الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء ١٣

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل0%

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل مؤلف:
تصنيف: تفسير القرآن
الصفحات: 510

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

مؤلف: آية الله الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
تصنيف:

الصفحات: 510
المشاهدات: 5749
تحميل: 157


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11 الجزء 12 الجزء 13 الجزء 14 الجزء 15 الجزء 16 الجزء 17 الجزء 18 الجزء 19 الجزء 20
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 510 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 5749 / تحميل: 157
الحجم الحجم الحجم
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل الجزء 13

مؤلف:
العربية

١
٢

٣
٤

س ورة

لقمان

مكّيّة

وعدد آياتها أربع وثلاثون آية

٥
٦

«سورة لقمان»

محتوى السورة :

المعروف والمشهور بين المفسّرين أنّ هذه السورة نزلت في مكّة ، وبالرغم من أنّ بعض المفسّرين قد استثنى بعض آيات هذه السورة كالشيخ الطوسي في (التبيان) حيث استثنى الآية الرّابعة التي تتحدّث عن الصلاة والزكاة ، أو الفخر الرازي الذي استثنى مضافا إلى هذه الآية ، والآية (٢٧) التي تبحث في علم الله الواسع ، إلّا أنّه لا يوجد دليل واضح لهذه الاستثناءات ، لأنّ الصلاة والزكاة ـ الزكاة بصورة عامّة طبعا ـ كانتا موجودتين في مكّة أيضا ، وقضيّة البحث عن سعة علم الله لا تصلح لأن تكون دليلا على كونها مدنية.

بناء على هذا ، فإنّ سورة لقمان بحكم كونها مكّية تشتمل على محتوى السور المكّية العام ، أي أنّها تبحث حول العقائد الإسلامية الأساسية ، وخاصّة المبدأ والمعاد ، وكذلك النبوّة. وبصورة عامّة فإنّ محتوى هذه السورة يتلخّص في خمسة أقسام :

القسم الأوّل : يشير ـ بعد ذكر الحروف المقطّعة ـ إلى عظمة القرآن وكونه هدى ورحمة للمؤمنين الذين يتمتّعون بصفات خاصّة ، ويتحدّث في الطرف المقابل عن الذين يظهرون التعصّب والعناد أمام هذه الآيات البيّنات بحيث يبدون وكأنّهم صمّ الآذان ، بل يسعون أيضا إلى صرف الآخرين عن القرآن عن طريق إيجاد وسائل لهو غير صحيحة.

القسم الثّاني : يتحدّث عن آيات الله في خلق السماء ورفعها بدون أي عمد ، وخلق الجبال ، والاحياء المختلفة ، ونزول المطر ، ونموّ النباتات.

٧

القسم الثّالث : ينقل جانبا من كلام لقمان الحكيم والمتألّه في وصيّته لابنه ، ويبدأ من التوحيد ومحاربة الشرك ، وينتهي بالوصيّة بالإحسان إلى الوالدين ، والصلاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والثبات أمام الحوادث الصعبة. والبشاشة والطلاقة مع الناس ، والتواضع والاعتدال في الأمور.

في القسم الرّابع : تعود السورة إلى أدلّة وعلامات التوحيد مرّة اخرى فتتحدّث عن تسخير السماء والأرض ونعم الله الوفيرة ، وذمّ منطق الوثنيين الذين سقطوا في وادي الضلال والانحراف نتيجة التقليد واتّباع الآباء والأجداد ، وتجعلهم يقرّون بمسألة كون الله خالقا التي هي أساس العبودية له.

وتكشف الستار عن علم الله المطلق بذكر مثال واضح ، وتبحث في هذا الباب ـ إضافة إلى ذكر آيات الآفاق ـ عن التوحيد الفطري الذي يتجلّى عند الوقوع في عواصف البلاء ، وتطرح ذلك بشكل رائع.

أمّا القسم الخامس : فإنّه يشير إشارة قصيرة مؤثّرة تهزّ الوجدان إلى مسألة المعاد والحياة بعد الموت ، وتحذّر الإنسان من الاغترار بهذه الدنيا ، وتحثّه على أن يفكّر بتلك الحياة الخالدة ويتهيّأ لها.

ثمّ تنهي هذا المبحث بذكر جانب من علم الله بالغيب بما يتعلّق بالإنسان ، ومن جملة ذلك لحظة موته ، وحتّى على الجنين في بطن امّه ، وبذلك تنتهي السورة.

