مفاهيم القرآن الجزء ٦

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-222-6
الصفحات: 524

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-222-6
الصفحات: 524
المشاهدات: 21450
تحميل: 384


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 524 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 21450 / تحميل: 384
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 6

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-222-6
العربية

وتقديم اسم الجلالة على ذاك الاسم أو تقديم « ربّنا » عليه لإفادة الحصر التي يفيده قولنا :( وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) ( الحمد / ٤ ). ومعناه أنّه لا يستعين أحد غيره إلاّ خاب عن مراده فهو المستعان لا غير.

نعم هذا الحصر لا ينافي الاستعانة بالغير بما أنّ أعانته منتهية إلى الله سبحانه فالاستعانة من الأسباب والعلل الظاهرية ، أو الإستعانة بالأرواح المقدّسة بمعنى أنّه هو الذي جعلها أسباباً وفاض عليها وصف السببية كيف وقد أمر به سبحانه إيماءً واشارةً ووضوحاً وتصريحاً.

قال سبحانه حاكياً عن ذي القرنين :( قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا ) ( الكهف / ٩٥ ). وقال سبحانه :( اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) ( البقرة / ١٥٣ ).

وهذا أصل مطّرد في كل اسم مختص بالله سبحانه ، فهو الواجد لكمال حقيقته ولو وصف به الغير فإنّما يوصف بتسبيب وإفاضة منه ، فهو المستعان حقيقة واستقلالاً وغيره يستعان منه إلاّ بتسبيب منه ، وهو غير مستقل في الإعانة والنصر.

وأمّا حظّ العبد من ذلك الاسم ، هو التعاون في التقوى والتجنّب عنه في الإثم والعدوان ، قال سبحانه :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ) ( المائدة / ٢ ).

المائة والعشرون : « المصوّر »

وقد ورد هذا اللفظ في الذكر الحكيم مرّة واحدة ووقع وصفاً له سبحانه.

قال :( هُوَ اللهُ الخَالِقُ الْبَارِئُ المُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاءُ الحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) ( الحشر / ٢٤ ).

٤٦١

و « المصوّر » من الصورة وهي صورة كل مخلوق وهيئته التي خلق عليها(١) .

قال الراغب : « الصورة » ما ينتقش بها الأعيان ويتميّز بها عن غيرها ، وهي بين محسوس ومعقول ، والمحسوس كصورة الإنسان والفرس والحمار بالمعاينة ، والمعقول الصورة التي اختص الإنسان بها من العقل والرؤية والمعاني التي خصّ بها شيء بشيء.

يلاحظ عليه : انّ تقسيم الصورة إلى القسمين تقسيم فلسفي خارج عن اطار المعنى اللغوي للفظ ، وقد جرّه إلى هذا التقسيم تصحيح ما روي عن النبي أنّه قال : « إنّ الله خلق آدم على صورته » بناءً على أنّ الضمير المجرور يرجع إلى الله ، وسيوافيك تفسير الحديث بوجهين.

والظاهر أنّ المراد من المبدأ في المصوّر هو الصورة الحسّية التي اُشير إليها في كثير من الآيات.

قال سبحانه :( هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ ) ( آل عمران / ٦ ).

وقال سبحانه :( وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ ) ( الأعراف / ١١ ).

وقال سبحانه :( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ ) ( غافر / ٦٤ ).

نعم كان تصوير آدم على وجه الكمال ملازما لكونه ذا صورة عقليّة مدركة

__________________

(١) الظاهر من صاحب المقاييس انّ الصورة مأخوذة من صور ، ويؤيّده كون الواو ظاهرة في مشتقاته ك‍ ( المصوّر ، المصور ، التصوير ، الصور ) غير أنّ الرازي قال : الصورة مأخوذة من صار يصير ، ومنه قولهم « إلى ماذا صار أمرك » وصورة الشيء هو الجزء الذي باعتباره يكون الشيء حاصلاً كائناً لا محالة فلا جرم كانت الصورة منتهي الأمر ومصيره ( لوامع البيّنات : ص ٢٠٩ ) ولا يخفى بعده وليس من الممتنع أن يكون لمادة « صور » معان مختلفة منها الامالة ومنه قوله تعالى( فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ) ومنه « أصور » بمعنى مائل العين ، ومنها « الصورة » الهيئة التي يخلق الشيء عليها ).

