مفاهيم القرآن الجزء ٤

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 403

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 403
المشاهدات: 12286
تحميل: 381


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 403 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 12286 / تحميل: 381
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 4

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-221-8
العربية

١

٢

٣
٤

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين.

أما بعد ،

فهذا هو الجزء الرابع من أجزاء موسوعتنا القرآنية « مفاهيم القرآن » نقدّمه إلى القرّاء الكرام ، راجين منهم العفو عمّا وقع من التأخير في نشره ، وقد كان جاهزاً للطبع يوم طبع الجزء الثالث منها غير أنّه طلباً لوقوعه موقع القبول والرضا من القرّاء ، قد غيّرنا بعض مطالبه عند تقديمه للطبع في هذه الأيام ، ولنعم ما قال الكاتب الكبير عماد الدين أبو عبد الله محمد بن حامد الأصفهاني ( المتوفّى عام ٥٩٧ ه‍ ) بدمشق : إنّي رأيت أنّه لا يكتب إنسان كتاباً في يومه إلاّ قال في غده لو غيّر هذا لكان أحسن ، ولو زيد كذا لكان يستحسن ، ولو قدّم هذا لكان أفضل ، ولو ترك هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظم العبر ، وهو دليل على استيلاء النقص على جميع البشر.

المؤلف

٥
٦

كلمة قيمة

تفضّل بها العلامة الحجّة المحقق والكاتب الإسلامي الكبير

السيد مرتضى العسكري(١)

ننشرها مشفوعة بالشكر والتقدير

بسم الله الرحمن الرحيم

صاحب الفضيلة العالم الباحث الحجّة الأستاذ الشيخ جعفر السبحاني متّعنا الله بطول بقائه.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أمّا بعد ،

فقد تسلمت بيد الشكر هديتكم النفيسة وهي الجزء الأوّل والثاني والثالث من موسوعتكم المباركة « مفاهيم القرآن » وتمتعت زمناً طويلاً بمطالعتها كما تمتعت بمطالعة سائر مؤلّفاتكم ، خاصة مؤلّفاتكم في سيرة النبي والوصي ، وأريد أن أتحدّث عن اتجاهكم المحمود هذا ، وأُبدي تقديري لكم ، فقد وجدت في هذه الموسوعة القرآنية بحوثاً مقارنة أصيلة نافعة ـ شكر الله مساعيك ، وجزاك الله خيراً

__________________

(١) الأستاذ العسكري علم من أعلام الأُمّة ، يدافع عن ساحة الإسلام والتشيّع بآثاره القيمة المبتكرة ، منها : « مائة وخمسون صحابي مختلق » ، « عبد الله بن سبأ في التاريخ » ، « معالم المدرستين » ، وغيرها.

٧

على دأبك في بذل الجهد المتواصل ، في هذا السبيل في عصر عزّ فيه وجود الباحثين ـ وأخص بالذكر الجزء الثالث من تلك الموسوعة حيث وجدت فيه اختياراً موفقاً للمواضيع الهامة من حقول المعرفة القرآنية ، وأُسلوب البحث حول كل موضوع على حدة مثل : عالمية الإسلام ، وخاتمية النبي الأكرم ، وأُميته ، مع ذكر الشبهات المثارة حول تلك المواضيع ودفعها ، سواء من قبلكم أو بنقل كلمات المفسرين الإسلاميين حولها بأمانة تثير الإعجاب في عصرنا الحاضر.

نعم أنّي لا أتفق معكم في بعض ما اخترتموه في رسالة نوح وانّما أختار في ذلك رأي العلاّمة الطباطبائيقدس‌سره .

وفي الختام أقول : إنّ هذه الموسوعة قد طرحت على بساط البحث مواضيع هامة ينبغي أن تتناولها أقلام المفكرين الإسلاميين بالبحث والنقد وأن تُنتخب منها خلاصات تترجم إلى سائر اللغات الحية وتنشر على جماهير المسلمين لحاجتهم إلى هذه الأبواب من المعرفة.

أطال الله عمرك ، أيّها الأخ البحّاثة ، وأخذ بيدك في ما أنت بصدده من نشر فنون المعرفة القرآنية ، وتقبَّل منك عملك والسلام عليك من مرتضى العسكري.