ومن الواضح أنّ تسمية هذه السورة بسورة «لقمان» بسبب البحث المهمّ العميق المحتوى الذي ورد في هذه السورة عن مواعظ لقمان ، وهي السورة الوحيدة التي تتحدّث عن هذا الرجل الحكيم.

فضل سورة لقمان :

وردت روايات عديدة عن الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعض أئمّة أهل البيتعليهم‌السلام في فضل هذه السورة ، ومن جملتها ما ورد في حديث عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «من قرأ سورة

٨

لقمان كان لقمان له رفيقا يوم القيامة ، وأعطي من الحسنات عشرا بعدد من عمل بالمعروف ونهى عن المنكر»(١) .

وفي حديث آخر عن الإمام الباقرعليه‌السلام : «من قرأ سورة لقمان في ليلة وكّل الله به في ليلته ثلاثين ملكا يحفظونه من إبليس وجنوده حتّى يصبح ، فإذا قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من إبليس وجنوده حتّى يمسي»(٢) .

وقلنا مرارا ، بأنّ كلّ هذا الفضل والثواب والامتياز لتلاوة سورة من القرآن لأنّ التلاوة مقدّمة للتفكّر ، والتفكّر مقدّمة للعمل ، ويجب أن لا يتوقّع الإنسان كلّ هذا الفضل بلقلقة اللسان فقط.

* * *

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٨ ، ص ٣١٢.

(٢) نور الثقلين ، ج ٤ ، ص ١٩٣.

٩

الآيات

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

( الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) )

التّفسير

من هم المحسنون؟

( الم ) تبدأ هذه السورة بذكر أهميّة وعظمة القرآن ، وبيان الحروف المقطّعة في بدايتها إشارة لطيفة إلى هذه الحقيقة ، وهي أنّ هذه الآيات التي تتركّب من حروف الألف باء البسيطة ، لها محتوى ومفهوم سام يغيّر مصير البشر بصورة تامّة. ولذلك فإنّها تقول بعد ذكر الحروف المقطّعة :( تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ ) .

( تِلْكَ ) في لغة العرب إشارة للبعيد ، وقلنا مرارا أنّ هذا التعبير بالخصوص كناية عن عظمة وأهميّة هذه الآيات ، وكأنّها في أعالي السماء وفي نقطة بعيدة المنال.

١٠

إنّ وصف «الكتاب» بـ «الحكيم» إمّا لقوّة ومتانة محتواه ، لأنّ الباطل لا يجد إليه طريقا وسبيلا ، ويطرد عن نفسه كلّ نوع من الخرافات والأساطير ، ولا يقول إلّا الحقّ ، ولا يدعو إلّا إليه ، وهذا التعبير في مقابل( لَهْوَ الْحَدِيثِ ) الذي يأتي في الآيات التالية تماما.

أو بمعنى أنّ القرآن كالعالم الحكيم الذي يتكلّم بألف لسان في الوقت الذي هو صامت لا ينطق ، فيعلّم ، ويعظ وينصح ، ويرغّب ويرهّب ، ويحذّر ويتوعّد ، ويبيّن القصص ذات العبرة ، وخلاصة القول فإنّه حكيم بكلّ معنى الكلمة. ولهذه البداية علاقة مباشرة بكلام لقمان الحكيم الذي ورد البحث فيه في هذه السورة.

ولا مانع ـ طبعا ـ من أن يكون المعنيان مرادين في الآية أعلاه.

ثمّ تذكر الآية التالية الهدف النهائي من نزول القرآن ، فتقول :( هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ ) .

إنّ الهداية في الحقيقة مقدّمة لرحمة الله ، لأنّ الإنسان يجد الحقيقة أوّلا في ظلّ نور القرآن ، ويعتقد بها ويعمل بها ، وبعد ذلك يكون مشمولا برحمة الله الواسعة ونعمه التي لا حدّ لها.

وممّا يستحقّ الانتباه أنّ هذه السورة اعتبرت القرآن سببا لهداية ورحمة «المحسنين» ، وفي بداية سورة النمل :( هُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ ) وفي بداية سورة البقرة :( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ ) .

وهذا الاختلاف في التعبير ربّما كان بسبب أنّ روح التسليم وقبول الحقائق لا تحيا في الإنسان بدون التقوى ، وعند ذلك سوف لا تتحقّق الهداية ، وبعد مرحلة قبول الحقّ نصل إلى مرحلة الإيمان التي تتضمّن البشارة بالنعم الإلهية علاوة على الهداية ، وإذا تقدّمنا أكثر فسنصل إلى مرحلة العمل الصالح ، وعندها تتجلّى رحمة الله أكثر من ذي قبل.

