مفاهيم القرآن الجزء ٤

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 407

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-221-8
الصفحات: 407
المشاهدات: 24008
تحميل: 904


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 407 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 24008 / تحميل: 904
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 4

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-221-8
العربية

المقام السادس

في سرد الأحاديث الواردة حول الآية

لقد بانت الحقيقة بأجلى مظاهرها وبان الصبح لذي عينين، ولم يبق شك لمشكك في أنّ الآية تهدف إلى طلب المودّة لأقرباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد كان الأوّلون لا يرتضون للآية غير هذا المعنى، وهم العرب الأقحاح، الذين يعرفون معنى الآية بأذواقهم العربية.

ومن راجع كتب التفسير والحديث يرى أنّ الرأي العام عند علماء الإسلام وأساطين التفسير لم يكن سوى هذا المعنى، ولذلك اختصروا في تفسير الآية بالمأثورات، ولكن لا يسعنا نقل جميعها في هذه الصحائف، كيف ؟ وقد نقل المحدث الخبير السيد هاشم البحراني سبعة عشر حديثاً من طرق السنّة، واثنين وعشرين حديثاً من طرق الشيعة، كلّها تنصُّ على الرأي المختار(١) .

وقد جمع العلّامة الأميني طرق الحديث ونصوصه وكلمات العلماء، حول الآية في كتابه القيِّم « الغدير » الجزء الثاني والثالث(٢) .

وقد استقصى بعض الأجلّة في تعاليقه على إحقاق الحق(٣) مصادر الحديث

__________________

(١) غاية المرام: ٣٠٧ ـ ٣١٠.

(٢) الغدير: ٢ / ٢٨٠، ٣ / ١٥١ ـ ١٥٣ طبعة النجف.

(٣) إحقاق الحق: ٣ / ٢ ـ ١٨.

٨١

من طرق أهل السنّة فتجاوزت خمسين مصدراً لأعلام الحديث، شكر الله مساعي الجميع، ولا يسعنا نقل ما وقفنا عليه برمته غير أنّنا نقتطف ما يلي :

الأحاديث الواردة في تفسير الآية على قسمين: قسم يصرّح بأنّ الآية وردت في حق علي وفاطمة وابنيهما، وقسم يدلُّ على نزولها في أقرباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من دون تسمية لأسمائهم.

أمّا القسم الأوّل فإليك بيانه :

روى الإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة، عن جبير بن عامر قال: لما نزلت:( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) قالوا: يا رسول الله من قرابتك من هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال: « علي وفاطمة وابناهما: ». قالها ثلاثاً(١) .

روى الزمخشري في تفسيره حول الآية: روي أنّها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك ؟ ومن هؤلاء الذين وجبت علينا مودّتهم ؟ قال: « علي وفاطمة وابناهما ». ونقله الإمام الرازي في تفسيره ج ٢٧، ص ١٦٦.

وقد نقل ابن بطريق في العمدة عن تفسير الثعلبي نزول الآية في حقهم بالعبارة المتقدّمة.

وقد اقتفى أثرهم في هذا النقل الشيخ كمال الدين في مطالب السؤول ص ٨، فصرح بنزول الآية فيهم بالعبارة الماضية، ومحب الدين الطبري في ذخائر العقبى ص ٢٥، والعلاّمة النسفي في تفسيره ص ٩٥ بهامش تفسير الخازن، والحمويني في كفاية الخصام ص ٩٦، ونظام الدين النيسابوري في تفسيره المطبوع بهامش تفسير الطبري ج ٢٥ ص ٣١، وأبو حيان في البحر المحيط ج ٧ ص

__________________

(١) مسند الإمام أحمد بن حنبل في فضائل الصحابة: ٢١٨.

٨٢

٥١٦، وابن كثير الدمشقي في تفسيره ج ٤ ص ١١٢، والهيثمي في مجمع الزوائد ج ٥ ص ١٦٨، إلى غير ذلك من أعلام الحديث وحفاظه.

وكلّهم ينصُّ على نزول الآية في حقهم، بأشخاصهم.

