مفاهيم القرآن الجزء ٥

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530
المشاهدات: 20974
تحميل: 589


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 20974 / تحميل: 589
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 5

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-6243-75-4
العربية

وقال ابن الأثير : إنّ السنن الّتي عليها مدار تفصيل الأحكام ومعرفة الحلال والحرام إلى غير ذلك من أُمور الدين ، إنّما تثبت بعد معرفة رجال أسانيدها ورواتها ، وأوّلهم والمقدّم عليهم أصحاب رسول الله فإذا جهلهم الإنسان كان بغيرهم أشدّ جهلاً وأعظم إنكاراً ، فينبغي أن يعرفوا بأنسابهم وأحوالهم ، هم وغيرهم من الرواة حتّى يصحّ العمل بما رواه الثقات منهم وتقوم به الحجّة فإنّ المجهول لا تصحّ روايته ولا ينبغي العمل بما رواه ، والصحابة يشاركون سائر الرواة في جميع ذلك إلاّ في الجرح والتعديل ، فإنّهم كلهم عدول لا يتطرق إليهم الجرح ، لأنّ الله عزّ وجلّ ورسوله زكياهم وعدلاهم ، وذلك مشهور لا نحتاج لذكره(١) .

وقال الحافظ ابن حجر في الفصل الثالث من « الإصابة » : اتفق أهل السنّة على أنّ الجميع عدول ، ولم يخالف في ذلك إلاّ شذوذ من المبتدعة ، وقد ذكر الخطيب في الكفاية فصلاً نفيساً في ذلك فقال : عدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم واختياره لهم ، ثم نقل عدّة آيات حاول بها إثبات عدالتهم وطهارتهم جميعاً ـ إلى أن قال : ـ روى الخطيب بسنده إلى أبي زرعة الرازي قال : إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله فاعلم أنّه زنديق ، وذلك أنّ الرسول حق ، والقرآن حق ، وما جاء به حق ، وانّما أدّى إلينا ذلك كلّه الصحابة ، وهؤلاء يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبطلوا الكتاب والسنّة ، والجرح بهم أولى وهم زنادقة(٢) . هذه كلمات القوم ، وكم لها من نظائر نتركها طلباً للاختصار.

__________________

(١) أسد الغابة : ١ / ٣.

(٢) الإصابة : ١ / ١٧.

٤٤١

تقييم نظرية عدالة الصحابة كلّهم

تقييم هذه النظرية يتم بتبيين أُمور :

١. انّ البحث عن عدالة الصحابي أو جرحه ليس لغاية إبطال الكتاب والسنّة ، ولا لإبطال شهود المسلمين ، لما سيوافيك من أنّ الكتاب شهد على فضل عدة منهم ، وزيغ آخرين ، وهكذا السنّة ، والغاية في هذا البحث هي الغاية في البحث عن عدالة التابعين ومن تلاهم من رواة القرون المختلفة ، فالغاية في الجميع هي التعرّف على الصالحين والطالحين ، حتّى يتسنّى لنا أخذ الدين عن الصلحاء ، والتنزّه عن أخذه عن غيرهم ، فلو قام الرجل بهذا العمل وتحمّل العبء الثقيل ، لما كان عليه لوم ، فلو قال أبو زرعة مكان قوله الآنف ، هذا القول : « إذا رأيت الرجل يتفحّص عن أحد من أصحاب الرسول لغاية العلم بصدقه أو كذبه ، أو خيره أو شرّه ، حتّى يأخذ دينه عن الخيرة الصادقين ، ويحترز عن الآخرين ، فاعلم أنّه من جملة المحققين في الدين والمتحرين للحقيقة » لكان أحسن وأولى ، بل هو الحسن والمتعين.

ومن غير الصحيح أن يتهم العالم أحداً يريد التثبّت في أُمور الدين والتحقيق في مطالب الشريعة « بالزندقة » وأنّه يريد جرح شهود المسلمين لإبطال الكتاب والسنّة ، وما شهود المسلمين إلاّ الآلاف المكتظة من أصحابهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلا يضر بالكتاب والسنّة جرح لفيف منهم وتعديل قسم منهم ، وليس الدين القيم قائماً بهذا الصّنف من المجروحين. « ما هكذا تورد يا سعد الإبل » !!

٢. انّ هذه النظرية تكونت من العاطفة الدينية الّتي حملها المسلمون تجاه الرسول الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وجرتهم إلى تبنّي تلك الفكرة ، وقد قيل : « من عشق شيئاً عشق لوازمه وآثاره ».

٤٤٢

إنّ صحبة الصحابة لم تكن بأكثر ولا أقوى من صحبة امرأة نوح وامرأة لوط فما أغنتهما عن الله شيئاً ، قال سبحانه :( ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) (١) .

