مفاهيم القرآن الجزء ٥

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530
المشاهدات: 16283
تحميل: 469


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 16283 / تحميل: 469
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 5

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-6243-75-4
العربية

إليهما.

وعلى فرض صحة الرواية الأُولى لابدّ أن يقال :

إنّ الرواية إن دلّت على شيء فإنّما تدلّ على أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان موضع عنايته سبحانه ورعايته ، فلم يكن مسؤولاً عن أفعاله وحركاته وسكناته فقط ، بل كان مسؤولاً حتى عن نظراته وانقباض ملامح وجهه ، وانبساطها ، فكانت المسؤولية الملقاة على عاتقه من أشد المسؤوليات ، وأثقلها صدق الله العلي العظيم حيث يقول :( إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً ) (١) .

كان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يناجي صناديد قومه ورؤساءهم لينجيهم من الوثنية ويهديهم إلى عبادة التوحيد ، وكان لإسلامهم يوم ذاك تأثير عميق في إيمان غيرهم ، إذ الناس على دين رؤسائهم وأوليائهم ، وكان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذه الظروف يناجي رؤساء قومه إذ جاءه ابن أُم مكتوم غافلاً عمّا عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من الأمر المهم ، فلم يلتفت إليه النبي ، وجرى على ما كان عليه من المذاكرة مع أكابر قومه.

وما سلكه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يكن أمراً مذموماً عند العقلاء ، ولا خروجاً على طاعة الله ، ولكن الإسلام دعاه وأرشده إلى خلق مثالي أعلى ممّـا سلكه ، وهو أنّ التصدي لهداية قوم يتصورون أنفسهم أغنياء عن الهداية ، يجب أن لا يكون سبباً للتولّـي عمّـن يسعى ويخشى ، فهداية الرجل الساعي في طريق الحق ، الخائف من عذاب الله ، أولى من التصدي لقوم يتظاهرون بالاستغناء عن الهداية وعمّـا أنزل إليك من الوحي ، وما عليك بشيء إذا لم يزكّوا أنفسهم ، لأنّ القرآن تذكرة فمن شاء ذكره( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ *لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) (٢) .

__________________

(١) المزمل : ٥.

(٢) الغاشية : ٢١ ـ ٢٢.

٢٦١

فعظم المسؤولية اقتضى أن يعاتب الله سبحانه نبيّه لترك ما هو الأولى بحاله حتى يرشده إلى ما يعد من أفاضل ومحاسن الأخلاق ، وينبهه على عظم حال المؤمن المسترشد ، وأن تأليف المؤمن ليقيم على إيمانه ، أولى من تأليف المشرك طمعاً في إيمانه ، ومن هذا حاله لا يعد عاصياً لأمر الله ومخالفاً لطاعته.

وأمّا الرواية الثانية : فالظاهر أنّ الرواية نقلت غير كاملة ، وكان لها ذيل يصحح انطباق الخطابات الواردة في الآيات حقيقة على الشخص الذي عبس وتولّى ، وعلى فرض كونها تامّة فالضمير الغائب في « عبس » و « تولّى » و « جاءه » يرجع إلى ذلك الفرد ، وأمّا الخطابات فهي متوجهة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لكن من وجه إليه الخطاب غير من قصد منه ، فهو من مقولة : « إياك أعني واسمعي يا جارة » ومثل هذا يعد من أساليب البلاغة ، وفنون الكلام.

٢٦٢

دين النبي الأكرم قبل البعثة

دلّت الأدلة العقلية والنقلية على عصمة الأنبياء عامّة والنبي الأكرم خاصة إلاّ أنّ الحكم بعصمته قبل التشرف بالنبوة ، يتوقف على إحراز تدينه بدين قبل أن يبعث ، وهذا ما نتلوه عليك في هذا البحث تكميلاً لعصمتهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

من الموضوعات المهمة التي شغلت بال المحققين من أهل السير والتاريخ موضوع دين النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وقد اتفق جمهور المسلمين على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان على خط التوحيد منذ نعومة أظفاره إلى أن بُعث لهداية أُمّته ، فلم يسجد لصنم ولا وثن ، وكان بعيداً عن الأخلاق والعادات الجاهلية التي تستقي جذورها من الوثنية ، وإن اختلفوا في أنّه هل كان متعبداً بشريعة أحد من الأنبياء أو بشريعة نفسه ، أو بما يلهم من الوظائف والتكاليف ؟ وعلى ذلك فنركّز البحث على نقطتين :

١. إيمانه وتوحيده قبل البعثة.

٢. الشريعة التي كان يعمل بها في حياته الفردية والاجتماعية.

