مفاهيم القرآن الجزء ٦

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-222-6
الصفحات: 538

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-222-6
الصفحات: 538
المشاهدات: 71732
تحميل: 1349


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 538 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 71732 / تحميل: 1349
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 6

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-222-6
العربية

وجودهم ومشاهدتهم، ثمّ يعبّر عن تلك الأحاديث وقت المشاهدة، وتارة نطقاً عقليّاً إمّا بجزم القول: إنّ الحق والصدق كذا، وإمّا بترديد الفكر انّه هل يجوز أن يكون الشيء كذا أو يستحيل أو يجب إلى غير ذلك من الأفكار حتى انّ كلّ صانع، يُحدِّث نفسه أوّلاً بالغرض الذي توجهت إليه صنعته، ثم تنطق نفسه في حالة الفعل محادثةً مع الآلات والأدوات والمواد والعناصر، ومن أنكر أمثال هذه المعاني فقد جحد الضرورة »(١) .

وقال الفاضل القوشجي :

« إنّ من يورد صيغة أمر أو نهي أو نداء أو اخبار أو استخبار أو غير ذلك يجد في نفسه معاني يعبّر عنها يسمّيها بالكلام الحسّي، والمعنى الذي يجده في نفسه ويدور في خلده، ولا يختلف باختلاف العبارات بحسب الأوضاع والاصطلاحات، ويقصد المتكلّم حصوله في نفس السامع على موجبه هو الذي نسميه الكلام النفسي »(٢) .

يلاحظ عليه: أنّه لو كان المراد من المعنى النفسي هو المعاني المنتظمة في خلد المتكلّم، التي لا تختلف حسب اختلاف الألفاظ والتعبيرات فهو إمّا معاني مفردة أو معاني مركبة.

وعلى كلا التقديرين فهما من أقسام العلم التصوّري أو التصديقي وليستا خارجتين عنه مع أنّ المدّعى كون التكلّم وصفاً مغايراً للعلم كما أنّ المعنى الموجود في الذهن في الانشائيات هو الإرادة والكراهة المبرزتين بالأمر والنهي وليست شيئاً ورائهما مع أنّ المدّعي انّ الكلام النفسي غير الإرادة والانشاء.

ولقد أنصف القاضي الايجي حيث أوعز إلى أنّ هذا البيان لا يتم إلّا إذا ثبت أنّ

__________________

(١) نهاية الاقدام: ص ٢٣١، ولكلامه ذيل فراجع.

(٢) شرح التجريد للقوشجي: ص ٤٢٠.

١٠١

تلك المعاني التي تدور في النفس غير العلم والإرادة(١) .

ثمّ إنّ للأشاعرة دلائل خاصّة في اثبات الكلام النفسي، وأنّ هناك معاني في النفس وهو غير العلم والإرادة والكراهة كلّها فاسدة، وقد أوضحنا حالها في بعض موسوعاتنا الكلاميّة(٢) . هذا كلّه حول حقيقة كلامه. بقي البحث عن حدوثه وقدمه فنحن في غنى عن هذا البحث بعد ثبوت كونه من صفاته الفعلية ومن المعلوم أنّ فعله سبحانه غيره، وكلّ ما هو غيره مخلوق، حادث غير قديم. نعم يجب علينا أن نجتنب عن توصيف القرآن بكونه مخلوقاً ونقول مكان كونه مخلوقاً « محدثاً » وذلك لئلاّ يفسّر بكونه « مختلقاً » ومصنوعاً للبشر قال سبحانه حاكياً عن المشركين:( إِنْ هَٰذَا إلّا قَوْلُ الْبَشَرِ ) ( المدثّر / ٢٥ ).

ولأجل ذلك قال الإمام الرضا7 عند السؤال عن القرآن :

« كلام الله لا تتجاوزوه ولا تطلبوا الهدى في غيره فتضلّوه »(٣) .

ونقل سليمان بن جعفر الجعفري انّه سأل موسى بن جعفر7 عن القرآن وانّه مخلوق أو غير مخلوق ؟ فقال: « إنّي لا أقول في ذلك ما يقولون، ولكنّي أقول: إنّه كلام الله »(٤) .

ترى أنّ الإمام7 يبتعد عن الخوض في تلك المسألة لـمّا رأى أنّ الخوض فيها ليس لصالح الإسلام، وأنّ الإكتفاء بأنّه كلام الله أحسم لمادّة الخلاف، ولكنّهم: عند ما أحسّوا بسلامة الموقف، وهدوء الأجواء أدلوا برأيهم في الموضوع، وصرّحوا بأنّ الخالق هو الله وغيره مخلوق والقرآن ليس

__________________

(١) المواقف: ص ٢٩٤.

(٢) لاحظ « بحوث في الملل والنحل » ص ٢٧١ ـ ٢٧٨، والالهيات: ص ١٩٧ ـ ٢٠٤.

(٣) التوحيد للصدوق باب « القرآن ما هو ؟ » ص ٢٢٣ الحديث ٢.

(٤) نفس المصدر: ص ٢٢٤ الحديث ٥.

١٠٢

نفسه سبحانه، وإلّا يلزم اتّحاد الـمـُنزِل والـمُنزَل، فهو غيره، فيكون لا محالة مخلوقاً.