بناء على هذا فإنّ الآيات الثلاث أعلاه تبيّن ثلاث مراحل متعاقبة من مراحل

١١

تكامل عباد الله : مرحلة قبول الحقّ ، ثمّ الإيمان ، فالعمل ، والقرآن في هذه المراحل مصدر الهداية والبشارة والرحمة على الترتيب ـ تأمّلوا ذلك ـ.

ثمّ تصف الآية التالية المحسنين بثلاث صفات ، فتقول :( الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ) فإنّ ارتباط هؤلاء بالخالق عن طريق الصلاة ، وبخلق الله عن طريق الزكاة ، ويقينهم بمحكمة القيامة باعث قوي على الابتعاد عن الذنب والمعصية ، ودافع لأداء الواجبات.

وتبيّن الآية الأخيرة ـ من الآيات مورد البحث ـ عاقبة عمل المحسنين ، فتقول :( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) .

جملة( أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ ) توحي بأنّ هداية أولئك قد ضمنت من قبل ربّهم من جهة ، ومن جهة اخرى فإنّ التعبير بـ (على) دليل على أنّ الهداية كأنّها مطيّة سريعة السير ، وأولئك قد ركبوها وأخذوا بزمامها ، ومن هنا يتّضح التفاوت بين هذه الهداية ، والهداية التي وردت في بداية السورة ، لأنّ الهداية الاولى هي الاستعداد لقبول الحقّ ، وهذه الهداية برنامج للوصول إلى الغاية والهدف.

ثمّ إنّ جملة( أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) التي تدلّ على الحصر وفقا للقواعد العربية ، توحي بأنّ هذا الطريق هو الطريق الوحيد إلى الإخلاص ، طريق المحسنين ، طريق أولئك المرتبطين بالله وخلقه ، وطريق أولئك الذين يؤمنون إيمانا كاملا بالمبدأ والمعاد.

* * *

١٢

الآيات

( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) )

سبب النّزول

قال بعض المفسّرين : إنّ الآية الاولى من هذه الآيات نزلت في «النضر بن الحارث» ، فقد كان تاجرا يسافر إلى ايران ، وكان يحدّث قريشا بقصص الإيرانيين وأحاديثهم ، وكان يقول : إذا كان محمّد يحدّثكم بقصص عاد وثمود فإنّي أحدّثكم بقصص رستم وإسفنديار وأخبار كسرى وسلاطين العجم ، فكانوا يجتمعون حوله ويتركون استماع القرآن.

وقال البعض الآخر : إنّ هذا المقطع من الآيات نزل في رجل اشترى جارية

١٣

مغنّية ، وكانت تغنّيه ليل نهار فتشغله عن ذكر الله.

يقول المفسّر الكبير الطبرسيرحمه‌الله ، بعد ذكر سبب النّزول هذا : وقد روي حديث عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الباب يؤيّد سبب النّزول أعلاه ، لأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : «لا يحلّ تعليم المغنّيات ولا بيعهن ، وأثمانهنّ حرام ، وقد نزل تصديق ذلك في كتاب الله :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) .

التّفسير

الغناء أحد مكائد الشياطين الكبيرة.

الكلام في هذه الآيات عن جماعة يقعون تماما في الطرف المقابل لجماعة المحسنين والمؤمنين الذين ذكروا في الآيات السابقة.

الكلام والحديث هنا عن جماعة يستخدمون طاقاتهم من أجل بثّ اللاهدفية وإضلال المجتمع ، ويشترون شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم! فتقول أوّلا :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً ) (١) ثمّ تضيف أخيرا :( أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ) .

إنّ شراء لهو الحديث والكلام الأجوف إمّا أن يتمّ عن طريق دفع المال في مقابل سماع الخرافات والأساطير ، كما قرأنا ذلك في قصّة النضر بن الحارث.

أو أن يكون عن طريق شراء المغنّيات لعقد مجالس اللهو والباطل والغناء. أو صرف المال بأيّ شكل كان وفي أي طريق للوصول إلى هذا الهدف غير المشروع ، أي لهو الحديث والكلام الفارغ.

والعجيب أنّ عمي القلوب هؤلاء ، كانوا يشترون الكلام الباطل واللهو بأغلى القيم والأثمان ، ويعرضون عن الآيات الإلهية والحكمة التي منحهم الله إيّاها

__________________

(١) ضمير «يتّخذها» يعود إلى (آيات الكتاب) التي وردت في الآيات السابقة. واحتمل البعض أنّه يعود إلى (السبيل). لأنّ كلمة (السبيل) قد وردت في آيات القرآن بصيغة المذكّر تارة ، وبصيغة المؤنث تارة اخرى.

