مفاهيم القرآن الجزء ٥

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530
المشاهدات: 16322
تحميل: 470


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 16322 / تحميل: 470
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 5

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-6243-75-4
العربية

نعم ، التفكيك بين صيانته في مجال الوحي وصيانته في سائر الأُمور وإن كان أمراً ممكناً عقلاً ، ولكنه ممكن بالنسبة إلى عقول الناضجين في الأبحاث الكلامية ونحوها ، وأمّا العامّة ورعايا الناس الذين يشكلون أغلبية المجتمع ، فهم غير قادرين على التفكيك بين تينك المرحلتين ، بل يجعلون السهو في إحداهما دليلاً على إمكان تسرّب السهو إلى المرحلة الأُخرى.

ولأجل سدّ هذا الباب المنافي للغاية المطلوبة من إرسال الرسل ، ينبغي أن يكون النبي مصوناً في عامّة المراحل ، سواء أكانت في حقل الوحي أو في تطبيق الشريعة أو في الأُمور العامة ، ولهذا يقول الإمام الصادقعليه‌السلام : « جعل مع النبي روح القدس وهي لا تنام ولا تغفل ولا تلهو ولا تسهو »(١) .

وعلى ذلك فبما أنّه ينبغي أن يكون النبي اسوة في الحياة في عامة المجالات يجب أن يكون نزيهاً عن العصيان والخلاف والسهو والخطأ.

القرآن وعصمة النبي عن الخطأ والسهو

قد عرفت منطق العقل في لزوم عصمة النبي من الخطأ في مجال تطبيق الشريعة ، ومجال الأُمور العادية المعدّة للحياة ، وهذا الحكم لا يختص بمنطقه ، بل الذكر الحكيم يدعمه بأحسن وجه ، وإليك ما يدل على ذلك :

١. قال سبحانه :( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) (٢) ، وقال أيضاً :( وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن

__________________

(١) بصائر الدرجات : ٤٥٤.

(٢) النساء : ١٠٥.

٣٢١

شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) (١) .

وقد نقل المفسرون حول نزول الآيات وما بينهما من الآيات روايات رووها بطرق مختلفة نذكر ما ذكره ابن جرير الطبري عن ابن زيد قال : كان رجل سرق درعاً من حديد في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وطرحه على يهودي ، فقال اليهودي : والله ما سرقتها يا أبا القاسم ، ولكن طرحت عليّ وكان للرجل الذي سرق جيران يبرؤونه ويطرحونه على اليهودي ، ويقولون : يا رسولَ الله إنّ هذا اليهودي الخبيث يكفر بالله وبما جئت به ، قال : حتى مال عليه النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ببعض القول فعاتبه الله عزّ وجلّ في ذلك فقال :( إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ) (٢) .

أقول : سواء أصحت هذه الرواية أم لا ، فمجموع ما ورد حول الآيات من أسباب النزول متفق على أنّ الآيات نزلت حول شكوى رفعت إلى النبي ، وكان كل من المتخاصمين يسعى ليبرئ نفسه ويتهم الآخر ، وكان في جانب واحد منهما رجل طليق اللسان يريد أن يخدع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ببعض تسويلاته ويثير عواطفه على المتهم البريء حتى يقضي على خلاف الحق ، وعند ذلك نزلت الآية ورفعت النقاب عن وجه الحقيقة فعرف المحق من المبطل.

والدقة في فقرات الآية الثانية يوقفنا على سعة عصمة النبي من الخطأ وصيانته من السهو ، لأنّها مؤلفة من فقرات أربع ، كل يشير إلى أمر خاص :

١.( وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا

__________________

(١) النساء : ١١٣.

(٢) تفسير الطبري : ٤ / ١٧٢.

٣٢٢

يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ) .

٢.( وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ) .

٣.( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ) .

٤.( وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) .