٤٦٢

بالبصيرة ، وهو غير كون الصورة موضوعة للأعمّ من الحسّيّة والعقليّة.

وكونه سبحانه هو المصوّر دون غيره لا ينافي تدخّل الأسباب المادّيّة والصفات الموروثة في التصوير ، فإنّها من جنوده سبحانه تعمل بإرادته ومشيئته وتأثير الكل ينتهي إليه فهو المصوّر حقيقة ، وغيره من العلل الطوليّة والعرضيّة مصوّرة بإذنه ومشيئته.

تفسير الحديث النبوي

روى الفريقان عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال : « إنّ الله خلق آدم على صورته » فأخذ بظاهره المشبّهة ، فتخيّلوا أنّ لله سبحانه صورة غير أنّ الروايات المرويّة عن أئمّة أهل البيت تفسّر الحديث بوجهين مختلفين وإليك بيانهما :

١ ـ قال « محمد بن مسلم » : سألت أبا جعفرعليه‌السلام عمّا يروون أنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على صورته ، فقال : هي صورة محدثة مخلوقة اصطفاها الله واختارها على سائر الصور المختلفة فأضافها إلى نفسه كما أضاف الكعبة إلى نفسه والروح إلى نفسه ، فقال سبحانه :( بَيْتِيَ ) ( البقرة / ١٢٥ ). وقال سبحانه :( وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي ) ( الحجر / ٢٩ )(١) .

وعلى هذا يرجع الضمير إلى الله تعالى وتكون الإضافة تشريفية.

٢ ـ قال « الحسين بن خالد » قلت للرضاعليه‌السلام : يابن رسول الله إنّ الناس يروون أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إنّ الله خلق آدم على صورته » فقال : قاتهلم الله لقد حذفوا أوّل الحديث : إنّ رسول الله مرّ برجلين يتسابّان فسمع أحدهما يقول لصاحبه : « قبّح الله وجهك ووجه من يشبهك » فقالصلى‌الله‌عليه‌وآله : « يا عبد الله لا تقل هذا لأخيك ، فإنّ الله عزّ وجلّ خلق آدم على

__________________

(١) التوحيد للصدوق : باب أنّه عزّ وجلّ ليس بجسم ولا صورة ، الحديث ١٨ ، ص ١٠٣.

٤٦٣

صورته »(١) .

وعلى هذا فالضمير المجرور يرجع إلى الذي وجّه إليه السب المحذوف عن صدر الحديث ، وهناك وجوه اُخر لتفسير الحديث لاحظ « التوحيد » للصدوق وغيره من الكتب.

المائة والواحد والعشرون : « المقتدر »

وقد ورد لفظ « المقتدر » في القرآن ٣ مرّات ووقع وصفاً له سبحانه.

قال تعالى :( كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُّقْتَدِرٍ ) ( القمر / ٤٢ ).

وقال سبحانه :( إِنَّ المُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ *فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ ) ( القمر / ٥٤ و ٥٥ ).

وقال سبحانه :( وَكَانَ اللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا ) ( الكهف / ٤٥ ).

وجاء بصيغة الجمع وصفاً له سبحانه.

قال سبحانه :( أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِم مُّقْتَدِرُونَ ) ( الزخرف / ٤٢ ). وهو يعادل « القادر » و « القدير » في المعنى غير أنّه أبلغ في ثبوت المبدأ كما أنّه يدل على الاختيار ، وكلا الأمرين من مقتضيات باب الافتعال.

قال سبحانه :( لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ) ( البقرة / ٢٨٦ ).

المائة والثاني والعشرون : « المقيت »

وقد ورد في الذكر الحكيم لفظ « المقيت » مرّة واحدة وجرى وصفاً له سبحانه.

قال سبحانه :( مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً

__________________

(١) التوحيد باب تفسير قوله( كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ ) الحديث ٧١١ ص ١٥٣.

٤٦٤

سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ) ( النساء / ٨٥ ).

والكلمة مشتقة من « القوت » قال ابن فارس : « يدل على امساك وحفظ وقدرة على الشيء ، ومن ذلك قوله تعالى :( وَكَانَ اللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا ) أي حافظاً له شاهداً عليه وقادراً على ما أراد. قال الشاعر :

وذي ضعن كففت النفس عنه

وكنت على إسائته مقيتا

ومن الباب « القوت » ما يمسك الرمق ، وإنّما سمّي قوتاً لأنّه مساك البدن وقوّته(١) .