فقد روى محمد بن عيسى بن عبيد اليقطيني، قال: كتب علي بن محمد بن علي بن موسى الرضا: إلى بعض شيعته ببغداد :

« بسم الله الرحمن الرحيم، عصمنا الله وإيّاك من الفتنة، فإن يفعل فقد أعظم بها نعمة، وإن لا يفعل فهي الهلكة، نحن نرى أنّ الجدال في القرآن بدعة اشترك فيها السائل والمجيب، فيتعاطى السائل ما ليس له، ويتكلّف المجيب ما ليس عليه، وليس الخالق إلّا الله عزّ وجلّ وما سواه مخلوق، والقرآن كلام الله، لا تجعل له اسماً من عندك فتكون من الضالّين، جعلنا الله وإيّاك من الذين يخشون ربّهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون »(١) .

وفي الروايات المرويّة اشارة إلى المحنة التي نقلها المؤرّخون فقد كان أحمد بن أبي دؤاد كتب في عصر المأمون إلى الولاة في العواصم الإسلامية أي يختبروا الفقهاء والمحدّثين في مسألة خلق القرآن وفرض عليهم أن يعاقبوا كلّ من لا يرى رأي المعتزلة في هذه المسألة، وجاء المعتصم والواثق فطبّقا سيرة المأمون وسياسته مع خصوم المعتزلة وبلغت المحنة أشدّها على المحدّثين، ولـمـّا جاء المتوكّل نصر مذهب الحنابلة وأقصى المعتزلة وأحاطت المحنة باُولئك الذين كانوا بالأمس القريب يفرضون آراءهم بالقهر والقوّة.

بالله عليك هل يمكن عدّ مثل هذا الجدال إسلاميّاً، وقرآنيّاً وبذلك تقف على أنّه لماذا كتب الإمام الهادي إلى بعض شيعته ببغداد: « عصمنا الله وإيّاك من الفتنة ».

قال المفيد: « إنّ كلام الله محدث وبذلك جاءت الآثار عن آل محمد: وعليه اجماع الإماميّة والمعتزلة بأسرها والمرجئة إلّا من شذّ عنها وجماعة من أهل الحديث وأكثر الزيدية والخوارج. وأقول: إنّ القرآن كلام

__________________

(١) توحيد الصدوق، باب القرآن ما هو، الأحاديث: ٢ و ٣ و ٤ و ٥.

١٠٣

الله ووحيه، وأنّه محدث كما وصفه تعالى واَمْنعُ من إطلاقِ القول عليه بأنّه مخلوق، وبهذا جاءت الآثار عن الصادقين وعليه كافة الإمامية إلّا من شذّ منهم، وهو قول جمهور البغداديين من المعتزلة وكثير من المرجئة وأصحاب الحديث »(١) .

* * *

إلى هنا تمّ الكلام حول الصفتين: الإرادة والتكلّم وتعرّفت على أنّ الاُولى من الذات على معنى ومن صفات الفعل على معنى آخر، كما أنّ الثاني من صفات فعله على الاطلاق.

__________________

(١) أوائل المقالات: ص ١٨ ـ ١٩.

١٠٤

١٦ ـ اسماؤه في القرآن والسنّة

قد ورد في القرآن الكريم مائة واثنان وثلاثون اسماً لله سبحانه بين بسيط ومركّب، وروى الفريقان عن النبي أنّ رسول الله6 قال: إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً ( مائة إلّا واحدة ) من أحصاها دخل الجنّة(١) . والمراد من إحصائها هو الوقوف على معانيها أو التمثّل والتشبّه بها مهما أمكن.

ويحتمل أن يكون المراد الاجتهاد في التقاطها من الكتاب والسنّة، وجمعها وحفظها، كما يحتمل أن يكون المراد عدّها والتلفّظ بها وفي القاموس: « أحصاه: عدّه أو حفظه أو عقله ».

فلنقدّم أسماءه سبحانه في الكتاب العزيز ثمّ نردفه بما ورد عن أئمّة أهل البيت: حول تسعة وتسعين اسماً، ثمّ نذكر ما رواه أهل السنّة ونعتمد في ذلك على رواية الترمذي التي هي السند لكثير من الحفّاظ في هذا المقام.

أسماؤه في القرآن

ورد في القرآن الكريم مائة واثنان وثلاثون اسما لله تعالى وإليك بيانها على الترتيب :

« الإله، الأحد، الأوّل، الآخر، الأعلى، الأكرم، الأعلم، أرحم الراحمين، أحكم الحاكمين، أحسن الخالقين، أسرع الحاسبين، أهل التقوى، أهل المغفرة، الأقرب، الأبقى، الباري، الباطن، البديع، البرّ، البصير، التوّاب، الجبّار، الجامع، الحكيم، الحليم، الحي، الحق، الحميد، الحسيب، الحفيظ، الحفيّ، الخبير، الخالق، الخلّاق، الخير، خير الماكرين، خيرالرازقين، خير الفاصلين، خير الحاكمين، خير الفاتحين، خير الغافرين، خير الوارثين، خير الراحمين ،

__________________

(١) سيوافيك مصدر الرواية.