١٤

مجّانا!

ويحتمل أيضا أن يكون للشراء هنا معنى كنائي ، والمراد منه كلّ أنواع السعي للوصول إلى هذه الغاية.

وأمّا (لهو الحديث) فإنّ له معنى واسعا يشمل كلّ نوع من الكلام أو الموسيقى أو الترجيع الذي يؤدّي إلى اللهو والغفلة ، ويجرّ الإنسان إلى اللاهدفيّة أو الضلال ، سواء كان من قبيل الغناء والألحان والموسيقى المهيّجة المثيرة للشهوة والغرائز والميول الشيطانية ، أو الكلام الذي يسوق الإنسان إلى الفساد عن طريق محتواه ومضامينه ، وقد يكون عن كلا الطريقين كما هو الحال في أشعار وتأليفات المغنّين الغراميّة العاديّة المضلّلة في محتواها وألحانها.

أو يكون كالقصص الخرافية والأساطير التي تؤدّي إلى انحراف الناس عن الصراط المستقيم.

أو يكون كلام الاستهزاء والسخرية الذي يطلق بهدف محو الحقّ وتضعيف أسس ودعائم الإيمان ، كالذي ينقلونه عن أبي جهل أنّه كان يقف على قريش ويقول : أتريدون أن أطعمكم من الزقّوم الذي يتهدّدنا به محمّد؟ ثمّ يبعث فيحضرون الزبد والتمر ، فكان يقول : هذا هو الزقّوم! وبهذا الأسلوب كان يستهزئ بآيات الله.

وعلى كلّ حال ، فإنّ للهو الحديث معنى واسعا يتضمّن كلّ هذه المعاني وأمثالها ، وإذا أشارت الروايات الإسلامية وكلمات المفسّرين إلى إحداها ، فإنّ ذلك لا يدلّ مطلقا على انحصار معنى الآية فيه.

وتلاحظ في الرّوايات الواردة عن أهل البيتعليهم‌السلام تعبيرات تبيّن سعة معنى هذه الكلمة ، ومن جملتها ما نراه في حديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «الغناء مجلس لا ينظر الله إلى أهله ، وهو ممّا قال اللهعزوجل :( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ

١٥

الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) »(١) .

والتعبير بـ( لَهْوَ الْحَدِيثِ ) بدلا من (حديث اللهو) ربّما كان إشارة إلى أنّ الهدف الأساس لهؤلاء هو اللهو والعبث ، والكلام والحديث وسيلة للوصول إليه.

ولجملة( لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ ) مفهوم واسع أيضا ، يشمل الإضلال العقائدي ، كما قرأنا ذلك في قصّة النضر بن الحارث وأبي جهل ، وكذلك يشمل الإفساد الأخلاقي كما جاء في أحاديث الغناء.

والتعبير بـ( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) إشارة إلى أنّ هذه الجماعة الضالّة المنحرفة لا تؤمن حتّى بمذهبها الباطل ، بل يتّبعون الجهل والتقليد الأعمى لا غير ، فإنّهم جهلاء يورطون ويشغلون الآخرين بجهلهم.

هذا إذا اعتبرنا( بِغَيْرِ عِلْمٍ ) وصفا للمضلّين ، إلّا أنّ بعض المفسّرين اعتبر هذا التعبير وصفا للضالّين ، أي أنّهم يجرّون الناس الجهلة إلى وادي الانحراف والباطل دون أن يعلموا بذلك لجهلهم.

إنّ هؤلاء المغفّلين قد يتمادون في غيّهم فلا يقنعون بلهو هذه المسائل ، بل إنّهم يجعلون كلامهم الأجوف ولهو حديثهم وسيلة للاستهزاء بآيات الله ، وهذا هو الذي أشارت إليه نهاية الآية حيث تقول :( وَيَتَّخِذَها هُزُواً ) .

أمّا وصف العذاب بـ (المهين) فلأنّ العقوبة متناغمة مع الذنب ، فإنّ هؤلاء قد استهزءوا بآيات الله وأهانوها ، ولذلك فإنّ الله سبحانه قد أعدّ لهم عذابا مهينا ، إضافة إلى كونه أليما.

