مفاهيم القرآن الجزء ٥

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530
المشاهدات: 10888
تحميل: 352


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 10888 / تحميل: 352
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 5

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-6243-75-4
العربية

بنجاح في معترك الابتلاء ، وقد نقل سبحانه كيفية نجاح إبراهيم في تلك المعركة وتظهر بالرجوع إلى الآيات الواردة حول ابتلائه في السور المختلفة(١) .

قال الزمخشري في « الكشاف » في تفسير « فأتمهن » : فقام بهنّ حق القيام وأدّاهنّ أحسن التأدية من غير تفريط وتوان. ويؤيد كون الفاعل هو إبراهيم قوله سبحانه :( أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَىٰ *وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّىٰ ) (٢) ، أي تمّم وأكمل ما ابتلي وامتحن به أو الأعم منه وما أمر به(٣) .

وربّما يحتمل كون الفاعل ، هو الضمير العائد إلى الله سبحانه ، وعليه يكون مفاده توفيقه لما أراد منه حتى تصح نسبة إتمام الكلمات إليه سبحانه ، فالفاعل المباشر هو الخليل والله سبحانه هو الموفّق ، وتصح نسبة الفعل الواحد إلى المباشر والسبب جميعاً.

وأمّا تفسير الإتمام ـ بناء على كون الضمير عائداً إلى الله ـ « بأنّه أعطاه ما طلبه ولم ينقص منه شيئاً »(٤) ، فهو كلام عار عن التحقيق ، فإنّ الضمير المتصل بالفعل يرجع إلى الكلمات ، أعني : « هن » في « أتمهن » وليست الكلمات شيئاً طلبها إبراهيم من الله ، بل الله سبحانه طلبها منه كما سيوافيك ، وعلى ذلك لا يصح تفسير إتمام الله بإعطائه ما طلبه إبراهيم منه ، وإنّما يصح بتوفيقه إيّاه للقيام بما أمر والنجاح في ما ابتلي.

__________________

(١) البقرة : ١٢٧ ـ ١٢٨ ; الأنعام : ٧٠ ـ ٨٣ ; الأنبياء : ٥٣ ـ ٧١ ; الحج : ٢٦ ـ ٢٧ ; وسورة إبراهيم : ٣٧ ـ ٤٠.

(٢) النجم : ٣٦ ـ ٣٧.

(٣) لاحظ الكشاف : ١ / ٢٣٦ ; مجمع البيان : ٥ / ١٨٠.

(٤) لاحظ الكشاف : ١ / ٢٣٦ ; مجمع البيان : ٥ / ١٨٠.

٣٦١

٤. المراد من الإمام

هذا هو البحث المهم في المقام الّذي تضاربت فيه الآراء ، ونحن نرفع الستار عن وجه الحقيقة بالبحث عن أُمور ثلاثة :

ألف. ما هو معنى الإمام لغة ؟

ب. ما هو مفهوم الإمام في القرآن الكريم ؟

ج. ما هو ملاك إمامة الخليل في هذه الآية ؟ وهذا هو المهم في فهم الآية ، وقد أُهمل في كلمات المفسرين ، وسيوافيك أنّ البحث في الأمر الثاني لا يغني عن الثالث.

ألف. الإمام في اللغة

قال ابن فارس : الإمام كل من اقتدي به وقُدّم في الأُمور ، والنبي إمام الأئمّة ، والخليفة إمام الرعية ، والقرآن إمام المسلمين.

وقال ابن منظور : الإمام ما ائتُمّ به من رئيس وغيره ، وفي التنزيل العزيز :( فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ ) ، أي قاتلوا رؤساء الكفر وقادتهم إمام كل شيء قيّمه والمصلح له ، والقرآن إمام المسلمين.

وليست تلك النصوص من هذين العلمين مبيّنة للمعنى الأصلي للكلمة ، وإنّما تشير إلى مصاديق المعنى الأصلي ، والنص اللغوي الصحيح ـ الّذي جاء يحدّد معنى الكلمة مجردة عن انطباقه على مصاديقها ـ هو ما ذكره صاحب القاموس : الإمام هو ما يتعلّمه الغلام كل يوم من رؤوس أقلام ، وما امتثل عليه من مثال ودليل ، وخشبة يسوى عليها البناء.

٣٦٢

وهذه العبارة من صاحب القاموس توصلنا إلى أصل المعنى اللغوي ، وهو انّ الإمام عبارة عن كل شيء يتّخذه الإنسان مثالاً لعمله ودليلاً لفعله ، ويطبّق فعله وعمله على ذلك المثال وذلك الدليل ، فهذا هو المعنى الأصلي لتلك الكلمة ، فالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إمام ، والقرآن إمام ، وخشبة البناء إمام للبنّاء ، لأجل إنّ الإنسان يطبق عمله على عمل وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله أو القرآن ، فكل شيء اتخذ مثالاً في الحياة وأُسوة في مقام التطبيق يكون إماماً من غير فرق بين الأشياء المادية ، هذا كلّه في توضيح مفهوم « الإمام » من حيث اللغة ، وإليك توضيحه في القرآن.