أمّا بالنسبة إلى النقطة الأُولى : فقد كان النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله على الدين الحنيف لم يعدل عنه إلى غيره طرفة عين ، وتظهر هذه الحقيقة بالتعرّف على ملامح

٢٦٣

البيت الذي ولد فيه ، وتربّى في أحضان رجاله فنقول :

كان النبي كريم المولد ، شريف المحتد ، ولد من أبوين كريمين مؤمنين بالله سبحانه وموحدين ، وتربى في حضن جده عبد المطلب ، وبعده في حجر عمّه أبي طالبعليهما‌السلام ، وقد كان الدين السائد في ذلك البيت الرفيع ، دين التوحيد ، ورفض عبادة غير الله تعالى والعمل بالمناسك والرسوم الواصلة إليه عن إبراهيمعليه‌السلام .

لا أقول إنّ جميع من كان ينتمي إلى البيت الهاشمي كان على خط التوحيد وعلى الشريعة الإبراهيمية ، إذ لا شك أنّ بعضهم كان يعبد الأصنام ، ويدافع عنها كأبي لهب ، وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب.

بل أقول : الديانة السائدة في ذلك البيت هي عبادة الرحمن ورفض الأصنام والأوثان.

ويتضح وضع هذا البيت ببيان ديانة أشياخه وأسياده وأخص بالذكر منهم سيده الكبير « عبد المطلب » وشيخ الأباطح « أبو طالب » ، وإليك الكلام في ديانتهما :

١. عبد المطلب وإيمانه

عبد المطلب هو الرجل الأوّل في هذا البيت ، وكفى في صفائه وإيمانه ما ذكره المؤرّخون في حقه ، وإليك بعضه :

١. يقول اليعقوبي في الحديث عنه : ورفض عبد المطلب عبادة الأوثان والأصنام ، ووحَّد الله عزّ وجلّ ، ووفى بالنذر ، وسنّ سنناً نزل القرآن بأكثرها ، وجاءت السنّة الشريفة من رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بها ، وهي الوفاء بالنذر ، ومائة من الإبل

٢٦٤

في الدية ، وأن لا تنكح ذات محرم ، ولا تؤتى البيوت من ظهورها ، وقطع يد السارق ، والنهي عن قتل المؤودة ، وتحريم الخمر ، وتحريم الزنا والحد عليه ، والقرعة ، وأنّ لا يطوف أحد بالبيت عرياناً ، وإضافة الضيف ، وأن لا ينفقوا إذا حجّوا إلاّ من طيب أموالهم ، وتعظيم الأشهر الحرم ، ونفي ذوات الرايات(١) .

٢. إذا اطّلعنا على موقف عبد المطّلب من جيش إبرهة ، وتوكّله على الله تعالى ، وأخذه بحلقة باب الكعبة ، نعلم بأنّه كان الرجل الموحد الذي لا يلتجئ في المصائب والمكاره إلى غير كهف الله ، ولا يعرف إلاّ باب الله ، على عكس ما كانت الوثنية عليه فإنّهم كانوا يستغيثون بالأصنام المنصوبة حول الكعبة ، وإليك إجمال القضية :

قدم عبد المطلب إلى معسكر إبرهة ، فلمّا رآه إبرهة أجلّه وأكرمه ، وبعدما وقف الملك على أنّه جاء ليردّ عليه إبله التي استولى عليها عسكره ، قال له إبرهة : أتكلّمني في إبلك وتترك بيتاً ، هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ؟! قال له عبد المطلب : أنا ربُّ الإبل ، وللبيت ربٌّ يمنعه ، قال إبرهة : ما كان يمنعه مني وأمر برد إبله ، فلمّا أخذها قلّدها وجعلها هدياً وبثّها في الحرم كي يصاب منها شيء فيغضب الله عزّ وجلّ ، وانصرف عبد المطلب إلى قريش وأخبرهم الخبر ، ثم قام فأخذ بحلقة باب الكعبة وقام معه نفر من قريش يدعون الله ويستنصرونه على إبرهة وجنده ، فقال عبد المطلب :

__________________

(١) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ٩ ، طبعة النجف. أقول : في عدِّ بعض ما ذكر ذلك المؤرخ من سنن عبد المطلب نظر : فإنّ لبعضها كالوفاء بالنذر ، والنهي عن قتل الموؤدة ، والقرعة ، سابقة تاريخية ترجع إلى فترات قبله.

٢٦٥

يا ربّ لا أرجو لهم سواكا

يا رب فامنع منهم حماكا

إنَّ عدوّ البيت من عاداكا

امنعهم أن يخربوا فناكا

وقال أيضاً :

لا هُمَّ إنّ العبدَ يَمنع

رَحْلَه فامنع حِلالَكْ

لا يَغلِبَنَّ صَلِيبهم

ومِحالُهم غَدْوا مِحالَكْ(١)

٣. وليست هذه الواقعة وحيدة من نوعها بل لسيد قريش مواقف أُخرى تشبه هذه الواقعة حيث توسل لكشف غمته فيها بالله سبحانه وتعالى ، وإليك مثالين :

ألف. تتابعت على قريش سنون جدب ، ذهبت بالأموال ، وأشرفت على الأنفس ، واجتمعت قريش لعبد المطلب وعلوا جبل أبي قبيس ومعهم النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو غلام ، فتقدّم عبد المطلب وقال :

« لاهم(٢) هؤلاء عبيدك وإماؤك وبنو إمائك ، وقد نزل بنا ما ترى ، وتتابعت علينا هذه السنون ، فذهبت بالظلف والخف والحافر ، فأشرفت على الأنفس ، فأذهب عنّا الجدب ، وائتنا بالحياء والخصب » ، فما برحوا حتى سالت الأودية ، وفي هذه الحالة تقول رقيقة :

بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا

وقد عدمنا الحيا واجلوذ المطر

إلى أن تقول :

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام : ١ / ٥٠ ; الكامل لابن الأثير : ١ / ١٢ ، وغيرهما.

