مفاهيم القرآن الجزء ٤

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 407

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 407
المشاهدات: 23098
تحميل: 814


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 407 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 23098 / تحميل: 814
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 4

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-221-8
العربية

عليهم » فأبوا، قال: « فإنّي أُناجزكم » فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا على أن نؤدي إليك كل عام ألفي حلة، ألف في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعاً عادية من حديد، فصالحهم على ذلك، قال: « والذي نفسي بيده إنّ الهلاك قد تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لاضطرم عليهم الوادي ناراً ولاستأصل الله نجران وأهله، ولما حال الحول على النصارى كلّهم حتى يهلكوا ».

ثم قال الزمخشري: ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلّا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه، وذلك أمر يختص به وبمن يكاذبه، وأما ضم الأبناء والنساء، فلأجل أنّ ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث استجرأ على تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه له، وعلى ثقته بكذب خصمه حتى يهلك خصمه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال إن تمت المباهلة، وخص الأبناء والنساء لأنّهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربّما فداهم الرجل بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ويسمّون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق(١) .

إنّ معجزة النبي ـ وهي حلول العذاب على نصارى نجران ـ وإن لم تتحقّق بسبب انصراف النصارى عن المباهلة، إلّا أنّ ذهاب الرسول إلى المباهلة واستعداده لذلك من جانب، وانسحاب نصارى نجران من الدخول مع الرسول في هذا التباهل من جانب آخر، يكشفان عن أنّ حلول العذاب كان حتمياً لو تباهلوا، فقد أدركوا الخطر وأحسّوا بخطورة الموقف، فاستعدوا للمصالحة والتنازل.

__________________

(١) الكشاف: ١ / ٣٢٦ ـ ٣٢٧ ( بتلخيص يسير ) ولاحظ مجمع البيان: ١ / ٤٥٢ ـ ٤٥٣.

١٠١

مطالبة النبي بالمعاجز، الواحدة بعد الأُخرى

إنّ القرآن يصرح بأنّ النبي كلّما أتى لقومه بمعجزة طالبوه بمعجزة أُخرى، وأصرّوا على أن تكون معاجزه مثل ما أُوتي رسل الله من قبل، وهذا يدل على أنّ الرسول أظهر معاجز غير القرآن فوقع مورد الاعتراض والإصرار.

قال سبحانه:( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ ) (١) .

فلنقف على المراد من لفظ( آيَةٌ ) الواردة في هذا المورد، فليس المراد منها نفس القرآن، ولا الآية القرآنية، لأنّ لفظ الآية كما ترى جاءت بصورة النكرة، وهي تكشف عن نوع خاص منها، بينما إذا كان المقصود هو القرآن أو الآية القرآنية، كان ينبغي أن يكون الكلام على نحو آخر، والآية نظير قوله سبحانه:( وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُا العَذَابَ الأَلِيمَ ) (٢) .

والمقصود منها: كل آية معجزة، تثبت صلة الرسول بالله سبحانه نظير قوله سبحانه:( وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ ) (٣) .

إنّ لفظ الآية يستعمل في القرآن في موارد :

١. العلامة المطلقة: فيقال هذا آية ذلك، قال سبحانه:( وَكَأَيِّن مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ *وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللهِ إِلا وَهُم مُشْرِكُونَ ) (٤) .

__________________

(١) الأنعام: ١٢٤.

(٢) يونس: ٩٧.

(٣) البقرة: ١٤٥.

(٤) يوسف: ١٠٥ ـ ١٠٦.

١٠٢

ومثله قوله سبحانه:( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً ) (١) .

وقد استعمل لفظ الآية في هذا المعنى كثيراً في القرآن الكريم، ويقصد من الآية علامة الشيء، إذا كانت دالة على وجوده سبحانه وصفاته، أو ما إذا كانت مقارنة مع العبرة، كما في قوله سبحانه:( فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ) (٢) .

٢. الآية القرآنية: مثل قوله سبحانه:( ذَٰلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الحَكِيمِ ) (٣) وقوله سبحانه:( لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ) (٤) .

٣. المعجزة لا بمعنى انّ الآية بمعنى المعجزة، بل بمعنى نفس العلامة ولكن مقرونة بهذا الوصف وكأنّ لفظة المعجزة مقدرة بعدها، ومن هذا القبيل قوله سبحانه:( أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ ) (٥) .