مرتضى العسكري

١٩ / ٣ / ١٤٠٣ ه‍

٨

رسالة قيمة

بعثها إلينا الكاتب الكبير الأُستاذ الحجّة الشيخ سلمان الخاقاني

صاحب التآليف القيمة الممتعة ، حيّاه الله وبيّاه

بسم الله الرحمن الرحيم

معرفتي بالأستاذ العلاّمة الحجّة الشيخ جعفر السبحاني لم تكن حدثاً جديداً ، فقد عرفته منذ أكثر من عشرين عاماً من خلال كتبه العلمية التي جاوزت العشرات في جميع نواحي الدين والعلم.

وفي عام ١٣٩٥ ه‍ حمل إلي البريد كتاباً من بعض أصدقائي الأعزّاء القاطنين بطهران يحمل اسم« مفاهيم القرآن » وهو من تأليف صديقنا الأستاذ السبحاني ، وقد تصفّحته فأعجبت به ، وزاد إعجابي بمؤلّفه ، وعرفت أنّه ذو مواهب عالية ، وزاد كل ذلك معرفتي به ، وحمدت الله على أن جعل في مجتمعنا من يخدم اللغة العربية والقرآن والحديث بقوّة واقتدار كما خدمها سلفنا الماضي.

وقد مرّت على هذه الأحاسيس سنوات وأنا في دار هجرتي قم يدخل عليَّ صديقنا السبحاني زائراً ومواسياً ومتلطفاً ويهدي إلي الجزء الآخر من تلك الموسوعة القرآنية ، وهو« معالم التوحيد في القرآن الكريم » وهي محاضرات كتبت بقلم أحد تلامذته النجباء الأوفياء.

٩

وقد تناولت الكتاب بالبحث فوجدت فيه مواضيع مفيدة يحتاج إليها كل فرد مسلم ، يريد أن يعرف حقائق الدين المبين.

واستوقفني من تلك المواضيع موضوعه الأخير الحاكمية ، ولمن تكون.

أقول : استوقفني هذا الموضوع لأنّه من المواضيع الهامة التي نُشرت حوله رسائل وكتابات.

وليس قولي ـ استوقفني هذا الموضوع ـ أنّ غيره لا يستحق الوقوف ، لا ، ففي مواضيع الكتاب مباحث نافعة ومفيدة لكل من يريد الوقوف.

وإلى الأستاذ العلاّمة الشكر والامتنان في اخراج هذه التحف ، وأرجو لكتابه هذا ، بل ولجميع كتبه ، الرواج والانتشار وليتقبل هو قولي مخاطباً له :

لقد أحسنت يا جعفر

فلتهنأ بإحسان

لما فصلت من آي

لتوحيد وعرفان

وما بينت من شرح

على آيات قرآن

فأنت الكاتب الفذ

بإخلاص وإيمان

لقد سبحت تمجيداً

بإسرار وإعلان

إلى من يهب العقل

ويغني المملق العاني

ويهدي التائه الضال

لذا لقبت « سبحاني »

ألا فاقبل أخا الفضل

نشيد المخلص الجاني

ربيع المولود ١٤٠٣ ه‍

سلمان الخاقاني النجفي

١٠

خطاب

تفضّل به العلاّمة الحجة الحكيم المتألّه الشيخ حسن الآملي

( دام ظله الوارف )

ننشره مشفوعاً بالشكر والتقدير

بسم الله الرحمن الرحيم

( ن وَالقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ )

سماحة العلم الآية العلاّمة العبقري الشيخ جعفر السبحاني متعنا الله بطول بقائه.

بعد التحية والسلام :

سلام كمثل الروض باكره الصبا

فصادف ريحاناً ونوراً مفتقاً

أنّه سبحانه كتب على نفسه وأخبر في كتابه بقوله :( مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ) فهو سبحانه يقيّض في كل دور وكور أعلاماً يهتدى بهم ، ويستضاء بنور هداهم ، فقد عرَّفهم وليّ ذي الجلال ، زارع المعارف في مزارع القلوب في خطابه الفصل الملقى إلى كميل الكامل الباخع النخعي بقوله : « يحفظ الله بهم حججه وبيناته ، حتى يودعها نظراءهم ، ويزرعوها في قلوب أشباههم ، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء ، والله ذو الفضل العظيم ».