١٠٥

خير المنزلين، خير الناصرين، ذو العرش، ذو الطول، ذو انتقام، ذو الفضل العظيم، ذو الرحمة، ذو القوّة، ذوالجلال والإكرام، ذو المعارج، الرحمن، الرحيم، الرؤوف، الرب، رب العرش، رفيع الدرجات، الرازق، الرقيب، السميع، السّلام، سريع الحساب، سريع العقاب، الشهيد، الشاكر، الشكور، شديد العذاب، شديد العقاب، شديد المحال، الصمد، الظاهر، العليم، العزيز، العفو، العلي، العظيم، علّام الغيوب، عالم الغيب والشهادة، الغني، الغفور، الغالب، غافر الذنب، الغفّار، فالق الاصباح، فالق الحبّ والنوى، الفاطر، الفتّاح، القوي، القدّوس، القهّار، القاهر، القيّوم، القريب، القادر، القدير، قابل التوب، القائم على كلّ نفس بما كسبت، الكبير، الكريم، الكافي، اللطيف، الملك، المؤمن، المهيمن، المتكبّر، المصوّر، المجيد، المجيب، المبين، المولى، المحيط، المقيت، المتعال، المحيي، المتين، المقتدر، المستعان، المبدئ، المعيد، مالك الملك، النصير، النور، الوهّاب، الواحد، الولي، الوالي، الواسع، الوكيل، الودود، الهادي.

أسماؤه في احاديث أئمّة أهل البيت :

روى الصدوق باسناده عن الصادق7 عن آبائه، عن عليٍّ7 قال :

قال رسول الله6 : « إنّ لله تبارك وتعالى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنّه وهي: « الله، الإله، الواحد، الأحد، الصمد، الأوّل، الآخر، السميع، البصير، القدير، القاهر، العلي، الأعلى، الباقي، البديع، البارئ، الأكرم، الظاهر، الباطن، الحيّ، الحكيم، العليم، الحليم، الحفيظ، الحق، الحسيب، الحميد، الحفي، الرب، الرحمن، الرحيم، الذاري، الرازق، الرقيب، الرؤوف، الرائي، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، السيّد، السبّوح، الشهيد، الصادق، الصانع، الطاهر، العدل، العفو، الغفور ،

١٠٦

الغني، الغياث، الفاطر، الفرد، الفتّاح، الفالق، القديم، الملك، القدّوس، القوي، القريب، القيّوم، القابض، الباسط، قاضي الحاجات، المجيد، المولى، المنّان، المحيط، المبين، المقيت، المصوّر، الكريم، الكبير، الكافي، كاشف الضر، الوتر، النور، الوهّاب، الناصر، الواسع، الودود، الهادي، الوفي، الوكيل، الوارث، البر، الباعث، التوّاب، الجليل، الجواد، الخبير، الخالق، خير الناصرين، الديّان، الشكور، العظيم، اللطيف، الشافي »(١) .

والمذكور في الحديث مائة اسم، لكن الظاهر أنّ لفظة الجلالة ليست من الأسماء الحسنى، وقد ذكر بعنوان المسمّى الجاري عليه الأسماء، وبذلك يستقيم العدد.

أسماؤه سبحانه في أحاديث أهل السنّة

أخرج الترمذي، وابن المنذر، وابن حبّان، وابن مَندة، والطبراني، والحاكم، وابن مَردويه، والبيهقي، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله6 : « إنّ لله تسعة وتسعين اسما مائة إلّا واحد، من أحصاها دخل الجّنة، إنّه وتر يحبّ الوتر: هو الله الذي لا إله إلّا هو الرحمن، الرحيم، الملك، القدّوس، السّلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبّار، المتكبّر، الخالق، البارئ، المصوّر، الغفّار، القهّار، الوهّاب، الرازق، الفتّاح، العليم، القابض، الباسط، الخافض، الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، الخبير، الحليم، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ، المعيد، المحيي، المميت، الحي، القيوم، الواجد ،

__________________

(١) التوحيد للصدوق: ص ١٩٤ ج ٨.

١٠٧

الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدّم، المؤخّر، الأوّل، الآخر، الظاهر، الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التوّاب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذوالجلال والاكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار، النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور »(١) .

ونحن امتثالاً لأمر النبي الأكرم، نرجع إلى إحصاء الأسماء التي وردت في القرآن الكريم، ولو سمح الوقت نرجع إلى إحصاء ما ورد في حديث أئمّة أهل البيت7 لعلّ الله يرزقنا الجنّة حسب وعد نبيّه الأعظم6 .

تمّ البحث عن الاُمور التي كان طبع البحث يقتضي ايرادها وهي خمسة عشر أمراً. ومن هنا ندخل في صلب البحث وهو تفسير أسماءه الواردة في الذكر الحكيم على حسب الحروف الهجائيّه إلّا ما شذّ.

__________________

(١) صحيح الترمذي: ج ٥ باب الدعوات، ص ٥٣٠ الحديث ٥٠٧.

١٠٨

تفسير أسمائه الواردة في القرآن الكريم

قد عرفت أنّه ورد في الذكر الحكيم مائة وخمسة وثلاثون اسماً له سبحانه فعلينا البحث عن معانيها، وما تهدف إليها تلك الأسماء، نذكرها مع تفسيرها على ترتيب الحروف الهجائيّة إلّا إذا اقتضى المقام الجمع بين الاسمين فنفسّرهما معاً من غير مراعاة الترتيب.