وعلى الجملة فليس للفظ( الآيَةَ ) إلّا معنى واحد، وإنّما الاختلاف في المستعمل فيه، فيكون الشيء آية للعبرة، أو آية لقدرته وعلمه، أو آية لكون الآتي بها مبعوثاً من جانبه سبحانه، إلى غير ذلك، فالتمييز بين الموارد إنّما هو بحسب القرائن الحافة بالكلام.

__________________

(١) الإسراء: ١٢.

(٢) يونس: ٩٢.

(٣) آل عمران: ٥٨.

(٤) آل عمران: ١١٣.

(٥) آل عمران: ٤٩.

١٠٣

وعلى ذلك فالمراد من قوله سبحانه:( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَن نُؤْمِنَ حَتَّىٰ نُؤْتَىٰ مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللهِ ) هو العلامة الدالة على أنّ الآتي بها مبعوث من جانبه سبحانه، فتكون معجزة للناس وموجبة للتحدي.

ولو كان المراد الآية القرآنية لكان الأنسب بل المناسب أن يستعمل كلمة « النزول » بدل « المجيء » فيقال: وإذا نزلت عليهم آية، مكان( وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ ) .

على أنّ الدقة في مضمون الآية والقرائن الحافة بها تعطي أنّ المقصود من لفظة الآية هنا هو غير القرآن، غاية ما في الباب أنّ المشركين كانوا يريدون أن تكون المعاجز التي يأتي بها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مثل المعاجز التي أتى بها موسىعليه‌السلام مثلاً.

وأما علّة اختلاف الأنبياء في صنوف المعاجز، فسيوافيك بيانها في الفصل القادم.

وصف معاجز النبي بالسحر

إنّ هناك آيات تصرّح بأنّ المشركين كلّما رأوا من الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله معجزة قالوا: إنّها سحر، وهذا أدلّ دليل على ظهور معاجز ـ عدا القرآن ـ على يد النبي الأمينصلى‌الله‌عليه‌وآله .

أمّا هذه الآيات فمنها قوله سبحانه:( وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ *وَقَالُوا إِنْ هَٰذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (١) وكلمة( رَأَوْا ) وتنكير لفظ( آيَةً ) شاهدان على أنّ المقصود من الآية هو غير القرآن من المعاجز، وإلاّ كان المناسب أن يستعمل ألفاظ « النزول » أو « السماع » أو غير ذلك، مكان « الرؤية »، أو تبديل النكرة

__________________

(١) الصافات: ١٤ ـ ١٥.

١٠٤

بالمعرفة، نظير قوله سبحانه:( وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا ) .

ولأجل ذلك نرى المفسّرين يستشهدون بهذه الآية وغيرها على إثبات معاجز للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله غير القرآن الكريم.

النبي الأعظم وبيّناته

تفيد الآية التالية أنّ النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله جاء إلى الناس بالبينات، وهي المعاجز، بقرينة سائر الآيات الأخر التي استعملت فيها كلمة البينات في المعاجز، قال سبحانه:( كَيْفَ يَهْدِي اللهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَاللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ ) (١) .

والبيّنات جمع البيّنة بمعنى المبيّن لحقيقة الأمر، وربّما يحتمل أنّ المراد منها هو القرآن، أو البشائر الواردة في الكتب النازلة قبل القرآن حول النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن ملاحظة الآيات الأخر التي استعملت فيها هذه الكلمة وأُريد منه المعاجز والأعمال الخارقة للعادة، توجب القول بأنّ المراد: إمّا خصوص المعاجز، أو الأعم منها ومن غيرها، وقد ورد فيما يلي من الآيات لفظ « البيّنات » وأُريد منها المعاجز.

قال سبحانه:( وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّنَاتِ ) (٢) ،( ثُمَّ اتَّخَذُوا العِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ البَيِّنَاتُ ) (٣) ( إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ ) (٤) ( وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ) (٥) إلى غير ذلك ممّا ورد فيه لفظ البينات وأُريد منه الخوارق للعادة، لاحظ المعجم المفهرس لفظة البينات.

__________________

(١) آل عمران: ٨٦.