إنَّ التشرّف بصحبة النبي لم يكن أكثر امتيازاً وتأثيراً من التشرّف بالزواج من النبي ، وقد قال سبحانه في شأن أزواجه :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا ) (٢) .

٣. انّ أساتذة العلوم التربوية كشفوا عن قانون مجرّب وهو أنّ الإنسان الواقع في إطار التربية ، إنّما يتأثّر بعواملها إذا لم تكمل شخصيته الروحية والفكرية ، لأنّ النفوذ في النفوس المكتملة شخصية والتأثير عليها والثورة على أفكارها وروحياتها ، يكون صعباً جداً ( لا أقول أمراً محالاً ) بخلاف ما إذا كان الواقع في إطارها صبيّاً يافعاً ، أو شاباً في عنفوان السن ، إذ عندئذ يكون قلبه وروحه كالأرض الخالية ينبت فيها ما أُلقي بها ، وعلى هذا الأساس لا يصح لنا أنْ نقول : إنّ الصحبة والمجالسة وسماع بعض الآيات والأحاديث ، أوجدت ثورة عارمة في صحابة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وأزالت شخصياتهم المكونة طيلة سنين في العصر الجاهلي ، وكوّنت منهم شخصيات عالية تعد مثلاً للفضل والفضيلة ، مع أنّهم متفاوتون في السن ومقدار الصحبة ، مختلفون في الاستعداد والتأثّر ، وحسبك أنّ بعضهم أسلم وهو صبيٌ لم يبلغ الحلم ، وبعضهم أسلم وهو في أُوليات شبابه ، كما أسلم بعضهم في الأربعينات والخمسينات من أعمارهم إلى أن أسلم بعضهم وهو شيخ طاعن في

__________________

(١) التحريم : ١٠.

(٢) الأحزاب : ٣٠.

٤٤٣

السن يناهز الثمانين والتسعين.

فكما أنّهم كانوا مختلفين في السن عند الانقياد للإسلام ، كذلك كانوا مختلفين أيضاً في مقدار الصحبة فبعضهم صحب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله من بدء البعثة إلى لحظة الرحلة ، وبعضهم أسلم بعد البعثة وقبل الهجرة ، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة ، وكثير منهم أسلموا بعد الهجرة ، وربما أدركوا من الصحبة سنة اوشهراً أو أياماً أو ساعة ، فهل يصح أن نقول : إنّ صحبة ما قلعت ما في نفوسهم جميعاً من جذور غير صالحة وملكات رديئة وكوّنت منهم شخصيات ممتازة أعلى وأجل من أن يقعوا في إطار التعديل والجرح ؟

إنّ تأثير الصحبة عند من يعتقد بعدالة الصحابة كلّهم أشبه شيء بمادة كيمياوية تستعمل في تحليل عنصر كالنحاس إلى عنصر آخر كالذهب ، فكأنّ الصحبة قلبت كلَّ مصاحب إلى إنسان مثالي يتحلّى بالعدالة ، وهذا ممّا يردّه المنطق والبرهان السليم ، وذلك لأنّ الرسول الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يقم بتربية الناس وتعليمهم عن طريق الإعجاز( فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ ) (١) ، بل قام بإرشاد الناس ودعوتهم إلى الحق وصبّهم في بوتقات الكمال مستعيناً بالأساليب الطبيعية والإمكانيات الموجودة ، كتلاوة القرآن الكريم ، والنصيحة بكلماته النافذة وسلوكه القويم ، وبعث رسله ، ودعاة دينه إلى الأقطار ، ونحو ذلك ، والدعوة القائمة على هذا الأساس ، يختلف أثرها في النفوس حسب اختلاف استعدادها وقابلياتها ، فلا يصح لنا أن نرمي الجميع بسهم واحد.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة : أنّ الأُصول التربوية تقضي بأنّ بعض الصحابة يمكن أن يصل في قوّة الإيمان ورسوخ العقيدة إلى درجات عالية ، كما

__________________

(١) الأنعام : ١٤٩.

٤٤٤

يمكن أن يصل بعضهم في الكمال والفضيلة إلى درجات متوسطة ، ومن الممكن أن لا يتأثر بعضهم بالصحبة وسائر العوامل المؤثرة إلاّ شيئاً طفيفاً لا يجعله في صفوف العدول وزمرة الصالحين.

هذا هو مقتضى التحليل حسب الأُصول النفسية والتربوية غير أنّ البحث لا يكتمل ، ولا يصح القضاء البات إلاّ بالرجوع إلى القرآن الكريم حتى نقف على نظره فيهم كما تجب علينا النظرة العابرة إلى كلمات الرسول في حقّهم ، وملاحظة سلوكهم وحياتهم في زمنهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبعده.