وأمّا القسم الثاني ، الذي يدلّ على نزول الآية في أقرباء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على وجه عام، فإليك بعضها :

روى محب الدين الطبري في الذخائر ص ٢٥، وابن حجر في الصواعق ص ١٢٠، و ١٣٦: أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال: « إنّ الله جعل أجري عليكم المودّة في أهل بيتي وإنّي سائلكم غداً عنهم ».

وروى الهيثمي في مجمع الزوائد ج ٩ص ١٤، وابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة ص ١٦٦، والحافظ الكنجي في الكفاية ص ٣٢، وابن حجر في الصواعق ص ١٠١ و ١٣٦: انّ الحسن بن علي خطب بعد شهادة أبيه بقوله: « أيّها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الأوّلون ولا يدركه الآخرون ـ إلى أن قال ـ وإنّا من أهل البيت الذين افترض الله عزّ وجلّ مودّتهم وولايتهم، فقال فيما أنزل على محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله :( قُلْ لا أسْألُكُمْ عَلَيْهِ أجْرَاً إلّا المَؤدَّةَ فِي القُرْبَى ) ».

وأخرج الطبري في تفسيره ج ٢٥ ص ١٦ باسناده عن أبي الديلم قال: لما جيء بعلي بن الحسين ـ رضي الله عنهما ـ أسيراً فأُقيم على درج دمشق، قام رجل من أهل الشام، فقال: الحمد لله الذي قتلكم واستأصلكم وقطع قرني الفتنة، فقال له علي بن الحسين ـ رضي الله عنه ـ: « أقرأت القرآن؟ » قال: نعم. قال: « أقرأت آل حم » قال: قرأت القرآن ولم أقرأ آل حم. قال: « ما قرأت:( قُل لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلا المَوَدَّةَ فِي القُرْبَىٰ ) » قال: وأنّكم لأنتم هم ؟ قال: « نعم ».

وأخرجه السيوطي في الدر المنثور ج ٦ ص ٧، وابن حجر في الصواعق ص ١٠١، وص ١٣٦، والزرقاني في شرح المواهب.

٨٣

وروى الطبري في تفسيره ج ١٢ ص ١٦ و ١٧، عن سعيد بن جبير، وعمرو ابن شعيب، أنّهما قالا: هي قربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ورواه البخاري في صحيحه ج ٦ ص ١٢٩، عن سعيد بن جبير: أنّها قربى آل محمد.

وقال الرازي: لا شك أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يحب فاطمةعليها‌السلام ، قالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها » وثبت بالنقل المتواتر، عن محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه كان يحب علياً والحسن والحسين، وإذا ثبت ذلك وجب على كل الأمّة مثله لقوله تعالى:( وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ولقوله تعالى:( فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ ) ولقوله:( إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ ) ، ولقوله سبحانه:( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ) .

ثم قال: إنّ الدعاء للآل منصب عظيم، ولذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة، وهو قوله: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وهذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل، فكلّ ذلك يدلّ على أنّ حبّ آل محمد واجب، وقال الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ :

يا راكباً قف بالمحصب من منى

واهتف بساكن خيفها والناهض

سحراً إذا فاض الحجيج إلى منى

فيضاً كما نظم الفرات الفائض

إن كان رفضاً حب آل محمد

فليشهد الثقلان أنّي رافضي(١)

ولو أنّ القارئ الكريم أضاف إلى هذا الجم الغفير من الأحاديث التي اكتفينا بنقل النزر اليسير منها، ما رواه أئمّة الحديث من الشيعة لوجد الحديث في

__________________

(١) مفاتيح الغيب: ٧ / ٣٩٠ ـ ٣٩١.

٨٤

أعلى درجة الاستفاضة والتواتر، فلا يبقى لقائل شك في أنّ المراد من القربى أقرباء النبي، ولا من المودّة إظهار الحب إليهم، نعم قد يصعب على بعض من لا خبرة له بالحديث والتفسير قبول هذه القضية في حق آل طه وياسين.