ب. مفهوم الإمام في القرآن

جاء لفظ الإمام في الذكر الحكيم اثنتا عشرة مرة بين مفرد وجمع ، مفردها سبع مرات ، وجمعها خمس مرات.

وقد استعملت في الجميع بمعنى واحد ، وهو الّذي تعرّفت عليه من صاحب القاموس وإن كانت تطبيقاتها مختلفة ، ولأجل ذلك لا يمكن عدّها من معاني كلمة الإمام.

وإليك تلك الموارد.

١. ترى أنّه سبحانه يصف التوراة بأنّها إمام ، يقول سبحانه وتعالى :( وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَىٰ إِمَامًا وَرَحْمَةً ) (١) .

٢. كما يصف الطريق الّذي تمشي عليه القوافل إماماً ويقول :( فَانتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ ) (٢) ، أي انتقمنا من قوم لوط وأصحاب الأيكة وانّ

__________________

(١) هود : ١٧.

(٢) الحجر : ٧٩.

٣٦٣

مساكنهم على الطريق لواضح.

٣. كما أنّه يصف قادة الكفر والانحراف به ويقول :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنصَرُونَ ) (١) ، بل يصف كل قائد بالإمامة بقوله :( يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ ) (٢) .

فالمعنى في الجميع واحد ، وهو الدليل الّذي يهتدى به ، والمثال الّذي يمتثل به ، وإن كانت التطبيقات مختلفة ، فالتوراة إمام ، لأنّها يقتدى بها ، وطريق القوافل إمام ، لأنّ القوافل تتّخذه دليلاً وتمشي عليه ، وقادة الكفر بل جميع القادة أئمّة ، لأنّ المقتدين يتّخذونهم مثالاً في الحياة ويمشون على آثارهم حتى أنّ الأنبياء جميعهم أئمّة بهذا المعنى ، فإنّ عمل وقول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وتقريره تتّخذ مثالاً ودليلاً يسار على ضوئه.

وهذا ما قلناه من أنّ معنى الإمام في الذكر الحكيم لا يختلف عن المعنى الّذي نصّت عليه الكتب اللغوية حتى الإمام في الآية المباركة ، فقد استعمل الإمام فيه في المعنى اللغوي لا غير ، وهو الدليل والمثال والأُسوة والمقتدى غير انّ ما يجب التدبّر فيه هو الوقوف على الملاك الّذي جعل به الخليلعليه‌السلام إماماً ، فهل هو لأجل كونه نبياً أو رسولاً أو خليلاً أو كونه مفترض الطاعة أو غير ذلك من الملاكات المختلفة الّتي تصحح كون الإنسان إماماً.

ج. ما هو ملاك إمامة الخليل في الآية ؟

نرى أنّ المفسرين يفترضون للإمام معاني مختلفة ، ثم يبحثون عن معناه في

__________________

(١) القصص : ٤١.

(٢) الإسراء : ٧١.

٣٦٤

هذه الآية ويذهبون يميناً وشمالاً ، غير انّ البحث بهذه الكيفية غير تام أصلاً ، لأنّه ليس لذلك اللفظ إلاّ معنى واحد كما بيّنا ، والّذي يجب التركيز عليه هو التعرض لملاك الإمامة ومعيارها وإنّه بماذا جعل الخليل إماماً في زمانه دون لوطعليه‌السلام مع أنّ الثاني كالأوّل كان نبياً ، ومع ذلك خُصّ بكونه إماماً من بين أنبياء عصره ، فلابد أن يكون هناك ملاك يختص به الخليل. وعلى الجملة نحن لا نشك انّ للكلمة في جميع موارد استعمالها معنى واحداً سواء أوقع وصفاً للكتاب أم للطريق أم للإنسان ، ولكن الّذي كان من واجب المفسرين هو تعيين ملاك الإمامة في كل مورد من موارد استعمالها حتى الآية الّتي نبحث عنها غير انّهم أهملوا تلك الناحية الحساسة في البحث.

ولأجل ذلك نطرح ما ذكره المفسرون على بساط البحث معبرين عنه بملاكات الإمامة ومعاييرها.

الملاك الأوّل هو النبوة

ذهب عدّة من المفسرين ـ منهم الرازي في « مفاتيح الغيب » ـ إلى أنّ المراد من الإمامة هنا هو النبوة.

بعبارة صحيحة : انّ ملاك إمامة الخليل نبوته ، لأنّها تتضمن مشاقاً عظيمة(١) .