فالأُولى منها : تدل على أنّ نفس النبيّ بمجردها لا تصونه من الضلال ( أي من القضاء على خلاف الحق ) وإنّما يصونه سبحانه عنه ، ولولا فضل الله ورحمته لهمّت طائفة أن يرضوه بالدفاع عن الخائن والجدال عنه ، غير أنّ فضله العظيم على النبي هو الذي صدّه عن مثل هذا الضلال وأبطل أمرهم المؤدي إلى إضلاله ، وبما أنّ رعاية الله سبحانه وفضله الجسيم على النبي ليست مقصورة على حال دون حال ، أو بوقت دون وقت آخر ، بل هو واقع تحت رعايته وصيانته منذ أن بعث إلى أن يلاقي ربَّه ، فلا يتعدى إضلال هؤلاء أنفسهم ولا يتجاوز إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فهم الضالون بما هموا به كما قال :( وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ ) .

والفقرة الثانية : تشير إلى مصادر حكمه ومنابع قضائه ، وأنّه لا يصدر في ذلك المجال إلاّ عن الوحي والتعليم الإلهي ، كما قال سبحانه :( وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ) والمراد المعارف الكلية العامة من الكتاب والسنة.

ولما كان هذا النوع من العلم الكلي أحد ركني القضاء وهو بوحده لا يفي بتشخيص الموضوعات وتمييز الصغريات ، فلابد من الركن الآخر وهو تشخيص المحق من المبطل ، والخائن من الأمين ، والزاني من العفيف ، أتى بالفقرة الثالثة وقال :( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ) ومقتضى العطف ، مغائرة المعطوف ، مع المعطوف عليه ، فلو كان المعطوف عليه ناظراً إلى تعرّفه على الركن الأوّل وهو العلم بالأُصول والقواعد الكلية الواردة في الكتاب والسنّة ، يكون المعطوف ناظراً إلى

٣٢٣

تعرّفه على الموضوعات والجزئيات التي تعد ركناً ثانياً للقضاء الصحيح ، فالعلم بالحكم الكلي الشرعي وتشخيص الصغريات وتمييز الموضوعات جناحان للقاضي يحلّق بهما في سماء القضاء بالحق من دون أن يجنح إلى جانب الباطل ، أو يسقط في هوّة الضلال.

قال العلاّمة الطباطبائي : إنّ المراد من قوله سبحانه :( وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ ) ليس علمه بالكتاب والحكمة ، فإنّ مورد الآية ، قضاء النبي في الحوادث الواقعة ، والدعاوى المرفوعة إليه ، برأيه الخاص ، وليس ذلك من الكتاب والحكمة بشيء ، وإن كان متوقفاً عليهما ، بل المراد رأيه ونظره الخاص(١) . ولما كان هنا موضع توهم وهو أنّ رعاية الله لنبيّه تختص بمورد دون مورد ، دفع ذلك التوهم بالفقرة الرابعة فقال سبحانه :( وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) حتى لا يتوهم اختصاص فضله عليه بواقعة دون أُخرى ، بل مقتضى عظمة الفضل ، سعة شموله لكل الوقائع والحوادث ، سواء أكانت من باب المرافعات والمخاصمات ، أم الأُمور العادية ، فتدل الفقرة الأخيرة على تعرّفه على الموضوعات ومصونيته عن السهو والخطاء في مورد تطبيق الشريعة ، أو غيره ، ولا كلام أعلى وأغزر من قوله سبحانه في حق حبيبه :( وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا ) .

٢. قال سبحانه :( وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ) (٢) إنّ الشهادة المذكورة في الآية حقيقة من الحقائق القرآنية تكرر ذكرها في كلامه سبحانه ، قال تعالى :( فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلاءِ شَهِيدًا ) (٣) ، وقال تعالى :( وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن

__________________

(١) الميزان : ٥ / ٨١.

(٢) البقرة : ١٤٣.

(٣) النساء : ٤١.