الصحابة في الذكر الحكيم

نرى أنّ الذكر الحكيم يصنّف صحابة النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله ويمدحهم في ضمن أصناف نأتي ببعضها :

١. السابقون الأوّلون

يصف الذكر الحكيم السابقين الأوّلين من المهاجرين والانصار والتابعين لهم بأنّ الله رضي عنهم وهم رضوا عنه ، قال عزّ من قائل :( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ) (١) .

٢. المبايعون تحت الشجرة

يصف سبحانه جماعة من الصحابة الذين بايعوه تحت الشجرة بنزول

__________________

(١) التوبة : ١٠٠.

٤٤٥

السكينة عليهم ويقول في محكم كتابه :( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ المُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) (١) .

٣. المهاجرون

وهؤلاء الذين يصفهم تعالى ذكره بقوله :( لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) (٢) .

أصحاب الفتح

هؤلاء هم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في آخر سورة الفتح بقوله :( مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَٰلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) (٣) .

الأصناف الأُخرى للصحابة

فالناظر المخلص المتجرّد عن كل رأي مسبق ، يجد في نفسه تكريماً لهؤلاء

__________________

(١) الفتح : ١٨.

(٢) الحشر : ٨.

(٣) الفتح : ٢٩.

٤٤٦

الصحابة غير أنّ القضاء البات في عامة الصحابة ، يستوجب النظر إلى كل الآيات القرآنية الواردة في حقّهم ، فعندئذ يتبيّن لنا أنّ هناك أصنافاً أُخرى من الصحابة غير ما سبق ذكرها ، تمنعنا من أن نضرب الكل بسهم واحد ، ونصف الكل بالرضا والرضوان ، وهذا الصنف من الآيات يدل بوضوح على وجود مجموعات من الصحابة تضاد الأصناف السابقة في الخلقيات والملكات والسلوك والعمل ، وإليك قسطاً منهم :

١. المنافقون المعروفون

المنافقون المعروفون بالنفاق الذين نزلت في حقهم سورة « المنافقون » ، قال سبحانه :( إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ) ( إلى آخر سورة المنافقون ).

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن وجود كتلة قوية من المنافقين بين الصحابة آنذاك وكان لهم شأن ، فنزلت سورة قرآنية كاملة في حقّهم.

٢. المنافقون المختفون

تدل بعض الآيات على أنّه كانت بين الأعراب القاطنين خارج المدينة ومن نفس أهل المدينة ، جماعة مردوا على النفاق وكان النبي الأعظم لا يعرف بعضهم ، ومن تلك الآيات قوله سبحانه :( وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ ) (٢) .

__________________

(١) مردوا على النفاق : تمرنوا وتمرسوا عليه.

(٢) التوبة : ١٠١.

٤٤٧

لقد أعطى القرآن الكريم عناية خاصة بعصبة المنافقين وأعرب عن نواياهم وندّد بهم في السور التالية : البقرة ، آل عمران ، المائدة ، التوبة ، العنكبوت ، الأحزاب ، محمد ، الفتح ، الحديد ، المجادلة ، الحشر ، والمنافقون.

وهذا ان دلّ على شيء فإنّما يدل على أنّ المنافقين كانوا جماعة هائلة في المجتمع الإسلامي بين معروف ، عرف بسمة النفاق ووصمة الكذب ، وغير معروف بذلك مُقنّع بقناع التظاهر بالإيمان والحب للنبي ، فلو كان المنافقون جماعة قليلة غير مؤثرة لما رأيت هذه العناية البالغة في القرآن الكريم وهناك ثلة من المحقّقين كتبوا حول النفاق والمنافقين رسائل وكتابات ، وقد قام بعضهم بإحصاء ما يرجع إليهم فبلغ مقداراً يقرب من عشر القرآن الكريم(١) . وهذا ان دلّ على شيء فإنّما يدل على كثرة أصحاب النفاق وتأثيرهم يوم ذاك في المجتمع الإسلامي ، وعلى ذلك لا يصح لنا الحكم بعدالة كل من صحب مع غض النظر عن تلك العصابة المجرمة ، المتظاهرة بالنفاق أو المختفية في أصحاب النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٣. مرضى القلوب

وهذه المجموعة من الصحابة لم يكونوا من زمرة المنافقين ، بل كانوا يتلونهم في الروحيات والملكات مع ضعف في الإيمان والثقة بالله ورسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، قال سبحانه بحقهم :( وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا ) (٢) .

فانّى لنا أنّ نصف مرضى القلوب الذين ينسبون خلف الوعد إلى الله سبحانه وإلى رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله بالتقوى والعدالة ؟

__________________

(١) النفاق والمنافقون : تأليف الأُستاذ إبراهيم علي سالم المصري.

