مفاهيم القرآن الجزء ٥

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-6243-75-4
الصفحات: 530
المشاهدات: 20710
تحميل: 573


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 530 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 20710 / تحميل: 573
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 5

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-6243-75-4
العربية

العباسيين ؟ وهل الإسلام اعتز بخلافة معاوية ثم ابنه يزيد ، ثم المروانيين وبعدهم العباسيون ؟!

نعم هذه الأحاديث الّتي جاءت في صحيح مسلم لا تنطبق إلاّ على الأئمة الاثني عشر ، الذين ذهبت الإمامية إلى خلافتهم وجاءت النصوص على إمامتهم من النبي الأكرم وأهل بيته على وجه لو جمعت تلك النصوص لصارت كتاباً مفرداً ضخماً وقد اعتز الإسلام بعلومهم وسلوكهم.

وفي ختام دراسة هذا الشرط نلفت نظر الكاتب إلى أنّه إذا كانت الحكومة الوراثية شعار الحكومات المادية ، فيجب تنزيه النبوّات على الإطلاق عنها من غير فرق بين الدائمة والمؤقتة ، ومع ذلك كلّه نرى وجود الحكومة الوراثية في النبوّات السابقة ، قال سبحانه :( أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) (١) ، فالله سبحانه وهب الملك العظيم لآل إبراهيم ، فجعل من بينهم ملوكاً وأُمراء فلو كانت الحكومة الوراثية رمز الحكومات المادية البشرية ، فلماذا وهبها سبحانه للأنبياء من ذرية إبراهيمعليه‌السلام إذ قال :( أَمْ يَحْسُدُونَ ) الخ ؟

وقال سبحانه :( وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ ) (٢) ، هذا كلّه حول الشرط الثاني من الشرائط الّتي انتخبها الأُستاذ للنبوّات الخالدة حسب ذوقه ، وقد عرفت أنّ الكتاب والسنّة يخالفاه ، وإليك تحليل الشرط الثالث.

__________________

(١) النساء : ٥٤.

(٢) المائدة : ٢٠.

٥٠١

الشرط الثالث للرسالة الخالدة

قال الأُستاذ :

يجب أن تكون الصحيفة السماوية الأخيرة الّتي نزلت على النبيِّ الخاتم ( والّتي تعتبر أساساً لدينه ، ومصدراً لتعاليمه ودعوته ووسيلة دائمة لربط الخلق بخالقه ) مصونة سالمة في كل حرف من حروفها ونقطها.

أقول : لا شك أن الرسول الخاتم لأجل خلود رسالته ودوام نبوّته يجب أن تكون صحيفته السماوية مصونة عن كلِّ تحريف ، لأنّ المفروض أنّ رسالته خاتمة الرسالات ونبوّته خاتمة النبوّات ، وكتابه خاتم الكتب ، لا ينزل بعده أيّ كتاب وصحيفة إلى يوم القيامة ، وعلى ضوء ذلك لا محيص عن تعلّق مشيئته الحكيمة على حفظه وصيانته ، ليتسنّى للبشر إلى يوم القيامة العمل ببرامج وتعاليم تلك الرسالة ، ولو طرأ عليه التحريف لما تسنّى للأجيال الآتية القيام بوظائفهم الحقيقية وعندئذ ضاعت غاية « البعثة » وهدفها ويكون الناس إلى يوم القيامة جاهلين بالشريعة.

وقد ذهب المحقّقون من الشيعة والسنّة إلى تحقّق هذا الشرط في نبوّة النبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله وإن وجد بين الطائفتين من الحشوية من السنّة ، والاخبارية من الشيعة من ذهب إلى طروء التحريف على كتابه ، لكن القول به شاذ في كلتا الطائفتين والروايات الواردة في كتبهم روايات شاذة لا يعبأ بها ، والرأي السائد في عامّة الأجيال بين الفريقين هو صيانة الكتاب من التحريف ، أمّا السنّة فقد تسالم عليها الأُستاذ ، وأمّا الشيعة فقد نسب إليهم الكاتب التحريف تقليداً لمن سبقه من رماة القول على عواهنه ، ومن راجع كتب المحقّقين منهم يرى اتّفاقهم على ذلك ،

٥٠٢

ونحن نأتي بأسماء مجموعة منهم ، وإن كان الفائت من أسمائهم أكثر ممّا أتينا به :

١. أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المعروف بالصدوق ( المتوفّى ٣٨١ ه‍ ) يقول : اعتقادنا في القرآن انّه كلام الله ووحيه وتنزيله وقوله وكتابه وإنّه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم عليم ، وانّه القصص الحق ، وانّه لحق فصل وما هو بالهزل ، وانَّ الله تبارك وتعالى محدثه ومنزله وربّه وحافظه والمتكلّم به(١) .

٢. السيد المرتضى علي بن الحسين الموسوي العلوي ( المتوفّى ٤٣٦ ه‍ ) قال : إنَّ جماعة من الصحابة مثل عبد الله بن مسعود ، وأُبي بن كعب وغيرهما ختموا القرآن على النبي عدّة ختمات ، وكل ذلك يدل بأدنى تأمل على أنّه كان مجموعاً مرتباً غير مبتور ولا مبثوث(٢) .

