الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١١

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 504

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 504
المشاهدات: 11692
تحميل: 225


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 504 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 11692 / تحميل: 225
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 11

مؤلف:
العربية

١
٢

٣
٤

سُورَةُ النُّور

مَدنيّة

وعددُ آياتِها أربَع وَسِتُّونَ آية

وهي تشكل الجزء الثّامن عشر من القرآن الكريم

٥
٦

«سورة النّور »

فضل سورة النور :

جاء في حديث عن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله : «من قرأ سورة النور أعطي من الأجر عشر حسنات بعدد كل مؤمن ومؤمنة فيما مضى وفيما بقي».

وجاء في حديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «حصنوا أموالكم وفروجكم بتلاوة سورة النّور وحصّنوا بها نساءكم ، فإنّ من أدمن قراءتها في كل يوم أو في كل ليلة لم يزن أحد من أهل بيته أبدا حتى يموت»(1) .

والاهتمام بمضمون السورة الذي دعا بطرق مختلفة إلى مكافحة عناصر الانحراف بالتزام العفّة ، يوضح الغاية الاساسية في الحديثين أعلاه ومفهومهما العملي.

محتوى سورة النّور :

يمكن اعتبار هذه السورة خاصّة بالطهارة والعفة ، وكفاح الانحطاط الخلقي ، لأن محور تعاليمها ينصب على تطهير المجتمع بطرق مختلفة من الرذائل والفواحش ، والقرآن الكريم يحقق هذا الهدف عبر مراحل ، هي :

المرحلة الأولى :

بيان العقاب الشديد للمرأة الزانية والرجل الزاني ، وهو ما ورد حاسما في الآية الثّانية من هذه السورة.

__________________

(1) تفسير مجمع البيان للآية موضع البحث ، وكتاب ثواب الأعمال للصدوق (حسبما نقله نور الثقلين ، المجلد الثّالث. صفحة 568).

٧

المرحلة الثّانية : بيان حد الزنا الذي لا تنبغي إقامته إلّا بشروط مشدّدة للغاية ، إذ لا بدّ من أربعة شهود يشهدون أنّهم رأوا بأمّ أعينهم رجلا غريبا يزني بامرأة غريبة عنه ، يفعل بها فعل الزوج بزوجه ساعة مباشرته إيّاها.

ولو شهد الرجل على زوجته بالزّنا للاعن القاضي بينهما ، أو يقرّ أحدهما أو كلاهما بالحق.

ومن اتّهم محصنة ولم يأت بأربعة شهود جلده القاضي أربعة أخماس حدّ الزّنا ، أي ثمانين جلدة ، لئلّا يتصوّر أحد أنّ بإمكانه الطّعن على الناس وهتك حرماتهم وهو في منجّى عن العقاب.

ثمّ طرحت الآية بهذه المناسبة الحديث المعروف باسم الإفك ، وما فيه من اتّهام إحدى نساء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . فعقّب القرآن المجيد على هذه المسألة موضحا للمسلمين مدى بشاعة الافتراء والتهمة ، وفظاعة إشاعة الفاحشة عدوانا على الناس ، وكاشفا عمّا ينتظر القائم بذلك من عقوبات إلهية.

وفي المرحلة الثّالثة : تناولت الآية أحد السبل المهمّة لاجتناب التدهور الأخلاقيّ ، من أجل ألا يتصوّر أنّ الإسلام يهتم فقط بمعاقبة المذنبين.

فطرحت الآية نظر الرجال إلى النساء بشهوة أو بالعكس ، وحجاب المرأة المسلمة ، لأنّ أحد أسباب الانحراف الجنسي المهمّة ناجم عن هاتين المسألتين.

وإذا لم تحل هاتان المسألتان جذريّا ، لا يمكن القضاء على الانحطاط والتفسخ.

وفي المرحلة الرّابعة : كخطوة للنجاة من التلوث بما يخلّ بالشرف ـ دعا القرآن المجيد إلى الزواج اليسير التكاليف ، ليحارب الإشباع الجنسي غير المشروع بإشباع مشروع.