(٢) الأحزاب : ١٢.

٤٤٨

٤. السمّاعون

تلك المجموعة كانت قلوبهم كالريشة في مهب الريح تتمايل تارة إلى هؤلاء ، وأُخرى إلى أُولئك بسبب ضعف إيمانهم ، وقد حذّر الباري عزّ وجل المسلمين منهم حيث قال عز من قائل ، واصفاً إياهم بالسمّاعون لأهل الريب :( إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ *وَلَوْ أَرَادُوا الخُرُوجَ لأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ *لَوْ خَرَجُوا فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ) (١) ، وذيل الآية دليل على كون السمّاعين من الظالمين لا من العدول.

٥. خالطو العمل الصالح بالسيّء

وهؤلاء هم الذين يقومون بالصلاح والفلاح تارة ، والفساد والعبث مرة أُخرى ، فلأجل ذلك خلطوا عملاً صالحاً بعمل سيّء ، قال سبحانه :( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا ) (٢) .

٦. المشرفون على الارتداد

إنّ بعض الآيات تدلّ على أنّ مجموعة من الصحابة كانت قد أشرفت على الارتداد يوم دارت عليهم الدوائر ، وكانت الحرب بينهم وبين قريش طاحنة فأحسّوا بضعفهم ، وقد أشرفوا على الارتداد عرفهم الحق سبحانه بقوله :( وَطَائِفَةٌ

__________________

(١) التوبة : ٤٥ ـ ٤٧.

(٢) التوبة : ١٠٢.

٤٤٩

قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) (١) .

٧. الفاسق

إنّ القرآن الكريم يحثّ المؤمنين وفي مقدمتهم الصحابة الحضور ، على التحرّز من خبر الفاسق حتى يتبيّن ، فمن هذا الفاسق الّذي أمر القرآن بالتحرز منه ؟ اقرأ أنت ما نزل حول الآية من شأن النزول واحكم بما هو الحق ، قال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ) (٢) .

فإنّ من المجمع عليه بين أهل العلم انّه نزل في حق الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وذكره المفسّرون في تفسير الآية ، فلا نحتاج إلى ذكر المصادر.

كما نزل في حقّه قوله تعالى :( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ ) (٣) . نقل الطبري في تفسيره باسناده إنّه كان بين الوليد وعلي ، كلام فقال الوليد : أنا أبسط منك لساناً وأحدّ منك سناناً وأرد منك للكتيبة ، فقال عليعليه‌السلام : « اسكت فإنّك فاسق » فأنزل الله فيهما :( أَفَمَن كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لاَّ يَسْتَوُونَ ) (٤) .

وقد نظم الحديث حسان بن ثابت ( شاعر عصر الرسالة ) وقال :

__________________

(١) آل عمران : ١٥٤.

(٢) الحجرات : ٦.

(٣) السجدة : ١٨.

(٤) تفسير الطبري : ٢١ / ٦٢ ; تفسير ابن كثير : ٣ / ٤٦٢.

٤٥٠

أنزل الله والكتاب عزيز

في علي وفي الوليد قرآنا

فتبوّأ الوليد إذ ذاك فسقاً

وعلي مبوّأ إيمانا

ليس من كان مؤمناً عرف

الله كمن كان فاسقاً خوّانا

سوف يدعى الوليد بعد قليل

وعلي إلى الحساب عيانا

فعلي يجزى بذاك جناناً

ووليد يجزى بذاك هوانا(١)

أفهل يمكن لباحث حر ، التصديق بما ذكره ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر وفي مقدمتهم أبو زرعة الرازي الّذي هاجم المتفحّصين المحقّقين في أحوال الصحابة واتّهمهم بالزندقة.

٨. المسلمون غير المؤمنين

إنّ القرآن يعد جماعة من الأعراب الذين رأوا النبي وشاهدوه وتكلّموا معه ، مسلمين غير مؤمنين وانّهم بعد لم يدخل الإيمان في قلوبهم قال سبحانه :( قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) (٢) .

أفهل يصح عد عصابة غير مؤمنين من العدول الأتقياء ؟!

٩. المؤلّفة قلوبهم

اتفق الفقهاء على أنّ المؤلّفة قلوبهم ممّن تصرف عليهم الصدقات ، قال

__________________

(١) تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي : ١١٥ ; « كفاية » الگنجي : ٥٥ ; مطالب السؤول : ٢٠ ; شرح النهج : ٢ / ١٠٣ ، الطبعة القديمة ; جمهرة الخطب : ٢ / ٢٣ ; لاحظ الغدير : ٢ / ٤٢.