٣. أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة ( المتوفّى ٤٦٠ ه‍ ) : قال : وأمّا الكلام في زيادة القرآن ونقصه فممّا لا يليق به أيضاً ، لأنّ الزيادة فيه مجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان فالظاهر أيضاً من مذهب المسلمين خلافه ، وهو الأليق بالصحيح من مذهبنا ، وهو الّذي نصره المرتضى ، وهو الظاهر في الرواية ، قيل إنّه رويت روايات كثيرة من جهة الشيعة وأهل السنّة ينقصان كثير من آي القرآن ونقل شيء منه من موضع إلى موضع ، لكن طريقها الآحاد الّتي لا توجب علماً ولا عملاً ، والأولى الإعراض عنها(٣) .

٤. أبو علي الطبرسي ، صاحب تفسير « مجمع البيان » يقول : الكلام في زيادة

__________________

(١) الاعتقادات : ٩٣.

(٢) مجمع البيان : ١ / ١٠ ، نقلاً عن جواب المسائل الطرابلسيات للسيد.

(٣) التبيان : ١ / ٣.

٥٠٣

القرآن ونقصانه ، أمّا الزيادة فيه فمجمع على بطلانها ، وأمّا النقصان منه فقد روى جماعة من أصحابنا وقوم من حشوية العامّة أنّ في القرآن تغييراً أو نقصاناً والصحيح من مذهب أصحابنا خلافه(١) .

٥. السيد علي بن طاووس الحلي ( المتوفّى ٦٦٤ ه‍ ) : قال : إنّ رأي الإمامية هو عدم التحريف(٢) .

٦. الشيخ زين الدين العاملي النباطي البياضي ( المتوفّى ٨٧٧ ه‍ ) يقول في تفسير قوله :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (٣) : أي إنّا لحافظون له من التحريف والتبديل والزيادة والنقصان(٤) .

٧. القاضي السيد نور الله التستري صاحب كتاب « إحقاق الحق » ( المتوفّى ١٠١٩ ه‍ ) يقول : ما نسب إلى الشيعة الإمامية من وقوع التغيير في القرآن ليس ممّا يقول به جمهور الإمامية إنّما قال به شرذمة قليلة منهم ، لا اعتداد لهم فيما بينهم(٥) .

٨. الشيخ البهائي نابغة عصره ونادرة دهره محمد بن حسين المشتهر ببهاء الدين العاملي ( المتوفّى ١٠٣٠ ه‍ ) قال : الصحيح أنّ القرآن العظيم محفوظ عن ذلك زيادة كان أو نقصاناً ، وما اشتهر بين العلماء من إسقاط اسم أمير المؤمنينعليه‌السلام منه في بعض المواضع فهو غير معتبر عند العلماء(٦) .

٩. المحدّث الأكبر الفيض الكاشاني ( المتوفّى ١٠٩١ ه‍ ) صاحب كتاب « الوافي » الّذي يعد من الجوامع الحديثية المتأخرة قال : وقال الله تعالى :( وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ *لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ ) (٧) وقال :( إِنَّا نَحْنُ

__________________

(١) مجمع البيان : ١ / ١٠.

(٢) سعد السعود : ١٤٤.

(٣) الحجر : ٩.

(٤) إظهار الحق : ٢ / ١٣٠.

(٥) و (٦) آلاء الرحمان : ١ / ٢٥ ـ ٢٦.

(٧) فصلت : ٤١ ـ ٤٢.

٥٠٤

نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) عندئذ كيف يتطرّق إليه التحريف والتغيير مع أنّ خبر التحريف مخالف لكتاب الله ، مكذب له ، فيجب ردّه والحكم بفساده وتأويله(١) .

١٠. الشيخ الحر العاملي ( المتوفّى ١١٠٤ ه‍ ) قال : والمتتبع للتاريخ والأخبار والآثار يعلم يقيناً بأنّ القرآن ثابت بغاية التواتر ، وبنقل الآلاف من الصحابة ، وانّ القرآن كان مجموعاً مؤلفاً في عهد الرسول(٢) .

هذه هي الشخصيات الكبيرة من الإمامية الذين عرفت تنصيصهم على عدم طروء تحريف على الذكر الحكيم ، وقد جئنا بأسماء القائلين بعدم التحريف إلى نهاية القرن الحادي عشر ، وأمّا الذين نصّوا على عدم التحريف في القرون الأخيرة فحدّث عنهم ولا حرج ، كيف ، وقد ألّفوا رسائل كبيرة وصغيرة حول الموضوع ، ونحن نسأل الأُستاذ بأيّ دليل يقول بأنّ تنصيص الشخصيات الأربع الأُول على عدم التحريف من باب التقية ، أهكذا أدب العلم وأدب الإسلام ؟ أليس الله تعالى يقول :( وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَىٰ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ) (٣) ؟! والعجب أنّه يستشهد على هذا النظر بقول أعداء الشيعة ويترك قول علمائهم ، وبما أنّ الكاتب يستند في بعض أبحاثه إلى كلمات قائد الثورة الإسلامية الإمام الخميني ـ دام ظله ـ نأتي بنصِّ كلامه في هذا الموضع ، وهذا ما جاء في محاضراته الّتي أُلقيت قبل بضع وثلاثين سنة :

« إنّ الواقف على عناية المسلمين بجمع الكتاب وحفظه وضبطه قراءة وكتابة ، يقف على بطلان تلك المزعمة ( التحريف ) وانّه لا ينبغي أن يركن إليها ذو

__________________

(١) تفسير الصافي : ١ / ٥١.

(٢) راجع آلاء الرحمان : ١ / ٢٥.

(٣) النساء : ٩٤.