وقال الشيخ محمد عبده على ما في « تفسير المنار » : الإمامة هنا عبارة عن الرسالة ، وهي لا تنال بكسب الكاسب ، وليس في الكلام دليل على أنّ الابتلاء كان قبل النبوة(٢) .

__________________

(١) مفاتيح الغيب : ١ / ٤٩٠.

(٢) تفسير المنار : ١ / ٤٥٥.

٣٦٥

ولا يخفى وهن هذا الرأي ، لأنّ إبراهيمعليه‌السلام كان نبياً قبل الابتلاء بالكلمات وقبل تنصيبه إماماً ، فكيف يصحّ أن تفسر الإمامة بالنبوة على ما في لفظ الرازي والرسالة على ما في لفظ المنار ؟! ويتضح ذلك بالأُمور التالية :

١. انّ نزول الوحي على إبراهيمعليه‌السلام ـ كما تدل عليه الآية :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) ـ أوضح دليل على أنّه كان نبياً متلقياً للوحي قبل نزول هذه الآية ، وليس في وسع أحد أن يقول : إنّ الخطاب إليه بقوله :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) يدلّ على كونه نبياً حينه ، ولا يدل على كونه نبياً من قبل ، وذلك لأنّ اسلوب الوحي البدائي يختلف لوناً عن الوحي الاستمراري ، فالمحاورة الموجودة في هذه الآية تعرب عن أنّه كان مأنوساً بالوحي قبل نزولها ، ولأجل ذلك لما تشرف بمقام الإمامة أطال الكلام وطلبها لذريته ، وليس هذا اللون من الكلام يشبه الوحي الابتدائي أبداً ، فإنّ الإنسان في بدء لقائه وكلامه مع شخص ، لا يتجاوز عن أُمور كلية ولا يتجاوز إلى أخص الخصوصيات ، وهي طلب المنزلة لنسله ، بل هذا يناسب كلام من كان مأنوساً بمخاطبه ومكلّمه.

ويمكن لك أن تكشف الحقيقة بالخطاب النازل على موسى في بداية الإيحاء إليه بالنبوة قال سبحانه :( فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ المُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ) (١) .

ونظير ذلك ما خوطب به النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله في بدء نزول الوحي ، قال سبحانه :( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ) (٢) .

ومن هذا ينتج انّ الخليل كان نبياً قبل إلقاء الخطاب بالرسالة عليه ، فيكون

__________________

(١) القصص : ٣٠.

(٢) العلق : ١.

٣٦٦

ملاك الإمامة غير النبوة.

٢. دلت الآيات على أنّ إبراهيم كان نبياً ولم يرزق أيّ ولد لا إسماعيل ولا إسحاق.

أمّا الأوّل فإنّما بُشّر به بعد ما كان نبياً وقام بتحطيم الأصنام في « بابل » وحكم عليه بالإحراق ، ولمّا نجّاه سبحانه ترك الموطن ذاهباً إلى فلسطين ، فعند ذلك جاءت البشارة بأنّه يرزق غلاماً حليماً ، قال سبحانه :( فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ *فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ *قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ *وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ *قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الجَحِيمِ *فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ *وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ *رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ *فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ *فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ ) (١) .

وأمّا الثاني فقد بُشّر به أيضاً عندما نزلت عليه الملائكة ضيوفاً ، قال سبحانه :( وَنَبِّئْهُمْ عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ *إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ *قَالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ *قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ *قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالحَقِّ فَلا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ ) (٢) ، ونزول الملائكة الذين كانوا مرسلين إلى قوم لوط ، عليه آية نبوته عند البشارة بإسحاق.

هذا من جانب ، ومن جانب آخر إنّ إبراهيم يطلب من الله سبحانه أن يرزق ذريته الإمامة كما رزقها إيّاه ، فطلبه لها دليل على أنّه كان عند إفاضة الإمامة عليه ووقت الدعاء لذريته ، صاحب ذرية وأولاد.

__________________

(١) الصافات : ٩٣ ـ ١٠٢.

(٢) الحجر : ٥١ ـ ٥٥.

٣٦٧

إذا عرفت هذين الأمرين فنقول : يجب أن تكون الإمامة الموهوبة ( عند ما كان الخليل صاحب ذرية ) غير النبوة ، وإلاّ فيلزم أن تكون هبة المنصب الّذي كان واجداً له قبل ذلك بكثير ، أشبه بتحصيل الحاصل.