وقد أشار النبهاني في خطبة كتابه إلى ذلك البعض وقال: ومن هذا القبيل ما وقع في عصرنا في القسطنطينية سنة سبع وتسعين ومائتين وألف هجرية من قوم جهّال غرقوا من أحوال البغضاء لآل محمد في أوحال، فأخذوا يتأوّلون بجهلهم ما ورد من الآيات والأخبار في فضل أهل بيت النبوة ومعدن الرسالة ومهبط الوحي ومنبع الحكمة، ويخرجونها عن ظواهرها بأفهامهم السقيمة، وآرائهم الذميمة، ومع ذلك فقد زعموا أنّهم لأهل البيت من أهل المحبة والوداد، ولم يعلموا أنّهم هائمون من الخذلان في كل واد(١) . والحق ينطق منصفاً وعنيداً.

__________________

(١) الشرف المؤبد راجع الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء: ٣٧.

٨٥
٨٦

٢

معاجز النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله

وكراماته

٨٧

في هذا الفصل :

١. دعوة الأنبياء والقيام بالمعاجز والكرامات.

٢. قساوسة الغرب ومعاجز النبي الأكرم.

٣. المحاسبة العقلية تفند مزاعم القساوسة.

٤. القرآن يثبت للنبي معاجز غير القرآن: انشقاق القمر، معراجه، ومباهلته مع نصارى نجران.

٥. مطالبة النبي الإتيان بالمعجزة بعد الأخرى.

٦. الكفّار يصفون معاجز النبي بالسحر.

٧. النبي الأعظم وبيّناته.

٨. إخبار النبي عن الغيب كالمسيح.

٩. معاجز الرسول الأعظم في الأحاديث.

١٠. امتياز الأحاديث الإسلامية ـ حول معاجز النبي ـ عن أحاديث اليهود والنصارى حول معاجز أنبيائهم.

٨٨

النبي الأكرم ومعاجزه وكراماته

شهد التاريخ البشري أُناساً ادّعوا النبوة كذباً ودجلاً، واتَّخذوا ميل الإنسان الفطري نحو قضايا الدين ذريعة للوصول إلى مآربهم، وجعلوا سذاجة بعض الأمم والجماعات، وسيلة لتغطية دجلهم وكذبهم.

لا شك أنّ تمييز الحق من الباطل والصادق من الكاذب، وتشخيص النبي الحقيقي عن المتنبئ والمنتحل للنبوة كذباً ودجلاً، يحتاج إلى ضوابط ودلائل ومعايير.

وقد كان هناك طرق ووسائل ظلت البشرية تتوسل بها لمعرفة الحقيقة واستجلاء الصواب، وكان الإتيان بالمعجزة في طليعة تلكم الطرق، حيث كانت إحدى الطرق التي تثبت بها صحة دعوى النبوة وإن لم تكن الطريق الوحيد.

والمعجزة هي: العمل الخارق للعادة، الذي يعجز عن الإتيان به البشر حتى النوابغ والعباقرة.

وهناك تعاريف أُخر ربّما تكون أكمل من هذا التعريف، ولسنا بصدد تحديدها على وجه الدقة، والمهم هو أن نعرف أنّ المعجزة كان أوّل ما يطالب بها مَن يدّعي النبوة كوثيقة تثبت صدق مدّعاه، وصحّة انتسابه إلى الله، إذا قام بها، دون تهرّب وتملّص، فها هو القرآن يحدثنا أنّ صالحاً عندما حذر قومه من سخط الله، وأخبرهم بأنّه رسوله إليهم، طالبوه بالمعجزة قائلين:( مَا أَنتَ إِلا بَشَرٌ مِثْلُنَا

٨٩

فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ) (١) .

وقد وردت آيات أُخرى بهذا المضمون في سور شتّى.

ولأجل ذلك كان الأنبياء لا يتأخرون عن تلبية هذا الطلب الطبيعي والمنطقي، بل يبادرون إلى إظهار معاجز حسبما تقتضيه الظروف مبرهنين بذلك على صحّة دعواتهم وصدق أقوالهم، بينما ينكص الكذابون ومنتحلو النبوة، وتخيب مساعيهم.

وقد جرت سيرة الناس مع النبي الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله على ذلك، حيث طالبوه بالمعاجز في بدء دعوته، وكان الرسول العظيم يلبي طلبهم، ويأتي بمعاجز عديدة يشهدها الناس ويرونها بأعينهم.

