه‌السلام نرى إشارة صريحة إلى أن مهمّة ووظيفة كلّ من موسى والخضر كانت تختلف عن الآخر ، فقد كتب أحدهم إلى الإمام الرضاعليه‌السلام يسأله عن العالم الذي أتاه موسى ، أيّهما كان أعلم؟ فكان ممّا أجاب به الإمام قولهعليه‌السلام : «أتى موسى العالم فأصابه في جزيرة من جزائر البحر إمّا جالسا وإمّا متكئا فسلّم عليه موسى ، فأنكر السلام ، إذ كانت الأرض ليس بها سلام. قال : من أنت؟ قال: أنا موسى بن عمران. قال : أنت موسى بن عمران الذي كلمه الله تكليما؟ قال: نعم، قال : فما حاجتك؟ قال : جئت لتعلمني ممّا علمت رشدا. قال : إنّي وكلت بأمر لا تطيقه، ووكلت بأمر لا أطيقه»(2) .

ومن المناسب هنا أن نختم هذه الفقرة بما رواه صاحب «الدر المنثور» عن «الحاكم» النيسابوري من أنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال : «لما لقي موسى الخضر ، جاء طير فألقى منقاره في الماء ، فقال الخضر لموسى : تدري ما يقول هذا الطائر؟ قال : وما

__________________

(1) تفسير الميزان ، ج 13 ، ص 356.

(2) مجمع البيان ، ج 6 ، ص 480. والميزان ، ج 13 ، ص 356.

٣٤٠