(٢) الحجرات : ١٤.

٤٥١

سبحانه :( إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) (١) .

والمراد من( وَالمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ) : الذين كانوا في صدر الإسلام ممّن يظهرون الإسلام ، يتألّفون بدفع سهم من الصدقة إليهم لضعف يقينهم ، وهناك أقوال أُخرى فيهم متقاربة ، والكل يهدف إلى الإعطاء لمن لا يتمكن إسلامه حقيقة إلاّ بالعطاء(٢) .

١٠. المولّون أمام الكفّار

إنّ التولّي عن الجهاد والفرار منه ، من الكبائر الموبقة الّتي ندّد بها سبحانه بقوله :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبَارَ * وَمَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلاَّ مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ ) (٣) .

إنّ التحذير من التولّي والفرار من الزحف ، والحثّ على الصمود أمام العدو ، لم يصدر من القرآن إلاّ بعد فرار مجموعة كبيرة من صحابة النبي في غزوة « أُحد » و « حنين ».

أمّا الأوّل ، فيكفيك قول ابن هشام في تفسير الآيات النازلة في أُحد ، قال : ثم أنّبهم بالفرار عن نبيّهم وهم يدعون ، لا يعطفون عليه لدعائه إيّاهم فقال :

__________________

(١) التوبة : ٦٠.

(٢) تفسير القرطبي : ٨ / ١٨٧. لاحظ المغني لابن قدامة : ٢ / ٥٥٦.

(٣) الأنفال : ١٥ ـ ١٦.

٤٥٢

( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ) .

وأمّا الثاني : فقد قال ابن هشام فيه أيضاً : فلمّا انهزم الناس ورأى من كان مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من جفاة أهل مكة ، الهزيمة ، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن ، فقال أبو سفيان بن حرب : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر ، وصرخ جبلة بن حنبل : ألا بطل السحر اليوم(١) .

أفبعد هذا يصح أن يعد جميع الصحابة بحجة أنّهم رأوا نور النبوة عدولاً أتقياء ؟!

قال القرطبي في « تفسيره » قد فرّ الناس يوم « أُحد » وعفا الله عنهم ، وقال الله فيهم يوم حنين :( ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ ) ثم ذكر فرار عدة من أصحاب النبي من بعض السرايا(٢) .

هذا الإمام الواقدي يرسم لنا تولّي الصحابة منهزمين ويقول : فقالت أُم الحارث فمر بي عمر بن الخطاب ، فقالت أُم الحارث : يا عمر ما هذا ؟ فقال عمر : « أمر الله » ، وجعلت أُم الحارث تقول : يا رسول الله من جاوز بعيري فاقتله(٣) .

هذه هي الأصناف العشرة من صحابة النبي ممّن لا يمكن توصيفهم بالعدالة والتقوى ، أتينا بها في هذه العجالة مضافاً إلى الأصناف المضادة لها ، ولكن نلفت نظر القارئ الكريم إلى الآيات الواردة في أوائل سورة البقرة وسورة النساء

__________________

(١) سيرة ابن هشام : ٣ / ١١٤ و ٤ / ٤٤٤. ولاحظ التفاسير.

(٢) تفسير القرطبي : ٧ / ٣٨٣.

(٣) مغازي الواقدي : ٣ / ٩٠٤. انّ تعليل الفرار عن الزحف بقضاء الله كتعليل عباد الأوثان شركهم به كما في قوله سبحانه حاكياً عن المشركين :( لَوْ شَاءَ اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا ) ( الأنعام : ١٤٨ ) وتلزم من ذلك تبرئة العصاة والكفّار ، لأنّ أعمالهم كلّها بقضاء منه.

٤٥٣

وغيرها من الآيات القرآنية ، فترى فيها أنّ الإيمان بعدالة الصحابة مطلقاً خطأ في القول ، وزلة في الرأي ، يضاد نصوص الذكر الحكيم ، ولم يكن الصحابة إلاّ كسائر الناس ، فيهم صالح تقي بلغ القمة في التقى والنزاهة ، وفيهم طالح شقي سقط إلى هوة الشقاء والدناءة ، ولكن الّذي يميّز الصحابة عن غيرهم انّهم رأوا نور النبوة وتشرّفوا بصحبة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وشاهدوا معجزاته في حلبة المباراة بأُمّ أعينهم ، ولأجل ذلك تحمّلوا مسؤولية كبيرة أمام الله وأمام رسوله وأمام الأجيال المعاصرة لهم واللاحقة بهم ، فإنّهم ليسوا كسائر الناس فزيغهم وميلهم عن الحق أشد لا يعادل زيغ أكثر الناس وانحرافهم ، وقد قال سبحانه في حق أزواج النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله :( يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ) (١) ، فلو انحرف هؤلاء فقد انحرفوا في حال شهدوا النور ، ولمسوا الحقيقة ، وشتان الفرق بينهم وبين غيرهم.