والتفسير الصحيح يعتمد على أمرين :

١ ـ تحديد معناه اللغويّ تحديداً معتمداً على المعاجم الموثوق بها.

٢ ـ عرض الاسماء بعضها على بعض، والامعان في القرائن الواردة في الآيات

وإليك البحث واحداً بعد آخر.

حرف الالف

الأوّل: الإله

قد جاء لفظ الجلالة ( الله ) في الذكر الحكيم ٩٨٠ مرّة كما جاء لفظ الإله بصوره المختلفة ( إله، إلها، إلهك، إلهكم، وإلهنا ) ١٤٧ مرّة والاسهاب في البحث يقتضي الكلام في المواضع التالية :

١ ـ لفظ الجلالة عربي أو عبري ؟

قد نقل عن أبي زيد البلخي: إنّ لفظ الجلالة ليس بعربي بل عبري أخذه العرب عن اليهود، واستدل عليه بأنّ اليهود يقولون: « إلاها » والعرب حذفت المدة

١٠٩

التي كانت موجودة في آخرها في العبرية ككثير من نظائرها العبرية فتقول « أب » بدل « أباه » و « روح » بدل « روحا » و « نور » بدل « نورا » إلى غير ذلك.

وذهب الباقون إلى أنّها عربية صحيحة وقد كانت العرب تستعمل تلك اللفظة قبل بعثة النبي بقرون، ولا تشذّ عن سائر الاُمم، فإنّ لكلّ اُمّة على أديم الأرض لفظاً خاصّاً لخالق العالم وبارئه ومدبّره، فالفرس عندهم « خدا » و « إيزد » كما أنّ للترك « تاري » ومن البعيد أن لا يكون عند العرب المعروفين بالبيان والخطابة لفظ يعبّرون به عمّا تهديهم فطرتهم إليه وتدلّهم عليه قال سبحانه:( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) ( لقمان / ٢٥ ـ الزمر / ٣٨ ).

واشتراك الشعبين في التعبير عن مبدأ العالم لا يدل على أنّ العرب أخذت من اليهود خصوصاً إذا قلنا بأنّ اللسانين يرجعان إلى اُصول ومواد واحدة، وإنّما طرأ عليهما الاختلاف لعلل وظروف إجتماعية وغيرها والكلّ من العنصر « السامي ».

٢ ـ لفظ الجلالة مشتقّ أو لا ؟

اختلفوا في أنّ لفظ الجلالة مشتق من اسم آخر أو لا ؟ بعد ما اتّفقوا على أنّ ما سوى هذه اللفظة من أسمائه سبحانه من باب الصفات المشتقة، أمّا هذه اللفظة فقد نقل عن « الخليل » و « سيبويه » و « المبرّد » أنّها غير مشتقة وجمهور المعتزلة وكثير من الاُدباء على أنّها من الأسماء المشتقة.

ثمّ القائلين بالاشتقاق اختلفوا في المعنى المشتق منه إلى أقوال كثيرة يطول المقام بذكرها وذكر حججها وإنّما نشير إليها إجمالا :

أ ـ إنّ لفظ الجلالة مشتق من الاُلوهية بمعنى العبادة، والتألّه: التعبّد، وهذا هو المعروف بين كثير من المحدّثين والمفسّرين، ويظهر من روايات بعض أئمّة أهل البيت: .

١١٠

روى الكليني عن هشام بن الحكم أنّه سأل أبا عبد الله7 عن أسماء الله واشتقاقها :

الله ممّا هو مشتق ؟ قال: فقال لي: « يا هشام، الله مشتق من إله، والاله يقتضي مألوهاً والاسم غير المسمّى فمن عبد الاسم دون المعنى فقد كفر ولم يعبد شيئا »(١) .

وقال الصدوق: الله والإله هو المستحق للعبادة ولا يحق العبادة إلّا له، وتقول لم يزل إلهاً بمعنى أنّه يحق له العبادة ولهذا ضلّ المشركون فقدّروا أنّ العبادة تجب للأصنام سمّوها الالهة وأصله « الإلاهة » وهي العبادة(٢) .

ب ـ إنّه مشتق من « الوله » وهو التحيّر.

ج ـ إنّه مشتق من قولهم ألهت إلى... أي فزعت إليه لأنّ الخلق يألهون إليه أي يفزعون إليه في حوائجهم.

د ـ إنّه مشتق من ألهت إليه سكنت إليه لأنّ الخلق يسكنون إلى ذكره.

ه‍ ـ إنّه من « لاه » أي احتجب فمعناه انّه المحتجب بالكيفيّة عن الأوهام(٣) .

و ـ إنّه مشتق من الوله: المحبة الشديدة، فاُبدلت الواو همزة فقالوا: أله يأله.

ز ـ إنّه مشتق من لاه يلوه إذا ارتفع، والحق سبحانه مرتفع بالمكان أو بالمقام.

ح ـ إنّه مشتق من قولك ألهت بالمكان إذا أقمت فيه، فإنّه تعالى استحق هذا الاسم لدوام وجوده(٤) .

__________________

(١) الكافي ـ كتاب التوحيد ـ: باب المعبود، ص ٨٧، ورواه الصدوق في كتاب التوحيد باب أسماء الله الحديث ١٣.