والحاصل : انّ الآية تدل على أنّ الإمامة أُفيضت عليه عندماكان ذا ولد بدليل طلبها لهم ، ودلّت الآيات الماضية على أنّه كان نبياًقبل أن يرزق أيّ ولد ، فينتج انّ الإمامة الموهوبة في الأزمنة المتأخرة عن بعثته بكثير ، غير النبوة ، غير انّ بعض المفسرين لمّا وقف على ذلك الوجه وانّه لا يصحّ طلب شيء للذرية إلاّ لمن كان له بعضها صار بصدد دفعه بأنّ إبراهيم يوم خوطب بقوله سبحانه :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) لم يكن ذا ذريّة وإنّما طلبها لهم لأجل التعرّف من جواب الله سبحانه على أنّه هل يكون في المستقبل ذا ذرية أم لا ؟ فوقف من جوابه سبحانه على أنّه لا يموت عقيماً بل يكون ذا ذرية.

ولا يخفى أنّ ما ذكره غير صحيح ، لأنّ الحكم على الذرية على وجه الإيجاب يقتضي أن يكون الرجل رزق بعضها ، وأمّا إذا لم يكن له أي ولد فلا يستحسن في العرف ، الدعاء لهم بالإمامة ، ولأجل ذلك ترى أنّ إبراهيم يستعمل لفظ الذرية في أولاده المحقّقين ويقول :( رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ ) (١) .

ويقول أيضاً :( رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً ) (٢) ، وقد طلب ذلك عندما كان يرفع القواعد من البيت مع ولده إسماعيل.

نعم إنّ الإنسان يصحّ أن يطلب من الله ذرية صالحة تكن قرة عين له كما

__________________

(١) إبراهيم : ٣٧.

(٢) البقرة : ١٢٨.

٣٦٨

أمر به سبحانه بقوله :( وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ) (١) ، ولكن لا يصحّ إذا أُعطي شيئاً من جانب الله سبحانه ، أن يطلبه في الوقت نفسه لذريته مع أنّه لم يكن في وقت الطلب ذا ذرية ، فإنّ ذلك كلام خارج عن المتعارف ، وأمّا كون الطلب لأجل الوقوف على أنّه هل يرزق في المستقبل بعض الذرية أو لا ؟ فهو كما ترى.

قال العلاّمة الطباطبائي : وكيف يسع من له أدنى تدريب بأدب الكلام ، وخاصة مثل إبراهيم الخليل في خطاب يخاطب به ربّه الجليل أن يتفوّه بما لا علم له به ؟ ولو كان ذلك لكان من الواجب أن يقول : ومن ذريتي إن رزقتني ذرية أو ما يؤدّي هذا المعنى(٢) .

الملاك الثاني كونه أُسوة في المجالات الثلاثة

النبوة عبارة عن نزول الوحي على الإنسان ، والرسالة إبلاغه وتحقيق النبوة في مجالها ، ولكن ليس كل نبي إماماً بل الأنبياء على قسمين : منهم أئمّة ومنهم غير أئمة قال سبحانه :( وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (٣) ، والآية بحكم « من » التبعيضية تدل على أنّه سبحانه لم يجعل كل الأنبياء أئمّة ، بل جعل البعض منهم أئمّة.

وعلى ذلك فيجب التفحص في الآيات الواردة حول الأنبياء للتعرف على الأئمّة من بينهم ، ويستظهر انّ المراد مَن يصلح أن يكون أُسوة على الإطلاق في

__________________

(١) الفرقان : ٧٤.

(٢) الميزان : ١ / ٢٧.

(٣) السجدة : ٢٤.

٣٦٩

جميع المجالات الثلاثة : قولاً وفعلاً وتقريراً ، لا في مجال خاص كالإتيان بالواجبات وترك المحرمات دون مجال كترك الأولى.

توضحيه : انّ الأنبياء على قسمين : قسم منهم يصحّ أن نجعل أقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم على وجه الإطلاق أُسوة ، ودليلاً في مجالات الحياة ; وقسم منهم ليسوا كذلك ، لأنَّهم اقترفوا ما كان الأولى والأليق بشأنهم تركه ، ولأجل ذلك لا يصحّ أن يتخذوا أئمّة على الإطلاق ، ونرى أنّه سبحانه ينقل عن عدة منهم اقتراف أُمور لا تصحّ أن تجعل دليلاً في الحياة وأُسوة للمؤمنين ، يقول سبحانه في حق أبينا آدم :( وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا ) (١) .

كما ذكر تعالى عن نبيه موسىعليه‌السلام عندما وكز عدوه وقضى عليه :( هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ ) (٢) .

وينقل عن نبيّه يونس قوله :( وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ) (٣) .

وهذه الأعمال الصادرة من هؤلاء الأنبياء وإن لم تكن معصية ونقضاً للحكم المبرم وكانت عبارة عن ما يسمّى ب‍ « ترك الأولى » في المصطلح ، وقد دللنا على ذلك عند البحث عن عصمة الأنبياء غير انّ هذه الأفعال حالت بينهم وبين أن يكونوا أئمّة على الإطلاق ويؤخذ بأفعالهم على وجه الإبرام ، ولأجل ذلك لم يكونوا أئمّة وأُسوة في كل شيء وإنّما كانت الإمامة ثابتة لطائفة أُخرى من الأنبياء

__________________

(١) طه : ١١٥.