وبالرغم من كثرة هذه المعاجز ـ التي وقعت على يد رسول الإسلامصلى‌الله‌عليه‌وآله في موارد كثيرة ـ أبى بعض من ناوأ الإسلام إلّا إنكار هذه المعجزات، وادّعاء أنّ نبي الإسلام لم يأت بمعجزة سوى القرآن فقط.

إنّ هذه الشبهة حول معاجز الرسول الكريم طرحت من جانب الكتّاب المسيحيين، تقليلاً من أهمية الدعوة المحمدية، وحطاً من شأن الرسول ومكانته وعظمته، فإذا بهم يزعمون أنّ معاجز النبي كانت تنحصر في القرآن دون سواه، وانّه كلما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة، أحالهم على القرآن ولم يظهر أيّة معجزة سواه.

فها هو « فندر » القسيس الألماني المعروف يقول في كتابه ميزان الحق ص ٢٧٧ ـ وهو كتاب حول حياة الرسول ـ: إنّ من شروط النبوة أن يأتي مدّعيها بمعجزة لإثبات مدّعاه، ولكن محمداً لم يأت بأيّة معجزة قط.

__________________

(١) الشعراء: ١٥٤.

٩٠

ثمّ استشهد بآيات في سورة العنكبوت والإسراء والأنعام وغيرها، ممّا سنفرد لدراستها فصلاً خاصاً بعد هذا الفصل.

على أنّ « فندر » لم ينفرد بطرح هذه الشبهة، بل طرحها قساوسة آخرون قبله وبعده.

وقد ذكر فخر الإسلام: أنّ المسيو « جورج دوروي » رسم في ص ١٥٧ من كتابه صورة خيالية عن النبي الأكرم بيده ورقة من القرآن الكريم، وكتب تحت الصورة هكذا: كان محمد كلّما طالبه قومه بمعجزة ردّهم قائلاً: ليس لي أن آتيكم بمعجزة إلّا بإذن الله، ولكن الله لم يمن عليّ بهذه النعمة، أي نعمة إظهار المعاجز(١) .

وبهذه الكيفية حاول المسيو « جورج دوروي » المسيحي أن ينفي معاجز النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولكن ما نقله عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتألف من صحيح وسقيم.

أمّا الصحيح: فهو قوله في جواب قومه: إنّه ليس لي أن آتيكم بمعجزة إلّا بإذن الله. وذلك أمر يؤيده القرآن حيث يقول سبحانه:( وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللهِ ) (٢) .

وأمّا السقيم: فهو ما ألحقه بكلام الرسول افتراءً عليه، وهو قوله: ولكن الله لم يمنّ عليّ بهذه النعمة ولم يعطني أية معجزة.

فإنّ هذا الكلام المنقول عن لسان النبي تقوّل على رسول الله، وقد دلّت شواهد كثيرة على أنّه أتى بمعاجز كثيرة لقومه يوم طلبوا منه ذلك، ولم يكن شأنه إلّا شأن سائر الأنبياء والرسل.

__________________

(١) أنيس الأعلام: ٥ / ٣٥١ لفخر الإسلام وهو قس مسيحي أسلم وكتب حول النصرانية، وما فيها من تناقضات وخرافات، كتابه القيم « أنيس الأعلام » وغيره من الكتب القيمة.

(٢) الرعد: ٣٨.

٩١

ثمَّ إنّ القسيس « أنار كلي » مؤلف كتاب « مشكاة الصدق » الذي طبع في لاهور سنة ١٩٠١م قد بسط الكلام في هذا الباب، فهو ـ بعد أن طرح الشبهة في كتابه واستشهد بآيات من القرآن على مزعومه ـ قال: إنّ محمداً كلّما طالبه قومه بأن يأتي لهم بمعجزة لاذ بالصمت، أو تهرّب من ذلك الطلب، مكتفياً بقوله: « إنّما أنا بشر مثلكم » و « إنّما إنا منذر » إلى غير ذلك من العبارات.

وسوف نقوم بتحليل هذه الآيات التي استند إليها « انار كلي » في مزعومه.

أجل هكذا سعى الكتّاب المسيحيون إلى إنكار معاجز الرسول، ونفوا أن تكون له معجزة أُخرى سوى القرآن، فهل هم على حق فيما يزعمون ؟ بكل تأكيد لا، لأنّ المحاسبة العقلية ـ قبل أي دليل ـ تفنّد هذه المزعمة، وتثبت نفس المحاسبة أنّ الرسول الأعظم كان صاحب معاجز أُخرى عدا القرآن الكريم ( معجزته الخالدة )، وإليك بيانها.