وفي المرحلة الخامسة : بيّنت الآيات جانبا من آداب المعاملة ، ومبادئ تربية الأولاد وعدم دخول الأبناء الغرفة المخصصة للوالدين في ساعات الخلوة والاستراحة إلّا بإذن منهما ، بغية المحافظة على أفكارهم من الانحراف. كما بيّنت

٨

آداب الحياة الأسريّة عامّة.

وفي المرحلة السادسة : جاء ذكر مسائل خاصّة بالتوحيد والمبدأ والمعاد والامتثال لتعاليم النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . كلّ ذلك خلال البحوث المطروحة. ومن المعلوم أن الإعتقاد بالوحدانية والنّبوّة والمبدأ والمعاد. يدعم مناهج التربية الأخلاقية في الفرد والجماعة ، فذلك الإعتقاد هو الأصل ، وما عداه من أمور فروع عليه ، تورق وتثمر إذا قوي الأصل واشتدّ.

وتطرقت بحوث هذه الآيات إلى حكومة المؤمنين الصالحين العالميّة ، وأشارت إلى تعاليم إسلامية أخرى ، وهي تشكل ـ بمجموعها ـ وحدة متكاملة شاملة.

* * *

٩

الآيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2) الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلاَّ زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلاَّ زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3) )

التّفسير

حد الزاني والزانية :

سمّيت هذه السورة بالنّور لأنّ آية النور فيها من أهم آياتها ، إضافة إلى أنّ مضمونها يشعشع في جوانح الرجل والمرأة والأسرة والبشر عفّة وطهارة ، وحرارة تقوى ، ويعمر القلوب بالتوحيد والإيمان بالمعاد والاستجابة لدعوة النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

وأولى آيات هذه السورة المباركة بمثابة إشارة إلى مجمل بحوث السورة( سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) .

١٠

«سورة» كلمة مشتقّة من «السور» أي الجدار المرتفع ، ثمّ أطلقت على الجدران التي تحيط بالمدن لحمايتها من مهاجمة الأعداء. وبما أنّ هذه الجدران كانت تعزل المدينة عن المنطقة المحيطة بها ، فقد استعملت كلمة «سورة» تدريجيا في كل قطعة مفصولة عن شيء ، ومنها استعملت لتعني قسما من القرآن. كما قال بعض اللغويين : إنّ «سورة» بناء جميل مرتفع ، وهذه الكلمة تطلق أيضا على قسم من بناء كبير ، وتطلق السورة على أقسام القرآن المختلفة المفصولة بعضها عن بعض(1) .

وعلى كل حال فإنّ هذه العبارة إشارة إلى كون أحكام ومواضيع هذه السورة ـ من اعتقادات وآداب وأوامر إلهية ـ ذات أهمّيّة فائقة ، لأنّها كلها من الله.

وتؤكّد ذلك عبارة «فرضناها» ، لأنّ «الفرض» يعني قطع الشيء الصلب والتأثير فيه كما يقول الراغب في مفرداته.

وعبارة( آياتٍ بَيِّناتٍ ) قد تكون إشارة إلى الحقائق المنبعثة عن التوحيد والمبدأ والمعاد والنبوّة ، التي تناولتها هذه السورة. وهي إزاء «فرضنا» التي تشير إلى الأوامر الإلهية والأحكام الشرعية التي بيّنتها هذه السورة. وبعبارة أخرى : إحداها تشير إلى الاعتقادات ، والأخرى إلى الأحكام الشرعية.

ويحتمل أن تغني «الآيات البينات» الأدلة التي استندت إليها هذه الأحكام الشرعية.

وعبارة( لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ) تؤكّد أن جذور جميع الاعتقادات الصحيحة ، وتعاليم الإسلام التطبيقية ، تمكن في فطرة البشر.

وعلى هذا الأساس فإن بيانها يعتبر نوعا من التذكير.

وبعد هذا الاستعراض العام. تناولت السورة أوّل حكم حاسم للزاني والزانية

__________________

(1) «لسان العرب» المجلد الرّابع ، مادة «سور».