٥٠٥

مسكة ، وما وردت فيه من الأخبار ، بين ضعيف لا يستدل به ، إلى مجعول يلوح منه أمارات الجعل ، إلى غريب يقضي منه العجب ، إلى صحيح يدل على أنّ مضمونه تأويل الكتاب وتفسيره ، إلى غير ذلك من الأقسام الّتي يحتاج بيان المراد منها إلى تأليف كتاب حافل ، ولولا خوف الخروج عن طور البحث لأرخينا عنان البيان إلى تشريح تاريخ القرآن وما جرى عليه طيلة القرون ، وأوضحنا لك أنّ الكتاب هو عين ما بين الدفتين ، والاختلاف الناشئ بين القرّاء ليس إلاّ أمراً حديثاً لا ربط له بما نزل به الروح الأمين على قلب سيد المرسلين(١) .

الرسائل المفردة حول صيانة القرآن من التحريف

إنّ علماء الشيعة الإمامية لم يقتصروا على هذه الجمل القصيرة حول صيانة الذكر الحكيم من التحريف بل ألّفوا رسائل مفردة منذ أربعة قرون حولها :

١. الشيخ الحر العاملي قد أفرد رسالة في هذا الموضوع أسماها « تواتر القرآن »(٢) .

٢. الشيخ عبد العالي الكركي ، فقد ألّف رسالة في نفي النقيصة عن القرآن ، ذكرها العلاّمة الشيخ محمد جواد البلاغي في « آلاء الرحمن »(٣) . وقد جاء في الرسالة كلام الصدوق ، ثم أعترض على نفسه بورود روايات تدل على التحريف ، فأجاب بأنّ الحديث إذا جاء على خلاف الدليل من الكتاب والسنّة المتواترة أو الإجماع ولم يتمكن تأويله ولا حمله على بعض الوجوه ، وجب طرحه.

__________________

(١) تهذيب الأُصول : ٢ / ٩٦ ، تقريرات أبحاث الإمام الخميني بقلم جعفر السبحاني.

(٢) أمل الآمل : ١ / ٣١.

(٣) آلاء الرحمن : ١ / ٢٦.

٥٠٦

٣. المتتبع البارع الشيخ آغا بزرگ الطهراني مؤلف « الذريعة إلى تصانيف الشيعة » ، فقد أفرد رسالة أسماها « النقد اللطيف في نفي التحريف ».

٤. العلاّمة الحجة الشيخ عبد الحسين الرشتي الحائري ، فقد ألّف رسالة حول الموضوع أسماها « كشف الاشتباه ».

٥. خصص العلاّمة المحقّق السيد الطباطبائي بحثاً مبسوطاً في صيانة الذكر الحكيم في ميزانه ، في تفسير قوله :( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) (١) .

٦. انّ العلاّمة المحقّق السيد الخوئي ـ دام ظلّه ـ قد أفرد بحثاً ضافياً حول صيانة الذكر الحكيم في كتابه « البيان في تفسير القرآن » ، وقد أغرق نزعاً في التحقيق فلم يبق في القوس منزعاً.

٧. وقد قام العلاّمة الشيخ رسول جعفريان بتأليف رسالة نافعة حول الموضوع أسماها « أُكذوبة تحريف القرآن » حياه الله وبياه.

٨. العلاّمة الشيخ آية الله محمد هادي معرفة ، فقد قام بتأليف كتاب قيّم حول الموضوع أسماه « صيانة القرآن من التحريف » طبع في قم المقدسة سنة ١٤١٣ ه‍ ، وهو من منشورات مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين.

وليست عقيدة الشيعة حول الذكر الحكيم أمراً مخفياً على المحقّقين من السنّة ، فهذا علاّمة الهنود رحمة الله الهندي نقل عقيدة الشيعة في كتابه ، وقال : إنّ القرآن المجيد عند جمهور علماء الشيعة الإمامية الاثني عشرية محفوظ عن التغيير والتبديل ، ومن قال منهم بوقوع النقصان فيه ، فقوله مردود غير مقبول عندهم(٢) .

__________________

(١) الميزان : ١٢ / ١٠٦ ـ ١٣٧.

(٢) إظهار الحق : ٢ / ١٢٨.

٥٠٧

وأخيراً نلفت نظر القارئ ، إلى محقّق عصرنا السيد عبد الحسين شرف الدين العاملي ، فقد قال في كتابه « أجوبة مسائل موسى جار الله » نسب إلى الشيعة القول بتحريف القرآن بإسقاط كلمات وآيات ، ثم قال : نعوذ بالله من هذا القول ، ونبرأ إلى الله تعالى من هذا الجهل ، وكلُّ من نسب هذا الرأي إلينا ، جاهل بمذهبنا أو مفتر علينا ، فإنّ القرآن العظيم والذكر الحكيم متواتر من طرقنا بجميع آياته وكلماته وسائر حروفه وحركاته وسكناته تواتراً قطعياً عن أئمّة الهدى من أهل البيتعليهم‌السلام ولا يرتاب في ذلك إلاّ معتوه(١) .

ثم إنّ المتحاملين على الشيعة في مسألة تحريف القرآن يستندون إلى كتاب « فصل الخطاب » للمحدّث النوري الّذي جمع فيه المسانيد والمراسيل الّتي استدل بها على النقيصة ، ولكن غفل المتحامل عن الرسائل الكثيرة الّتي أُلّفت ردّاً عليه ، وكفى بذلك ما ذكره العلامة البلاغي فقال : إنّ القسم الوافر من الروايات ترجع أسانيده إلى بضعة أنفار وقد وصف علماء الرجال كلاًّ منهم بأنّه :

١. إمّا ضعيف الحديث ، فاسد المذهب ، مجفو الرواية.