وأنتم ـ بحمد الله سبحانه ـ ممن حذا حذو هؤلاء ، وتتلمذ في مدرستهم

١١

وتعرّف على مناهجهم ، فلأجل ذلك أخرجتم إلى المجتمع الإسلامي تفسيركم الموضوعي لحبل الله : « القرآن الكريم » في حلقات عديدة ، وقد حالفني التوفيق لأقف على أجزاء منها تتناول موضوعات قرآنية هامة كأنّما هي نسمات أُنس هبّت من حظائر القدس ، وقد تجلّى فيها القرآن بمفاهيمة ومعالمه للّذي قد جاء في طلب القبس.

رزقنا الله وإيّاكم فهم الخطاب الإلهي وأسأله سبحانه غرة جدّكم ، وعزة جداكم ، والحمد لله الذي فضّل مداد العلماء على دماء الشهداء.

تحريراً في ٢٤ / شعبان المعظم / ١٤٠٣ ه‍

قم : حسن الآملي

ملحوظة :

هذا ما سمح المجال بنشره مما تفضّل به الأساتذة حول كتابنا « مفاهيم القرآن » وقد نشرناها مشفوعة بالشكر والتقدير ، وسوف نقوم بنشر بعض الرسائل والكتب الأُخرى التي وصلتنا من قادة الفكر وأرباب القلم في الجزء الآتي إن شاء الله تعالى.

المؤلف

١٢

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم

الإيمان بالغيب في الكتاب العزيز

الإيمان بالغيب عنصر أساسي في جميع الشرائع السماوية ، والشرط الرئيسي في التديّن بالدين الإلهي على الإطلاق ، بحيث لو انتزع هذا العنصر من برامج الدين لأصبح الدين دستوراً عادياً يشبه الدساتير والآيديولوجيات المادية البشرية ، ونظاماً لا يمت إلى الدين الإلهي بصلة.

ولأجل ذلك نرى أنّ الله سبحانه يعد الإيمان بالغيب في طليعة الصفات التي يتصف بها المتقون إذ يقول سبحانه في الآية الثالثة من سورة البقرة :( الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ) (١) .

والمراد من « الغيب » هو ما يقابل الشهادة ، ومن أجل مصاديقه : الروح والملائكة ، والجن والمعاجز ، والكرامات ، والوحي ، والبرزخ ، والقيامة ، وما يرجع إلى الله تعالى من ذاته وصفاته.

ولا يشك أحد في أنّ تجريد الدين من هذه الأمور ومن الاعتقاد بها يوجب أن يصبح الدين نظاماً مادياً ، ومبدأً بشرياً كسائر الأنظمة والمبادئ والبرامج البشرية الأرضية.

__________________

(١) البقرة : ٣.

١٣

وقد كان أصحاب الشرائع ، وأنصارها ، وفي مقدمتهم علماء الإسلام ، وكتابهم محتفظين بهذا الأصل ، معتصمين به أشد الاعتصام ، مؤكدين عليه في كتاباتهم غاية التأكيد باعتباره ميزة الشرائع الإلهية ، وقوامها ، والفارق الجوهري بينها وبين الأنظمة والآيديولوجيات الأرضية البشرية.

غير أنّ الحضارة المادية الحديثة التي اعتمدت على الحس والتجربة ، وأعطت كل القيمة والوزن لما أيّدته أدوات المعرفة المادية ، أدهشت بعض المفكرين المسلمين ، فوجدوا أنفسهم في صراع عنيف بين الإيمان بالغيب باعتباره عنصراً أساسياً في الدين ، وبين الحضارة المادية الحديثة التي لا تعتمد إلاّ على الحس والتجربة ، وربّما لم يتجرّأوا على إنكار ما هو خارج عن إطار أدوات المعرفة المادية ، فلم يقدروا على الانحياز إلى أي واحد من الطرفين ، فلو صاروا إلهيين مطلقاً لوجب عليهم مقابلة الماديين المنكرين لعالم الغيب ، ولو انحازوا إلى جانب الماديين لانخرطوا في صفوف الملحدين ، ولذلك اختاروا طريقاً وسطاً ، وهو تأويل بعض ما ورد في مجال الغيب عامّة ، والمعاجز والكرامات خاصة ، وزعموا أنّهم يستريحون بهذا التأويل ، ويرضون كلتا الطائفتين.