٣٢٤

كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ) (١) ، وقال تعالى :( وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ) (٢) ، والشهادة فيها مطلقة ، وظاهر الجميع هو الشهادة على أعمال الأُمم وعلى تبليغ الرسل كما يومي إليه قوله تعالى :( فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ المُرْسَلِينَ ) (٣) ، وهذه الشهادة وإن كانت في الآخرة ويوم القيامة لكن يتحملها الشهود في الدنيا على ما يدل عليه قوله سبحانه حكاية عن عيسى :( وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) (٤) ، وقال سبحانه :( وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ) (٥) ، ومن الواضح أنّ الشهادة فرع العلم ، وعدم الخطأ في تشخيص المشهود به ، فلو كان النبي من الشهداء يجب ألاّ يكون خاطئاً في شهادته ، فالآية تدلّ على صيانته وعصمته من الخطأ في مجال الشهادة كما تدلّ على سعة علمه ، لأنّ الحواس لا ترشدنا إلاّ إلى صور الأعمال والأفعال ، والشهادة عليها غير كافية عند القضاء ، وإنّما تكون مفيدة إذا شهد على حقائقها من الكفر والإيمان ، والرياء والإخلاص ، وبالجملة على كل خفي عن الحس ومستبطن عند الإنسان ، أعني ما تكسبه القلوب وعليه يدور حساب رب العالمين ، قال تعالى :( وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ) (٦) ، ولا شك أنّ الشهادة على حقائق أعمال الأُمّة خارج عن وسع الإنسان العادي إلاّ إذا تمسّك

__________________

(١) النحل : ٨٤.

(٢) الزمر : ٦٩.

(٣) الأعراف : ٦.

(٤) المائدة : ١١٧.

(٥) النساء : ١٥٩.

(٦) البقرة : ٢٢٥.

٣٢٥

بحبل العصمة وولي أمر الله بإذنه ، ولنا في الأجزاء الآتية من هذه الموسوعة بحث حول الشهداء في القرآن ، فنكتفي بهذا القدر في المقام.

ثم إنّ العلاّمة الحجّة السيد عبد الله شبر أقام دلائل عقلية ونقلية على صيانة النبي عن الخطأ ولكن أكثرها كما صرّح به نفسه ـ قدس الله سره ـ مدخولة غير واضحة ، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى كتابه(١) .

أدلّة المخطّئة

إنّ بعض المخطّئة استدلّ على تطرّق الخطأ والنسيان إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ببعض الآيات غافلة عن أهدافها ، وإليك تحليلها :

١. قال سبحانه :( وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَىٰ مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) (٢) .

زعمت المخطّئة أنّ الخطاب للنبي وهو المقصود منه ، غير انّها غفلت عن أنّ وزان الآية وزان سائر الآيات التي تقدّمت في الأبحاث السابقة وقلنا بأنّ الخطاب للنبي ولكن المقصود منه هو الأُمّة ، ويدل على ذلك ، الآية التالية لها قال :( وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَلَٰكِن ذِكْرَىٰ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ) (٣) ، فإنّ المراد انّه ليس على المؤمنين الذين اتقوا معاصي الله سبحانه من حساب الكفرة شيء بحضورهم مجلس الخوض ، وهذا يدل على أنّ النهي عن الخوض تكليف

__________________

(١) مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار : ٢ / ١٢٨ ـ ١٤٠.

(٢) الأنعام : ٦٨.

(٣) الأنعام : ٦٩.

٣٢٦

عام يشترك فيه النبي وغيره ، وإنّ الخطاب للنبي لا ينافي كون المقصود هو الأُمّة.

والأوضح منها دلالة على أنّ المقصود هو الأُمّة قوله سبحانه :( وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللهَ جَامِعُ المُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا ) (١) .

والآية الأخيرة مدنية ، والآية المتقدمة مكية ، وهي تدل على أنّ الحكم النازل سابقاً متوجه إلى المؤمنين وإنّ الخطاب وإن كان للنبي لكن المقصود منه غيره.

٢.( وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَٰلِكَ غَدًا *إِلاَّ أَن يَشَاءَ اللهُ وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَٰذَا رَشَدًا ) (٢) ، والمراد من النسيان نسيان الاستثناء ( إلاّ أن يشاء الله ) ووزان هذه الآية ، وزان الآية السابقة في أنّ الخطاب للنبي والمقصود هو الأُمّة.