٢. وإمّا بأنّه مضطرب الحديث والمذهب يعرف حديثه وينكر ، ويروي عن الضعفاء.

٣. وإمّا بأنّه كذّاب متهم لا استحل أن أروي من تفسيره حديثاً واحداً ، وانّه معروف بالوقف وأشد الناس عداوة للرضاعليه‌السلام .

٤. وإمّا بأنّه كان غالياً كذّاباً.

٥. وإمّا بأنّه ضعيف لا يلتفت إليه ولا يعول عليه ومن الكذّابين.

٦. وإمّا بأنّه فاسد الرواية يرمى بالغلو.

__________________

(١) أجوبة مسائل موسى جار الله : ٣٤.

٥٠٨

ومن الواضح أنّ أمثال هؤلاء لا تجدي كثرتهم شيئاً ، هذه حال المسانيد ، وأمّا أكثر المراسيل فمأخوذة من تلك المسانيد(١) .

هذا توصيف إجمالي عن هذه الروايات الّتي يستند إليها أعداء الشيعة في هذه النسبة ، ويكفي في ذلك أنّ ثلاثمائة حديث من هذه الأحاديث ، يرويها السيّاري : ويكفي في ضعفه قول الرجالي المحقّق النجاشي : انّه ضعيف الحديث ، فاسد المذهب ، مجفو الرواية ، كثير المراسيل ، متهم بالغلو(٢) .

كما أنّ كثيراً من هذه الروايات ينتهي إلى يونس بن ظبيان الّذي وصفه النجاشي بقوله : ضعيف جداً ، لا يلتفت إلى ما رواه ، كل كتبه تخليط(٣) .

كما أنّ قسماً منه ينتهي إلى منخّل بن جميل الكوفي وقد نص النجاشي على كونه ضعيفاً فاسد الرواية(٤) .

الكافي كتاب حديث لا كتاب عقيدة

ثم إنّ الكاتب يستند في هذه النسبة إلى وجود روايات التحريف في الكافي ، ولكنّه غفل عن أنّ كتاب الكافي في نظر الإمامية ليس كالصحاح في نظر أهل السنّة الذين يقولون : إنّ كل ما في البخاري صحيح ، وإنّما هو كتاب : فيه الصحيح والضعيف والمرسل ، وما يوافق الكتاب وما يخالفه ، فلا يمكن الاستدلال بوجود الرواية فيه على عقيدة الشيعة ، وما يلهج به علماء الحديث في حق صحيح البخاري ومسند الإمام أحمد ويقولون :

__________________

(١) آلاء الرحمن : ١ / ٢٦.

(٢) رجال النجاشي : ١ / ٢١١ برقم ١٩٠.

(٣) رجال النجاشي : ٢ / ٤٢٣ برقم ١٢١١.

(٤) رجال النجاشي : ٢ / ٣٧٢ برقم ١١٢٨.

٥٠٩

وما من صحيح كالبخاري جامعاً

ولا مسند يلفى كمسند أحمد

أقول : إنّ ما يلهجون به في حق كتبهم مخصوص بهم ، فليس كلّ ما في الجوامع الحديثية عند الشيعة ، صحاحاً يستدل بكلّ حديث ورد فيها في كلّ موضوع ومورد ، بل الاستدلال يتوقّف على اجتماع شرائط الصحّة التي ذكرها علماء الدراية والحديث ، ونحن والله نعاني من عدم اطّلاع هؤلاء على « أبجدية » عقائد الشيعة ومداركها ومصادرها.

التحريف في كتب أهل السنّة

نحن نجلّ علماء السنّة ومحقّقيهم عن نسبة التحريف إليهم ، ولكن لو كان وجود الرواية في كتب التفسير والحديث دليلاً على العقيدة ، فقد رويت أحاديث التحريف في كتبهم أيضاً ، ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من هذه الروايات نشير إلى بعضها :

١. أخرج أبو عبيد في الفضائل ، وابن مردويه ، وابن الأنباري ، عن عائشة قالت : كانت سورة الأحزاب تقرأ في زمان النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مائتي آية ، فلمّا كتب عثمان المصاحف لم يقدر منها إلاّ على ما هو الآن(١) .

٢. عن عمر : لولا أن يقول الناس ، إنّ عمر زاد في كتاب الله لكتبت آية الرجم بيدي(٢) .

٣. نقل عن ابن مسعود أنّه حذف المعوذتين من المصحف ، وقال : إنّهما ليستا من كتاب الله(٣) .

__________________

(١) الدر المنثور : ٥ / ١٨٠ ; تفسير القرطبي : ١٤ / ١١٣.

(٢) صحيح البخاري : ١ / ٦٩ ، باب الشهادة تكون عند الحاكم في ولاية القضاء ، ط مصر ـ ١٣٧٢ ه‍.

(٣) الدر المنثور : ٦ / ٤١٦.

٥١٠

وهناك روايات كثيرة مبثوثة في كتب التفاسير والحديث والتاريخ تحكي عن طروء التحريف على الذكر الحكيم ، ونحن نقتصر على الأقل القليل منها ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب « اكذوبة تحريف القرآن بين الشيعة والسنّة » : ص ٢٧ ـ ٣٣.