(٢) مخفّف « اللّهم ».

٢٦٦

مبارك الاسم يستسقى الغمام به

ما في الأنام له عدل ولا خطر(١)

وقد نقل هذه الواقعة الشهرستاني في الملل والنحل قال : وممّا يدل على معرفته ( عبد المطلب ) بحال الرسالة وشرف النبوّة أنّ أهل مكة لمّا أصابهم ذلك الجدب العظيم وأمسك السحاب عنهم سنتين ، أمر أبا طالب ابنه أن يحضر المصطفى محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله فأحضره وهو رضيع في قماط ، فوضعه على يديه واستقبل الكعبة ورماه إلى السماء ، وقال يا ربّ بحق هذا الغلام ورماه ثانياً وثالثاً. وكان يقول : بحق هذا الغلام اسقنا غيثاً مغيثاً دائماً هطلا ، فلم يلبث ساعة أن طبق السحاب وجه السماء وأمطر حتى خافوا على المسجد.

وقال أيضاً : وببركة ذلك النور كان عبد المطلب يأمر أولاده بترك الظلم والبغي ، ويحثهم على مكارم الأخلاق وينهاهم عن دنيّات الأُمور ، وان يقول في وصاياه : إنّه لن يخرج من الدنيا ظلوم حتى ينتقم الله منه وتصيبه عقوبة ، إلى أن هلك رجل ظلوم حتف أنفه لم تصبه عقوبة ، فقيل لعبد المطلب في ذلك ، ففكر وقال : والله انّ وراء هذه الدار دار يجزى فيها المحسن بإحسانه ، ويعاقب المسيء بإساءته(٢) .

إنّ توسّله بالله سبحانه وتوليه عن الأصنام والأوثان والتجاءه إلى ربِّ الأرباب آية توحيده الخالص ، وإيمانه بالله وعرفانه بالرسالة الخاتمة ، وقداسة صاحبها ، فلو لم يكن له إلاّ هذه الوقائع لكفت في البرهنة على إيمانه بالله وتوحيده له.

__________________

(١) السيرة الحلبية : ١ / ١٣١ ـ ١٣٣.

(٢) الملل والنحل للشهرستاني : القسم الثاني : ٢٤٨ و ٢٤٩ من الطبعة الثانية ، تخريج محمد بن فتح الله بدران القاهرة.

٢٦٧

ب. روى أصحاب السير أنّه وقع النقاش بين عبد المطلب وقريش في حفر بئر زمزم بعد ما حفره عبد المطلب ، فاتفقوا على الرجوع إلى كاهنة ، فقصدوا طريق الشام فعطشوا في الطريق وأشرفوا على الموت ، فاقترح أن يحفر كلٌّ حفرة لنفسه بما بكم الآن من قوة ، فكلّما مات رجل دفنه أصحابه في حفرته ثم واروه حتى يكون آخركم رجلاً واحداً فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعاً ، قالوا : نعم ما أمرت به ، فقام كل واحد منهم فحفر حفرته ، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشاً ، ثم إنّ عبد المطلب قال لأصحابه : والله إنّ إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت ، لا نضرب في الأرض ولا نبتغي لأنفسنا ، لعجز ، فعسى الله أن يرزقنا ماء ببعض البلاد ، ارتحلوا ; فارتحلوا حتى إذا فرغوا ، ومن معهم من قبائل قريش ينظرون إليهم ما هو فاعلون ، تقدّم عبد المطلب إلى راحلته فركبها فلما انبعثت به ، انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب ، فكبّر عبد المطلب وكبر أصحابه ، ثم نزل فشرب وشرب أصحابه واستقوا حتى ملأوا أسقيتهم ، ثم دعا القبائل من قريش فقال : هلمّ إلى الماء ، فقد سقانا الله فاشربوا واستقوا ; فجاءوا فشربوا واستقوا ، ثم قالوا : والله قضى لك علينا يا عبد المطلب ، والله لا نخاصمك في زمزم أبداً ، إنّ الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة ، لهو الذي سقاك زمزم فارجع إلى سقايتك راشداً ، فرجع ورجعوا معه ولم يصلوا إلى الكاهنة ، وخلّوا بينه وبينها(١) .