(٢) البقرة: ٨٧.

(٣) النساء: ١٥٣.

(٤) المائدة: ١١٠.

(٥) المائدة: ٣٢.

١٠٥

ولا نقول إنّ لفظ البيّنة بمعنى المعجزة، بل هي كما عرّفناك هو الدليل المبين للحقيقة، والمعاجز أحد مصاديقها.

إخبار النبي عن الغيب كالمسيح

يعد القرآن الإخبار عن المغيبات من معاجز السيد المسيحعليه‌السلام ويقول حاكياً عنه:( وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (١) . وقد أخبر النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله عن طائفة من المغيبات بواسطة الوحي الذي يوحى إليه، وجاءت عدة من هذه المغيبات في القرآن الكريم منها قوله مخبراً عن انتصار الروم بعد هزيمتهم( الم *غُلِبَتِ الرُّومُ *فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ *فِي بِضْعِ سِنِينَ ) (٢) . كما أخبر عن هزيمة قريش في بدر قال:( سَيُهْزَمُ الجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ ) (٣) .

وقد جمعنا موارد إخبار النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن المغيبات عن طريق الوحي في الجزء الثالث من هذه الموسوعة(٤) . فلاحظ.

معاجز الرسول الأعظم في الأحاديث الإسلامية

ما ذكرناه بعض ما ورد من معاجز النبي الأكرم في القرآن، غير أنّه ورد في الأحاديث والروايات الصحيحة ما ينص على أنّ الرسول أظهر معاجز غير القرآن أكثر من أن تحصى، وقد جمعها وأحصاها علماء الحديث ودوّنوها في كتبهم، ومؤلّفاتهم، وأجمع كتاب أُلِّف في هذا الموضوع ما جمعه الشيخ العاملي ( المتوفّى

__________________

(١) آل عمران: ٤٩.

(٢) الروم: ١ ـ ٣.

(٣) القمر: ٤٥.

(٤) معالم النبوة في القرآن الكريم: ٤٥٥ ـ ٥٥٦ وأيضاً ٥٠٣ ـ ٥٠٩.

١٠٦

عام ١١٠٤ ه‍ ) وأسماه « إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات » وقد نقل فيها معجزات النبي بمئات الأسناد، استخرجها من كتب الشيعة والسنّة، جزاه الله عن الإسلام وأهله خير الجزاء.

على أنّ أحاديث المسلمين حول معاجز نبي الإسلام تمتاز على روايات اليهود والنصارى حول معاجز أنبيائهم من ناحيتين :

الأولى: قلة المسافة الزمنية بيننا وبين حوادث عهد النبي وكثرتها بيننا وبين حوادث عهود النبيين موسى وعيسىعليهما‌السلام وغيرهما، وهذا يوجب الاطمئنان إلى روايات المسلمين أكثر من غيرهم.

الثانية: تواتر الروايات الإسلامية حول معاجز النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وعدمه في الجانب الآخر، خاصة إذا عرفنا أنّ الروايات التي ينقلها اليهود والنصارى حول معاجز أنبيائهم تنتهي إلى أفراد قلائل.

وليعلم القارئ أنّا لسنا بصدد تصحيح كل ما نسب إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من المعجزات وخوارق العادات سواء أصحّ سنده، أم لا، أطابق كتاب الله أم لا، أوافق الأصول العقلية أم لا، بل نحن بصدد نفي السلب الكلي الذي ادّعاه أعداء القرآن والسنّة.

هذا بعض ما يمكن التحدّث عنه هنا حول معاجز نبي الإسلام العظيم، غير القرآن الكريم معجزته الخالدة.

١٠٧
١٠٨

٣

تحقيق وتحليل

لمفاد الآيات النافية للمعجزة

١٠٩

في هذا الفصل

١. الطرق العلمية الثلاث لإثبات نبوّة مدّعي النبوة.

٢. يجب على النبي أن يكون مزوداً بالمعاجز، ولا يجب عليه القيام بكل ما يقترح الناس عليه.

٣. انّما يصح القيام بالمعجزة المطلوبة إذا تعلّق الطلب بالأمر الممكن لا المحال، وكان بين الطالبين جماعة مستعدة للانضواء تحت راية النبي.