الصحابة في السنّة النبوية

إذا راجعنا الصحاح والمسانيد نجد انّ أصحابها أفردوا باباً بشأن فضائل الصحابة ، إلاّ أنّهم لم يفردوا باباً في مثالبهم ، بل أقحموا ما يرجع إلى هذه الناحية في أبواب أُخر ستراً لمثالبهم ، وقد ذكرها البخاري في الجزء التاسع من صحيحه في باب الفتن ، وأدرجها ابن الأثير في جامعه في أبواب القيامة عند البحث عن الحوض ، والوضع الطبيعي لجمع الأحاديث وترتيبها كان يقتضي عقد باب مستقل للمثالب في جنب الفضائل حتّى يطّلع القارئ على قضاء السنّة حول صحابة النبي الأكرم.

روى أبو حازم ، عن سهل بن سعد قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « أنا فرطكم على

__________________

(١) الأحزاب : ٣٢.

٤٥٤

الحوض من ورد شرب ، ومن شرب لم يظمأ أبداً ، وليردنّ عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ، ثم يحال بيني وبينهم » قال أبو حازم : فسمع النعمان بن أبي عياش وأنا أُحدّثهم بهذا الحديث فقال : هكذا سمعت سهلاً يقول ؟ فقلت : نعم. قال : وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد فيقول : « إنّهم مني » ، فيقال : إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول : « سحقاً سحقاً لمن بدّل بعدي ». أخرجه البخاري ومسلم(١) .

وظاهر الحديث أنّ المراد بقرينة « بدّل بعدي » أصحابه الذين عاصروه وصحبوه وكانوا معه مدة ثم مضوا.

روى البخاري ومسلم أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهط من أصحابي ـ أو قال من أُمّتي ـ فيحلؤون عن الحوض ، فاقول : يا رب أصحابي ، فيقول : إنّه لا علم لك بما أحدثوا بعدك ، انّهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى »(٢) .

ثم قال : وللبخاري : أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « بينما أنا قائم على الحوض إذا زمرة حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال : هلمّ ، فقلت : أين ؟ فقال : إلى النار والله ، فقلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم ارتدوا على أدبارهم القهقرى ، ثم إذا زمرة أُخرى حتّى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم ، فقال لهم : هلمّ ، قلت : إلى أين ؟ قال : إلى النار والله ، قلت : ما شأنهم ؟ قال : إنّهم قد ارتدوا على أدبارهم ، فلا أراه يخلص منهم إلاّ مثل همل النعم »(٣) .

__________________

(١) جامع الأُصول : ١١ / ١٢٠ ، الحديث ٧٩٧٢ ، كتاب الحوض في ورود الناس عليه. و « الفرط » : المتقدّم قومه إلى الماء ويستوي فيه الواحد والجمع ، يقال رجل فرط وقوم فرط.

(٢) جامع الأُصول : ١١ / ١٢٠ ، الحديث ٧٩٧٣.

(٣) جامع الأُصول : ١١ / ١٢١. و « همل النعم » كناية عن أنّ الناجي عدد قليل.

وقد اكتفينا من الكثير بالقليل ، ومن أراد الوقوف على ما لم نذكره ، فليرجع إلى « جامع الأُصول ».

٤٥٥

وظاهر الحديث بقرينة « حتّى إذا عرفتهم » وقوله : « ارتدوا على أدبارهم القهقرى » أنّ الذين أدركوا عصره وكانوا معه هم الذين يرتدون بعده.

الصحابة والتاريخ المتواتر

كيف يمكن عد الصحابة جميعاً عدولاً والتاريخ بين أيدينا نرى أنّ بعضهم ظهر عليه الفسق في حياة النبي وبعدها كوليد بن عقبة.

أمّا ظهور الفسق في حياة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : فقد عرفت نزول الآية في حقّه.

وأمّا ظهوره بعدها : فقد روى أصحاب السير والتاريخ أنّ الوليد بن عقبة أيام ولايته بالكوفة شرب الخمر ، وقام ليصلّي بالناس صلاة الفجر ، فصلّى أربع ركعات وكان يقول في ركوعه وسجوده : اشربي واسقني ، ثم قام في المحراب ، ثم سلم وقال : هل أزيدكم ، إلى آخر ما ذكروه(١) .

وبعضهم ظهرت عليه سمة الارتداد عندما بدت علائم الهزيمة عند المسلمين فقال : لا تنتهي هزيمتهم دون البحر(٢) . وقال الآخر : ألا بطل السحر اليوم(٣) .

وهذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يخاطب ذي الخويصرة عندما قال للنبي في تقسيم غنائم حنين : اعدل بقوله : « ويحك إن لم يكن العدل عندي فعند من يكون ؟ » ثم قال : « فانّه يكون له شيعة يتعمّقون في الدين حتّى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية »(٤) .

__________________

(١) الكامل : ٢ / ٤٢ ; أُسد الغابة : ٥ / ٩١ وغيرهما.

وقد أقام الإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام عليه الحد في خلافة عثمان بإصرار من الناس وإلحاح منهم لئلاً تتعطّل الحدود.

(٢) سيرة ابن هشام : ٤ / ٨٦ ، والقائل أبو سفيان.

(٣) سيرة ابن هشام : ٤ / ٨٦ ، والقائل كَلَدة ابن الحنبل ، فقال له صفوان : اسكت فض الله فاك.

(٤) سيرة ابن هشام : ٤ / ١٣٩.

٤٥٦

وهذا أبو سفيان يضرب برجله قبر حمزةعليه‌السلام ويقول : إنّ الملك الّذي كنّا نتنازع عليه أصبح اليوم بيد صبياننا(١) .

وهذا أبو سفيان عندما بويع عثمان ، دخل إليه بنو أبيه حتّى امتلأت بهم الدار ثم أغلقوها عليهم ، فقال أبو سفيان : أعندكم أحد من غيركم ؟ قالوا : لا ، قال : يا بني أُمية تلقّفوها تلقّف الكرة ، فو الّذي يحلف به أبو سفيان ما من عذاب ولا جنة ولا نار ولا بعث ولا قيامة(٢) .

أفهل بعد كلمات الردة الخبيثة هذه يصح لمسلم أن يعد هؤلاء وأمثالهم من صنف العدول وطبقة الصالحين ويعد جرحهم إبطالاً للكتاب والسنّة وتضعيفاً لشهود المسلمين ؟!!

آراء الصحابة بعضهم حول بعض

النظرة العابرة إلى تاريخ الصحابة تقضي بأنّ بعضهم كان يتهم الآخر بالنفاق والكذب ، كما أنّ بعضهم يقاتل بعضاً ، ويقود جيشاً لمحاربته ، فقتل بين ذلك جماعة كثيرة ، أفهل يمكن تبرير أعمالهم من الشاتم والمشتوم ، والقاتل والمقتول ، عدولاً ومثل للفضل والفضيلة ، وإليك نزراً يسيراً من تاريخهم ممّا حفظته يد النقل غفلة عن المبادئ العامة لأصحاب الحديث :

١. روى البخاري مشاجرة سعد بن معاذ مع سعد بن عبادة سيد الخزرج في قضية الإفك ، قال : قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فاستعدا يومئذ من عبد الله ابن أُبي وهو على المنبر فقال : « يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في

__________________

(١) قاموس الرجال : ١٠ / ٨٩ ، نقلاً عن الشرح الحديدي.

(٢) الشرح الحديدي : ٩ / ٥٣ ، نقلاً عن كتاب السقيفة للجوهري.

٤٥٧

أهلي ، والله ما علمت على أهلي إلاّ خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلاّ خيراً وما يدخل على أهلي إلاّ معي » فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل فقال : أنا يا رسول الله أعذرك ، فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ، ففعلنا أمرك ، فقام رجل من الخزرج ـ وهو سعد بن عبادة ، وهو سيد الخزرج ، وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً ، ولكن احتملته الحمية ـ فقال لسعد : كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله ، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل ، فقام أسيد بن حضير ـ وهو ابن عم سعد ـ فقال لسعد بن عبادة : كذبت لعمر الله لنقتلنّه ، فانّك منافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيان : الأوس والخزرج حتّى هموا أن يقتتلوا ورسول الله قائم على المنبر ، فلم يزل رسول الله يخفضهم حتّى سكتوا وسكت(١) .

اقرأ فاقض ، فإنّ هؤلاء يتهم بعضهم بعضاً بالكذب والنفاق ، ونحن نعتبرهم عدولاً صلحاء ، والإنسان على نفسه بصيرة.

٢. انّ الحروب الدائرة بين الصحابة أنفسهم وحتّى الثورة الّتي أقامها أصحاب النبي ومن اتّبعهم على عثمان بن عفان وجرّت إلى قتله أفضل دليل على أنّه لا يصحّ تعريف الصحابة وتوصيفهم بالعدالة والتقوى ، إذ كيف يصحّ أن يكون القاتل والمقتول على الحق والعدالة.