٤. عن أُمّ أيمن ( رضي الله عنها ) قالت : كنت أحضن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ أي أقوم بتربيته وحفظه ـ فغفلت عنه يوماً فلم أدر إلاّ بعبد المطلب قائماً على رأسي يقول : يا « بركة » قلت : لبيك ، قال : أتدرين أين وجدت ابني ؟ قلت : لا أدري ، قال : وجدته مع غلمان قريباً من السدرة ، لا تغفلي عن ابني ، فإنّ أهل الكتاب يزعمون

__________________

(١) سيرة ابن هشام : ١ / ١٤٤ ـ ١٤٥ ، طبعة مصر.

٢٦٨

أنّه نبي هذه الأُمّة وأنا لا آمن عليه منهم ، وكان عبد المطلب لا يأكل طعاماً إلاّ يقول : عليّ بابني ، أي احضروه ، ويجلسه بجنبه وربّما أقعده على فخذه ويؤثره بأطيب طعامه(١) .

هذا هو عبد المطلب وتعوذّه ببيت الله الحرام ومواقفه بين قومه وكلماته في المبدأ والمعاد وعطفه على رسالة خاتم النبيين ، أبعد هذا يبقى لإحد شك في توحيده وإيمانه ، بل واعترافه برسالة الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟!

قضى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لفيفاً من عمره في رعايته فلمّا بلغ أجله أوصى إلى ابنه الزبير بالحكومة وأمر الكعبة ، وإلى أبي طالب برسول الله وسقاية زمزم ، وقال له : قد خلّفت في أيديكم الشرف العظيم الذي تطأُون به رقاب الناس ، وقال لأبي طالب :

أوصيك يا عبد مناف بعدي

بمفرد بعد أبيه فرد

فارقه وهو ضجيع المهد

فكنت كالأُمّ له في الوجد

تدنيه من أحشائها والكبد

فأنت من أرجى بنيَّ عندي

لدفع ضيم أو لشدِّ عقد(٢)

٢. شيخ الأباطح أبو طالب وإيمانه

قد تعرّفت على إيمان « عبد المطلب » الكفيل الأوّل لصاحب الرسالة ، فهلمّ معي ندرس حياة كفيله الآخر بعده ، وهو أبو طالب شيخ البطحاء ، فقد اتفقت

__________________

(١) سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : ١ / ٦٤.

(٢) تاريخ اليعقوبي : ٢ / ١٠ ، طبعة النجف.

٢٦٩

كلمة أهل السير والتاريخ على كفالته لصاحب الرسالة بعد جدّه ، ودرئه عنه كل سوء وعادية طيلة حياته ، وان اختلفت آراؤهم في إيمانه بالرسول الأكرم بعد البعثة ، ولأجل تحقيق الحال نركّز على البحث عن نقطتين : إيمانه قبل البعثة ، وإيمانه بعد البعثة :

إيمانه بالله قبل البعثة

يكفي في إيمانه بالله وخلوص توحيده عدّة أُمور نشير إليها :

١. ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه ، عن جلهمة بن عرفطة ، قال : قدمت مكة وهم في قحط ، فقالت قريش يا أبا طالب أقحط الوادي وأجدب العيال فهلّم واستسق ، فخرج أبو طالب ومعه غلام كأنّه شمس دجى تجلّت عنه سحابة قتماء وحوله اغيلمة ، فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة ، ولاذ باصبعه الغلام وما في السماء ، قزعة(١) .

فأقبل السحاب من ها هنا وها هنا وأغدق واغدودق وانفجر له الوادي واخصب البادي والنادي ، ففي ذلك يقول أبو طالب ويمدح به النبي أكثر من ثمانين بيتاً :

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه

ثمال اليتامى عصمة للأرامل

يلوذ به الهلاّك من آل هاشم

فهم عنده في نعمة وفواضل

وميزان عدل لا يخيس شعيرة

ووزان صدق وزنه غير هائل(٢)

__________________

(١) القزعة : قطعة من السحاب.

(٢) السيرة الحلبية : ١ / ١١٦. لاحظ فتح الباري : ٢ / ٤٩٤ ، والقصيدة مذكورة في السيرة النبوية لابن هشام : ١ / ٢٧٢ ـ ٢٨٠.

٢٧٠

وما نسبه إليه من الأشعار جزء من قصيدته المعروفة التي نظمها أيام الحصار في الشعب ، ويشير بها إلى الواقعة التي استسقى فيها بالنبي وقد كان غلاماً في كفالته ، ولو كان آنذاك عابداً للوثن لتوسل باللات والعزى وسائر الآلهة المنصوبة حول الكعبة.