(٢) القصص : ١٥.

(٣) الأنبياء : ٨٧.

٣٧٠

صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين وهم الذين يصفهم سبحانه بقوله :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الخَيْرَاتِ ) (١) .

فالهداية المطلقة والدعوة الواسعة والأُسوة التامة خاصة لقسم من الأنبياء وإن كان كل نبي داعياً وهادياً إلى الحلال والحرام ، ويرشد إلى ذلك انّ الخليل إنّما وصل إلى ذلك المقام ، بعد ما صار خليلاً ، والخلّة هي فراغ القلب من غير الله سبحانه بحيث لا يفعل صاحبها إلاّ ما فيه رضى الله سبحانه وتعالى ، وإليك متن الحديث : إنّ الله تبارك وتعالى اتّخذ إبراهيم عبداً قبل أن يتخذه نبياً ، وانّ الله اتّخذه نبياً قبل أن يتّخذه رسولاً ، وانّ الله اتّخذه رسولاً قبل أن يتّخذه خليلاً ، وانّ الله اتّخذه خليلاً قبل أن يتّخذه إماماً ، فلمّا جمع له الأشياء قال :( إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ) (٢) .

فالإمامة نتيجة الخلّة وصيرورة النبي فارغاً من كل شيء سوى الله سبحانه ، وعند ذلك ، يكون إماماً مطلقاً يستدل به وأُسوة يقتدى به في المجالات الثلاثة : قولاً وفعلاً وتقريراً.

تحليل النظرية

وفيه :أوّلاً : فلأنّ هذه النظرية مبنية على ما استظهره من قوله سبحانه :( وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) ، فاستظهر أنّ الأنبياء على قسمين : إمام وغيره ، بشهادة كلمة « من » ، لكن الاستظهار غفلة عن مرجع الضمير ، فالضمير يرجع إلى

__________________

(١) الأنبياء : ٧٣.

(٢) الكافي : ١ / ١٧٥ ، باب طبقة الأنبياء.

٣٧١

بني إسرائيل لا إلى الأنبياء ، قال سبحانه :( وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلا تَكُن فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ *وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ ) (١) .

ولأجل ذلك نرى أنّه سبحانه يصف إبراهيم ولوطاً وإسحاق ويعقوب أئمّة يهدون بأمره ، قال سبحانه :( وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ *وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنَا صَالِحِينَ *وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا ) (٢) .

وعلى هذا فجعل الأنبياء على قسمين معتمداً على ما استظهر من الآية غير تام ، وإن كان أصل التقسيم صحيحاً على ما سيبيّن.

وثانياً : فلماذا لا تكون الإمامة ذات مراتب ودرجات ومقولةً بالتشكيك ويكون الكل باعتبار انّ لهم نور الوحي والنبوة ، والعصمة والمصونية ، أئمّة يقتدى بهم ، وتخصيص الإمامة بجماعة خاصة منهم بلغوا القمّة في الطهارة والفضيلة يحتاج إلى دليل خاص ، فإنّ الإنسان المثالي إذا بلغ مقام العصمة يصبح أُسوة للناس ودليلاً في الحياة ، وإماماً في القول والعمل ، فالتشدّد والتزمّت في شرطية ترك الأولى في الإمامة ، غير واضح.

نعم لو كان ما اقترفوه من الأعمال ، عصياناً صحّ القول بعدم كونهم أئمّة وأُسوة على وجه الإطلاق ، وأمّا اذاكان أمراً مباحاً وجائزاً شرعاً وإن كان الأولى تركه ، فلا وجه لإخراج المقترفين منهم عن كونهم أئمّة.

__________________

(١) السجدة : ٢٣ ـ ٢٤.

(٢) الأنبياء : ٧١ ـ ٧٣.

٣٧٢

الملاك الثالث : كونه معلم الهداية عبر العصور

إنّ هذه النظرية تتلخّص في كلمة : وهي انّ الإمامة الّتي جاءت في هذه الآية من خصائص الخليلعليه‌السلام ، ولا تعدوه إلى أشخاص آخرين ، لاختصاص ملاكها به من الأنبياء ، وهو كونه بين الأنبياء واقعاً في قمة الهداية ومعلماً للآخرين ، وانّ الذين جاءوا بعده ساروا على الطريق الّذي اختطه.

ويظهر لك من الآيات الواردة في حقّه ، قال سبحانه :( مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ) (١) .

( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ ) (٢) .