ونحن نرى أنّ في الإصرار على نسبة التحريف إلى أيّة طائفة من الطوائف الإسلامية ضرراً واسعاً على الإسلام والمسلمين ، ولا يستفيد منه إلاّ المستعمرون وأذنابهم.

وعلى الرغم من كثرة هذه الروايات نحن لا نؤمن بصحتها كما لا يؤمن علماء أهل السنّة المحقّقون بها ، ولا تبتني عقيدتهم عليها ، فهي بين ضعاف السند ، أو ضعاف الدلالة ، وقبل كل شيء تخالف الذكر الحكيم وإجماع الأُمّة.

اقتراح للمتسرّعين في الكتابة

نحن نرى أنّ عدّة من المتسرّعين في الكتابة حول الملل والنحل ، وبالأخص حول الشيعة الإمامية ، يجترئون في خلق النسب المخزية إلى تلك الطائفة ، ويعتمدون في كل ذلك على كتب المستشرقين ، أو ما أُلّف بيد المغفلين الجاهلين بعقيدة الشيعة ، وأخيراً يعتمدون على بعض كتب الشيعة الّتي لا تعد مصدراً رصيناً لبيان عقيدة تلك الطائفة.

ونحن نقترح على هؤلاء الكتّاب أن يقيموا مؤتمراً علمياً حراً في إحدى العواصم الإسلامية تحضره عدّة من محقّقي السنّة والشيعة ليتدارسوا تلك النسب المفتعلة ، على ضوء المصادر الصحيحة للشيعة والسنّة ، فلعل هذا المؤتمر إذا أُقيم بشكل صحيح يكون ناجحاً في رفع الأغطية والأغشية عن أعين كثير من غير

٥١١

المطّلعين على عقيدة تلك الطائفة ، وانّ علماء الشيعة مستعدون للبحث والنقاش والحوار الصحيح الّذي دعا إليه القرآن الكريم في كل مكان وزمان بشرط أن يكون المؤتمر محايداً حراً غير منحاز إلى فئة دون فئة ، وسياسة دون سياسة ، فعند ذلك ستتجلّى الحقيقة ويرى إخواننا أهل السنّة أنّ هناك مشتركات بين الطائفتين تزيد على مفترقاتهما القليلة ، وأنّ ما يجمعنا أكثر ممّا يفرقنا ، كما تتجلّى قوّة منطق الشيعة في مورد المفترقات( فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدَىٰ ) (١) .

هذا كلّه حول الشرط الثالث ، وإليك الشرط الرابع الّذي هو آخر الشرائط الأربعة للنبوّة الخالدة.

الشرط الرابع للنبوّة الخالدة

قال الكاتب : الشرط الرابع : هو أن يكون النبيُّ بذاته مركز الهداية ومصدر القيادة ومحور العلاقة القلبية والانقياد الفكري للأُمّة ، فتعتقد بكونه خاتم الرسل ولا تسمح لأحد بعده بالمشاركة في النبوّة والتشريع المطلق ، ولا تعتقد في أحد آخر العصمة وتعتبره مورد الوحي ثم إنّه استنتج من هذا الشرط أنّ الشيعة الإمامية يخالفونه ويعتقدون بالأُمور التالية :

١. انّ خلفاء الرسول قد تمَّ تعيينهم من عند الله.

٢. وانّهم معصومون كالنبيّ.

٣. انّهم مفترضو الطاعة ، وطاعتهم واجبة كطاعة الرسول.

٤. إنّ الملائكة تتردّد على الأئمّة ليلاً ونهاراً.

٥. انّ الأئمّة لهم الخيار في تحليل الأشياء وتحريمها.

__________________

(١) طه : ١٣٥.

٥١٢

٦. انّ المؤمن بالأئمّة من أهل الجنة وإن كان ظالماً وفاسقاً وفاجراً.

ثم استشهد على ذلك بقول المستشرقين الثلاثة : البطريق « هوجيس » ، « فيلب حتي » ، « وايوانو »(١) .

نظريتنا في هذا الشرط وتحليله

إنّ ما رتب على هذا الشرط بين صحيح دلَّ عليه الدليل ، وبين مختلق مكذوب على الشيعة ، كما أنّ نفس الشرط أمر مجمل يحتاج إلى تفسير ، ولأجل ذلك نبحث عن كلِّ واحد من هذه الأُمور واحداً تلو الآخر حتى يتضح مدى صحة هذا الشرط وصحة ما تعتقده الطائفة الإمامية من بعض هذه الأُمور :

أمّا الأوّل : أعني : كون الإمامة عند الشيعة الإمامية تنصيبية ، وعند أهل السنّة انتخابية ، فالشيعة يعتقدون انّ الإمام بعد الرسول الأكرم يعيّن من جانبه سبحانه ، وأهل السنّة يعتقدون بأنّ أهلَ الحل والعقد يقومون بانتخابه ، فكلتا النظريتين بالنسبة إلى الشرط الرابع سواسية ، فإنّ كون شخصية الرسول مركز الهداية ومحور العلاقة القلبية ، لا ينافي أن يأمره سبحانه بنصب الخليفة بعده ، كما لا يخالف أن يفوّض أمر تعيينه إلى الأُمّة ، فاستنتاج صحة إحدى القضيتين وبطلان النظرية الأُخرى من الشرط الرابع على فرض صحته ، غريب جداً. وأي معارضة بين كون الرسول مركز الهداية وكون الإمام بعده والخليفة القائم مقامه منصوباً من جانبه سبحانه ؟ لأنّ للنبي وظائف ، وللإمام والخليفة وظائف ، ولا يشارك الإمام في جميع شؤون النبي منصوباً كان أو منتخباً ، فتأسيس الشريعة

__________________

(١) صورتان متضادتان : ١٦ ، ٨٣ ، ٨٤. ولا تنس انّ الكاتب يعد النبي الأكرم مصدر التشريع. والشيعة كما لا تقول بكون الأئمّة من مصادره لا تقول بأنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله مشرعاً ومصدراً للتشريع بل مبلغاً رسالة الله ، فلو وصفنا النبي أحياناً بمصدر التشريع فهو من باب المجاراة للقوم.