فإذا كان أصله هو الامساك والحفظ فيصحّ تفسيره بالحفيظ والشهيد لملازمة الإمساك له ، فيكون متّحداً مع بعض أسمائه في المعنى كالحفيظ والشهيد.

قال الصدوق : « المقيت » معناه الحافظ الرقيب ، ويقال : بل هو القدير(٢) .

المائة والثالث والعشرون : « الملك »

وقد ورد لفظ « الملك » في الذكر الحكيم ١١ مرّة ووقع وصفاً له سبحانه في ٥ موارد.

قال سبحانه :( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) ( طه / ١١٤ ).

وقال سبحانه :( فَتَعَالَى اللهُ المَلِكُ الحَقُّ لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) ( المؤمنون / ١١٦ ).

وقال سبحانه :( هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ

__________________

(١) مقائيس اللغة : ج ٥ ، ص ٣٦.

(٢) التوحيد : ص ٢١٣.

٤٦٥

المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ ) ( الحشر / ٢٣ )(١) .

وقد تقدّم الكلام في معنى الملك عند البحث عن اسم « مالك الملك » فلاحظ.

وقال نقلاً عن ملكة سبأ :( قَالَتْ إِنَّ المُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا ) ( النمل / ٣٤ ).

نعم هذه الملازمة غالبية ، وهناك ملوك يعرّفهم القرآن بالقدس والنزاهة قال سبحانه :( اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا ) ( المائدة / ٢٠ ).

والمراد من الملوك في الآية ، الأنبياء الذين ملكوا الأمر وتسلّموه بأمر من الله وتسنّدوا على منصّة الحكم كداود وسليمان (ع) ولا بأس بتوصيف اُمّة بني اسرائيل بهذا الوصف باعتبار انّ بعضهم كانوا ملوكاً تسرية لحكم البعض إلى الكل.

المائة والرابع والعشرون : « المولى »

وقد جاء لفظ المولى في الذكر الحكيم ١٨ مرّة ووقع وصفاً له سبحانه في ١٢ مورداً.

قال سبحانه :( وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ المَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ( الأنفال / ٤٠ ).

وقال سبحانه :( وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ( الحج / ٧٨ ).

وقال سبحانه :( ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَىٰ لَهُمْ ) ( محمّد / ١١ ).

__________________

(١) لاحظ : الجمعة / ١ ، الناس / ٢.

٤٦٦

وقال سبحانه :( بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ ) ( آل عمران / ١٥٠ )(١) .

وأمّا معناه فقد ذكر « ابن فارس » إنّ معنى ( الولي ) هو القرب ، يقال : « تباعد بعد ولي » أي قرب ، ويطلق « المولى » على المعتق ـ بالكسر ـ والمعتق والصاحب والحليف وابن العم والناصر والجار كل هٰؤلاء من الولي وهو القرب وفلان أولى بكذا أي أحرى به وأجدر.

والظاهر أنّ قرب أحد من أحد يكون سبباً لأولوّية أحدهما بالآخر ، وعلى ذلك فليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأحرى والأجدر وله مصاديق مختلفة.

ثمّ إنّ بعض من تكلّم في مفاد « حديث الغدير » المشتمل على لفظ « المولى » أراد التشكيك في دلالته قائلاً بأنّ المولى يستعمل مضافاً إلى معنى « الأولى » و « الولي » في معان اُخرى ، كالرب والعم ، وابن العم والمعتِق ، والمعتَق والعبدُ ، والمالُ والحليفُ ، والجار والتابع و

وعند ذلك يكون الحديث غير صريح الدلالة ، وقد خفي عن المشكّك أنّه ليس للمولى إلاّ معنى واحد وهو الأولى الذي هو الولي بمعنى واحد ، وأمّا غيره فإنّما هو من مصاديقه وموارده ، وأوّل من نبّه بذلك « ابن البطريق » في عمدته(٢) .