فالآية الأُولى تجلّ إبراهيم عن أن يكون يهودياً أو نصرانياً ، وتصفه بأنّه كان حنيفاً مسلماً وما كان مشركاً ، وذلك لأنّ اليهودية والنصرانية عدلتا عن جادة التوحيد وامتزجتا بالشرك ، مضافاً إلى أنّ إبراهيم بعث قبل نزول الشريعتين.

والآية الثانية تخص الأصناف الثلاثة بأنّهم أولى بإبراهيم ، فإنّ الأوّل هم الذين اتّبعوه في عصره وما بعد عصره حتّى ظهور النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والصنف الثاني هو النبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، والثالث الذين آمنوا بالنبي محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فأولوية الصنف الأوّل به لأجل كونهم من أُمّته والثاني والثالث لوجود الوحدة بين الخطين والتشابه بين المنهجين.

نرى في بعض الآيات انّ الأمر أعظم من ذلك حيث يأمر سبحانه النبي

__________________

(١) آل عمران : ٦٧.

(٢) آل عمرن : ٦٨.

٣٧٣

الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله باتّباع طريقة إبراهيم ، وهي الطريقة الحنيفية ، وخصّ منها البراءة من الشرك والنزاهة من الوثنية حتّى يعرف الخليلعليه‌السلام بأنّه أبو الإسلام والمسلمين ، وانّه هو أوّل من وصف مشاة خط التوحيد بالمسلمين ، قال سبحانه :( ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ) (١) . ويقول أيضاً :( وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ المُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ) (٢) .

وهذه الآيات وغيرها تعرب عن إمامة إبراهيم عبر العصور والأدوار وانّه بطريقته المثلى وشريعته الحنيفية ونزاهته من ألوان الشرك في العقيدة والعمل صار مثالاً شاخصاً لجميع الأنبياء والمرسلين ، والشرائع السماوية من بدايتها إلى نهايتها الّتي تمت بشريعة النبي الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وكأنّ الأنبياء في كل عصر يتّبعون منهجه ويخطون خطواته ويمشون على الخط الّذي مشى عليه ، ولأجل ذلك صار الخليل إماماً للناس ومثالاً للأُمم يتمثل به ويتخذ مناراً يقتدى به في القول والعمل.

تحليل هذه النظرية

لا شك انّ إبراهيم يعد من القمم بين الأنبياء وانّ له من الصفات الجليلة الّتي يذكرها القرآن ما ليس لغيره إلاّ أنّ تفسير ملاك الإمامة على النحو الّذي مر يوجب اختصاص الإمامة به من بين جميع الأنبياء والأولياء ولا تتعدى إلى غيره ، لأنّ الخصيصة الّتي نالها إبراهيمعليه‌السلام من جانب شريعته وطريقته حتّى صار علماً

__________________

(١) النحل : ١٢٣.

(٢) الحج : ٧٨.

٣٧٤

ومناراً في حقول الشرائع والنبوّات أمر يختص به ، فلو كان ملاك الإمامة هو هذا ، يجب أن يكون هو الإمام وحده دون غيره مع أنّهعليه‌السلام طلبها لذريته فأُجيب بأنّ عهده سبحانه :( لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) مشعراً بأنّ غيرهم ينالونه ، فلو كان ملاك الإمامة كون الإنسان مناراً بين الأنبياء ، وشريعته علماً بين الشرائع لاختصت الإمامة به ، ولا يناسب في المقام سؤلها للأولاد بما ذكر.

وحصيلة الجواب : انّ ما ذكر من الفضيلة لبطل التوحيد أمر لا ينكر على ضوء الآيات الّتي ذكرناها ، لكنّها لا تكون ملاكاً للإمامة بل يجب هناك شيء آخر وراءها يكون ملاكاً حتّى يصحّ طلبها لذريته وتصحّ الإجابة بنيل العدول منهم لها.

الملاك الرابع : كونه مفترض الطاعة

هذه النظرية تتلخّص في أنّ الإمام في الآية هو الحاكم السائد على المجتمع ، والآخذ بيد الأُمّة إلى الكمال في الحياة الفردية والاجتماعية ، فيجب على الأُمّة امتثال أوامره وتوجيهاته في الحقول السياسية والاجتماعية والقضائية والعسكرية وغير ذلك ، ولا نقف على مدى صحة هذه النظرية إلاّ بعد الوقوف على معنى النبي والرسول في القرآن الكريم حتّى نعرف أنّ الإمام يشتمل على معنى لا يشتمل عليه اللفظان ، وعلى الأصحّ يشتمل منصب الإمامة على شيء لا يوجد في منصبي النبوة والرسالة فنقول :

النبي ـ سواء أجعل بمعنى المطّلع على الغيب أو بمعنى المنبئ عن الغيب ـ إنسان مؤدّ عن الله بلا واسطة بشرية(١) ، وهذا الإنسان باعتبار اتصاله بالملأ

__________________

(١) الرسائل العشر للشيخ الطوسي : ١١.