٤. المعجزة نوع تصرف في الكون ولا تتحقق إلّا بإقدار وإذن من الله سبحانه.

٥. الهدف الأسمى من الإعجاز هو هداية الناس، فلو تعلّق طلب المقترحين بإبادتهم لما صح القيام به.

٦. هناك معاجز لو طلبها الناس ولم يؤمنوا بالنبي بعد الإتيان بها لعمّهم العذاب.

٧. عرض الآيات الثمانِ عشرة التي استدل بها القساوسة على عدم تجهز النبي بمعجزة سوى القرآن.

٨. عدم قيام النبي بمقترحات الطالبين بالمعجزة لفقدان الشرائط اللازمة في القيام بمقترحات الطالبين، وهي عشرة.

١١٠

مفاد الآيات النافية للمعجزة

لا شك أنّ المعجزة إحدى الطرق لإثبات دعوى النبي، نعم الإعجاز أحد الطرق لا الطريق الوحيد، وقد قرّر في الأبحاث الكلامية بأنّ هناك طريقين آخرين لإثبات دعوى النبوة :

الأوّل : تصريح النبي السابق بنبوة النبي اللاحق، كما ورد التصريح في التوراة والإنجيل بنبوّة النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وحكاه سبحانه في القرآن الكريم بقوله:( الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ ) (١) .

وقوله سبحانه:( وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُم مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ ) (٢) .

والآيتان تشيران إلى تنصيص الكتب السابقة على نبوة النبي الخاتم، فعلى من يريد الاهتداء فعليه أن يرجع إلى تلكم الكتب التي تحتوي على بيان صفات النبي وخصوصياته حتى يكون ذا بصيرة في الأمر، فالآيتان تنبهان بهذا الطريق

__________________

(١) الأعراف: ١٥٧.

(٢) الصف: ٦.

١١١

الذي هو إحدى الطرق.

الثاني : ملاحظة القرائن والشواهد، من حياة مدّعي النبوة وشريعته ومحتوى كتابه وأصحابه وأخلاقه وسوابقه وممارساته، إلى غير ذلك من القرائن، التي لو تضافرت لأفادت اليقين بصدق دعوى المدّعي للنبوّة وأنّه صادق في ادّعائه، وهذا الطريق هو المتعارف في المحاكم القضائية لتمييز المحق من المبطل، وهو الطريق الأتقن والأكثر اطمئناناً.

وقد سلكنا هذين الطريقين في إثبات نبوّة نبينا في أبحاثنا الكلامية.

وعلى ذلك فالإعجاز أحد الطرق، لا الطريق الوحيد، ومع الاعتراف بهذه الحقيقة، يجب إلفات نظر القارئ إلى النقاط التالية :

الأولى : هل يجب على النبي القيام بكل ما يقترحه الناس عليه من معاجز أو أنّه يجب أن يتمتع بالدلائل المثبتة لصدق دعواه وبالمعجزات الساطعة التي تفيد القطع لكل من يريد الحقيقة ويتحرّاها دون غرض أو مرض، سواء أطابقت تلك المعاجز مقترحات من بعث إليهم أم خالفتها ؟

وبعبارة أُخرى: يجب أن تبلغ معجزات النبي حداً يوجب طمأنينة النفس واستيقانها برسالته لكل من يطلب الحقيقة ويتوخّاها، ولا يجب على النبي حتماً أن يقوم بالإتيان بكل ما يطلب منه.

إنّ العقل لا يوجب أكثر من أن تكون دعوى النبوة مقترنة بالدلائل والشواهد التي تُثبت صلة النبي بالله سبحانه، وتكون كافية في إفادة الإذعان بصدقه، وأمّا قيامه بكل ما يطلب منه، فلا دليل على وجوبه لا من العقل ولا من الشرع.

ومن هنا يتبين أنّ اللازم على النبي هو القيام بإقناع الناس من حيث

١١٢

المجموع، وأمّا قيامه بإقناع كل فرد فرد على حدة وتنفيذ طلبات آحاد الناس فلا دليل عليه، وتشهد على ذلك حياة الأنبياء، فقد أعطى سبحانه لموسى الكليم تسع آيات بيّنات، وللمسيح ما آتاه من المعجزات الواردة في قوله سبحانه:( أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) (١) .