(٢) التوحيد للصدوق: باب أسماء الله تعالى في ذيل الحديث رقم ٩، ثم ترك سائر الوجوه الاتية.

(٣) مجمع البيان: ج ١ ص ١٦ طبع صيدا.

(٤) لوامع البينات للرازي: ص ١٠٦ ـ ١٢٠، فقد أسهب الكلام في ذكر الأقوال وحججها ونقدها.

١١١

وعلى كلّ تقدير فالله أصله « إله » فحذفت همزته وادخل عليه الألف واللام وادغمت اللامان فصار « الله » وخص بالباري تعالى، قال تعالى( هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا ) ( مريم / ٦٥ )(١) .

والظاهر أنّ القائلين بالاشتقاق والمنكرين له لا يختلفون في أنّه عَلَم لذاته سبحانه وإنّما يختلفون في أنّ التسمية هل كانت إرتجالية وانّه لم تلاحظ في مقام التسمية أية مناسبة بين المعنيين أو كانت غير ارتجالية، وقد نقل عن المعنى اللغوي إلى المعنى العلَمي لمناسبة موجودة بينهما، فالقائلون بالاشتقاق على الأوّل والمنكرون له على الثاني.

هذا هو لبّ النزاع في المقام.

والعجب أنّ الرازي توهّم أنّ النزاع في اشتقاقه وعدمه راجع إلى أنّ لفظ الجلالة علَم أو لا ؟ فحسب أنّ القول بالاشتقاق ينافي العلمية ثمّ استدل على نفيه بأنّه لو كان مشتقاً لما كان قولنا « لا إله إلّا الله » تصريحاً بالتوحيد لأنّه حينئذ مفهوم كلّي لا يمنع تصوره من وقوع الشركة فيه فلو كان مشتقاً لكان كلّياً، ولو كان كذلك لم يكن قولنا « لا إله إلّا الله » مانعاً من وقوع الشركه(٢) .

يلاحظ عليه: أنّه لا مانع من كون لفظ الجلالة مشتقاً من « أله » بأيّ معنى تصوّر ثم يكون علماً للذات بالمناسبة الموجودة بين المنقول منه والمنقول إليه شأن كلّ الأعلام المشتقة وسيأتي تمام الكلام في البحث الرابع.

٣ ـ « أللّهمّ » مكان « الله »

وقد يعبر عن لفظ الجلالة ب‍ « اللّهمّ » قال سبحانه:( قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ المُلْكِ

__________________

(١) مفردات الراغب: مادّة « إله ».

(٢) لوامع البينات: ص ١٠٨، وقس على ذلك سائر ما استدلّ به.

١١٢

تُؤْتِي المُلْكَ مَن تَشَاءُ ) ( آل عمران / ٢٦ )، وحكى سبحانه عن بعض الكافرين قولهم:( وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ ) ( الأنفال / ٣٢ ) وقد اختلفوا في تفسيره عن « الخليل » وتلميذه « سيبويه »: معناه يا الله والميم المشدّده عوض من ياء النداء وعن « الفرّاء » إنّه كان « يا الله آمنّا بخير » فلمّا كثر في الكلام حذفوا حرف النداء وحذفوا الهمزة من أمّ فصار « اللهمّ » بل حذفوا ضمير المتكلّم مع الغير أيضاً في « آمنّا ».

٤ ـ ما هو المقصود من « الإله » في الذكر الحكيم

قد عرفت وجود الاختلاف في اشتقاق لفظ الجلالة من لفظة « إله » وعدمه كما عرفت اختلاف القائلين بالاشتقاق في المعنى الذي اشتق منه ذلك اللفظ وجعله علماً للذات. هذا وعلى كلّ تقدير فلا يتبادر من لفظ الجلالة إلّا الذات المستجمع لصفات الجمال والجلال، فهو علم بلا اشكال يعادله ما في سائر لغات العالم ممّا يستعمل في ذلك المجال.

غير أنّه يجب أن يعلم انّ لفظ الجلالة ولفظ « الإله » كانا لا يفهم منهما في عصر نزول القران إلّا الخالق البارئ للعالم، وأمّا ما ذكر من المعاني للاله والوجوه المختلفة لاشتقاق لفظ الجلالة منه، فكلّّها يرجع ـ على فرض الصحّة ـ إلى ما قبل عصر نزول القرآن، فلعلّه كان يفهم من لفظ « إله » العبادة، والتحيّر، والعلو، والسكون، والفزع، أو كان يفهم من لفظ الجلالة الذات الواجدة لاحدى هذه المعاني، وأمّا في عصر نزول القرآن فلم تكن هذه المعاني مطروحة لأهل اللّغة أبداً لا في لفظ الجلالة ولا في لفظ « الإله » وإنّما المفهوم منهما ما تهدي إليه فطرتهم وتدل عليه عقولهم من البارئ الخالق المدبّر للعالم الذي بيده ناصية كلّ شيء أو ناصية الإنسان على الأقل.سواء كان إلها واقعيّاً أو إلهاً مختلقاً لا يملك من الاُلوهية سوى الاسم كالأصنام المعبودة للعرب وغيرهم.