وتبعه شيخنا « الأميني » في غديره وبذلك خرج لفظ « المولى » عن كونه مشتركاً بين سبعة وعشرين معنى إلى كونه ذا معنى واحد ، قال « الأميني » : الذي نرتأيه بعد الخوض في غمار اللغة ومجاميع الأدب وجوامع العربية ، إنّ المعنى الحقيقي من معاني المولى ليس إلاّ الأولى بالشيء ، وهو الجامع لهاتيك المعاني جمعاء ومأخوذ في كل منها بنوع من العناية ، ولم يطلق لفظ المولى على شيء منها إلاّ

__________________

(١) لاحظ : البقرة / ٢٨٦ ، الأنفال / ٤٠ ، الأنعام / ٦٢ ، التوبة / ٥١ ، الحج / ٧٨ ، التحريم / ٢ و ٤.

(٢) راجع العمدة : ١١٢ ـ ١١٣.

٤٦٧

بمناسبة هذا المعنى :

١ ـ فالربّ سبحانه هو أولى بخلقه من أي قاهر عليهم.

٢ ـ والعمّ أولى الناس بكلاءة ابن أخيه والحنان عليه وهو القائم مقام والده.

٣ ـ وابن العمّ أولى بمعاضدة ابن عمه لأنّهما غصنا شجرة واحدة.

٤ ـ والمعتق ـ بالكسر ـ أولى بالتفضّل على من أعتقه من غيره.

٥ ـ والمعتق ـ بالفتح ـ أولى بأن يعرف جميل من أعتقه ويشكره بالخضوع والطاعة.

٦ ـ والعبد أولى أيضاً بالانقياد لمولاه من غيره وهو واجبه الذي نيطت سعادته به.

٧ ـ والمالك أولى بكلاءة مملوكه والتصرّف فيه.

٨ ـ والتابع أولى بمناصرة متبوعه ممّن لا يتبعه.

٩ ـ والجار أولى بالقيام بحفظ حقوق الجوار من البعداء.

١٠ ـ والحليف أولى بالنهوض بما حالفه ودفعه عادية الجور عنه(١) .

فإذا كان الأمر كذلك فالأولويّة لا تتحقّق إلاّ بوجود ملاك يصحّ معه توصيفه بها حسب اختلاف الموارد ، فالله سبحانه أولى بالمؤمنين وجميع عباده لأجل كونه خالقاً لهم ، مخرجاً لهم من العدم إلى الوجود ، فله الولاية الحقيقية ، كما أنّ النبي والولي أولى بالمؤمنين من أنفسهم لكونهما منصوبين من جانب من له الولاية الحقيقية حيث نصبا لصيانة العباد عمّا يخالف ولايته سبحانه على العباد.

فقال سبحانه :( إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ ) ( المائدة / ٥٥ ).

__________________

(١) الغدير : ج ١ ، ص ٣٦٩.

٤٦٨

فالرسول ومن جاء بعده خلفاءه تعالى في الولاية لاشركاءه ، سبحانه أن يكون له ولي من الذلّ تعالى الله عن ذلك علوّاً كبيراً.

وبذلك يظهر وضع سائر المِلاكات والمناطات من اللحمة والجوار ، والخدمة والإحسان والوحدة في الدين.

قال سبحانه :( وَالمُؤْمِنُونَ وَالمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ) ولأجل عدم وجود هذا الملاك بين المؤمن والكافر نفى الولاية بينهم وقال سبحانه :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ) ( المائدة / ٥١ ).

وعلى ذلك فالولاية الحقيقية التكوينية القائمة بالخلق والإيجاد لله سبحانه وغيرها ولاية تشريعية إلهية أو عقلائية ، ولكن ليس ثبوت الولاية فوضى بل يتبع ملاكاً تكوينياً أو إعتبارياً نابعاً من التكوين.

المائة والخامس والعشرون : « المهيمن »

وقد ورد لفظ « المهيمن » في الذكر الحكيم مرّتين ووقع وصفاً له سبحانه في آية وللقرآن في آية اُخرى.

قال سبحانه :( المَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ ) ( الحشر / ٢٣ ).

وقال سبحانه :( وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) ( المائدة / ٤٨ ).

ويتخيّل في بادي النظر أنّ اللفظ مشتق من « همن » مع أنّه ليس كذلك إذ لم يرد في اللغة العربية « همن » وإنّما هو مشتق من أمن فبدّل الهمزة هاء.