٥١٣

يختص به لا يشاركه الإمام في كلتا النظريتين.

لا شك أنّ الكليم موسىعليه‌السلام كان مركز الهداية ، ومحور العلاقة القلبية ، ومع ذلك نصب هارونعليه‌السلام مكانه ، وقال :( اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ ) (١) ، ولم يكن تنصيبه أخاه مكانه إلاّ برضا منه سبحانه.

إنّ معنى كون الرسول الأعظم مركز الهداية عبارة عن كونه خاتماً للنبوة والرسالة ، لا خاتماً للوصاية والخلافة والإمارة ، والأوصياء عند الشيعة ليسوا بأنبياء كما أنّهم ليسوا رسلاً ، وإنّما هم خلفاء الرسول شأنهم تنفيذ ما شرَّع الرسول الأعظم في غيابه.

وأمّا الثاني : أعني : عصمة الأئمّة من الذنوب ، فتكفي في ذلك آية التطهير ، أعني قوله سبحانه :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) (٢) ، فإنّ الآية بحكم تذكير الضمائر ، أعني : « عنكم » و « يطهركم » لا تمت لنسائه وزوجاته بصلة ، وقد دلّت الآثار النبوية على اختصاص الآية بالخمسة الطاهرة ، أعني : النبي الأكرم وفاطمة وبعلها وبنيها ، وأمّا دلالتها على نزاهتهم من الذنب ، فلأجل أنّ الإرادة الواردة في الآية إرادة تكوينية خلاّقة للمراد لا تنفك عنه ، أعني : التطهير من الذنب ، وليست الإرادة تشريعية بمعنى طلب التطهير عنهم ، لأنّها لا تختص بطائفة دون طائفة بل تعم المكلّفين عامة ، ولكن الآية تخصص هذه الإرادة بأهل البيت وتقول :( إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ) ، والحال انّ الإرادة التشريعية عامّة تعم جميع المكلّفين لا جماعة خاصة.

هذا هو موجز ممّا فصّله المحقّقون في رسائلهم وتفاسيرهم حول الآية ، ومن

__________________

(١) الأعراف : ١٤٢.

(٢) الأحزاب : ٣٣.

٥١٤

أراد التفصيل فليرجع إلى ما سبق في هذا الجزء.

والكاتب قدّم الفكرة أوّلاً وصوّرها عند نفسه سالمة عن النقد وهي انحصار العصمة في النبي الأكرم ، ولأجل ذلك عاد يصوّر القول بعصمة الأئمّة أمراً مناقضاً لكون النبي مركز الهداية مع أنّ كون النبي مركزها ومصدرها ليس بمعنى انحصار العصمة فيه ، بل معناه انّه صاحب النبوّة والرسالة وصاحب الشريعة والملة وغيره ينفّذ ما خطّه الرسول ورسمه مع عصمة في القول وصيانة عن الزلل في العمل ، وإن أردت تصوير كون النبي مركز الهداية ومصدر القيادة فقل : إن النبيَّ الأكرم واقع في نقطة المركز من الدائرة وغيره كالخطوط النابعة منه يستضيء بنوره ويقتبس من علمه ، وهذا لا ينافي أن يكون المستضيء والمستفيد معصوماً مثله ويكون في الوقت نفسه تابعاً له متنوّراً بنوره.

وأمّا الثالث : أعني كونهم مفترضي الطاعة فليس هذا بأمر عجيب فإنَّ وجوب الطاعة لا يختص بالنبي الأكرم ، بل تجب إطاعة أُولي الأمر بنص الذكر الحكيم ، قال سبحانه :( أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ ) (١) .

إنّ الأُستاذ يعيب على الشيعة بأنّهم يقولون بأنّ الأئمّة مفترضو الطاعة مع أنّهم يقولون بافتراض طاعة السلطان براً كان أو فاجراً ، ولاأقل يقولون بحرمة الخروج على السلطان الجائر وإن بلغ من الجور والفساد ما بلغ(٢) .

وأمّا الرابع : أعني : قوله : إنّ الملائكة تتردّد على الأئمة ليل نهار ، فلو كان هذا بمعنى كونهم أنبياء فالشيعة برآء منه ، فإنّ النبوّة قد ختمت بالنبي الأكرم بنصّ الذكر الحكيم وإجماع المسلمين وتواتر الروايات ، وإن كان بمعنى كونهم محدَّثين

__________________

(١) النساء : ٥٩.

(٢) مقالات الإسلاميين لإمام الأشاعرة : ٣٢٣ ، ط القاهرة.