٣.( سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنسَىٰ *إِلاَّ مَا شَاءَ اللهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الجَهْرَ وَمَا يَخْفَىٰ ) (٣) ، ومعنى الآية سنجعلك قارئاً بإلهام القراءة فلا تنسى ما تقرأه ، لكن المخطّئة استدلّت بالاستثناء الوارد بعده ، على إمكان النسيان ، لكنّها غفلت عن نكتة الاستثناء ، فإنّ الاستثناء في الآية نظير الاستثناء في قوله سبحانه( وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ إِلاَّ مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ ) (٤) ، ومن المعلوم أنّ الوارد إلى الجنّة لا يخرج منها ، ولكن

__________________

(١) النساء : ١٤٠.

(٢) الكهف : ٢٣ ـ ٢٤.

(٣) الأعلى : ٦ ـ ٧.

(٤) هود : ١٠٨.

٣٢٧

الاستثناء لأجل بيان انّ قدرة الله سبحانه بعد باقية ، فهو قادر على الإخراج مع كونهم مؤبدين في الجنّة ، وأمّا الآية فالاستثناء فيها يفيد بقاء القدرة الإلهية على إطلاقها ، وإنّ عطية الله أعني « الإقراء بحيث لا تنسى » لا ينقطع عنه سبحانه بالإعطاء ، بحيث لا يقدر بعد على إنسائك ، بل هو باق على إطلاق قدرته ، فلو شاء أنساك متى شاء ، وإن كان لا يشاء ذلك.

وبما أنّ البحث مركّز على عصمة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله من الخطأ والنسيان دون سائر الأنبياء ذكرنا الآيات التي استدلّت بها المخطّئة على ما تتبنّاه في حق النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأمّا بيان الآيات التي يمكن أن يستدل بها على إمكان صدور السهو والنسيان عن سائر الأنبياء وتفسيرها فمتروك إلى مجال آخر ، ونقول على وجه الإجمال انّه يستظهر من بعض الآيات صحة نسبة النسيان إلى غير النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، أعني قوله سبحانه :( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (١) .

وقوله سبحانه في حق موسى :( فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا ) (٢) .

وقوله سبحانه أيضاً عنه :( فَإِنِّي نَسِيتُ الحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ) (٣) .

وقوله سبحانه في حقّه أيضاً :( لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) (٤) .

لكن البحث عن مفاد هذه الآيات موكول إلى مجال آخر.

__________________

(١) طه : ١١٥.

(٢) الكهف : ٦١.

(٣) الكهف : ٦٣.

(٤) الكهف : ٧٣.

٣٢٨

بقي هنا أمران :

الأوّل : ما هي النظرية السائدة بين الإمامية في مسألة سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ؟

الثاني : كيفية معالجة المأثورات الظاهرة في صدور السهو عن النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وإليك بيان الأمرين على نحو الإجمال :

١. الرأي السائد بين الإمامية حول سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

يظهر من الشيخ الصدوق أنّ إنكار سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان شعار الغلاة والمفوّضة ، قال في كتابه « من لا يحضره الفقيه » : إنّ الغلاة والمفوّضة ينكرون سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ويقولون : لو جاز أن يسهو في الصلاة لجاز أن يسهو في التبليغ ، لأنّ الصلاة عليه فريضة كما أنّ التبليغ عليه فريضة.

ثم أجاب عنه بقوله : وهذا لا يلزمنا ، وذلك لأنّ جميع الأحوال المشتركة يقع على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها ما يقع على غيره فالحالة التي اختص بها هي النبوة ، والتبليغ من شرائطها ، ولا يجوز أن يقع عليه في التبليغ ما يقع عليه في الصلاة ، لأنّها عبادة مخصوصة ، والصلاة عبادة مشتركة ، وبها تثبت له العبودية ، وبإثبات النوم له عن خدمة ربّه عزّ وجلّ من غير إرادة له وقصد منه إليه ، نفي الربوبية عنه ، لأنّ الذي لا تأخذه سنة ولا نوم هو الله الحي القيّوم ، وليس سهو النبي كسهونا ، لأنّ سهوه من الله عزّ وجلّ ، وإنّما أسهاه ليعلم أنّه بشر مخلوق فلا يتخذ ربّاً معبوداً دونه ، وليعلم الناس بسهوه حكم السهو متى سهوا ، وسهونا عن الشيطان ، وليس للشيطان على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة ـ صلوات الله عليهم ـ سلطان( إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ) (١) وعلى من تبعه من الغاوين.