و ممن سلك هذا الطريق بعض السلوك الشيخ المصلح « محمد عبده » والسيد سير « أحمد خان » الهندي ، و « طنطاوي جوهري » ، وتلامذة هذه المدرسة.

ولكي لا يحمل القارئ كلامنا هذا على القسوة والتحامل على أحد نأتي فيما يلي بنماذج من كتابات أصحاب هذه المدرسة ، ونختارها ممّا كتبه السيد محمد رشيد رضا منشئ « المنار » تقريراً لدروس الأستاذ الامام الشيخ « محمد عبده » في التفسير ، ونكتفي ـ في هذا الاقتباس ـ على ما ضبطه حول سورة البقرة فقط ، ونحيل البحث المفصّل حول هذا التفسير المنشور في أحد عشر جزءاً إلى وقت آخر.

١٤

النموذج الأوّل

قوله سبحانه :( وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ *ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (١) .

لا شك أنّ المتبادر من الآية هو إحياؤهم بعد الموت ، والخطاب لليهود المعاصرين للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله باعتبار أحوال أسلافهم ، ولا يفهم أيُّ عربي صميم من لفظة :( ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ ) غير هذا إلاّ أنّ صاحب المنار ذهب إلى أنّ المراد من البعث هو كثرة النسل ، أي أنّه بعدما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها وظن أنّهم سينقرضون ، بارك الله في نسلهم ليعد الشعب بالبلاء السابق للقيام بحق الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حل بهم العذاب بكفرهم لها(٢) .

ولم يكن هذا التفسير من الأستاذ إلاّ لأجل أنّ الاعتراف بالإحياء بعد الموت في الظروف المادية ممّا لا يصدقه العلم الحسّي والتجربة ، فلأجل ذلك التجأ إلى تفسيره بما ترى ، وما أظن أنّ الأستاذ يتفوّه بهذا التفسير في نظائر الآية الكثيرة في القرآن الكريم.

النموذج الثاني

لقد كتب الأستاذ في تفسير قوله سبحانه :( وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ *فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا

__________________

(١) البقرة : ٥٥ ـ ٥٦.

(٢) تفسير المنار : ١ / ٣٢٢.

١٥

خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ ) (١) . ما يلي :

إنّ السلف من المفسرين ـ إلاّ من شذّ ـ ذهب إلى أنّ معنى قوله :( كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) أنّ صورهم مسخت فكانوا قردة حقيقيين.

وحيث كان هذا المعنى يصطدم بالاتجاه المادي ولا تصدقه أنصار الحضارة المادية الذين ينكرون إمكان صيرورة الإنسان قرداً حقيقياً دفعة واحدة ، عمد الأستاذ إلى تأويل هذه الآية ، وتفسيرها على النحو والنهج الجامع بين الاتجاهين المادي والديني !!

فمع أنّه نقل عن الجمهور أنّ معنى الآية أنّ صورهم مسخت فأصبحوا قردة على الحقيقة والواقع ، نجده ينحاز إلى رأي مجاهد الذي قال : ما مسخت صورهم ، ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة ، كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى :( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً ) .(٢)

ثم قال : ومثل هذا قوله تعالى :( وَجَعَلَ مِنْهُمُ القِرَدَةَ وَالخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ ) .(٣) وقال : الخسوء هو الطرد والصغار ، والأمر للتكوين ، أي فكانوا بحسب سنّة الله في طبع الإنسان وأخلاقه كالقردة المستذلة المطرودة من حضرة الناس.

ثم أخذ في رد قول الجمهور ، وقال : ولو صح ـ ما ذكره الجمهور ـ لما كان في الآية عبرة ولا موعظة للعصاة ، لأنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ الله لا يمسخ كلَّ عاص ، فيخرجه عن نوع الإنسان ، إذ ليس ذلك من سننه في خلقه ، وإنّما العبرة الكبرى في العلم بأنّ من سنن الله تعالى في الذين خلوا من قبل : أنّ من يفسق عن أمر ربّه ويتنكب الصراط الذي شرّعه له ، ينزل عن مرتبة الإنسان ، ويلتحق

__________________

(١) البقرة : ٦٥ ـ ٦٦.