المحاسبة العقلية تفند مزعمة القساوسة :

إنّ الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله وصف نفسه بأنّه خاتم الأنبياء، وأنّ رسالته خاتمة الرسالات، وكتابه خاتم الكتب، حسبما أوردنا أدلّته في الجزء الثالث من هذه السلسلة(١) .

ثم أخبر عن وقوع معاجز على أيدي الرسل والأنبياء، حيث قال في شأن موسىعليه‌السلام :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ) (٢) . وقال أيضاً:( وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ ) (٣) .

__________________

(١) لاحظ مفاهيم القرآن: ٣ / ١١٨ ـ ١٨٠.

(٢) الإسراء: ١٠١.

(٣) النمل: ١٢.

٩٢

ثم إنّه عندما يتحدّث عن المسيح ودعوته، يصفه بوحي من الله بقوله:( وَرَسُولاً إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِن رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللهِ وَأُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ وَأُحْيِي المَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِن كُنتُم مُؤْمِنِينَ ) (١) .

ثمَّ إنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يخص هذين النبيين العظيمين بالإتيان بالمعاجز، بل أثبتها لكثير من الأنبياء من قبله كما هو لائح لمن سبر أحوالهم في القرآن المجيد.

وعند ذلك، كيف يكون للنبي الأعظم وهو يخبر بهذه المعاجز للأنبياء ويصف نفسه بأنّه خاتمهم وآخرهم، وأفضلهم، إذا طلبوا منه إظهار المعجزة، أن ينكص ويتهرّب، أو يلوذ بالصمت، أليس في مثل هذا ما يوهن دعوته، وينقض أقواله ؟

لو فرضنا أنّ النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن إلّا نابغة من النوابغ الذين نهضوا لإصلاح أُمّتهم متستراً برداء النبوة، لما كان يصح منه أن يخبر بمعاجز للأنبياء الماضيين ثم ينكص هو نفسه عن الإتيان بمثلها، ومع ذلك يزعم أنّه خاتمهم وأكملهم ديناً، فكيف وهو نبي صدقاً وحقاً، قد بانت دلائل صدق دعوته، بأوضح الدلائل وأتقن البراهين ؟

فالمحاسبة العقلية تحكم ببطلان ما زعمه القساوسة، بل تثبت بكل قوّة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أظهر معاجز عديدة لقومه عندما طلبوا منه ذلك، كيف، والقرآن يصفه بما لا يصف به أحداً من أنبيائه ؟ وهو يقتضي عقلاً أن يكون له مثل ما أُوتي سائر الأنبياء، وأن يكون قد أتى بها مبرهناً على صدق دعوته خصوصاً إذا توقفت هداية قومه على إظهار معاجزه.

__________________

(١) آل عمران: ٤٩.

٩٣

ولهذا السبب كان منتحلو النبوة ـ كذباً ـ ينكرون معاجز الأنبياء، أو يتأوّلونها تخلّصاً من الإحراج إذا طالبهم الناس بالمعجزة، على العكس من سيرة الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وأقواله الذي أخبر بصراحة عن معاجز الأنبياء بالتفصيل، كما أخبر أنّ دعوات الأنبياء ما كانت تنفك عن طلب المعاجز منهم، فما من نبي راح ينذر قومه إلّا وطالبوه بأن يظهر لهم معجزة يبرهن بها على صدق مدّعاه وصدق رسالته، وقد أسلفنا بعض الآيات في هذا المورد.

القرآن يثبت للنبي معاجز غير القرآن

إنّ القرآن يخبر ـ بصراحة ـ عن وقوع معاجز غير القرآن على يدي الرسول الأمين، وإليك الآيات القرآنية الواردة في هذا المورد :

١. انشقاق القمر

قال سبحانه:( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ القَمَرُ *وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ *وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ *وَلَقَدْ جَاءَهُم مِنَ الأَنبَاءِ مَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ ) (١) .