٣٧٥

الأعلى وكونه متلقياً للوحي ومطّلعاً عليه ومنبئاً عنه ، يسمّ نبياً ، وإذا كلّف بإبلاغ ما أُمر به وتجسيد ما أخبر به على صعيد الحياة فهو رسول ، ففي إطار النبوة ليس إلاّ قضية الاطّلاع على الغيب أو قدرة الإخبار عنه إلى الناس ولا يتعدى عنها كما أنّه في إطار الرسالة ، مأمور بالإبلاغ والبيان ولا يتعدى عن هذه الوظيفة ، وهذا هو الموضوع الهام الّذي فرغنا منه في الجزء الرابع من كتابنا : مفاهيم القرآن ولا حاجة للإعادة(١) .

ولكن القول الّذي نركّز عليه هو انّ الرسول المأمور بالإبلاغ ليس له في هذا المجال أمر ولا نهي ولا إكراه ولا سيطرة ، بل تتلخص وظيفته في التذكير والتبليغ ، قال سبحانه :( فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ *لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ ) (٢) ويقول سبحانه :( فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلاغُ المُبِينُ ) (٣) ، ففي هذا المجال تتجلّى وظيفة الرسالة في بيان الحلال والحرام والمشروع والممنوع وإراءة طرق الصلاح والفلاح ، فلو صحّ في تبيين الحقيقة التمثيل بشيء أدون من الممثّل فنقول : إنّ مثل الرسول في توجيهاته الرسالية أشبه بمستنبط الأحكام من الكتاب والسنّة وإبلاغها للناس ، فإذا امتثل الناس بما يقول فقد امتثلوا إلى المشرّع الأعظم وأطاعوه ، وإن لم يقوموا بأداء ما يقول فقد خالفوا الشارع وعصوه ، وعلى هذا الضوء فالناس في صلاتهم وصومهم وحجهم وزكاتهم مطيعون لله سبحانه فقط وليس للرسول أيّ طاعة إلاّ بضرب من العناية ، كما أنّ للمفتي والمجتهد طاعة مثله ، فحين قال سبحانه :( وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ ) (٤) ، فهو يرشد إلى

__________________

(١) لاحظ الجزء الرابع من هذه الموسوعة : ٣١٧ ـ ٣٦٩.

(٢) الغاشية : ٢١ ـ ٢٢.

(٣) المائدة : ٩٢.

(٤) النساء : ٦٤.

٣٧٦

هذا النوع من الإطاعة ، فالمطاع هو الله سبحانه حقيقة والنبي مطاع بضرب من العناية إذ المفروض انّه ليس للرسول أيّ تشريع وأيّ تقنين ولا أمر ونهي فلا يكون له طاعة.

إمامة الرسول

هذا إذا قصرنا النظر على مجالي النبوة والرسالة ، ولكنّه سبحانه لما كساه ثوب الإمامة بعد أن ابتلاه ونصبه لمقام الإمامة وصار عند ذلك حاكماً سائداً على المجتمع ، رائداً للأُمّة ، قائماً بإرشادهم في الحقول المختلفة سياسياً وعسكرياً

فعند ذلك كان الرسول في مقام التنفيذ ذا أمر ونهي وأخذ ورد وتعيين وعزل إلى غير ذلك من الأُمور الّتي يمارسها الرسول باعتبار كونه حاكماً وسائساً ومؤدّباً للأُمّة وقائداً للمجتمع وإماماً للمؤمنين.

ولا ريب انّه ليس لأحد ولاية على أحد وانّ الناس كأسنان المشط ليس لأحدهم حق حكم على الآخر ، بل الولاية المطلقة لله سبحانه وتعالى ، فهو باعتبار كونه خالقاً للكون ومدبراً لما فيه ، له حق الحكم والطاعة ، يقول سبحانه :( إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وهذا ما يعبّر عنه بالتوحيد في الحاكمية والطاعة لا يشاركه فيها غيره ، لكن مع الاعتراف بذلك لا نعني من عنوان انحصار الحاكمية ( بالله ) حصر الإمرة بالله بأن يتولّى سبحانه الإمرة على العباد ، فالولاية وحق الحاكمية بالأصالة حق لله سبحانه ، ولكن الإمرة لخيرة عباده يتصدّون لها بإذنه.

__________________

(١) يوسف : ٤٠.