١١

( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ ) ولتأكيد هذا الحكم قالت( وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ) .

وأشارت الآية في نهايتها إلى مسألة أخرى لإكمال الاستنتاج من العذاب الإلهي( وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ) .

وتشتمل هذه الآية على ثلاثة تعاليم :

1 ـ الحكم بمعاقبة النساء والرجال الذين يمارسون الزنا.

2 ـ إقامة هذا الحكم الإلهي بعيدا عن الرأفة بمن يقام عليه ، فهذه الرأفة الكاذبة تؤدّي إلى الفساد وانحطاط المجتمع. وتضع الآية الإيمان بالله ويوم الحساب مقابل الرأفة التي قد يحس بها أحد تجاه الزاني والزانية ساعة إقامة الحدّ عليهما ، لأنّ أداء الأحكام الإلهية من غير تأثر بالعواطف دليل على صدق الإيمان بالمبدأ والمعاد ، والإيمان بالله العالم الحكيم يعني أنّ لكل حكم من أحكامه غاية وهدف حكيم ، والإيمان بالمعاد يشعر الإنسان بالمسؤولية إزاء كل مخالفة.

وذكر بهذا الصدد حديث مهم عن الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «يؤتي بوال نقص من الحدّ سوطا ، فيقال له : لم فعلت ذلك؟ فيقول : رحمة لعبادك ، فيقال له : أنت أرحم بهم منّي؟! فيؤمر به إلى النار ، ويؤتى بمن زاد سوطا ، فيقال له : لم فعلت ذلك؟ فيقول : لينتهوا عن معاصيك! فيقول : أنت أحكم به منّي؟! فيؤمر به إلى النّار!».(1)

3 ـ أوجب الله حضور عدد من المؤمنين في ساحة معاقبة الزناة ليتعظ الناس بما يرون من إقامة حكم الله العادل على المذنبين ، وبملاحظة النسيج الاجتماعي للبشر نرى أن انحطاط الشخص لا ينحصر فيه ، بل يسري إلى الآخرين ، ولإتمام التطهير يجب أن يكون العقاب علنا مثلما كان الذنب علنا.

__________________

(1) تفسير الفخر الرّازي ، المجلد الثّالث والعشرين ، صفحة 148.

١٢

وبهذا يتّضح الجواب عن السؤال : لم يعرّض الإسلام كرامة إنسان بين الناس إلى الخدش والامتهان؟ فيقال : ما دام الذنب سرّا لم يطّلع عليه أحد ولم يبلغ القضاء ، فلا بأس بكتمانه في النفس واستغفار الله منه ، فإنّه تعالى يستره بلطفه ويحبّ من يستره ، أمّا إذا ظهر الجرم بالأدلّة الشرعيّة ، فلا بدّ من تنفيذ العقاب بشكل يبطل آثار الذنب السيئة ، ويبعث على استفظاعه وبشاعته. ومن الطبيعي أن يولي المجتمع السليم الأحكام اهتماما كبيرا ، فتكرار التحدّي للحدود الشرعيّة يفقدها فاعليتها في صيانة الطمأنينة والاستقرار في النفوس ، ومن هنا وجبت إقامة هذا الحدّ علنا ليمتنع الناس من تكرار فاحشة ساءت سبيلا.

ويجب أن لا ننسى أن كثيرا من الناس يهتم باطّلاع الناس على سوء فعله أكثر من اهتمامه بما ينزل به من العقاب على ذلك الفعل الشنيع. ولهذا وجبت إقامة الحدّ على الزّاني بحضور الناس ، وهذا الإعلان لإقامة هذا الحدّ الإلهي أمام الناس قد يمنع المفسدين من الاستمرار في الفساد ويكون بمثابة فرامل قوية امام التمادي في ركوب الشهوات.

وبعد بيان حدّ الزّنا ، جاء بيان حكم الزواج من هؤلاء في الآية الثّالثة وكما يلي( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) .

اختلف المفسّرون في كون هذه الآية بيانا لحكم إلهي ، أو خبرا عن قضيّة طبيعية.