أطبق المفسّرون مثل الزمخشري في كشافه، والطبرسي في مجمعه والرازي في مفاتيحه على ما يلي :

اجتمع المشركون إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فقالوا: إن كنت صادقاً فشق لنا القمر فلقتين. فقال لهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن فعلت تؤمنون ؟ » قالوا: نعم، وكانت ليلة بدر، فسأل رسول الله ربّه أن يعطيه ما قالوا، فانشق القمر فلقتين، ورسول الله ينادي: « يا فلان يا فلان اشهدوا ».

__________________

(١) القمر: ١ ـ ٤.

٩٤

وقال ابن مسعود: انشق القمر على عهد رسول الله شقتين، فقال لنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « اشهدوا اشهدوا ».

ونقل عن ابن مسعود أنّه قال: والذي نفسي بيده لقد رأيت حرّاء بين فلقتي القمر.

وعن جبير بن مطعم: انشق القمر على عهد رسول الله حتى صار فلقتين على هذا الجبل، وعلى هذا الجبل، فقال ناس: سحرنا محمد، فقال رجل: إن كان سحركم فلم يسحر الناس كلَّهم.

وقد روى حديث انشقاق القمر جماعة كثيرة من الصحابة، منهم: عبد الله ابن مسعود، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان، وابن عمر، وابن عباس، وجبير ابن مطعم، وعبد الله بن عمر، وعليه جماعة المفسرين، إلى أن قال: فلا يعتد بخلاف من خالف فيه، لأنّ المسلمين أجمعوا على ذلك، والطعن في ذلك بأنّه لو وقع انشقاق القمر في عهد رسول الله لما كان يخفى على أحد من أهل الأقطار، قول باطل، فيجوز أن يكون الله تعالى قد حجبه عن أكثرهم بغيم وما يجري مجراه، ولأنّه قد وقع ذلك ليلاً، فيجوز أن يكون الناس نياماً فلم يعلموا بذلك، على أنّ الناس ليس كلّهم يتأملون ما يحدث في السماء وفي الجو من آية وعلامة، فيكون مثل انقضاض الكواكب وغيره مما يغفل الناس عنه، وإنّما ذكر سبحانه اقتراب الساعة مع انشقاق القمر، لأنّ انشقاقه من علامة نبوة نبينا، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة(١) .

وما ذكره من الاعتذار في عدم رؤية أكثر الناس انشقاق القمر مبني على ما كان يعتقده علماء الفلك في الأزمنة السابقة من كون الأرض مسطحة لا كروية بحيث إذا طلع البدر يطلع على الناس كلّهم، وإذا غرب غرب عنهم جميعاً في

__________________

(١) مجمع البيان: ٥ / ١٨٦.

٩٥

وقت واحد، وهذا مرفوض لكروية الأرض.

وقال الرازي: المفسّرون بأسرهم على أنّ المراد: انّ القمر انشق وحصل فيه الانشقاق، ودلّت الأخبار على حديث الانشقاق، وفي الصحيح خبر مشهور رواه جمع من الصحابة، وقالوا: سئل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله آية الانشقاق بعينها معجزة، فسأل ربّه فشقه، ومضى.

وقال بعض المفسّرين المراد سينشق، وهو بعيد ولا معنى له، لأنّ من منع ذلك ـ وهو الفلسفي ـ يمنعه في الماضي والمستقبل، ومن يجوزه لا يحتاج إلى التأويل، وإنّما ذهب إليه ذلك الذاهب لأنّ الانشقاق أمر هائل، فلو وقع لعم وجه الأرض فكان ينبغي أن يبلغ حد التواتر، نقول: النبي لما كان يتحدّى بالقرآن وكانوا يقولون: إنّا نأتي بأفصح ما يكون من الكلام وعجزوا عنه، فكان القرآن معجزة باقية إلى قيام القيامة لا يتمسك بمعجزة أُخرى، فلم ينقله العلماء بحيث يبلغ حد التواتر، وأمّا المؤرّخون فتركوه، لأنّ التواريخ في أكثر الأمر يستعملها المنجم، وهو لما وقع الأمر قالوا بأنّه مثل خسوف القمر وظهور شيء في الجو على شكل نصف القمر في موضع آخر فتركوا حكايته في تواريخهم، والقرآن أدلّ دليل وأقوى مثبت له، وإمكانه لا يشك فيه، وقد أخبر عنه الصادق، فيجب اعتقاد وقوعه، وحديث امتناع الخرق والالتئام حديث اللئام، وقد ثبت جواز الخرق والتخريب على السماوات(١) .