__________________

(١) النحل : ١٠٠.

٣٢٩

ثم نقل عن شيخه محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ( المتوفّى ٣٤٣ ه‍ ) انّه كان يقول : أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (١) .

وحاصل كلامه : انّ السهو الصادر عن النبي إسهاء من الله إليه لمصلحة ، كنفي وهم الربوبية عنه ، وإثبات انّه بشر مخلوق ، وإعلام الناس حكم سهوهم في العبادات وأمثالها وأمّا السهو الذي يعترينا من الشيطان فإنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله منه بريء ، وهو منزّه عنه ، وليس للشيطان عليه سلطان ولا سبيل.

ومع ذلك كلّه ، فهذه النظرية مختصة به ، وبشيخه ابن الوليد ، ومن تبعهما كالطبرسي في « مجمعه » على ما سيأتي; والمحقّقون من الإمامية متفقون على نفي السهو عنه في أُمور الدين حتى مثل الصلاة.

قال المفيد : أقول إنّ الأئمّة القائمين مقام الأنبياءعليهم‌السلام في تنفيذ الأحكام وإقامة الحدود وحفظ الشرائع وتأديب الأنام معصومون كعصمة الأنبياء ، وانّه لا يجوز منهم سهو في شيء في الدين ، ولا ينسون شيئاً من الأحكام ، وعلى هذا مذهب سائر الإمامية إلاّ من شذّ منهم وتعلّق بظاهر روايات لها تأويلات على خلاف ظنّه الفاسد من هذا الباب ، والمعتزلة بأسرها تخالف في ذلك ويجوّزون من الأئمة وقوع الكبائر والردّة عن الإسلام(٢) .

وقال في شرحه على عقائد الصدوق : فأمّا نص أبي جعفررحمه‌الله بالغلو على من

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه : ١ / ٢٣٢.

(٢) أوائل المقالات : ٣٥.

٣٣٠

نسب مشايخ القمّيين وعلمائهم ( الذين جوّزوا السهو على النبي ) إلى التقصير ، فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس ، إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخة والعلم من كان مقصّراً ، وانّما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحقّقين إلى التقصير سواء أكانوا من أهل قم أم من غيرها من البلاد ومن سائر الناس ، وقد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليدرحمه‌الله لم نجد لها دافعاً وهي ما حُكي عنه انّه قال : أوّل درجة في الغلو نفي السهو عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والإمامعليه‌السلام .

ثم إنّ الشيخ المفيد لم يكتف بهذا القدر من الرد بل ألّف رسالة مفردة في ردّه ، وقد أدرجها العلاّمة المجلسي في « بحاره »(١) .

وعلى هذا الرأي استقر رأي الإمامية ، فقال المحقّق الطوسي : وتجب في النبي العصمة ليحصل الوثوق وعدم السهو.

وقال العلاّمة الحلّي في شرحه : وان لا يصح عليه السهو لئلاّ يسهو عن بعض ما أُمر بتبليغه(٢) .

وقال المحقّق الحلّي في « النافع » : والحق رفع منصب الإمامة عن السهو في العبادة(٣) .

وقال العلاّمة في « المنتهى » في مسألة التكبير في سجدتي السهو : احتج المخالف بما رواه أبو هريرة عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : قال : ثم كبّر وسجد.

والجواب : هذا الحديث عندنا باطل ، لاستحالة السهو على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقال في مسألة أُخرى : قال الشيخ : وقول مالك باطل ، لاستحالة السهو على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله (٤) .