أقول: إنّ الله سبحانه قد أعطاهما تلكم المعاجز، ولم يكلفهما بالقيام بإقناع كل فرد بالإتيان بكل ما يقترحه حسب ميوله وأغراضه.

نعم، لابد أن تكون معجزة كل نبي مشابهة لأرقى فنون عصره وزمانه، والتي يكثر العلماء بها من أهل عصره، فإنّه أسرع للتصديق، وأقوم للحجة، فكان من الحكمة والصواب أن يخص موسى بالعصا، واليد البيضاء، لمّا شاع السحر في زمانه وكثر الساحرون، ولذلك كانت السحرة أسرع الناس إلى تصديق ذلك البرهان والإذعان به حين رأوا العصا تنقلب ثعباناً وتلقف ما يأفكون ثم ترجع إلى حالتها الأولى، فرأى السَحَرَة ذلك، وعلموا أنّه خارج عن حدود السحر، وآمنوا بأنّه معجزة إلهية وأعلنوا إيمانهم في مجلس فرعون، ولم يعبأوا بسخط فرعون ولا بوعيده.

وشاع الطب اليوناني في عصر المسيح، وأتى الأطباء في زمانه بالعجب العجاب، وكان للطب رواج باهر في سورية وفلسطين، لأنّهما كانتا مستعمرتين لليونان، وحيث بعث الله المسيح في هذين القطرين شاءت الحكمة أن تجعل برهانه شيئاً يشبه الطب، فكان من معجزاته أن يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص، ليعلم أهل زمانه أنّ ذلك شيء خارج عن قدرة البشر وغير مرتبط

__________________

(١) آل عمران: ٤٩.

١١٣

بمبادئ الطب وانّه ناشئ عما وراء الطبيعة.

وأمّا النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله فقد برعت العرب في عصره في البلاغة وامتازت بالفصاحة، وبلغت الذروة في فنون الأدب حتى عقدوا النوادي وأقاموا الأسواق للمباراة في الشعر والخطابة، فلأجل ذلك اقتضت الحكمة أن يخص نبي الإسلام بمعجزة البيان وبلاغة القرآن، ليعلم كل عربي أنّ هذا خارج عن طوق البشر، ويعترف به كل من يتوخّى الحقيقة(١) .

نعم، هناك وجوه أُخر اقتضت جعل المعجزة الخالدة للنبي الخاتم هو القرآن، وقد أوضحنا تلك الوجوه في أبحاثنا الكلامية.

نعم، يجب أن تكون معجزة النبي مشابهة لأرقى فنون العصر، فقط، وأمّا لزوم قيامه بكل المقترحات والمطلوبات فلا، لأنّ الأنبياء بعثوا لغرض التربية والتعليم، وتجب عليهم مكافحة الجهل بالوسائل الصحيحة الكافية، لا أن يأتوا بكل مطلوب لكل جاهل أو متجاهل حسب هوسهم.

كما يجب أن تكون دعوتهم مقترنة بالمعاجز حتى تحقّق صلتهم بالله سبحانه ويتبين أنّ الله الحكيم هو الذي أعطاه تلك المقدرة، ولو كانوا كاذبين لما جاز في منطق العقل والحكمة إقدارهم عليها، لأنّ في إقدار الكاذب على المعاجز، إغراء بالجهل وإشادة بالباطل، وذلك محال على الحكيم تعالى، فإذا ظهرت المعجزة على يده كانت دالة على صدقه وكاشفة عن رضا الحق سبحانه بنبوته سواء أطابقت مطلوب الناس أم لا.

وإذا رأينا أنّ نبياً من الأنبياء قد امتنع عن القيام ببعض المعاجز، وبعبارة أصح: إذا لم يأذن الله له في الإتيان بها، فإنّما هو لأجل أنّه سبحانه جهّزه بأوضح الدلائل وزوّده بأتقن المعاجز بحيث تكون كافية لكل من يتوخّى الحقيقة ويطلب

__________________

(١) البيان: ٤٨ ـ ٤٩.