وأشارت الآية التالية إلى ردّ فعل هذه الفئة أمام آيات الله ، وتوحي بالمقارنة بردّ فعلهم تجاه لهو الحديث ، فتقول :( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً ) أي ثقلا يمنعه من السماع

__________________

(١) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ٢٢٨ باب تحريم الغناء.

١٦

ثمّ تذكر أخيرا عقاب مثل هؤلاء الأفراد الأليم فتقول :( فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ) .

إنّ التعبير بـ( وَلَّى مُسْتَكْبِراً ) إشارة إلى أنّ إعراضه لم يكن نابعا من تضرّر مصالحه الدنيويّة والحدّ من رغباته وشهواته فحسب ، بل إنّ الأمر أكبر من ذلك ، فإنّ فيه دافع التكبّر أمام عظمة الله وآياته ، وهو أعظم ذنب فيه.

والرائع في تعبير الآية أنّها تقول أوّلا : إنّه لم يعبأ بآيات الله كأنّه لم يسمعها قطّ ، ويمرّ عليها دون اكتراث بها ، ثمّ تضيف : بل كأنّه أصمّ لا يسمع أيّ كلام قطّ!

إنّ جزاء مثل هؤلاء الأفراد يناسب أعمالهم ، فكما أنّ أعمالهم كانت مؤلمة ومؤذية لأهل الحقّ ، فإنّ الله سبحانه قد جعل عقابهم وعذابهم أليما أيضا.

وينبغي الالتفات إلى أن تعبير (بشّر) في مورد العذاب الإلهي الأليم ، يتناسب مع عمل المستكبرين الذين كانوا يتّخذون آيات الله هزوا ، والتشبّه بصفات أبي جهل ، حيث كانوا يفسّرون «زقّوم جهنّم» بالزبد والتمر!

ثمّ تعود الآيات التالية إلى شرح وتبيان حال المؤمنين الحقيقيّين ، وقد بدأت السورة في مقارنتها هذه بذكر حالهم أوّلا ثمّ ختمت به في نهاية هذا المقطع أيضا ، فتقول :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ ) .

أجل ، إنّ هذه الفئة على عكس المستكبرين والضالّين المضلّين الذين لا يرون آثار قدرة الله في عالم الوجود ، ولا يصغون إلى كلام أنبياء الله.

إنّ هؤلاء يؤمنون بحكم العقل الواعي ، والعين البصيرة ، والاذن السامعة التي منحهم الله إيّاها ، يؤمنون بآيات الله ويعملون بها صالحا ، فما أجدر أن يكون لأولئك العذاب الأليم ، ولهؤلاء جنّات النعيم!

والأهمّ من ذلك أنّ هذه الجنان الوافرة النعم خالدة لهؤلاء( خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللهِ حَقًّا ) والله سبحانه لا يعد كذبا ، وليس عاجزا عن الوفاء بوعوده( وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ) .

وثمّة مسألة تستحقّ الدقّة ، وهي أنّه قد ورد العذاب في حقّ المستكبرين بصيغة

١٧

المفرد ، وفي شأن المؤمنين الذين يعملون الصالحات جاءت «الجنّات» بصيغة الجمع ، وذلك لأنّ رحمة اللهعزوجل وسعت غضبه.

والتأكيد على الخلود ووعد الله الحقّ ، تأكيد أيضا على سعة هذه الرحمة ، وتفوّقها على الغضب.

وللنعيم معنى واسع يشمل كلّ أنواع النعم الماديّة والمعنوية ، وحتّى النعم التي لا يمكن أن ندركها ، فنحن أسارى شهوات البدن في هذه الدنيا ، والراغب في (مفرداته) يقول : النعيم : النعمة الكثيرة.

* * *

بحوث

١ ـ تحريم الغناء

لا شكّ في أنّ الغناء بصورة إجمالية حرام على المشهور بين علماء الشيعة ، وتصل هذه الشهرة إلى حدّ الإجماع.

وأكّد كثير من علماء أهل السنّة على هذه الحرمة ، وإن كان بعضهم قد استثنوا بعض الأمور ، وربّما لا يعدّ بعضها استثناء في الحقيقة ، بل تعتبر خارجة عن موضوع الغناء ، أو كما يقال : خارج تخصّصا.