__________________

(١) راجع البحار : ١٧ / ١٢٢ ـ ١٢٩.

(٢) كشف المراد : ١٩٥.

(٣) النافع : ٤٥.

(٤) منتهى المطلب : ٤١٨ ـ ٤١٩.

٣٣١

وقال الشهيد في « الذكرى » : وخبر ذي اليدين متروك بين الإمامية ، لقيام الدليل العقلي على عصمة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن السهو ، لم يصر إلى ذلك غير ابن بابويه(١) .

هذا هو الرأي السائد بين الإمامية ، ولم يشذّ عنهم أحد من المتأخّرين سوى أمين الإسلام الطبرسي في « تفسيره » حيث قال : وأمّا النسيان والسهو فلم يُجْوّزوهما عليهم فيما يؤدّونه عن الله تعالى ، وأمّا ما سواه فقد جوّزوا عليهم أن ينسوه أو يسهوا عنه ما لم يؤدّ ذلك إلى إخلال بالعقل(٢) .

وأمّا غيره ، فلم نجد من يوافقه ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى المصادر المذكورة في الهامش.

وقد قام(٣) العلاّمة المجلسي بإيفاء حق المقام في « بحاره »(٤) .

٢. كيفية معالجة المأثورات حول سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله

روى الفريقان أحاديث حول سهو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

روى البخاري في كتاب الصلاة ، باب « من يكبر في سجدتي السهو » عن أبي هريرة قال : صلّى النبي إحدى صلاتي العشية ركعتين ، فقالوا : أقصرت الصلاة ؟ ورجل يدعوه النبي ذو اليدين ، فقال : أنسيت الصلاة أم قصرت ؟ فقال :

__________________

(١) الذكرى : ٢١٥.

(٢) مجمع البيان : ٢ / ٣١٧.

(٣) حق اليقين في معرفة أُصول الدين : للسيد عبد الله شبر : ١ / ١٢٤ ; مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار ، له أيضاً : ٢ / ١٣٤ ـ ١٤٢ ; تنزيه الأنبياء للسيد المرتضى ; منهج الصادقين : ٣ / ٣٩٣ ، و ٥ / ٣٤٦.

(٤) لاحظ البحار : ١٧ / ٩٧ ـ ١٢٩.

٣٣٢

لم أنس ولم تقصر ، قال : بلى قد نسيت. فصلى ركعتين ثم سلم ، ثم كبّر فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه فكبّر ، ثم وضع رأسه فكبّر فسجد مثل سجوده أو أطول ، ثم رفع رأسه وكبّر(١) . هذا ما رواه أهل السنّة كما رووا غيره أيضاً.

أمّا الشيعة فقد رووا أحاديث حول الموضوع نقلها العلاّمة المجلسي في « بحاره »(٢) . ولا يتجاوز مجموع ما ورد في هذا الموضوع عن اثني عشر حديثاً ، كما أنّ أخبار نوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عن صلاة الصبح لا تتجاوز عن ستة أحاديث(٣) .

لكن الجواب عن هذه الروايات بأحد أمرين :

الأوّل : ما ذكره المفيد في الرسالة المومأ إليها من أنّها أخبار آحاد لا تثمر علماً ، ولا توجب عملاً ، ومن عمل على شيء منها فعلى الظن يعتمد في عمله بها دون اليقين(٤) .

الثاني : ما ذكره الصدوق من التفريق بين سهو النبي وسهو الآخرين بما عرفت ، والله العالم بالحقائق.

ثم الظاهر من السيد المرتضى ، تجويز النسيان على الأنبياء حيث قال في تفسير قوله سبحانه :( لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ) (٥) : إنّ النبي إنّما لا يجوز عليه النسيان فيما يؤدّيه عن الله تعالى أو في شرعه أو في أمر يقتضي التنفير عنه ، فأمّا فيما هو خارج عمّا ذكرناه ، فلا مانع من النسيان(٦) .

__________________

(١) صحيح البخاري : ٢ / ٦٨.