قال الطبرسي : « أصل مهيمن : مؤيمن فقلبت الهمزة هاء كما قيل : في أرقت

٤٦٩

الماء « هرقت » ، وقد صرف وقيل هيمن الرجل إذا ارتقب وحفظ وشهد ، ويهيمن هيمنة ، وعلى هذا يكون وزنه مفعيل مثل « مسيطر » و « مبيطر » ، وعلى هذا فيكون معنى « المهيمن » موجد الأمن والأمان ، فيكون ملازماً للرقابة والحفظ والشهادة فلو فسّر بالشاهد والحفيظ والرقيب كان تفسيراً باللازم.

وعلى ذلك فالله سبحانه هو الفائق المسيطر على العباد كما أنّ القرآن مسيطر على الكتب السماوية عامّة إذ به يعرف صدق ما في الكتب السماوية الاُخرىٰ.

قال سبحانه :( إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( النمل / ٧٦ ).

٤٧٠

حرف النون

المائة والسادس والعشرون : « النصير »

وقد جاء النصير في الذكر الحكيم ٢٤ مرّة ووقع وصفاً له سبحانه في موارد أربعة.

قال سبحانه :( وَإِن تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ مَوْلاكُمْ نِعْمَ المَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ( الأنفال / ٤٠ ).

وقال سبحانه :( وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ المَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ ) ( الحج / ٧٨ ).

وقال سبحانه :( وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا ) ( الفرقان / ٣١ ).

وقال سبحانه :( وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَىٰ بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَىٰ بِاللهِ نَصِيرًا ) ( النساء / ٤٥ ).

والنصير مبالغة في النصر بمعنى العون ، قال الصدوق : « الناصر والنصير بمعنى واحد ، والنصرة حسن المعونة »(١) .

فهو سبحانه ينصر أنبيائه وأوليائه :

قال تعالى :( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( غافر / ٥١ ).

وقال تعالى :( وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّ ) ( آل عمران / ١٢٣ ).

وقال تعالى :( لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ

__________________

(١) التوحيد : ص ٢١٤.

٤٧١

حُنَيْنٍ ) ( التوبة / ٢٥ ). بل ينصر عباده في سبل الحياة نصراً مادّيّاً ونصراً معنوياً غير أنّ العباد بين شاكر وكافر ، وقليل من عباده الشكور.

المائة والسابع والعشرون : « النور »

وقد جاء النور في الذكر الحكيم معرفاً ومنكراً ، مضافاً وغير مضاف ٤١ مرّة ووقع وصفاً له سبحانه في آية واحدة وهي آية النور.

قال سبحانه :( اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ المِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لاَّ شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) ( النور / ٣٥ ).

وأمّا معناه فهو حسب ما صرّح به « ابن فارس » يدلّ على الإضاءة ويطلق على الضوء المنتشر الذي يعين على الأبصار والمتبادر منه ما انتشر من الأجسام النيّرة كالقمرين والنجوم والمصابيح ، غير أنّه يستعار لكل ما يضيء طريق السعادة ، ولأجل ذلك اطلق النور على النبي الأكرم.

قال سبحانه :( قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) ( المائدة / ١٥ ).

وعلى التوارة قال سبحانه :( إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ ) ( المائدة / ٤٤ ).

وعلى الإيمان قال سبحانه :( اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ) ( البقرة / ٢٥٧ ).

وعلى القرآن قال سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) ( النساء / ١٧٤ ).

٤٧٢

إلى غير ذلك ممّا استعمل فيه النور ، واستعير لغير النور الحسّي لاشتراكهما في الأثر ، وهذا هو الأصل في الاستعارة والتوسّع في الاستعمال.

ولا شك انّ المراد من كون سبحانه نوراً ليس هو النور الحسّي بضرورة العقل والكتاب قال سبحانه :( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ) ( الشورى / ١١ ). وإنّما المراد هو النور غير الحسّي.

بيان : إنّ الوجود سواء كان واجباً أو ممكناً نور لكون الوجود في كلتا المرتبتين ظاهراً بنفسه ومظهراً لغيره.

أمّا الوجود الامكاني فيظهر به الماهيات فتحقّق به الإنسانية والحيوانية والنباتية والجمادية ، كما أنّ الوجود الواجب ـ مع كونه ظاهراً بنفسه لأجل كونه وجوداً ـ مظهر لغيره ، فانّ العوالم الامكانية متحقّقة به.