٢. روى الحافظ الكنجي الشافعي : أنّ أحد الزهّاد والعبّاد قال لأبي طالب : يا هذا انّ العلي الأعلى ألهمني إلهاماً ، قال أبو طالب : وما هو ؟ قال : ولد يولد من ظهرك وهو ولي الله عزّ وجلّ ، فلمّا كانت الليلة التي ولد فيها عليّعليه‌السلام أشرقت الأرض ، فخرج أبو طالب وهو يقول : أيّها الناس ولد في الكعبة ولي الله ، فلمّا أصبح دخل الكعبة وهو يقول :

يا رب هذا الغسق الدجيّ

والقمر المنبلج المضي

بيّن لنا من أمرك الخفيّ

ماذا ترى في اسم ذا الصبي

قال : فسمع صوت هاتف يقول :

يا أهل بيت المصطفى النبي

خصصتم بالولد الزكي

انّ اسمه من شامخ العلي

عليّ اشتق من العلي(١)

٣. انّ أبا طالب كان ممن تعرّف على مكانة النبي الأعظم عن طريق الراهب « بحيرا » ، وذلك حينما خرج في ركب إلى الشام تاجراً ، فلمّا تهيّأ للرحيل وأجمع السير هبّ له رسول الله فأخذ بزمام ناقته ، وقال : يا عم إلى من تكلني لا أب لي ولا أُمّ لي ؟ فرقّ له أبو طالب وقال : والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا أُفارقه أبداً. قال : فخرج به معه ، فلمّا نزل الركب « بصرى » من أرض الشام نزلوا قريباً

__________________

(١) الغدير : ٧ / ٣٤٧ ، نقلاً عن كفاية الطالب للحافظ الكنجي الشافعي : ٢٦٠.

٢٧١

من صومعة راهب يقال له « بحيرا » ، فلمّا رأى النبي جعل يلحظه لحظاً شديداً ، وينظر أشياء من جسده ، فجعل يسأله عن نومه وهيئته ، ورسول الله يخبره ، ثم نظر إلى ظهره ، فرأى خاتم النبوة بين كتفيه ، ثم قال لأبي طالب : ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود ، فواللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ، ليبغنّه شراً ، فإنّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فاسرع به إلى بلاده ، فخرج به عمّه أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام ، وفي ذلك يقول أبو طالب :

انّ ابن آمنة النبي محمداً

عندي يفوق منازل الأولاد

لما تعلق بالزمام رحمته

والعيس قد قلّصن بالأزواد

فارفضّ من عيني دمع ذارف

مثل الجمان مفرق الأفراد

إلى أن قال :

حتى إذا ما القوم بصرى عاينوا

لاقوا على شرك من المرصاد

حبراً فأخبرهم حديثاً صادقاً

عنه وردّ معاشر الحسّاد

فما رجعوا حتى رأوا من محمد

أحاديث تجلو غمّ كل فؤاد

وحتى رأوا أحبار كل مدينة

سجوداً له من عصبة وفراد(١)

وما رأى أبو طالب من ابن أخيه في هذا السفر من الكرامات وخوارق العادات التي ضبطها التاريخ ، وما سمعه من بحيرا من مستقبل أمره وانّ اليهود له بالمرصاد ، كاف لإرشاد كل إنسان صافي الذهن مستقيم الطريقة ، فكيف بأبي طالب الذي كان بالإضافة إلى هاتين الصفتين ، يحبه حبّاً جماً أشدّ من حبه لأولاده

__________________

(١) السيرة النبوية لابن هشام : ١ / ١٨٢ ; الطبقات الكبرى : ١ / ١٢٠ ; تاريخ ابن عساكر : ١ / ٢٦٩ ـ ٢٧٢ ; ديوان أبي طالب : ٣٣ ـ ٣٥ ; إلى غير ذلك من المصادر التي اهتمت بنقل هذه الواقعة.

٢٧٢

وإخوته ، فكانت هذه الكرامات كافية في هدايته لخط التوحيد ورسالة ابن أخيه وإن لم يكن يصرح بها لفظاً قبل البعثة ، لكنه جهر بها بعده كما سيوافيك إن شاء الله.

مضافاً إلى أنّه كان موضع الثقة من عبد المطلب ، وقد أوصاه برعاية ابن أخيه بعده ، فلا يصح لعبد المطلب المؤمن الموحّد أن يدلي بوصيته وكفالة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى من لم يكن على غير خط التوحيد ، ولم تكن بينهما وحدة فكرية ، وإلى ذلك يشير أبو طالب في هذه القصيدة الدالية :

راعيت فيه قرابة موصولة

وحفظت فيه وصية الأجداد

إيمانه بعد البعثة

أمّا دلائل إيمانه بالله أوّلاً ، وبرسالة ابن أخيه ثانياً ، بعد بعثة النبي الأكرم فحدث عنه ولا حرج وإن كان بعضهم قد هضم حق أبي طالب قرة عين الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله وقالوا بما لا ينسجم مع الحقائق التاريخية ، ولو نقل معشار ما ورد عن إيمانه من فعل أو قول ، في حق غيره لاتفق الكل على إيمانه وتوحيده ، ولكن ـ ويا للأسف ـ انّ بعض الجائرين على الحق لا يريدون أن يعتبروا تلك الدلائل وافية لإثبات إيمانه.