(٢) راجع البحار : ١٧ / ٩٧ ـ ١٢٩.

(٣) راجع البحار : ١٧ / ١٠٠ ـ ١٠٦.

(٤) البحار : ١٧ / ١٢٣.

(٥) الكهف : ٧٣.

(٦) تنزيه الأنبياء : ٨٧.

٣٣٣

وممّن وافق الصدوق من المتأخّرين ، شيخنا المجيز : الشيخ محمد تقي التستري ، فقد ألّف رسالة في الموضوع نصر فيها الشيخ الصدوق وأُستاذه ابن الوليد ، وطبعها في ملحقات الجزء الحادي عشر من رجاله « قاموس الرجال » والرسالة تقع في ٢٤ صفحة.

وأمّا العلاّمة المجلسي ، فالظاهر منه التوقّف في المسألة قال : إعلم أنّ هذه المسألة في غاية الإشكال ، لدلالة كثير من الآيات ( الآيات التي يُستظهر منها نسبة النسيان إلى بعض الأنبياء غير النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وقد قدّمناها ) والأخبار على صدور السهو عنهم ، وإطباق الأصحاب إلاّ ما شذّ على عدم جواز السهو عليهم مع دلالة بعض الآيات والأخبار عليه في الجملة وشهادة بعض الدلائل الكلامية والأُصول المبرهنة عليه ، مع ما عرفت في أخبار السهو من الخلل والاضطراب وقبول الآيات للتأويل ، والله يهدي إلى سواء السبيل(١) .

ثم إنّ الشيخ المفيد وصف القائل بصدور السهو منهصلى‌الله‌عليه‌وآله من الشيعة بالمقلّدة ، وأراد : الصدوق وشيخه ابن الوليد. ولكن التعبير عنهما بالمقلّدة غير مرضي عندنا ، كيف ؟! ويصف الأوّل الرجالي النقّاد النجاشي بقوله : أبو جعفر ، شيخنا وفقيهنا ، ووجه الطائفة بخراسان ، وكان ورد بغداد سنة ٣٥٥ ه‍ ، وسمع منه شيوخ الطائفة ، وهو حدث السن(٢) .

ويقول في حق شيخه : أبو جعفر ، شيخ القمّيين ، وفقيههم ، ومتقدّمهم ، ووجههم ، ويقال : إنّه نزيل قم ، وما كان أصله منها ، ثقة ، ثقة ، عين مسكون إليه(٣) .

__________________

(١) البحار : ١٧ / ١١٨ ـ ١١٩.

(٢) رجال النجاشي : ٢ / ٣١١ برقم ١٠٥٠.

(٣) رجال النجاشي : ٢ / ٣٠١ برقم ١٠٤٣.

٣٣٤

والمحمل الصحيح لهذه التعابير ما أشار إليه شاعر الأهرام بقوله :

يشتد في سبب الخصومة لهجة

لكن يرق خليقة وطباعا

وكذلك العلماء في أخلاقهم

يتباعدون ويلتقون سراعاً

في الحق يختلفون إلاّ أنّهم

لا يبتغون إلى الحقوق ضياعاً

اللّهم اغفر للماضين من علمائنا واحفظ الباقين منهم

٣٣٥
٣٣٦

٢

مفهوم الإمام في القرآن الكريم

٣٣٧

في هذا الفصل

١. نظرية الإمامة بين الفريقين.

٢. هل الإمامة تفويض اجتماعي أو منصب إلهي ؟

٣. الاستدلال على كونها منصباً إلهياً.

٤. ما هو الهدف من ابتلاء الخليل بالكلمات ؟

٥. ما هو المراد من الكلمات الّتي ابتلي بها إبراهيمعليه‌السلام ؟

٦. ما هو المقصود من إتمام تلك الكلمات ؟

٧. ماذا يراد من الإمام في قوله :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ؟

٨. توضيح النظريات الخمس في تفسير الإمام في الآية السابقة ؟

٩. كيف تكون الإمامة عهداً إلهياً ؟

١٠. ما هو المراد من الظالمين في قوله :( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) ؟

١١. بيان كيفية دلالة الآية على نزاهة الإمام من الذنب.