فيرى البعض أنّ الآية تبيّن واقعة ملموسة فقط ، فالمنحطون يختارون المنحطات ، وكذلك يفعلن هن في اختيارهن ، بينما يسمو المتطهّرون المؤمنون عن ذلك. ويحرّمون على أنفسهم اختيار الأزواج من ذلك الصنف تزكية وتطهيرا ، وهذا ما يشهد به ظاهر الآية الذي جاء على شكل جملة خبرية.

إلّا أنّ مجموعة أخرى ترى في هذه العبارة حكما شرعيا وأمرا إلهيا يمنع

١٣

المؤمنين من الزواج مع الزانيات ، ويمنع المؤمنات من الزواج مع الزناة ، لأنّ الانحرافات الأخلاقية كالأمراض الجسمية المعدية في الغالب. فضلا عن أنّ ذلك عار يأباه المؤمن وينأى عنه.

مضافا إلى المصير المبهم والمشكوك للأبناء الذين ينشؤون في احضان ملوثة ومشكوكة. ينتظر الأبناء من مثل هذا الزواج!

ولهذه الأسباب والخصوصيات منعه الإسلام.

والشاهد على هذا التفسير جملة( وَحُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ) الّتي تدلّ على تحريم الزنا.

والدليل الآخر أحاديث عديدة رويت عن النّبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسائر الأئمّة المعصومينعليهم‌السلام التي فسّرت هذه الآية باعتبارها حكما إلهيا ينص على المنع.

وحتى أن بعض كبار المفسّرين كتب بشأن نزول هذه الآية : إنّ رجلا من المسلمين استأذن الرّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في أن يتزوج «أم مهزول» وهي امرأة كانت تسافح ولها راية على بابها ، فنزلت الآية(1) ، عن عبد الله بن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والزهري ، والمراد بالآية النهي وإن كان ظاهرها الخبر.

ويؤيده ما روي عن أبي جعفرعليه‌السلام وأبي عبد اللهعليه‌السلام أنّهما قالا : «هم رجال ونساء كانوا على عهد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مشهورين بالزنا ، فنهى الله عن أولئك الرجال والنساء ، والناس على تلك المنزلة ، فمن شهر بشيء من ذلك وأقيم عليه الحد فلا تزوجوه حتى تعرف توبته»(2) .

ولا بد أن نذكّر أن العديد من الأحكام جاء جملا خبرية. ولا ضرورة لأن تكون إنشائية آمرة ناهية.

والجدير بالانتباه أنّ المشركين كانوا يعطفون على الزناة ، وهذا يكشف عن

__________________

(1) مجمع البيان ، تفسير الآية موضع البحث والقرطبي في تفسيره لهذه الآية. حيث رويا هذا الحديث.

(2) مجمع البيان ، من تفسير الآية موضوع البحث.

١٤

أنّ الزّنا والشّرك صنوان. قال الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ، ولا يسرق السارق حسن يسرق وهو مؤمن ، فإنه إذا فعل ذلك خلع عنه الإيمان كخلع القميص»(1) .

* * *

ملاحظات

1 ـ الحالات التي يعدم فيها الزاني

ما ذكرته الآية السابقة حكم عامّ يستثنى منه زنا المحصّن والمحصنة ، فحدّهما القتل ، إذا ثبت عليهما الجرم.

ويقصد بالمحصن الرجل الذي له زوجة تعيش معه ، والمحصنة هي المرأة المتزوجة التي يعيش زوجها معها فمن توفر له السبيل المشروع لإرضاء الغريزة الجنسية ثمّ يزني فإنّ حدّه القتل.

كما أن الزنا بالمحرمات حكمه الإعدام.

وكذلك الزنا بالعنف والإكراه ، أي الاغتصاب فحكمه القتل أيضا. وفي بعض الحالات يحكم إضافة إلى الجلد بالنفي وأحكام أخرى ذكرتها الكتب الفقهية.