لم يزل سيدنا أبو طالب يكلأ ابن أخيه ويذب عنه ويدعو إلى دينه الحنيف منذ بزوغ شمس الرسالة إلى أن لقي ربّه ، وكفانا من إفاضة القول في ذلك ، الكتب المؤلفة حول تضحيته لأجل الحق ودفاعه عنه شعراً ونثراً ، ونكتفي بالنزر اليسير من الجم الغفير :

١. كتب أبو طالب إلى النجاشي عندما نزل المهاجرون من المسلمين بقيادة

٢٧٣

جعفر الطيار أرض الحبشة وهو يحضه على حسن الجوار :

ليعلم خيار الناس أنّ محمداً

نبيّ كموسى والمسيح بن مريم

وانّكم تتلونه في كتابكم

بصدق حديث لا حديث المبرجم(١)

٢. نحن نفترض الكلام في غير أبي طالب ، فإذا أردنا الوقوف على نفسية فرد من الأفراد والعلم بما يكنّه من الإيمان أو الكفر ، فما هو الطريق إلى كشفها ؟ فهل الطريق إليه إلاّ كلامه وقوله ، أو ما يقوم به من عمل ، أو ما يروي عنه مصاحبوه ومعاشروه ، فلو كانت هذه هي المقاييس الصحيحة للتعرف على النفسية ، فكلّها تشهد بإيمانه القويم وتوحيده الخالص ، فإنّ فيما أثر عنه من نظم ونثر ، أو نقل من عمل بار ، وسعي مشكور في نصرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وحفظه ، والدعوة لرسالته وما روى عنه مصاحبوه ومعاشروه ـ فإنّ في هذه ـ لدلالة واضحة على إيمانه بالله ورسالة ابن أخيه وتفانيه في سبيل استقرارها.

كيف ، وهو يقول في أمر الصحيفة التي كتبها صناديد قريش في سبيل ضرب الحصار الاقتصادي على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وبني هاشم وبني المطلب :

ألم تعلموا أنا وجدنا محمداً

نبيّاً كموسى خط في أوّل الكتب

وأنّ الذي ألصقتمُ من كتابكم

لكم كائن نحساً كراغية السقب(٢)

ففي هذه الأبيات التي تزهر بنور التوحيد ، وتتلألأ بالإيمان بالدين الحنيف دلالة واضحة على إيمانه بالرسالات الإلهية عامة ، ورسالة ابن أخيهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة ، وكم وكم له من قصائد رائعة يطفح من ثناياها الإيمان الخالص ، والإسلام

__________________

(١) مستدرك الحاكم : ٢ / ٦٢٣ ـ ٦٢٤.

(٢) السيرة النبوية : ١ / ٣٥٢ ، وذكر من القصيدة ١٥ بيتاً.

٢٧٤

الصحيح ، ونحن نكتفي في إثبات إيمان كفيل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذا المقدار ونحيل التفصيل إلى الكتب المعدة لذلك.

فإنّ نقل ما أثر عنه من شعر ونثر ، أو روي من عمل مشكور ، يحتاج إلى تأليف كتاب مفرد وقد قام لفيف من محققي الشيعة بتأليف كتب حول إيمانه ، بين مسهب في الإفاضة وموجز في المقالة ، وفيما حقّقه وجمعه شيخنا العلاّمة الأميني في غديره كفاية لطالب الحق(١) .

هذا إيمان عبد المطلب وذلك توحيد ابنه البار أبي طالب ، وقد تربَّى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وترعرع وشب واكتهل في أحضانهما ، وفي قانون الوراثة أن يرث الأبناء ما في الحجور والأحضان من الخصال والأخلاق وقد قضى النبي الأكرم قسماً وافراً من عمره الشريف في تلك الربوع واستظل بفيئها.

إيمان والدي النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله

لقد تعرفت على إيمان كفيل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فهلمّ معي ندرس حياة والديه وإيمانهما ، فقد ذهبت الإمامية والزيدية وجملة من محقّقي أهل السنّة إلى إيمانهما وكونهما على خط التوحيد ، وشذَّ من قال : إنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من كثرة ما أنعم الله عليه ووفور إحسانه إليه لم يرزقه إسلام والديه.

فإنّ هذه الكلمة صدرت من غير تحقيق ، فإنّ التاريخ لم يضبط من حياتهما إلاّ شيئاً يسيراً ، وفيما ضبط إيعاز لو لم نقل دلالة على إيمانهما وكونهما على الصراط المستقيم.

__________________

(١) راجع تفصيل ذلك الغدير : ٧ / ٣٣٠ ـ ٤٠٩ و ٨ / ١ ـ ٢٩.

٢٧٥

أمّا الوالد : فقد نقلت عنه كلمات وأبيات تدل على إيمانه ، فإليك ما نقله عنه أهل السير ، عندما عرضت فاطمة الخثعمية نفسها عليه فقال رداً عليها :

أمّا الحرام فالممات دونه

والحل لا حل فاستبينه

يحمي الكريم عرضه ودينه

فكيف بالأمر الذي تبغينه(١)

وقد روي عن النبي الأكرم أنّه قال : « لم أزل أُنقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ». ولعل فيه إيعازاً إلى طهارة آبائه وأُمّهاته من كل دنس وشرك(٢) .