٣٣٨

مفهوم الإمام في القرآن الكريم

للتعرّف على مفهوم كلمة الإمام في القرآن أهمية خاصة ، كما أنّ التعرّف على مفهومي النبي والرسول فيه كذلك ، وقد فرغنا من تبيين مفهوم الأخيرين في الجزء السابق ، وبقى البحث عن مفهوم الإمام في الكتاب العزيز.

إنّ الإمام في مصطلح المتكلّمين هو القائد العام للمسلمين الّذي يخلف النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في كل أو بعض ما يمتّ له بصلة ، وقد اتّفقت الأُمّة على انسداد باب الوحي وختم التشريع بموت النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ولحوقه بالرفيق الأعلى ، وإنّما الكلام في مقدار المسؤولية الّتي يتحمّلها الإمام في خلافته عنه ، وهذا الاختلاف أوجد نظريتين في باب الإمامة بين المتكلّمين ، بل أحدث مدرستين وصار سبباً للاختلاف في لزوم بعض الشروط في الإمام وعدمها ، ولا يمكن الوصول إلى الحق إلاّ بعد دراسة النظريتين على ضوء الكتاب والسنّة والعقل ، ولا يصح إبداء النظر في لزوم الشروط الّتي ذكرها المتكلّمون إلاّ بعد تلك الدراسة ، وإليك بيان النظريتين :

الإمامة تفويض اجتماعي

الإمامة منصب اجتماعي بمعنى انّ الأُمّة هي صاحبة السلطة العليا تخوّلها للإمام ، وهي الّتي تحاسب الإمام وتراقب قراراته وعليها أن تنتخب من يقودها.

٣٣٩

وبعبارة أُخرى : انّ من حقّ الأُمّة أن تختار حكّامها ، تعيّنهم وتعزلهم وتراقبهم في كل تصرفاتهم الشخصية والعامّة ، وعلى ذلك فالإمامة منصب عرفي كسائر المناصب المطروحة في المجتمع غير انّها تتفاوت بسعة المسؤولية وضيقها ، فالإمام أكثر مسؤولية من الوزراء ، وهم أكبر مسؤولية من المدراء العامين ، ولا يخلف الإمام النبي الراحل إلاّ في بعض مسؤوليته ، وهي الأخذ بزمام السلطة في الشؤون الّتي تتوقف عليها حياة الأُمّة ، ولأجل ذلك يعتبر فيه من المؤهلات والصلاحيات : الدراية والكفاية أوّلاً ، والعلم بالأحكام والقوانين على مستوى خاص ثانياً.

وأمّا سائر الشروط ، كالعصمة الإلهية ، والعلم بجميع الأحكام الشرعية ، والإجابة عن كل الأسئلة المطروحة ، والدفاع العلمي عن أُصول الشريعة ومعارفها العليا ، وتفسير ما ورد من الآيات في الذكر الحكيم و فلا يعتبر قطعاً ، لأنّ الهدف المتوخّى من الإمام على هذا الصعيد هو إعمال السلطة وقيادة السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية ، وتكفيه المقدرة العادية والعلم بمقدار محدود.

هذا هو أساس تلك النظرية ، وعلى ذلك نجد أنّ معتنقي تلك النظرية يصفون الإمام وشروطه بالعبارات التالية :

يقول القاضي الباقلاني : يجب أن يكون الإمام على أوصاف : منها : أن يكون قرشياً من الصميم ، وأن يكون من العلم بمنزلة من يصلح أن يكون قاضياً من قضاة المسلمين ، وأن يكون ذا بصيرة بأمر الحرب وتدبير الجيوش والسرايا وسد الثغور وحماية البيضة وحفظ الأُمّة والانتقام من ظالمها ونصرة مظلومها وما يتعلّق به من مصالحها ، وأن لا يكون ممّن تلحقه رقة ولا هوادة في إقامة الحدود ولا جزع

٣٤٠