٣٧٧

وإن شئت قلت : إنّ المقصود من قوله سبحانه :( إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ يَقُصُّ الحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ) (١) ، وقوله :( أَلا لَهُ الحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الحَاسِبِينَ ) (٢) ، وقوله سبحانه :( لَهُ الحَمْدُ فِي الأُولَىٰ وَالآخِرَةِ وَلَهُ الحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ) (٣) ، هو حصر الولاية وحق الحاكمية لا الإمرة والتصدّي لنظام البلاد ، إذ يستحيل ممارسة الحكم من الله تعالى بصورة مباشرة ، ولأجل ذلك نجد جمعاً من الأنبياء تولّوا منصة الولاية بإذن الله وأخذوا بتدبير شؤون الحياة الاجتماعية للإنسان ، ففي هذا الصدد يقول سبحانه :( يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالحَقِّ ) (٤) .

فالرسول الّذي يحظى بمقام تنفيذ الولاية الإلهية في المجالات المختلفة بين الناس ، هو الإمام المفترضة طاعته ، ولا يحظى به إلاّ ثلة من المصطفين الأخيار ، وإليك الشواهد القرآنية الّتي تدل بوضوح على أنّ ملاك الإمامة في هذه الآية ـ لا مطلقاً ـ هو كونه مثالاً في القول والعمل ، وعلى الأُمّة طاعته في كل ما يأمر وينهى ويبرم وينقض ، فهو أُسوة في الحياة وقدوة للجميع.

الشواهد القرآنية على تفسير الإمامة بافتراض الطاعة

إنّ تفسير ملاك الإمامة بافتراض الطاعة والقيادة الإلهية الحكيمة شيء تؤيده الآيات التالية بل تثبته.

__________________

(١) الأنعام : ٥٧.

(٢) الأنعام : ٦٢.

(٣) القصص : ٧٠.

(٤) ص : ٢٦.

٣٧٨

روى بعض المفسرين أنّ كعب بن الأشرف خرج في سبعين راكباً من اليهود إلى مكة بعد وقعة أُحد ، ليحالفوا قريشاً ضد الرسولصلى‌الله‌عليه‌وآله فنزل كعب على أبي سفيان فأحسن مثواه ، ونزلت اليهود في دور قريش ، فقالت قريش : إنّكم أهل كتاب ، ومحمد صاحب كتاب ، فلا نأمن من أن يكون هذا مكراً منكم ، فإن أردت أن نخرج معك فاسجد لهذين الصنمين وآمن بهما ، ففعل ذلك.

ثم قال أبو سفيان لكعب : إنّك امرؤ تقرأ الكتاب وتعلم ونحن أُميّون لا نعلم ، فأيّنا أهدى طريقاً وأقرب للحق نحن أم محمد ؟

قال كعب : اعرضوا عليّ دينكم ، فلمّاعرض أبو سفيان عليه دينه ، قال كعب : أنتم والله أهدى سبيلاً ممّا عليه محمد.

فأنزل الله سبحانه الآيات التالية :

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَٰؤُلاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً *أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ المُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا *أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) (١) .(٢)

توضيح الاستدلال : أنّه سبحانه ردّ على قولهم( هَٰؤُلاءِ ( المشركون )أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً ) بوجوه ثلاثة :

الأوّل والثاني : يستفادان من قوله سبحانه :( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ المُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ) ، فإنّ « أم » بحكم كونها متصلة تدلّ على وجود معطوف

__________________

(١) النساء : ٥١ ـ ٥٤.

(٢) مجمع البيان : ٢ / ٥٩ ، وغيره.

٣٧٩

عليه محذوف ، مثل :

١. ( أَلَهم علم في كل ما حكموا به من حكم ) ثم قال :

٢.( أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ المُلْكِ ) .

وعلى ذلك فعطف على ذلك المقدر قوله : أم لهم نصيب من الملك ثم أجاب بجواب ثالث.

٣.( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ) .

فيؤوّل معنى الآية وجوابه سبحانه عنهم إلى شقوق ثلاثة :

الف. ألهم حق الحكم في كل شيء حتى في أنّ المشركين أهدى من الذين آمنوا ؟

ب. أم لهم نصيب من الملك الذي أنعم الله به على نبيّه ، ولو كان لهم نصيب من الملك لم يؤتوا الناس حتى أقل القليل الّذي لا يعتد به لبخلهم وسوء سريتهم ، وهذا يظهر من قوله سبحانه :( قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ ) (١) .

ثم عاد سبحانه يبيّن أساس قضائهم وحكمهم بكون المشركين أهدى من الذين آمنوا وقال :

ج. ( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ ) .

فبيّن أنّ أساس حكمهم بكون المشرك أهدى من الموحّد هو الحسد للموحّد وهو النبي ، وبذلك تبيّن أنّ المراد من الناس المحسودين هو النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وإطلاق لفظ « النّاس » عليه ، إمّا لأجل كونه في وحدته أُمّة ، كما كان إبراهيم

__________________

(١) الإسراء : ١٠٠.

٣٨٠