2 ـ لماذا ذكرت الزانية أولا؟

لا شك في أنّ ممارسة هذا العمل الذي يخالف العفة ، هي في غاية القبح ، وتزداد قبحا وبشاعة بالنسبة للمرأة ، فحياؤها أكثر من حياء الرجل ، والخروج عليه دليل تمرد شديد جدّا. وإضافة إلى أنّ عاقبته المشؤومة بالنسبة لها أكبر رغم فداحته ووباله على الطرفين كليهما.

__________________

(1) الكافي ، الأصول ، المجلد الثاني ، صفحة 26 (المطبعة الإسلامية عام 1388). حسبما نقله صاحب نور الثقلين ، المجلد الثالث ، ص 571.

١٥

ويحتمل أن تكون المرأة مصدر الوساوس في اقتراف هذا الذنب ، وتعتبر في كثير من الأحيان السبب الأصلي فيه. ولهذا كله ذكرت الآية الزانية أولا ثمّ الزاني.

إلّا أن النساء والرجال من أهل العفّة والإيمان يجتنبون هذه الأعمال.

3 ـ لماذا تكون العقوبة علنية؟

تستوجب الآية السابقة ـ التي جاءت بصيغة الأمر ـ حضور طائفة من المؤمنين حين تنفيذ حدّ الزنا ، لكنّ القرآن لم يشترط أن يجري ذلك في الملأ العام ، بل وقفه على الظروف ، ويكفي حضور ثلاثة أشخاص أو أكثر وفق ما يقرر القاضي(1) .

وفلسفة هذا الحكم واضحة ، لأنّه أوّلا : إنّ الهدف هو أن يكون هذا الحكم عبرة للناس جميعا ، وسببا لتطهير المجتمع.

وثانيا : ليكون خجل المذنب مانعا له من ارتكاب هذا الذنب في المستقبل.

وثالثا : متى نفذ الحدّ بحضور مجموعة من الناس يتبرأ القاضي والقائمين على تنفيذ الحدّ من أية تهمة كالارتشاء أو المهادنة أو التفرقة أو ممارسة التعذيب وأمثال ذلك.

ورابعا : حضور مجموعة من الناس يمنع التعنت والإفراط في تنفيذ الحدّ.

وخامسا : حضور الناس يمنع المجرم من نشر الشائعات والاتهامات ضد القاضي ، كما يحول هذا الحضور من نشاط المجرم التخريبي في المستقبل وغير ذلك من الفوائد.

__________________

(1) شكك عدد من المفسّرين في ضرورة حضور مجموعة من المؤمنين حين تنفيذ حدّ الزنا ، في حين أن الأمر بالحضور ظاهر من الآية ، وهي لا تقصد الاستحباب.

١٦

4 ـ ماذا كان حدّ الزاني سابقا؟

يستفاد من الآيتين (15) و (16) من سورة النساء أنّ الحكم قبل نزول سورة النّور كان السجن المؤيّد للزانية( فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ ) وإلحاق الأذى بالزناة غير المحصنين( فَآذُوهُما ) ولم يحدد مقدار هذا الأذى حتى حددته هذه الآية بمائة جلدة. وعلى هذا حلّ الإعدام محل السجن المؤيد في الحكم على الزانية المحصنة ، وحدّد الأذى لغير المحصن بمائة جلدة (ولمزيد من الاطّلاع راجع التّفسير الأمثل في تفسير الآيتين (15) و (16) من سورة النساء).

5 ـ منع الإفراط والتفريط عند تنفيذ الحدّ!

لا ريب في أنّ القضايا الإنسانية والعاطفية توجب بذل أقصى الجهود لمنع إصابة بريء بهذا العقاب ، وإصدار العفو وفق الأحكام الإلهية ، أمّا إذا ثبت الذنب فلا بدّ من الحسم من غير تأثر بالمشاعر الكاذبة والعواطف البشرية إلّا بالحقّ ، فهيجانها الجارف يلحق بالنظام الاجتماعي ضررا كبيرا.