١١٤

الواقع، وليس عليه سبحانه أزيد من نصب الدلائل وإقامة البراهين، فلو انّ القرآن يصف الأنبياء بقوله:( فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ ) (١) ويصف نبيَّه بقوله:( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) (٢) ، فلا تهدف تلك الجملة إلّا الإشارة إلى أنّ وظيفته الأساسية إنّما هي التبشير والإنذار المقترنين بالمعاجز الكافية، وانّه لا يجب عليه أن يستجيب لطلب كل من اقترح عليه أمراً أو يطلب منه معجزة حسب هواه، وليست هذه الأوصاف نافية لأصل المعاجز من رأسها.

الثانية : انّما يصح قيام النبي بالإتيان بالمعجزة المطلوبة منه إذا تعلّق الطلب بالأمر الممكن لا المستحيل، لأنّه خارج عن إطار القدرة، فعند ذلك لو طلب من النبي رؤية الله سبحانه جهرة، أو ولوج الجمل في سم الخياط، فالسؤال ساقط من أساسه لاستحالة الموضوع.

الثالثة : إنّما يجب على النبي القيام بالإتيان بالمعاجز المطلوبة المقترحة عليه من قبل الناس، إذا كانت بين الطالبين بها جماعة مستعدة للانضواء تحت لواء الحق بعد أن شاهدوا المعجزة، وأمّا لو كانوا يطالبون بها ويقترحوها عناداً ولجاجاً، ومع ذلك يصرون على كفرهم وإنكارهم حتى لو أُتي بمطلوبهم، فلا يجب على النبي الإجابة لدعوتهم لأنّ الإتيان بالمعاجز في هذه الحالة يعد أمراً لغواً وعبثاً، وذلك لأنّ الهدف من المعاجز أحد أمرين :

الأوّل: سوق الناس إلى الله سبحانه عن طريق الإيمان بنبوة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ورسالته، والمفروض أنّ تلك الغاية منتفية في المقام، لأنّ الطالبين بالمعاجز يشكّلون جماعة متعنتة ومعاندة فلا يؤمنون وان أُتي بأضعاف ما يريدون ويطلبون.

__________________

(١) البقرة: ٢١٣.

(٢) الرعد: ٧.

١١٥

وأمّا الكلام في أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من أين يحصل له هذا العلم ويكشف أحوالهم، فهو خارج عن هذا البحث.

الثاني : إتمام الحجة على الكافرين المعاندين المغرضين حتى لا يقولوا يوم القيامة ولا يحتجّوا على الله سبحانه بأنّه ما جاءهم من بشير ولا نذير، والمفروض أنّ تلك الغاية قد حصلت بالإتيان بسائر المعجزات التي جاء بها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من غير اقتراح لما عرفت من أنّه يجب تزويد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتجهيزه بالمعاجز سواءً طابقت مقترحات قومه أو لا.

إنّ القارئ الكريم سيلمس تلك الحقيقة عند استعراض الآيات التي رفض النبي فيها إجابة الطالبين بالمعاجز، فإنّ أكثرها واردة في ذلك المجال، وانّه لم يكن غرض الطالبين الاهتداء والانتفاع بها، بل كانوا يطلبونها لأغراض أُخر، إمّا تعجيزاً للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بحسب أهوائهم أو تلاعباً بما سيصدر منهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

الرابعة: انّ المعجزة نوع تصرف في العالم، والنبي بماله من ولاية تكوينية مكتسبة منه سبحانه، يقدر على التصرّف في الأكوان بأن يخلع صورة من المادة ويلبسها صورة أُخرى، كما خلع موسى الكليم صورة العصا من مادتها وألبسها صورة الثعبان بإذن ربّه، وكما بدّل المسيح الصورة الطينية إلى الصورة الطيرية، كل ذلك بإذنه سبحانه، وأمر منه، وعند ذلك فليس لهم حرية مطلقة في الخلع واللبس والتنفيذ والتصرّف وإنّما يفعلون ذلك بإذن منه سبحانه، قال الله تعالى:( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ ) (١) .

وبما أنّ هذه الآية تعد نفس النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله آتياً بالمعجزة، تدلّ على أنّ الآتي بها والمتصرّف في الأكوان هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بما له من روح قدسية يقدر معها على ذلك الأمر.

__________________

(١) الرعد: ٣٨.

١١٦

ولكنها تقيد تنفيذ النبي وتصرفه بإذنه سبحانه، فالأولياء وفي طليعتهم الأنبياء لا يشاءون إلّا ما شاء الله ولا يخرجون عن إطار مشيئته سبحانه.