٥١٥

( بالفتح ) وانّ الملائكة تكلّمهم فليس هذا بأمر غريب ، وهذه مريم البتول قد كلّمتها الملائكة ، وقالت لها :( وَإِذْ قَالَتِ المَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ) (١) . فلم تكن مريم بتكليم الملائكة إيّاها نبيّة أو رسولة ، وإنّما صارت محدَّثة ( بالفتح ) ، وكون الإنسان محدَّثاً غير كونه نبيّاً أو رسولاً ، والكاتب لم يفرّق بين الرسالة والنبوّة ، ومسألة التحدّث مع الملائكة.

وقد أصفقت الأُمّة الإسلامية على أنّ في هذه الأُمّة على غرار الأُمم السابقة أُناساً محدَّثون ( بالفتح ) ، وقد أخبر بذلك النبي الأعظم كما ورد في الصحاح والمسانيد ، والمحدّث من تكلمه الملائكة بلا نبوّة ولا رؤية صورة ، أو يُلهم ويلقى في روعه شيء من العلم على وجه الإلهام والمكاشفة من المبدأ الأعلى ، اوينكت له في قلبه من حقائق تخفى على غيره ، أو غير ذلك من المعاني الّتي يمكن أن يراد منه ، فهذا أمر مسلّم غير أنّ الخلاف في مصاديقه وجزئياته ، فالشيعة تعتقد بأنّ عليّاً أمير المؤمنين وأولاده الأئمّة من المحدّثين وأهل السنّة يرون غيرهم.

أخرج البخاري في باب مناقب عمر بن الخطاب عن أبي هريرة ، قال : قال النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : « لقد كان فيمن قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلّمون من غير أن يكونوا أنبياء ، فإن يكن من أُمّتي منهم ، فإنّه عمر بن الخطاب »(٢) .

ونحن نكتفي بهذا المقدار في تحقيق الحال والتبسيط يحتاج إلى إفراد رسالة في هذا الموضوع ، على أنّ الآية الحاكية عن تكريم الملائكة لمريم البتول كافية في الموضوع ، فإنّها دليل أوّلاً على كون مريم محدَّثة تكلّمها الملائكة ، وهي تسمع كلامهم ، كما أنّها دليل على اعتصامها بعصمة الله فهي مصطفاة معصومة ، فلا ذنب للشيعة إذا اعتقدت أنّ الأئمّة من بعد الرسول محدّثون بلا نبوة ولا رسالة ،

__________________

(١) آل عمران : ٤٢.

(٢) صحيح البخاري : ٢ / ١٩٤.

٥١٦

مطهّرون من الذنب والخلاف ، نظير مريم البتول.

والعجب من الكاتب ومن لفّ لفّه انّهم يفرّون من نسبة العصمة إلى الأئمّة فرار المزكوم من المسك مع أنّهم يتعاملون مع الصحابة معاملة العصمة ، ويحرمون البحث حول ما صدر عنهم من الأفعال المضادة للكتاب والسنّة ، والإنسان عندما يقف على حساسية القوم الخاصّة بحياة الصحابة ، يتحيّرون انّهم كيف يجعلون الصحابة بمقربة من العصمة وفي الوقت نفسه لا يبالون عن نسبة الذنب والخلاف إلى أنبياء الله ورسله ، والكتب الكلامية لأهل السنّة لا تأبى عن نسبة الذنب إلى الأنبياء صغيراً وأحياناً كبيراً(١) .

وأمّا الخامس : أعني : كون الأئمّة لهم الخيار في تحليل الأشياء وتحريمها ، فهي فرية واضحة على الشيعة ، فإنّ الشيعة عن بكرة أبيهم قائلون بختم النبوّة والرسالة ، وانّ حلال محمد حلال إلى يوم القيامة وحرامه حرام إلى يوم القيامة.

اتّفقت كلمتهم على أنّ منكر الخاتمية مرتد خارج عن الإسلام ، وقد تضافرت الروايات على ذلك(٢) .

ولعمر الحق انّ الرجل قد أشرك الشيعة في أُمور لا ناقة لهم فيها ولا جمل ، وهم برآء منها براءة يوسف عن تهمة الطاغية.

وبما انّ هذه الفكرة الخاطئة قد تسرّبت إلى أذهان البسطاء بحق هذه الطائفة نبحث عن هذا الموضوع بإسهاب :

__________________

(١) للوقوف على آراء أهل السنّة حول عصمة الأنبياء لاحظ مفاهيم القرآن : ٤ / الفصل السادس ، العصمة في القرآن الكريم.

(٢) ومن أراد الوقوف على عقيدة الشيعة في الخاتمية وكيفية برهنتهم عليها من الكتاب والسنّة ، فليرجع إلى موسوعتنا القرآنية ، مفاهيم القرآن : ٣ / ١١٧ ـ ٣١٧.

٥١٧

الشيعة وفكرة التشريع

إنّ الشيعة الإمامية تعتقد بأنّ مصدر التشريع هو الله الجليل وانّه ليس للنبيِّ ـ فضلاً عن الأئمّة ـ حق التشريع ، وانّه محصور في حقه سبحانه ، وانّ الاعتقاد بذلك هو أحد مراتب التوحيد ودرجاته ، وقد دلَّت الآيات على انحصار هذا الحق به سبحانه قال :( إِنِ الحُكْمُ إِلاَّ للهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) (١) .

وليست هذه الآية هي الآية الوحيدة في هذا الباب ، بل هناك طائفة من الآيات تتحد معها في حصر الحاكمية بالله سبحانه كما تحصر حق التقنين والتشريع به ، ومن أجل ذلك يندد القرآن باليهود والنصارى حيث اتخذوا الأحبار والرهبان مصادر للتقنين بقوله سبحانه :( اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ ) (٢) ، ومعنى الاعتقاد بربوبيتهم هو امتلاكهم زمام التحليل والتحريم ، مع أنّ زمامهما بيده سبحانه لم يفوضهما لأحد.