١١٣

فالكلمتان: « الله وإله » لفظان متّحدان معنى غير أنّ أحدهما علم يدل على فرد خاص والآخر كلّي يشمل ذلك الفرد وغيره، وبما أنّ اللغة العربيّة تتمتع بالسعة والعموم وضعوا لفظين يشيرون بواحد منه إلى الفرد وبالآخر إلى الكلّّي الجامع له ولغيره، فالاسم العام هو الإله والاسم الخاص هو الله.

وأمّا سائر اللغات فالغالب عليها هو اتحاد اللفظ الموضوع للمعنى الكلّّي والمعنى العلمي فيتوسّلون لتعيين المراد منه بالعلامة والقرينة. مثلاً يكتبون في اللغة الانكليزية لفظة « گاد » بصورة « god » عند ما يراد منه المعنى الكلّي وبصورة « God » عند ما يراد منه المعنى العلمي، وبهذا يشيرون إلى المعنى المقصود وأمّا اللغات الفارسية والتركية والارديّة فالمكتوب والملفوظ في المقامين واحد، وإنّما يعلم المراد بالقرائن الحافّة بالكلام.

والحاصل: انّ المعاني المذكورة للفظ « إله » أو المناسبات المتصورة لاشتقاق لفظ الجلالة من مادة « إله » لو صحّ فإنّما يصحّ في الأدوار السابقة على نزول القرآن، وأمّا بقاء تلك المناسبات إلى زمان نزول القرآن وادعاء أنّ القرآن استعملها بملاحظة إحدى هذه المعاني والمناسبات فأمر لا دليل عليه.

على أنّ لقائل أنْ يقول: إنّ هذه المعاني من لوازم معنى الإله وآثاره وليست من الموضوع له بشيء فإنّ من اتّخذ أحداً « إلهاً » لنفسه فهو يعبده قهراً ويفزع إليه عند الشدائد، ويسكن قلبه عنده إلى غير ذلك من لوازم صفة الاُلوهيّة وآثارها.

هذا هو المدّعى والذي يثبت ذلك وجود لفيف من الآيات ورد فيها لفظ الاله ولا يصحّ تفسيره إلّا بما ذكرنا أي كون المقصود منه هو الخالق البارئ لكن بشرط العموم والكلّية، لا بسائر المعاني المذكورة، أو بمعنى المتصرف المدبّر، أو من بيده أزمّة الاُمور أو ما يقرب من ذلك ممّا يعد فعلاً له تعالى وإليك الآيات :

١ ـ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلّا اللهُ لَفَسَدَتَا ) ( الأنبياء / ٢٢ ) فإنّ البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلّا إذا جعلنا « الإله » في الآية بمعنى المتصرّف المدبّر أو من بيده

١١٤

أزمّة الاُمور أو ما يقرب من هذين. ولو جعلنا الإله بمعنى المعبود لانتقض البرهان، لبداهة تعدد المعبودين في هذا العالم، مع عدم الفساد في النظام الكوني، وقدكانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحم بالآلهة، ومركزها مع كون العالم منتظماً غير فاسد.

وعندئذ يجب على من يجعل « الاله » بمعنى المعبود أن يقيّده بلفظ « بالحق » أي لو كان فيهما معبودات ـ بالحق ـ لفسدتا ولما كان المعبود بالحق مدبّراً ومتصرفاً لزم من تعدّده فساد النظام، وهذا كلّه تكلّف لا مبرر له.

٢ ـ( مَا اتَّخَذَ اللهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ) ( المؤمنون / ٩١ ).

ويتم هذا البرهان أيضاً لو فسّرنا الإله بما ذكرنا من انّه كلّيّ ما يُطلق عليه لفظ الجلالة. وإن شئت قلت: إنّه كناية عن الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من يقوم بأفعاله وشؤونه، والمناسب في هذا المقام هو الخالق، ويلزم من تعدّده ما رتب عليه في الآية من ذهاب كلّ إله بما خلق واعتلاء بعضهم على بعض.

ولو جعلناه بمعنى المعبود لانتقض البرهان، ولا يلزم من تعدّده أي اختلال في الكون. وأدل دليل على ذلك هو المشاهدة. فإنّ في العالم آلهة متعدّدة، وقد كان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة وستون إلهاً ولم يقع أي فساد واختلال في الكون.

فيلزم على من يفسّر « إله » بالمعبود ارتكاب التكلّف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.

٣ ـ( قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لابْتَغَوْا إِلَىٰ ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً ) ( الاسراء / ٤٢ ) فانّ ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدّد الخالق أو المدبّر المتصرّف أو من بيده أزمّة اُمور الكون أو غير ذلك ممّا يرسمه في ذهننا معنى الالوهيّة، وأمّا تعدد المعبود فلا يلازم ذلك إلّا بالتكليف الذي أشرنا إليه فيما سبق.

١١٥

٤ ـ( إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ *لَوْ كَانَ هَٰؤُلاءِ آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا ) ( الأنبياء / ٩٨ و ٩٩ ) والاية تستدل بورود الأصنام والأوثان في النار على كونها غير آلهة إذ لو كانت آلهة ما وردت النار.

والاستدلال إنّما يتم لو فسّرنا الآلهة بما أشرنا إليه فانّ خالق العالم أو مدبّره والمتصرّف فيه أو من فوّض إليه أفعال الله أجلّ من أن يحكم عليه بالنار وأن يكون حصب جهنّم.

وهذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلا يتم البرهان لأنّ المفروض انّها كانت معبودات وقد جعلت حصب جهنم. ولو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله والآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه وإليك مورداً منها :

( فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ المُخْبِتِينَ ) ( الحج / ٣٤ ).

فلو فسر الإله في الآية بالمعبود لزم الكذب، إذ المفروض تعدّد المعبود في المجتمع البشري، ولأجل هذا ربّما يقيّد الإله هنا بلفظ « الحق » أي المعبود الحق إله واحد. ولو فسّرناه بالمعنى البسيط الذي له آثار في الكون من التدبير والتصرّف وايصال النفع، ودفع الضر على نحو الاستقلال لصحّ حصر الإله ـ بهذا المعنى ـ في واحد بلا حاجة إلى تقدير كلمة بيانية محذوفة إذ من المعلوم أنّه لا إله في الحياة البشرية والمجتمع البشري يتصف بهذه الصفات التي ذكرناها.

ولا نريد أن نقول: إنّ لفظ الاله بمعنى الخالق المدبّر المحيي المميت الشفيع الغافر، إذ لا يتبادر من لفظ الإله إلّا المعنى البسيط، بل هذه الصفات عناوين تشير إلى المعنى الموضوع له لفظ الإله، ومعلوم أنّ كون هذه الصفات عناوين مشيرة إلى ذلك المعنى البسيط، غير كونها معنى موضوعاً للفظ المذكور كما أنّ كونه تعالى ذات سلطة على العالم كلّه أو بعضه سلطة مستقلة غير معتمدة على غيره، وصف مشير إلى المعنى البسيط الذي نتلقاه من لفظ الإله، لا أنّه نفس معناه(١) .

__________________

(١) لاحظ الجزء الأول من مفاهيم القرآن: ص ٤٤٠ ـ ٤٤٢.

١١٦

٥ ـ إنّ الذكر الحكيم ربّما يستعمل لفظ الجلالة مكان الاله، بمعنى أنّه يريد منه المعنى الكلّي والوصفي دون العلمي، وهذا يعرب عن أنّ اللفظين متّحدان أو متقاربان في المعنى.

قال سبحانه:( وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ) ( الأنعام / ٣ ).

وقال سبحانه:( هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَٰهَ إلّا هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ ) ( الحشر / ٢٣ ).

وقال سبحانه:( هُوَ اللهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) ( الحشر / ٢٤ ).

وقال سبحانه:( وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ) ( النساء / ١٧١ ).

فانّ وزان « الله » في هذه الآيات وزان « الإله » في قوله سبحانه :

( وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَٰهٌ وَفِي الأَرْضِ إِلَٰهٌ وَهُوَ الحَكِيمُ الْعَلِيمُ ) ( الزخرف / ٨٤ ).

فقد اُريد من لفظ الجلالة في الآيات الأربع المتقدمة نفس ما أريد من لفظ الإله من المعنى الكلّي في الآية الأخيرة ومعناه انّه « الاله » الذي يتّصف بكذا وكذا وليس كذا وكذا فكأنّه اطلق لفظ الجلالة واُريد منه إله العالم وخالقه وبارئه ولم يرد منه الفرد الخارجي ولأجل ذلك عاد إلى التنبيه على أنّه واحد لا كثير وذلك ببيان صفاته الجمالية والكمالية.

٦ ـ إنّ الذكر الحكيم يستعمل لفظ الإله في الخالق البارئ المدبّر ولا يمكن لأي مفسّر تفسيره باحدى المعاني المتقدمة ويقول:( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ

١١٧

اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ ) ( القصص / ٧١ ).

( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ ) ( القصص / ٧٢ ).

فلفظ « الإله » في هاتين الآيتين معادل للفظ الجلالة لكن بشرط العمومية والكلّية أو إلغاء الجزئيّة والخصوصيّة ولا يستقيم البرهان الوارد فيهما إلّا بتفسير الإله بما يعادل الخالق المدبّر لا بتفسيره بالمعبود والمحبوب إلّا بتكلّّف والاية بصدد البرهنة على أنّه ليس في الكون مدبّر سواه ولذلك لو جعل الله عليكم الليل سرمداً من إله ( مدبّر ) غير الله يأتيكم بضياء، ولو جعل عليكم النهار سرمداً من إله غيره سبحانه يأتيكم بليل، فإذاً الالوهيّه ( المعادلة للخالقيّة والمدبريّة ) منحصرة فيه، لا يشاركه فيها غيره فهو إله واحد ليس غيره.

أضف إلى ذلك انّ مقتضي كون الاستثناء متّصلاً، دخول المستثنى منه في المستثنى دخولاً واقعياً، وبما أنّ المراد من المستثنى هو الخالق الذي بيده مصير الإنسان والأشياء فليكن هو المراد من المستثنى منه لكن بتفاوت انّ احدهما كلّي والآخر جزئي.

وقد عرفت انّ القول بإنّ لفظ الجلالة علم للذات المستجمع لجميع صفات الجمال والكمال أو الخالق والبارئ للأشياء أو لمن بيده مصير العالم والإنسان فلايراد دخول هذه المفاهيم بالصورة التفصيليّة في معناه وإنّما هي موضوع لما تهدي إليه الفطرة أو تدل عليه العقول من سيطرة قدرةٍ على العالم لها تلك الخصوصيّات فهي من الخصوصيّات الفرديّة التي يمتاز بها عمّن سواه من الأفراد لا أنّها أجزاء للمعنى والجامع بين أفراد الإله المفروضة، لا المحققة أمر بسيط يشار إليه بأمر من الاُمور.