فلو رأينا أنّ النبي قد رفض بعض المقترحات، فإنّما هو لأجل هذا السبب، فلم يكن إذن من الله سبحانه بالقيام بتلك المعاجز المقترحة، وعدم إذنه سبحانه لأجل كون عمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لغواً لا يترتب عليه أثر من هداية السائلين أو إتمام الحجة على المغرضين، إذ المفروض أنّ السائلين ليسوا في مقام الاهتداء، والحجة قد تمت على المغرضين من قبل، ولأجل ذلك ليست هناك غاية صحيحة تبعث النبي إلى القيام بالمعاجز.

الخامسة : انّ الهدف الأسمى من الإعجاز هو هداية الناس إلى الطريق المستقيم، فلو كانت نتيجة الإعجاز إفناء الناس وإهلاكهم، لما صحّ في منطق العقل القيام بتلك الدعوة، فلو طلبوا من الرسل أن يخسف الله بهم الأرض أو يسقط عليهم السماء كسفاً أو يبيدهم العذاب من وجه الأرض، فلا يصحّ القيام بذلك الطلب، لأنّ في إجابته نقضاً للغرض وإفناءً للهدف، وهم: قد بعثوا لهداية الناس لا لإبادتهم وإهلاكهم، وسوف يلمس القارئ أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لو امتنع في بعض المواقف عن القيام ببعض المقترحات فقد كان لأجل ذلك الأصل الذي دلّ العقل على رصانته.

السادسة : قد دلّت الآيات الكريمة على أنّ هناك معاجز لو طلبها الناس من نبيهم وقام هو بمقترحهم ومع ذلك قد رفضوا الاعتناق بدينه والتصديق برسالته، سيصيبهم العذاب الأليم، قال سبحانه:( وَمَا مَنَعَنَا أَن نُرْسِلَ بِالآيَاتِ إِلا أَن كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إِلا تَخْوِيفاً ) (١) .

__________________

(١) الإسراء: ٥٩.

١١٧

والمراد من الآيات المقترحة هي المعاجز التي طلبها أقوام الأنبياء منهم ثم كذبوها فنزل العذاب عليهم بسبب تكذيبهم، وسيوافيك بيان مفاد الآية في محلها وانّ أية معجزة يوجب تكذيبها نزول العذاب.

هذا من جانب، ومن جانب آخر انّ الله سبحانه وعد النبي برفع العذاب الدنيوي عن هذه الأمّة ما دام هو فيها إكراماً لمقامه وتعظيماً لشأنه، قال سبحانه:( وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ ) (١) .

وعلى ضوء هذين الأمرين يتبيّن أنّ الامتناع عن القيام ببعض المعجزات المقترحة ـ التي يستلزم تكذيبها نزول العذاب ـ إنّما هو لأجل هذا الوعد القطعي الذي قطعه الله على نفسه لنبيّه، فكل معجزة يستلزم تكذيبها نزول العذاب فهي معجزة ممنوعة لأجل هذا الأمان الذي أعطاه الله سبحانه لأمّة نبيّه.

السابعة : انّ شرط القيام بالمعجزة المطلوبة هو أن لا تكون الإجابة لطلب القوم سبباً لتحقير المعاجز الأُخر وازدراءً لها، إذ في القيام ـ في هذه الصورة ـ نوع تصديق لموقف الخصم، وإغراء له في الضلالة، ولأجل ذلك نرى النبي يجيب القوم عندما طلبوا منه معجزة غير القرآن بصورة التحقير لهذه المعجزة الخالدة الباقية على وجه الدهر بقوله:( فَقُلْ إِنَّمَا الغَيْبُ للهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِنَ المُنتَظِرِينَ ) (٢) .

الثامنة : انّ الهدف من بعث الأنبياء وتزويدهم بالآيات والبينات هو إيجاد الأرضية المناسبة لإيمان قومهم وإذعانهم بما جاء به الرسل اختياراً، فإنّ الإيمان ـ بل كل عمل حسن ـ إنّما يعد كمالاً إذا اختاره الإنسان وانساق إليه بصميم قلبه، وأمّا إذا أُلجئ واضطر إليه بلا اختيار فلا يعد كمالاً له ولا يستحق ثواباً.