وأمّا الوالدة : فكفى في ذلك ما رواه الحفّاظ عنها عند وفاتها فإنّها ( رضي الله عنها ) خرجت مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو ابن خمس أو ست سنين ونزلت بالمدينة تزور أخوال جدهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهم بنو عدي بن النجار ، ومعها أُم أيمن « بركة » الحبشية ، فأقامت عندهم ، وكان الرسول بعد الهجرة يذكر أُموراً حدثت في مقامه ويقول : « إنّ أُمّي نزلت في تلك الدار ، وكان قوم من اليهود يختلفون وينظرون إليّ ، فنظر إليّ رجل من اليهود ، فقال : يا غلام ما اسمك ؟ فقلت : أحمد ، فنظر إلى ظهري وسمعته يقول : هذا نبي هذه الأُمّة ، ثم راح إلى إخوانه فأخبرهم ، فخافت أُمّي عليّ ، فخرجنا من المدينة ، فلمّا كانت بالأبواء توفيت ودفنت فيها ».

روى أبو نعيم في دلائل النبوّة عن أسماء بنت رهم قالت : شهدت آمنة أُمّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في علتها التي ماتت بها ، ومحمد عليه الصلاة والسلام غلام « يفع »(٣) له

__________________

(١) السيرة الحلبية : ١ / ٤٦ وغيرها.

(٢) سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : ١ / ٥٨.

(٣) يفع الغلام : ترعرع.

٢٧٦

خمس سنين عند رأسها ، فنظرت إلى وجهه وخاطبته بقولها :

إنّ صح ما أبصرت في المنام

فأنت مبعوث إلى الأنام

فالله أنهاك عن الأصنام

أن لا تواليها مع الأقوام

ثم قالت : كل حي ميت ، وكل جديد بال ، وكل كبير يفنى ، وأنا ميتة ، وذكري باق وولدت طهراً.

وقال الزرقاني في « شرح المواهب » نقلاً عن جلال الدين السيوطي تعليقاً على قولها : وهذا القول منها صريح في أنّها كانت موحّدة ، إذ ذكرت دين إبراهيمعليه‌السلام وبشّرت ابنها بالإسلام من عند الله ، وهل التوحيد شيء غير هذا ؟! فإنّ التوحيد هو الاعتراف بالله وانّه لا شريك له والبراءة من عبادة الأصنام(١) .

هذا بعض ما ذكره المؤرّخون في أحوال والدي النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والكل يدل على إخلاصهما ونزاهتهما عمّا كان هو السائد في البيئة التي كانا يعيشان فيها.

وأخيراً نوجه نظر القارئ إلى الرأي العام بين المسلمين حول إيمانهما ، قال الشيخ المفيد في « أوائل المقالات » :

واتفقت الإمامية على أنّ آباء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من لدن آدم إلى عبد الله بن عبد المطلب مؤمنون بالله عزّ وجلّ موحّدون له ، واحتجوا في ذلك بالقرآن والأخبار ، قال الله عزّ وجلّ :( الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ *وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) .

وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لم يزل ينقلني من أصلاب الطاهرين إلى أرحام المطهّرات حتى أخرجني في عالمكم هذا » ، وأجمعوا على أنّ عمّه أبا طالب ( رحمه

__________________

(١) الاتحاف للشبراوي : ١٤٤ ; سيرة زيني دحلان بهامش السيرة الحلبية : ١ / ٥٧.

(٢) الشعراء : ٢١٨ ـ ٢١٩.

٢٧٧

الله ) مات مؤمناً ، وأنّ آمنة بنت وهب كانت على التوحيد ، وأنّها تحشر في جملة المؤمنين(١) .

أقول : الاستدلال بالآية يتوقف على كون المراد منها نقل روحه من ساجد إلى ساجد ، وهو المروي عن ابن عباس في قوله تعالى :( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) (٢) قال : من نبي إلى نبي حتى أُخرجت نبياً(٣) .

وقد ذكره المفسرون بصورة أحد الاحتمالات ، ولكنّه غير متعين ، لاحتمال أن يكون المراد إنّه يراك حين تقوم للصلاة بالناس جماعة ، وتقلّبه في الساجدين عبارة عن تصرفه فيما بينهم بقيامه وركوعه وسجوده إذا كان إماماً لهم.

وأمّا الاستدلال بالحديث ، فهو مبني على أنّ من كان كافراً فليس بطاهر ، وقد قال سبحانه :( إِنَّمَا المُشْرِكُونَ نَجَسٌ ) (٤) .

لكن الحجة هي الاتفاق والإجماع ، مضافاً إلى ما تضافر من الروايات حول طهارة والدي النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله التي جمعها الحافظ أبو الفداء ابن كثير في تاريخه قال : وخطب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وقال : « أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب وما افترق الناس فرقتين إلاّ جعلني الله في خيرها ، فأُخرجت من بين أبوي ، فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية ، وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأُمي ، فأنا خيركم نفساً ، وخيركم أباً »(٥) .

وعن عائشة قالت : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « قال لي جبرئيل : قلّبت الأرض من مشارقها

__________________

(١) أوائل المقالات : ١٢ ـ ١٣.