وعلى ضوء ذلك فينطبق حد النور الحسّي ( الظاهر بنفسه ، المظهر لغيره ) على الوجود في جميع مراتبه ودرجاته ، غير أنّه كما أنّ للنور الحسّي مراتب ودرجات فهكذا للنور المعنوي أي الوجود مراتب ودراجات ، فإنّ نسبة العوالم الامكانية إلى وجود الواجب كنسبة المعاني الحرفية إلى المعنى الاسمي ، فلو كان للمعنى الحرفي مفهوم في الذهن وتحقّق في الخارج ودلالة في عالم الوضع فإنّما هو ببركة المعنى الاسمي في المراحل الثلاث ، ومثله الوجود الامكاني فلو كان له ظهور بنفسه واظهار لغيره أعني الماهيات ، فإنّما هو بفضل صلته وقوامه بالواجب ، ولولا تلك الصلة لكانت العوالم الامكانية والمعدومات سواسية ، فعليه فالله سبحانه نور السموات والأرض بالحق والحقيقة لا بالمجاز ، ومن فسّره بمنوّر السموات فقد سلب عنه البلاغة العليا وأدرجه في العاديات من الكلام.

قال « العلاّمة الطباطبائي » : « وإذا كان وجود الشيء هو الذي يظهر به ( نفسه ) لغيره من الأشياء كان مصداقاً تامّاً للنور ، ثم لمّا كانت الأشياء الممكنة الوجود إنّما

٤٧٣

هي موجودة بايجاد الله تعالى كان هو المصداق الأتمّ للنور ، فهناك وجود ونور يتّصف به الأشياء وهو وجودها ونورها المستعار المأخوذ منه تعالى ، ووجود ونور قائم بذاته يوجد وتستنير به الأشياء ، فهو سبحانه نور تظهر به السموات والأرض وهذا هو المراد بقوله :( اللهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ) حيث اُضيف النور إلى السموات والأرض ثمّ حمل على اسم الجلالة ، ومن ذلك يستفاد أنّه تعالى غير مجهول لشيء من الأشياء إذ ظهور كل شيء لنفسه أو لغيره إنّما هو بإظهاره تعالى ، فهو الظاهر بذاته له قبله ، وإلى هذه الحقيقة يشير قوله تعالى بعد آيتين :( أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ ) ( النور / ٤١ ) إذ لا معنى للعلم بالتسبيح والصلاة مع الجهل بمن يصلّون له ويسبّحون ، فهو نظير قوله :( وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ) ( الاسراء / ٤٤ )(١) .

وقال الإمام الطاهر أبو الشهداء الحسين بن عليعليهما‌السلام : « أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المظهر لك ».

__________________

(١) الميزان : ج ١٥ ، ص ١٢٢.

٤٧٤

حرف الواو

المائة والثامن والعشرون : « الواحد »

قد ورد لفظ الواحد في الذكر الحكيم ٣٠ مرّة ووقع وصفاً له سبحانه في ٢١ مورداً.

قال سبحانه :( وَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَٰنُ الرَّحِيمُ ) ( البقرة / ١٦٣ ).

وقال سبحانه :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) ( المائدة / ٧٣ ).

وقال سبحانه :( أَأَرْبَابٌ مُّتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ) ( يوسف / ٣٩ ).

وقال تعالى :( لا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) ( النحل / ٥١ ).

وأمّا معناه فقد قال « ابن فارس » : يدل على الإنفراد من تلك الوحدة وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله ، قال :

يا واحد العرب الذي

ما في الأنام له نظير

ويستفاد من الإمعان في الآيات المذكورة أنّ الواحد يهدف إلى نفي النظير والمثل والكثرة العددية بشهادة قوله سبحانه :( لا تَتَّخِذُوا إِلَٰهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) ومثله قوله :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ) وبذلك يعلم صحّة التفريق بين « الواحد » و « الأحد » وانّ « الواحد » بمعنى نفي الكثرة العددية و « الأحد » بمعنى نفي التركيب.

٤٧٥

ثمّ إنّ للتوحيد مراتب تربو على تسع.

١ ـ التوحيد في الذات بمعنى أنّه واحد ليس له نظير ومثيل.

٢ ـ التوحيد في الذات بمعنى أنّه بسيط لا جزء له خارجاً ولا ذهناً.