وقال الزمخشري: إنّ أنس بن مالك قال: إنّ الكفار سألوا رسول الله آية فانشق القمر مرتين، قال ابن عباس: انفلق فلقتين: فلقة ذهبت وفلقة بقيت. وقال ابن مسعود: رأيت حراء بين فلقتي القمر. وعن حذيفة انّه خطب بالمدائن وقال: ألا إنّ الساعة قد اقتربت، وانّ القمر قد انشق على عهد نبيكم(٢) .

__________________

(١) مفاتيح الغيب: ٧ / ٧٤٨.

(٢) الكشاف: ٣ / ١٨٩.

٩٦

هذه عبائر أشهر المفسّرين الذين أسميناهم، ومثلها غيرهم، ونحن لا يهمنا البحث في تفاسير هذه المعجزة، ولا الاعتراضات الطفولية التي تثار حولها، إنّما يهمنا أن نبحث في دلالة الآيات المذكورة على وقوع هذه المعجزة العظمى على يد الرسول الكريم.

أمّا قوله سبحانه:( اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ ) فمعناه أنّ الساعة ـ أي القيامة ـ قد قربت وقرب موعد وقوعها، وإن كان الكفّار يتصورونه بعيداً، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة في موضع آخر حيث قال:( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً *وَنَرَاهُ قَرِيباً ) (١) .

وأمّا قوله:( وَانشَقَّ القَمَرُ ) يدل على وقوع انشقاق القمر، لأنّه فعل ماض ولا وجه لحمله على المستقبل، بأن يكون المراد سينشق القمر في المستقبل أي عند وقوع القيامة، لأنّ إرادة المضي من لفظ انشق أولى، للمناسبة بينها وبين الجملة السابقة:( اقْتَرَبَتِ ) وحمل الثاني( انشَقَّ ) على المستقبل نوع مجاز، وإن كان بادّعاء كونه محقق الوقوع، وأمّا وجه الربط بين الجملتين فهو ما أشار إليه أمين الإسلام الطبرسي في مجمعه من أنّ انشقاقه من علامة نبوة نبينا، ونبوته وزمانه من أشراط اقتراب الساعة.

وبهذا يكون القرآن قد أخبر في هذه الآية عن تحقق هذين الشرطين: ظهور نبي الإسلام، وانشقاق القمر بيده، وإنّهما من أشراط الساعة كما يقول في آية أُخرى:( فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلا السَّاعَةَ أَن تَأْتِيَهُم بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا ) (٢) .

وعندئذ لا مجال لحمل الجملة( انشَقَّ ) على المستقبل.

أضف إلى ذلك أنّ قوله تعالى:( وَإِن يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ

__________________

(١) المعارج: ٦ ـ ٧.

(٢) محمد: ١٨.

٩٧

مُسْتَمِرٌّ ) أوضح شاهد على وقوع هذه المعجزة « انشقاق القمر » في عهد الرسول، لأنّ المقصود من الآية في قوله( وَإِن يَرَوْا آيَةً ) غير القرآن من المعاجز، بدليل أنّه يقول:( وَإِن يَرَوْا ) ولو كان المراد من الآية هي الآيات القرآنية لكان اللازم أن يقول: وان سمعوا آية، أو تنزّلت عليهم آية، وعلى هذا تكون الآية المرئية هي انشقاق القمر الذي سبق ذكره في الآية السابقة.

ثم إنّ الدقة والإمعان في قوله تعالى:( يَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ ) يقودنا إلى الإذعان بأنّ ظرف هذا الحدث « انشقاق القمر » إنّما هو هذا العالم الدنيوي، وقبل بعث الناس وحشرهم حتى يكون مجال للناس أن يتفوّهوا بغير الحق، ويقولوا هذا سحر مستمر، وأمّا الآخرة فليس هناك لأحد أن يتفوّه بغير الحق، أو يصف الإعجاز بالسحر إذ يختم في ذلك اليوم على الأفواه، وتتكلّم الأيدي والأرجل قال سبحانه:( اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (١) .