(٢) الشعراء : ٢١٩.

(٣) البداية والنهاية : ٢ / ٢٣٩ ، طبعة دار الكتب العلمية ، بيروت ، الطبعة الرابعة ـ ١٤٠٨ ه‍.

(٤) مفاتيح الغيب : ٦ / ٤٣١. والآية من سورة التوبة : ٢٨.

(٥) البداية والنهاية : ٢ / ٢٣٨.

٢٧٨

ومغاربها فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم ».

قال الحافظ البيهقي : وهذه الأحاديث وإن كان في رواتها من لا يحتج به ، فبعضها يؤكد بعضاً ، ومعنى جميعها يرجع إلى حديث واثلة بن الأسقع ، والله أعلم.

قلت : وفي هذا المعنى يقول أبو طالب يمتدح النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :

إذا اجتمعت يوماً قريشٌ لمفخر

فعبدُ مناف سِرُّها وصميمُها

فإن حصلت أشرافُ عبدِ منافِها

ففي هاشم أشرافُها وقديمها

وإن فَخَرتْ يوماً فإنّ محمداً

هو المصطفَى من سرّها وكريمها

تداعت قريشُ غثُّها وسمينُها

علينا فلم تظفر وطاشت حُلومها

وكنّا قديماً لا نقرّ ظلامةً

إذا ماثنوا صُعْرَ الخدود نقيمها

ونحمي حماها كل يومِ كريهة

ونضربُ عن أحجارها من يرومها

بنا انتعش العودُ الذواءُ وإنّما

بأكنافنا تندى وتنمى أرومها(١)

ويعجبني أن أنقل ما ذكره الشبراوي في المقام : قال : ومبدأ الكلام في ذلك إنّ الله سبحانه قد أخرج هذا النوع الإنساني لأجلهصلى‌الله‌عليه‌وآله وإنّ آدم عليه الصلاة والسلام كان أوّل فرد من أفراد هذا النوع ، وكان سائر أفراده مندرجة في صلبه بصور الذرات ، فلمّا نفخ الروح في آدم كان نور نسمة محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله يلمع في جبهته كالشمس المشرقة ، ثم انتقل ذلك النور من صلب آدم إلى رحم حواء ، ومنها إلى صلب شيث ، ثم استمر هذا ينتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات ، وهو معنى قوله :( وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ ) ، وأشار إليه العلاّمة البوصيري بقوله :

لم تزل في ضمائر الكون تختا

ر لك الأُمّهات والآباء

__________________

(١) البداية والنهاية : ٢ / ٢٤٠.

٢٧٩

وكان كل جد من أجداده من لدن آدم يأخذ العهد والميثاق أن لا يوضع ذلك النور المحمدي إلاّ في الطاهرات ، فأوّل من أخذ العهد آدم ، أخذه من شيث ، وشيث من أنوش ، وهو من « قينن » ، وهكذا إلى أن وصلت النوبة إلى عبد الله بن عبد المطلب ، فلمّا أُودع ذلك الجزء ، في صلبه لمع ذلك النور من جبهته ، فظهر له جمال وبهجة ، فكانت نساء قريش يرغبن في نكاحه ، وقد أسعد الله بتلك السعادة وشرّف بذلك الشرف « آمنة » بنت وهب ، فتزوجها عبد الله.

وقد روى الترمذي عن العباس قال : قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « إنّ الله خلق الخلق فجعلني في خيرهم ، ثم تخيّر القبائل فجعلني في خير قبيلة ، ثم تخيّر البيوت ، فجعلني في خير بيوتهم ، فأنا خيرهم نفساً وخيرهم بيتاً ». أي ذاتاً وأصلاً.

وقد دلّت الآيات والأحاديث على أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كما طابت ذاته الشريفة ، بما أُوتي من الكمال الأعلى ، كذلك طاب نسبه الشريف ، فلم يكن في آبائه ولا أُمهاته من لدن آدم وحواء إلى عبد الله وآمنة ، إلاّ من هو مصطفى مختار قد طابت أعراقه ، وحسنت أخلاقه.

أخرج ابن جرير ، عن مجاهد قال : استجاب الله تعالى دعوة إبراهيم في ولده ولم يعبد أحد منهم صنماً بعد دعوته ، واستجاب له وجعل هذا البلد آمناً ورزق أهله من الثمرات وجعله إماماً وجعل من ذريته من يقيم الصلاة.

قال السيوطي : وهذه الأوصاف كانت لأجدادهصلى‌الله‌عليه‌وآله خاصة دون سائر ذريّة إبراهيم ، وكل ما ذكر عن ذريّة إبراهيم من المحاسن فإنّ أولى الناس به سلسلة الأجداد الشريفة ، الذين خصّوا بالاصطفاء وانتقل إليهم نور النبوة واحداً بعد واحد ، ولم يدخل ولد إسحاق وبقية ذريته لأنّه دعا لأهل هذا البلد ، ألا تراه قال :( اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا ) وعقّبه بقوله :( وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ

٢٨٠