يقول «القرطبي» في ذيل الآيات مورد البحث في هذا الباب : «وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به ، الذي يحرّك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل ، والمجون الذي يحرّك الساكن ويبعث الكامن ، فهذا النوع إذا كان في شعر يشبّب فيه بذكر النساء ووصف محاسنهن وذكر الخمور والمحرّمات لا يختلف في تحريمه ، لأنّه اللهو والغناء المذموم بالاتّفاق ، فامّا ما سلم من ذلك فيجوز القليل منه في أوقات الفرح ، كالعرس والعيد وعند التنشيط على الأعمال الشاقّة كما كان في حفر الخندق وحدو أنجشة وسلمة بن الأكوع ، فامّا ما ابتدعته الصوفية اليوم

١٨

من الإدمان على سماع الأغاني بالآلات المطربة من الشبابات والطار والمعازف والأوتار فحرام»(١) .

إنّ ما ذكره القرطبي وبيّنه كاستثناء ، من قبيل الحداء للإبل ، أو الأشعار الخاصّة التي كان يقرؤها المسلمون أثناء حفر الخندق ، يحتمل قويّا أنّه لم يكن من الغناء أساسا ، فهو شبيه بالأشعار التي يقرؤها جماعة بلحن خاصّ في المسيرات أو مجالس الفرح ومجالس العزاء الدينيّة.

وفي أيدينا أدلّة كثيرة على تحريم الغناء في المصادر الإسلامية ، ومن جملتها الآية أعلاه:( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ) وبعض آيات أخر من القرآن التي تنطبق ـ على الأقلّ طبق الروايات الواردة في تفسير هذه الآيات ـ على الغناء ، أو أنّ الغناء اعتبر من مصاديقها :

ففي حديث عن الإمام الصادقعليه‌السلام في تفسير آية :( وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ ) (٢) قال : «قول الزور الغناء»(٣) .

وعنهعليه‌السلام في تفسير الآية :( وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ) (٤) قال : «الغناء»(٥) .

وقد رويت في تفسير هذه الآية روايات عديدة عن الإمام الباقر والصادق والرضاعليهم‌السلام أوضحوا فيها أنّ أحد مصاديق لهو الحديث الموجب للعذاب المهين هو «الغناء»(٦) .

إضافة إلى هذا فإنّه تلاحظ في المصادر الإسلامية روايات كثيرة اخرى ـ عدا ما ورد في تفسير الآيات ـ تبيّن تحريم الغناء بصورة مؤكّدة :

__________________

(١) تفسير القرطبي ، ج ٧ ، ص ٥١٣٦.

(٢) الحجّ ، ٣٠.

(٣) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ٢٢٥ ـ ٢٢٧ ، ٢٣١ باب تحريم الغناء.

(٤) الفرقان ، ٧٢.

(٥) المصدر السابق.

(٦) المصدر السابق.

١٩

ففي حديث مروي عن جابر بن عبد الله ، عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : «كان إبليس أوّل من تغنّى»(١) .

وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادقعليه‌السلام : «بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة ، ولا تجاب فيه الدعوة ، ولا يدخله الملك»(٢) .

وفي حديث آخرعليه‌السلام : «الغناء يورث النفاق ، ويعقب الفقر»(٣) .

وفي حديث آخر عن الصادقعليه‌السلام : «المغنّية ملعونة ، ومن أدّاها ملعون ، وآكل كسبها ملعون»(٤) .

وقد نقلت روايات كثيرة في هذا المجال في كتب أهل السنّة المعروفة أيضا ، ومن جملتها الرواية التي نقلها في (الدرّ المنثور) عن جماعة كثيرة من المحدّثين ، عن الرّسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أنّه قال : «لا يحلّ تعليم المغنّيات ولا بيعهنّ ، وأثمانهنّ حرام»(٥) .

ونقل نظير هذا المعنى كاتب (التاج) عن الترمذي والإمام أحمد(٦) .

ويروي ابن مسعود عن النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : «الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء البقل»(٧) .

وبالجملة ، فإنّ الرّوايات الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا بحيث تصل إلى حدّ التواتر ، ولهذا فإنّ أكثر علماء الإسلام قد أفتوا بالحرمة ، علاوة على علماء الشيعة ، الذين يتّفقون بالرأي في هذا الموضوع تقريبا ، وقد نقل تحريمه عن أبي حنيفة

__________________

(١) المصدر السابق.

(٢) وسائل الشيعة ، ج ١٢ ، ص ٢٢٥ ـ ٢٣٠.

(٣) المصدر السابق.

(٤) سفينة البحار ، ج ٢ ، صفحة ٣٣٨.

(٥) الدرّ المنثور ذيل الآية مورد البحث.

(٦) التاج ، المجلّد ، ج ٥ ، ص ٢٨٧.

(٧) تفسير روح المعاني ، ذيل الآية مورد البحث.

٢٠