بل لا يؤذن لهم حتى يعتذروا فضلاً عن أن يتكلموا بما سولت لهم أنفسهم من الكذب والدجل، قال سبحانه:( هَٰذَا يَوْمُ لا يَنطِقُونَ *وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ ) (٢) بل هناك تنكشف الحقائق وتظهر البواطن ويقف الإنسان على الحقائق ببصر حديد قال سبحانه:( لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَٰذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ ) (٣) .

هكذا يدل هذا المقطع من الآية على أنّ ظرف الانشقاق كان في زمن الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولأجل ذلك اتخذ منه المشركون موقفاً متعنتاً مجادلاً، وقال قائلهم :

__________________

(١) يس: ٦٥.

(٢) المرسلات: ٣٦.

(٣) ق: ٢٢.

٩٨

سحركم ابن أبي كبشة، حيث كان المشركون يدعون الرسول الأعظم بابن أبي كبشة وهو من أجداد النبي من ناحية أُمّه(١) .

٢. معراج النبي

إنّ إسراء النبي ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى إحدى المعاجز العظيمة التي أثبتها الله سبحانه لنبيه، وأخبر عنه القرآن حيث قال:( سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) (٢) .

وليست تلك الرحلة الطويلة التي تحقّقت في زمن قصير في ذلك الظرف الذي لم يكن تتوفر فيه ما يتوفر الآن من وسائل النقل السريعة، إلّا معجزة من معاجزه.

إنّ القرآن الكريم لا يثبت هذا الإعجاز للرسول في هذا الموضع فحسب، بل يذكره في موضع آخر أيضاً، ويدافع عنه هناك بقوة بحيث لا يبقى معه شك، بل يخبر أنّ رحلة النبي ومعراجه تجاوز عن المسجد الأقصى إلى « سدرة المنتهى ». قال سبحانه:( عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَىٰ *ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَىٰ *وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَىٰ *ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ *فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ *فَأَوْحَىٰ إِلَىٰ عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ *مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَىٰ *أَفَتُمَارُونَهُ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ *وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ *عِندَ سِدْرَةِ المُنتَهَىٰ *عِندَهَا جَنَّةُ المَأْوَىٰ *إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَىٰ *مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَىٰ *لَقَدْ رَأَىٰ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الكُبْرَىٰ ) (٣) .

__________________

(١) الدر المنثور: ٦ / ١٣٣. وقد جمع النقول الواردة عن الصحابة حول شق القمر، فلاحظ.

(٢) الإسراء: ١.

(٣) النجم: ٥ ـ ١٨.

٩٩

ونحن لسنا بصدد الخوض في تفاصيل قضية المعراج، بل يكفي الإذعان بوقوعها ورودها في هاتين السورتين، مضافاً إلى الأحاديث المتواترة حول قضية المعراج، وإن لم تكن الخصوصيات بالغة إلى هذا الحد من التواتر، بل حولها أحاديث آحاد غير جامعة لشرائط الحجية، وقد قسم الطبرسي في مجمعه الأحاديث الواردة حول المعراج، إلى أربعة أقسام، فلاحظ.

٣. مباهلة النبي لأهل الكتاب

تعرض القرآن لقضية المباهلة، في الآية التالية: قال سبحانه:( فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ العِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الكَاذِبِينَ ) (١) .

قال الزمخشري في تفسير الآية: لمّا دعاهم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلمّا تخالوا قالوا للعاقد ـ وكان ذا رأيهم ـ: يا عبد المسيح ما ترى ؟ فقال: والله لقد عرفتم يا معشر النصارى أنّ محمداً نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله ما باهل قوم نبياً قط فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فإن أبيتم إلّا ألف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه فوادعوا الرجل وانصرفوا إلى بلادكم، فأتوا رسول الله، وقد غدا محتضناً الحسين آخذاً بيد الحسن وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها. وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمّنوا، فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى ! إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة.

فقالوا: يا أبا القاسم ! رأينا أن لا نباهلك وأن نقرّك على دينك، ونثبت على ديننا. قال: « فإذا أبيتم المباهلة فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما

__________________

(١) آل عمران: ٦١.

١٠٠