٣ ـ التوحيد في الصفات بمعنى أنّه صفاته عين ذاته لا زائدة عليه.

٤ ـ التوحيد في الخالقية بمعنى أنّه لا خالق سوى الله.

٥ ـ التوحيد في الربوبيّة بمعنى أنّه المدبّر للكون والإنسان.

٦ ـ التوحيد في الحاكمية بمعنى أنّه لا ولاية لأحد على أحد إلاّ لله سبحانه.

٧ ـ التوحيد في الطاعة بمعنى أنّ حق الطاعة منحصر في الله سبحانه ولا مطاع غيره.

٨ ـ التوحيد في التشريع بمعنى انحصار حق التقنين والتشريع في الله سبحانه.

٩ ـ التوحيد في العبادة بمعنى أنّه لا معبود سوى الله سبحانه(١) .

وهل توصيفه بالواحدية في هذه الآيات تهدف إلى الجميع أو أنّها تهدف إلى المرتبة الاُولى وهي كونه بحيث لا نظير له ، والإذعان بواحد من الأمرين يتوقّف على إمعان النظر في جميع الآيات التي ورد فيها توصيفه بهذا الوصف حتى تنصرف حسب القرائن إلى واحد منها أو إلى جميعها.

إنّ لجميع مراتب التوحيد أدلّة عقلية وآيات قرآنية تثبتها بوضوح ، ويمكن أن يقال : إنّ توصيفه سبحانه بالواحد في الآيات الواردة لرد مزعمة النصارى تهدف إلى التوحيد بمعنى نفي المثيل والنظير وما ورد في مجال التفدية والأصنام والأوثان ، أو نفي التدبير عن غيره سبحانه يهدف إلى التوحيد في العبادة أو الربوبية والتدبير ،

__________________

(١) قد بسطنا الكلام حول هذه المراتب في الجزء الاول من هذه الموسوعة فلاحظ.

٤٧٦

غير انّا نبحث في المقام عن معنى كونه واحداً لا نظير له على وجه الإجمال.

معنى كونه واحداً

الوحدة على قسمين :

١ ـ الوحدة العددية : وهي عبارة عن كون الشيء واقعاً تحت مفهوم عام وجد منه مصداق واحد ، وذلك مثل مفهوم الشمس الذي هو مفهوم وسيع قابل للإنطباق على كثير ، غير أنّه لم يوجد في عالم الحسّ منه إلاّ مصداق واحد مع إمكان وجود مصاديق كثيرة له ، وهذا هو المصطلح عليه ب‍ « الواحد العددي ».

٢ ـ الوحدة الحقيقة : وهي عبارة عن كون الموجود لا ثاني له ، بمعنى أنّه لا يقبل الاثنينيّة ولا التكرّر والتكثّر وذلك كصرف الشيء المجرد عن كل خليط ، مثلاً الوجود المطلق عن كل قيد ، واحد بالوحدة الحقّة ، لأنّه لا ثاني له لأنّ المفروض ثانياً بما أنّه لا يتميّز عن الأوّل لا يمكن أن يعد شيئاً آخر بل يرجع إلى الوجود الأوّل.

وعلى ضوء ذلك ، فالمراد من كون الشمس واحدة هو أنّها واحدة لا اثنتان ولا ثلاثة و ولكن المراد ، من كون الوجود المطلق ، منزّهاً عن كل قيد واحد ، أنّه لا ثاني له ولا مثيل ولا شبيه ولا نظير ، أي لا تتعقّل له الاثنينيّة والكثرة لأنّ ما فرضته ثانياً ، بحكم أنّه منزّه عن كل قيد وخليط يكون مثل الأوّل ، فلا يتميّز ولا يتشخّص.

والمراد من كونه سبحانه واحداً ، هو الواحد بالمعنى الثاني ، أي ليس له ثان ، ولا تتصوّر له الاثنينيّة والتعدّد.

ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) أي واحد لا نظير له.