(٢) الجمعة : ٥.

(٣) المائدة : ٦٠.

١٦

بعجماوات الحيوان ، وسنّة الله تعالى واحدة ، فهو يعامل القرون الحاضرة بمثل ما عامل به القرون الخالية.

إلى أن قال : فاختيار ما قاله مجاهد هو الأوفق بالعبرة والأجدر بتحريك الفكرة(١) .

ونحن لسنا ـ هنا ـ في صدد تفسير الآية وتوضيح مفادها ، غير أنّه ـ إيقافاً للقارئ الكريم على الحقيقة ـ نلفت نظره إلى أُمور تثبت ما نسبناه إلى هذه الجماعة من موقف خاص تجاه المعاجز والكرامات وما شاكلها ، وهذه الأمور هي :

أوّلاً : أنّ المشهود من تفسير صاحب المنار أنّه مقلّد قوي للسلف في أكثر الموارد والمجالات ، فلماذا عدل في هذا المضمار ، واختار القول الشاذ ، أعني : قول مجاهد ؟!

ثانياً : كيف رضيت نفسه أن يفسر الآية بمثل قوله سبحانه :( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا ) مع أنّ المذكور في تلك الآية إنّما هو على سبيل المثل ، فإنّ لفظة « مثل » تنادي بأنّ حالهم ـ في عدم الفهم والانتفاع بالتوراة ـ كمثل الحمار الحامل للكتب والأسفار من دون فهم لما فيها ، لا أنّهم حمر بالهيئة والصورة والحقيقة ، وهذا بخلاف ظاهر الآية الحاضرة ، فإنّها بظاهرها حاكية عن أنّهم صاروا قردة حقيقيّين لا أنّهم صاروا مثلهم مثل القردة ؟!

ثالثاً : لماذا غفل الأستاذ عما ورد في تلك القصة في سورة الأعراف من قوله سبحانه :( فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ *فَلَمَّا عَتَوا عَن مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ ) (٢) .

__________________

(١) تفسير المنار : ١ / ٣٤٣ ـ ٣٤٥.

(٢) الأعراف : ١٦٥ ـ ١٦٦.

١٧

أفيمكن تفسير الآية ـ حينئذ ـ بغير ما اختاره جمهور المفسرين من صيرورتهم قردة حقيقيّين ، وأي عذاب بئيس أشدّ من صيرورة الإنسان بصورة القردة المطرودة !!

رابعاً : أنّ ما ردّ به نظرية الجمهور من أنّه لا يكون المسخ الصوري موعظة للعصاة ، لأنّهم يعلمون ـ بالمشاهدة ـ أنّ الله لا يمسخ كلّ عاص إلى آخر كلامه ، مردود بوجهين :

الأوّل : أنّه لو صح ذلك لوجب تأويل جميع ما ورد في القرآن الكريم من الإبادة والإهلاك بالخسف والإمطار بالحجارة ، والغرق ، والريح ، وغير ذلك مما وقع بالأمم السالفة عقاباً وعبرة للآخرين ، وذلك مثل قوله سبحانه :( وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيماً ) (١) ، ومثل قوله سبحانه في شأن فرعون :( فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ *فَأَخَذَهُ اللهُ نَكَالَ الآخِرَةِ وَالأُولَىٰ *إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشَىٰ ) (٢) .

إنّه سبحانه يصرح في الآية الأُولى والثانية بأنّه إنّما فعل ما فعل بقوم نوح وبفرعون ليكونوا عبرة للآخرين ، وتذكاراً.

على أنّ الله سبحانه يذكر نظير ذلك في سورة هود ، وذلك عندما يستعرض قصص من أرسل إليهم الأنبياء وأنّهم كذبوهم ، فأصابهم الله بشتّى ألوان العذاب والإهلاك ، وذلك مثل قوم نوح ، وقوم عاد ، وقوم ثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب ، وقوم فرعون ، ثم يختم هذا الاستعراض المفصل بقوله تعالى :( وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القُرَىٰ وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ *إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَٰلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوْمٌ

__________________

(١) الفرقان : ٣٧.

(٢) النازعات : ٢٤ ـ ٢٦.

١٨

مَشْهُودٌ ) (١) .