__________________

(١) الأنفال: ٣٣.

(٢) يونس: ٢٠.

١١٨

ولذلك نرى في مورد يتمنّى النبي ( أو يشعر كلامه بذلك التمنّي ) أن يأتي بآية ملجئة لهم إلى الإيمان وملزمة لهم على الاذعان أجابه سبحانه:( وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقاً فِي الأَرْضِ أَوْ سُلَّماً فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الهُدَىٰ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الجَاهِلِينَ ) (١) .

وسوف يوافيك شرح الآية وهدفها.

التاسعة : انّ القيام بالطلب إنّما يصح إذا لم يكن المطلوب على خلاف السنّة الإلهية الحكيمة الجارية في الكون، وعلى ذلك فلو طلب القوم أن يأتي لهم النبي بجنة وينبوع حتى يريحهم من الكد والكدح فلا يستحق هذا الطلب الإجابة، لأنّ سنته تعالى جرت على إرزاق الناس من طريق العمل والكسب، وسيوافيك توضيح ذلك عند البحث عن قوله:( وَقَالُوا لَن نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعاً ) (٢) .

العاشرة : إنّما يصح القيام إذا كان بين المطلوب والمقترح والرسالة الإلهية رابطة منطقية حتى يستدل بالأوّل على الآخر، وعلى ذلك فلو طلبوا من النبي أن يكون ذا ثروة طائلة فلا يصح للنبي الإجابة، لأنّ ثروة الرجل ليست دليلاً على صحة منطقه، وسيوافيك شرح ذلك عند البحث عن قوله سبحانه:( أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِن نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً ) (٣) .

فلو أنّ النبي امتنع عن القيام ببعض المعاجز فإنّما هو لأجل هذا الأصل، وأنت إذا لاحظت هذه الأمور تبيّن لك أنّ الآيات التي رفض فيها النبي القيام بمقترحات القوم ومطلوباتهم من المعاجز فإنّما هو لأجل فقدان إحدى هذه

__________________

(١) الأنعام: ٣٥.

(٢) الإسراء: ٩٠.

(٣) الإسراء: ٩١.

١١٩

الشرائط التي نعيد الإشارة إليها في ما يلي باختصار :

١. انّ الواجب هو اقتران دعوة النبي بالدلائل والمعاجز الكافية حتى تفيد الإذعان بصدق دعوته، لا القيام بكل معجزة تقترح عليه من آحاد الأمّة.

٢. لو اقتضت الحكمة الإلهية قيام النبي بمقترحات قومه، فإنّما تصح عقلاً الإجابة لها إذا تعلّق الطلب بالأمر الممكن لا المستحيل، فعدم الإجابة للمقترح المستحيل لا يدل على أنّه لم يزود بالمعاجز.

٣. انّما يجب على النبي القيام بالمعاجز إذا دلّت القرائن على أنّ الهدف من طلبها هو الانضواء تحت لواء الحق والاهتداء بها لا طلبها عناداً ولجاجاً وتلاعباً بشأن النبي ومعجزاته.

٤. الإعجاز نوع تصرف في الأكوان يقوم به النبي بإذن منه سبحانه، ولا يصدر الإذن منه في كل الأحايين والأوقات، وإنّما يصدر فيما إذا كانت هناك مصلحة مقتضية للتصرف.

٥. انّ الهدف من الإعجاز هو هداية الناس، فلو تعلّق الطلب بإهلاكهم وإبادتهم لم تكن إجابته صحيحة في منطق العقل لكونها نافية للغرض.

٦. انّ المعاجز التي يستلزم تكذيبها نزول العذاب الأليم كما نزل على الأمم السابقة لا يصح للنبي القيام بها، لأنّه سبحانه كتب على نفسه دفع العذاب عن الأمّة ما دام النبي فيهم، وهذا الوعد القطعي الإلهي يمنع عن القيام بتلكم المقترحات.

٧. انّ كل معجزة مطلوبة صارت سبباً لتحقير المعاجز الأخرى وازدراءً لها لا يجب على النبي في منطق العقل القيام بها، لأنّ فيه نوع تصديق لموقفهم المتعنّت.

١٢٠