ولا سيما وقد وردت في الآية عبارة : «في دين الله» أي : عند ما يكون الحكم من الله فهو أبصر وأحكم بمواقع الرأفة والرّحمة ، فحين ينهى عن الانفعال العاطفيّ في إقامة حكم شرعي من أجل أنّ أكثرية الناس تتملّكهم هذه الحالة ، فيحتمل غلبة عواطفهم واحساساتهم على عقلهم وايمانهم. ولا جدال في وجود فئة قليلة من الناس تميل إلى العنف ، وهذا انحراف عمّا دعانا إليه ربّ العزّة والحكمة ـ سبحانه ـ من العدل والإحسان اللذين لا يظهران إلّا بإقامة أحكامه الرشيدة ، فلا ينبغي لمسلم أن يزيد أو ينقص في حكم الله سبحانه.

١٧

6 ـ شروط تحريم الزواج بالزانية والزاني :

ذكرنا أن ظاهر الآيات السابقة يحرّم الزواج من الزانية والزاني ، وخصصت الأحاديث الشريفة ذلك بالذين اشتهروا بالزنى ولم يتوبوا ، وأمّا إذا لم يشتهروا بهذا العمل القبيح ، أو أنّهم تركوه وطهّروا أنفسهم منه ، وحافظوا على عفتهم ، فلا مانع من الزواج منهم.

أمّا الدليل على الصورة الثّانية ، وهي حالة التوبة ، فإنه لا ينطبق عنوان الزاني والزانية على هؤلاء فكانت حالة مؤقّتة زالت عنهم. أمّا في الحالة الأولى فقد ورد هذا القيد في الروايات الإسلامية ويؤيده سبب نزول الآية السابقة. ففي حديث معتبر عن الإمام الصادقعليه‌السلام أن الفقيه المعروف «زرارة» سأله عن تفسير( الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً ) . فقال الإمامعليه‌السلام : «هن نساء مشهورات بالزنا ورجال مشهورون بالزنا ، قد شهروا بالزنا وعرفوا به ، والناس اليوم بذلك المنزل ، فمن أقيم عليه حد الزنا ، أو شهر بالزنا ، لا ينبغي لأحد أن يناكحه حتى يعرف منه توبته»(1) .

كما جاءت أحاديث أخرى بهذا المضمون.

7 ـ فلسفة تحريم الزنا :

لا يخفى على أحد مساوئ هذا العمل القبيح على الفرد والمجتمع ، ومع ذلك نرى من اللازم بيان هذا المعنى باختصار : إنّ ممارسة هذا العمل القبيح وانتشاره يعرّض النظام الأسريّ إلى الدمار.

ويجعل العلاقة بين الابن وأبيه غامضة وسلبية.

وقد بيّنت لنا التجربة أنّ الأولاد المجهولي النسب يتحولون إلى جناة خطرين

__________________

(1) وسائل الشيعة ، المجلد الرّابع عشر ، ص 335.

١٨

على المجتمع.

كما أنّ هذا العمل القبيح يؤدي إلى مصادمات بين أصحاب المطامع والأهواء.

إضافة إلى انتشار أنواع الأمراض النفسية والجلدية. وذلك ليس خافيا على أحد.

ومن نتائجه المشؤومة الإجهاض وارتكاب الجرائم من هذا القبيل (ولمزيد الاطلاع راجع التّفسير الأمثل آخر الآية 32 من سورة الإسراء).

* * *

١٩

الآيتان

( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (4) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) )

التّفسير

عقوبة البهتان :

قد يستغلّ المعترضون ما نصّت عليه الآيات السابقة من عقوبات شديدة للزاني والزانية فيسيئون للمتطهّرين ، فبيّنت الآيات اللاحقة هنا عقوبات شديدة للذين يرمون المحصنات ، ويسخّرون هذا الحكم لأغراضهم الدنيئة. فجاءت هاتان الآيتان لحفظ الحرمات الطاهرة وصيانة الكرامات من عبث هؤلاء المفسدين.

تقول الآية :( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) فالأشخاص الذين يتّهمون النساء العفيفات بعمل ينافي العفّة (أي الزنا) ، ولم يأتوا بأربعة شهود عدول لاثبات ادعائهم. فحكمهم( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً ) وتضيف

٢٠