١١٨

٧ ـ والذي يعرب بوضوح إنّ الإله ليس بمعنى المعبود هو كلمة الاخلاص « لا إله إلّا الله » إذ لو كان المقصود من الإله المعبود لكان هذه الجملة كذباً، لأنّ من البديهي وجود آلاف المعبودات في هذه الدنيا غير الله ومع ذلك كيف يمكن نفي معبود سوى الله ولأجل ذلك اضطرّ القائل أن يقول « الإله » بمعنى المعبود وأن يقدّر لفظ « بحق » لتكون الجملة هكذا: « لا إله بحق إلّا الله »، مع أنّ تقدير لفظ « بحق » خلاف الظاهر فإنّ كلمة الإخلاص تهدف إلى نفي أي إله في الكون سوى « الله » وإنّه ليس لهذا المفهوم مصداق بتاتاً سواه، وهذا لا ينسجم إلّا أن يكون « الاله » مع لفظ الجلالة متّحدين في المعنى وأمّا جعل لفظ الجلالة علماً للذات وجعل الإله بمعنى المعبود أو ما يشابهه فلا يحصل منه المعنى المقصود بسهولة.

وأمّا جمعه على لفظ الآلهة مع أنّ مصداقه منحصر في فرد فلا يدلّ على أنّه بمعنى المعبود بل لأجل أنّ العرب كانت معتقدة بتعدّد مصداقه قال سبحانه:( أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا ) ( الأنبياء / ٤٣ )

إلى هنا تبيّن أنّ المفهوم من لفظ الجلالة ولفظ الإله واحد، وأمّا ما ذكر من المعاني من الخلق والتدبير والإحياء والإماتة وكون مصير الإنسان بيده فإنّما هو من لوازم الالوهية واقعاً أو عند المتصور.

وربما يستدل على أنّ الإله في الذكر الحكيم بمعنى المعبود وانّ أَلَهَ بمعنى عَبَدَ، تمسكاً بقوله:( وَقَالَ المَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ) ( الاعراف / ١٢٧ ) حيث قرء « وإلاهتك » اي يذرك وعبادتك ولكن الإجابة عنه واضحة.

أمّا أوّلاً فلأنّ القراءة المتواترة هي « وآلهتك » أي ليذرك وآلهتك التي أنت تعبدها حيث كان فرعون يستعبد الناس ويعبد الأصنام بنفسه(١) .

__________________

(١) مجمع البيان: ج ٢ ص ٤٦٤.

١١٩

وثانياً: على فرض صحّة القراءة فالمراد منها هو الالوهية بالمعنى المتبادر في سائر الآيات أي يتركوا قولاً وعملاً أنك إله وأنت ربّهم الأعلى إلى غير ذلك من العناوين المشيرة إلى معنى الإله أي ينكروا إنّك إلههم وإله العالمين.

نعم قال الراغب: و « إله » جعلوه اسماً لكلّ معبود لهم، وكذا الذات(١) وسمّوا الشمس إلاهة لاتّخاذهم ايّاها معبوداً وأله فلان يأله عبد وقيل تألّه فالإله على هذا هو المعبود(٢) وكلامه هذا قابل للتوجيه وعلى فرض ظهوره في كون الإله بمعنى المعبود فقد عرفت عدم استقامته في كثير من الايات.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة: إنّ لفظ الجلالة علم للذات الذي نشير إليه بصفات الجمال والكمال وانّ لفظ الإله موضوع لذلك المعنى لكن بصورة الكليّة والسعة، وأنّه يجب أن يفسّر « الإله » في جميع الآيات بهذا النحو وانّ تفسيره بالمعبود وغيره تفسير بالمعنى اللازم لا بالمعنى الموضوع له.

وهاهنا نكتة نشير إليها وهو انّ كتب الوهابيّة مليئة بتقسيم التوحيد إلى قسمين: توحيد في الربوبيّة، وتوحيد في الالوهيّة، ويريدون من الأوّل التوحيد في الخالقيّة ومن الثاني التوحيد في العبادة وكلا التفسيرين غير صحيح أمّا الربوبيّة فليست مرادفة للخالقيّة بل هو أمر آخر وراء الخلقة ولو أردنا أن نفسّره فليفسّر بالتوحيد في التدبير وإدارة العالم، وأمّا الالوهية فقد عرفت أنّ الإله والالوهية ليس بمعنى العبادة وإنّما العبادة من لوازم الاعتقاد بكون الموجود إلها، فلو أردنا أن نعبّر عن التوحيد في ذلك المجال فيجب أن نقول التوحيد في العبادة(٣) .

__________________

(١) كذا في النسخة المطبوعة ويحتمل أن يكون لفظ « الذات » مصحّف « اللات ».

(٢) المفردات: ص ٢١.

(٣) وقد مرّ في الجزء الأوّل من كتابنا ما يفيدك في المقام، لاحظ: ص ٣٤٨.

١٢٠