إنّه تعالى يصرح بأنّ كل ما نزل بالأمم السابقة من العذاب والإهلاك إنّما ذكر ليكون عبرة ، وآية للناس ، وعندئذٍ يطرح هذا السؤال نفسه بأنّه كيف يكون عبرة وآية للناس مع أنّهم يعلمون بالمشاهدة أنّ الله لا يؤدب الأمة المحمدية بما أدّب به الأمم السالفة ؟!

الثاني : أنّ كون هذه القضايا وسيلة للعبرة والاعتبار لا يستلزم أن تتحقّق تلك العقوبات بعينها في حق العصاة والطغاة في الأمم اللاحقة ، بل يكفي ـ في ذلك ـ أن تدل على أنّ الله لهم بالمرصاد ، فهو لا يترك الظالم بلا عقاب ، ولا يفوته العصاة دون أخذ.

إنّ الأخذ والعقوبة يختلف حسب مشيئة الله وإرادته ، ولا يلزم أن تكون العقوبة متحدة النوع مع العقوبات السابقة حتماً.

وهذه هي الحقيقة التي تؤكدها الآيات ( ١٠ ـ ١٤ ) من سورة الفجر إذ يقول سبحانه :( وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ *الَّذِينَ طَغَوْا فِي البِلادِ *فَأَكْثَرُوا فِيهَا الفَسَادَ *فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ *إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ) (٢) .

النموذج الثالث

لقد قصّ الله سبحانه في سورة البقرة قصة البقرة التي أمر بنو إسرائيل بذبحها إذ قال :( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجَاهِلِينَ ) إلى أن قال :( وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللهُ مُخْرِجٌ مَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ *فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ

__________________

(١) هود : ١٠٢ ـ ١٠٣.

(٢) الفجر : ١٠ ـ ١٤.

١٩

يُحْيِي اللهُ المَوْتَىٰ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) (١) .

ومجمل القصة هو أنّ رجلاً قتل قريباً له غنياً ليرثه ، وأخفى قتله له ، فرغب اليهود في معرفة قاتله فأمرهم الله أن يذبحوا بقرة ويضربوا بعض المقتول ببعضها ليحيا ، ويخبر عن قاتله.

ولقد بيّن الله لنا في هذه القصة لجاجة بني إسرائيل ورفضهم للطاعة ، وانحرافهم عن منهج الله ، ونتائج ذلك في نفوسهم ومجتمعاتهم حيث آل أمرهم في هذه الواقعة ـ إلى أن يضطروا إلى ذبح البقرة ـ وبعد ما ذبحوها أمرهم الله سبحانه أن يضربوه ببعضها ( أي يضربوا المقتول ببعض البقرة ) حتى يحيا ويخبر عن قاتله.

وهذا هو ما اختاره الجمهور في تفسير الآية ، وهو صريح قوله سبحانه :( فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَٰلِكَ يُحْيِي اللهُ المَوْتَىٰ ) .

وأمّا الأُستاذ فقد سلك طريقاً آخر تحت تأثير موقفه المسبق من المعاجز والكرامات وخوارق العادة ، فهو بعد أن نقل رأي الجمهور قال : قالوا : إنّهم ضربوه فعادت إلى المقتول الحياة ، وقال : قتلني أخي ، أو ابن أخي فلان. قال : والآية ليست نصّاً في مجمله فكيف بتفصيله.

ثم فسّر الآية بما ورد في التوراة من أنّه إذا قتل قتيل ولم يعرف قاتله ، فالواجب أنّ تذبح بقرة في واد دائم السيلان ويغسل جميع أفراد القبيلة أيديهم على البقرة المكسورة العنق في الوادي ، ويقولون : إنّ أيدينا لم تسفك هذا الدم. اغفر لشعبك إسرائيل ، ويتمون دعوات يبرأ بها من يدخل في هذا العمل من دم القتيل ، ومن لم يفعل يتبين أنّه القاتل ، ويراد بذلك حقن الدماء.

ثم قال : وهذا الإحياء على حد قوله تعالى :( وَلَكُمْ فِي القِصَاصِ حَيَاةٌ ) (٢) .

__________________

(١) البقرة : ٦٧ ـ ٧٣.

(٢) البقرة : ١٧٩.

٢٠