قال الإمام الباقرعليه‌السلام : « يا جابر انّا لو كنّا نحدّثكم برأينا وهوانا لكنّا من الهالكين ، ولكنّا نحدّثكم بأحاديث نكتنزها عن رسول الله كما يكتنز هؤلاء ذهبهم وفضتهم ».

وفي رواية أُخرى : « ولكنّا نفتيهم بآثار من رسول الله وأُصول علم عندنا نتوارثها كابراً عن كابر ».

وفي رواية محمد بن شريح عن الصادقعليه‌السلام : « والله ما نقول بأهوائنا ولا نقول برأينا ولا نقول إلاّ ما قال ربُّنا ».

__________________

(١) يوسف : ٤٠.

(٢) التوبة : ٣١.

٥١٨

وفي رواية عنهعليه‌السلام : « مهما أجبتك فيه بشيء فهو عن رسول الله ، لسنا نقول برأينا من شيء »(١) .

ولولا الخوف من تعكير الصفو لأتينا بنصوص كثيرة ممن يحسبون أنّ الخلفاء والصحابة من مصادر التشريع ، بل لا يختص التشريع بالصحابة ويعم الأُمراء والسلاطين فتتخذ آراؤهم ونظرياتهم أحكاماً إلهية ، وبما أنّ البحث في هذه المواضيع يوجب الخروج عن الموضوع نطوي الكلام فيه ، وكفى في ذلك انّ الأُستاذ عبد الوهاب خلاف عدَّ في كتابه « مصادر التشريع الإسلامي » فيما لا نص فيه : إجماع أهل المدينة ، وقول الصحابي ، وإجماع أهل الكوفة ، وإجماع الخلفاء الأربعة من مصادره(٢) .

وأمّا السادس : أعني : كون المؤمن بالأئمّة من أهل الجنة وإن كان ظالماً وفاسقاً ، فهو بهتان عظيم ، ويكفي في ذلك قول الإمام الباقرعليه‌السلام لتلميذه جابر الجعفي قال له : « يا جابر أيكفي من انتحل التشيع وأحبنا أهل البيت ، فوالله ما شيعتنا إلاّ من اتقى الله وأطاعه ، وما كانوا يعرفون يا جابر إلاّ بالتواضع والتخشّع ، وبالإنابة وكثرة ذكر الله ، والصلاة والصوم ، وبر الوالدين ، وتعاهد الجيران والفقراء والمساكين والغارمين والأيتام ، وصدق الحديث وتلاوة القرآن ، وكف الألسن عن الناس ، إلاّ من خير ، وكانوا أُمناء عشائرهم في الأشياء »(٣) وقال سبحانه :( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ) (٤) .

__________________

(١) راجع جامع أحاديث الشيعة : ١ / ١٧ ، المقدمة.

(٢) مصادر التشريع الإسلامي : ١٠٩.

(٣) أمالي ابن الشيخ المطبوع مع أمالي الشيخ : ٩٧.

(٤) آل عمران : ٣١.

٥١٩

ما هي المشكلة الاساسية للمسلمين ؟

إنّ الكاتب ومن لفّ لفّه يزعمون أنّ المشكلة الوحيدة الّتي يواجهها الإسلام هي مشكلة الشيعة والجمهورية الإسلامية الإيرانية ، ولأجل ذلك لا يهمّهم شيء إلاّ الكتابة حول عقيدة الشيعة والنيل من مبادئهم وأُصولهم ، ولهذا نرى أنَّ الهجمة والصولة اشتدّت في السنوات الأخيرة على الشيعة ومبادئهم وأفكارهم لكي يستطيع هؤلاء أن يزيلوا مشكلتهم الصعبة هذه من مسيرتهم ويصلوا إلى القمّة من السعادة والهناء !!

وعجيب انّ الكاتب يعيش في شبه القارة الهندية الّتي تحدق فيها بالمسلمين مشاكل جمّة ، وكانت العناية بحلّها أولى وألزم من النيل من عقائد طائفة ليس لها ذنب إلاّ التمسك بكتاب الله وعترة رسوله الطاهرة اللّذين تركهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حجتين بين الأُمّة إلى يوم القيامة وقال : « إنّي تارك فيكم الثقلين : كتاب الله ، وعترتي »(١) .

أَوليس الكاتب يرى بأُم عينيه انّ الوثنية هي الّتي أخذت تتزايد وتتسع في القطر الهندي ، المكان الذي يقطن فيه الكاتب مع أبناء جلدته وما من يوم ولا أُسبوع إلاّ ويؤسس فيه معبد بل ومعابد للوثنيين ، حتى في البلاد المكتظة بالمسلمين كلكهنو الندوي الّتي تكون فيها المعابد الوثنية على مقربة من داره.

وهذه الصحف العالمية تتناقل أخبار شروع الحكومة الوثنية الهندية باغتصاب مساجد المسلمين وتحويلها إلى معابد للأوثان بحجج واهية ، هذا

__________________

(١) صحيح مسلم : ٧ / ١٢٢ ; سنن الترمذي : ٢ / ٣٧ ; مسند أحمد بن حنبل : ٣ / ١٤ و ١٧ ، وغيره.

٥٢٠