وهذا هو طلحة وهذا الزبير قد جهّزا جيشاً جرّاراً لحرب الإمام عليعليه‌السلام وأعانتهما أُمّ المؤمنين ، فَقُتلت جماعة كثيرة بين ذلك ، فهل يمكن تعديل كل هذه الجماعة حتّى الباغين على الإمام المفترض الطاعة بالنص أوّلاً ، وبيعة المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان ثانياً ؟!

__________________

(١) صحيح البخاري : ٥ / ١٥١ ـ ١٥٢ ، في تفسير سورة النور.

٤٥٨

وهذا معاوية بن أبي سفيان يعد من الصحابة وقد صنع بالإسلام والمسلمين ما قد صنع ممّا هو مشهور في التاريخ ، ومن ذلك انّه حارب الإمام علياً عليه الصلاة والسلام في صفين ، وكان مع علي كل من بقي من البدريين وهم قريب من مائة شخص ، فهل من حارب هؤلاء الصحابة جميعاً بما فيهم سيد الصحابة عليعليه‌السلام يعد من أهل الفضل والصلاح والعدالة ؟! فاقض ما أنت قاض.

نقل صاحب المنار : إنّه قال أحد علماء الألمان في « الاستانة » لبعض المسلمين وفيهم أحد شرفاء مكة : إنّه ينبغي لنا أن نقيم تمثالاً من الذهب لمعاوية بن أبي سفيان في ميدان كذا من عاصمتنا « برلين » ، قيل له : لماذا ؟ قال : لأنّه هو الّذي حول نظام الحكم الإسلامي عن قاعدته الديمقراطية إلى عصبية الغلب ( الملك لمن غلب ) ولولا ذلك ، لعم الإسلام العالم كله ، ولكنّا نحن الألمان وسائر شعوب أوربا عرباً مسلمين(١) .

هذا خال المؤمنين الّذي يترحّم عليه خطباء الجمعة والجماعة ، فكيف حال غيره ؟! أضف إليه ما له من الموبقات والمهلكات ممّا لا يمكن لأحد إنكاره ، والاعتذار منه في تبرير أعماله القاسية باجتهاده في ما ناء به وباء بإثمه من حروب دامية وإزهاق نفوس بريئة تعد بالآلاف المؤلفة ليس إلاّ ضلالة وخداعاً للعقل ، فإنّه اجتهاد على خلاف الله وضد رسوله ، وإلاّ يصحّ أن يعد جميع المناوئين للإسلام مجتهدين في صدر الإسلام ومؤخّره.

هذا مجمل القول في هذا الأصل الّذي اتّخذه أصحاب الحديث أصلاً من أُصول الإسلام ، ثم أدخله الأشعري في الأُصول الّتي يتبنّاها أكثر أهل السنّة والجماعة.

__________________

(١) تفسير المنار : ١١ / ٢٦٩ ، في تفسير سورة يونس.

٤٥٩

التعذير التافه أو أُسطورة الاجتهاد

وما أتفه قول من يريد تبرير عمل هؤلاء بالاجتهاد ، وأنّهم كانوا مجتهدين في أعمالهم وأفعالهم ، أهل يصحّ تبرير عمل القتل والفتك والخروج على الإمام المفترضة طاعته ، بالاجتهاد ؟! ولو صحّ هذا الاجتهاد ( ولن يصحّ أبداً ) لصح من كل من خالف الحق وحالف الباطل من اليهود والنصارى وغيرهم من الطغام اللئام.

أيّ قيمة للاجتهاد في قبال النص وصريح السنّة النبوية وإجماع الأُمّة. أيّ قيمة للاجتهاد الّذي أباح دماء المسلمين ودمر كيانهم وشق عصاهم وفكك عرى وحدته ، أيّ ، أيّ ، أيّ ؟!!

إنّ القائلين بعدالة الصحابة يتمسكون بما يروون عن النبي أنّه قال : أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم(١) . غير أنّ متن الحديث يكذب صدوره عن النبي ، إذ ليس كل نجم هادياً للإنسان في البر والبحر ، بل هناك نجوم خاصة موجبة للاهتداء ، ولأجل ذلك قال سبحانه :( وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ) (٢) .

ولم يقل « وبالنجوم يهتدون » ، ولو كان كل نجم هادياً للضال لكان الأنسب الإتيان بصيغة الجمع ، ولو افترضنا صحة الاهتداء بكل نجم في السماء ، أهل يمكن أن يكون كل صحابي نجماً لامعاً في سماء الحياة ، هادياً للأُمّة ؟!!

هذا قدامة بن مظعون صحابي بدري يعد من السابقين الأوّلين ومن

__________________

(١) جامع الأُصول : ٩ / ٤١٠ ، الحديث ٦٣٥٩ ، كتاب الفضائل.

(٢) النحل : ١٦.

٤٦٠