والعجب انّ الإمام أمير المؤمنين علياًعليه‌السلام قام بتفسير كونه تعالى

٤٧٧

واحداً ، عندما كان بريق السيوف يشد إليه العيون ، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة ( الجمل ) ، فأحسّعليه‌السلام بأنّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها ليس بأقل أهميّة عن خوض المعارك ضد أهل الباطل :

روى الصدوق أنّ أعرابياً قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنينعليه‌السلام فقال : يا أمير المؤمنين أتقول : إنَّ الله واحد ، قال فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسّم القلب ، فقال أمير المؤمنين : « دعوه ، فإنَّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم » ثمّ قال شارحاً ما سأل عنه الأعرابي : « وقول القائل واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأنَّ ما لا ثاني له لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنَّه كفر من قال « ثالث ثلاثة ».

ثم قال : « معنى هو واحد : أنّه ليس له في الأشياء شَبَه ، كذلك ربّنا. وقول القائل : إنّه عزّ وجلّ أحَدِيُّ المعنى يعني به أنّه لا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم ، كذلك ربّنا عزّ وجلّ »(١) .

فالإمامعليه‌السلام لم يكتف ببيان المقصود من توصيفه سبحانه بأنّه واحد ، بل أشار إلى معنى آخر من معاني توحيده وهو كونه أحَدِيّ الذات ، الذي يهدف إلى كونه بسيطاً لا جزء له في الخارج والذهن. وهذا المعنى هو الذي نطرحه على بساط البحث في القسم الثاني من التوحيد الذاتي.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى بيان البراهين العقليّة على توحيده سبحانه بمعنى كونه واحداً لا ثاني له.

__________________

(١) توحيد الصدوق : ص ٨٣ ـ ٨٤.

٤٧٨

أدلّة الوحدانية

١ ـ التعدّد يستلزم التركيب

لو كان هناك واجب وجود آخر لتشارك الواجبان في كونهما واجبي الوجود ، ولابدّ من تميّز أحدهما عن الآخر بشيء وراء ذلك الأمر المشترك ، كما هو الحال في كل مِثْلين ، وذلك يستلزم تركّب كل منهما من شيئين : أحدهما يرجع إلى ما به الإشتراك ، والآخر إلى ما به الإمتياز ، والمركّب بما أنّه محتاج إلى أجزائه لا يكون متّصفاً بوجوب الوجود ، بل يكون ـ لأجل الحاجة ـ ممكناً ، وهو خلاف الفرض.

وباختصار ، لو كان في الوجود واجبان للزم إمكانهما وذلك أنّهما يشتركان في وجوب الوجود فإن لم يتميّزا لم تحصل الإثنينيّة ، وإن تميّزا لزم تركّب كل واحد منهما ممّا به المشاركة وما به الممايزة ، وكل مركّب ممكن فيكونان ممكنين ، وهذا خلاف الفرض.

وهناك شبهة لابن كمّونة أحد المتفلسفة يقول : والعقل لا يأبى بأوّل نظرة أن يكون هناك هويّتان بسيطتان مجهولتا الكنهه ، مختلفتان بتمام الذات البسيطة ويكون حمل وجوب الوجود عليهما قولاً عرضيّاً(١) .

وقد اُجيب عنه بأجوبة كثيرة أحدها ما ذكره صدر المتألّهين في المبدأ والمعاد وغيرهما : إنّ مصداق حمل مفهوم واحد ومطابق بالذات ، وبالجملة ما منه الحكاية ، وبذلك المعنى مع قطع النظر عن أيّة حيثيّة كانت ، لا يمكن أن تكون حقائق متخالفة بما هي متخالفة.

وبالجملة : الاُمور المتخالفة من حيث كونها متخالفة بلا حيثيّة جامعة فيها لا تكون مصداقاً لحكم واحد ، ومحكياً عنها به. نعم يجوز ذلك إذا كانت الاُمور متماثلة من جهة كونها متماثلة كالحكم على زيد وعمرو بالإنسانيّة من جهة

__________________

(١) يريد العرض بمعنى الخارج المحمول ، لا المحول بالضميمة.

٤٧٩

اشتراكهما في تمام الماهية لا من حيث عوارضها المختلفة(١) . فما فرضه ابن كمّونة ، فرض محال.

٢ ـ الوجود اللامتناهي لا يقبل التعدّد

هذا البرهان مؤلّف من صغرى وكبرى ، والنتيجة هي وحدة الواجب وعدم إمكان تعدّده. وإليك صورة القياس حتى نبرهن على كل من صغراه وكبراه.

وجود الواجب غير متناه.

وكل غير متناه واحد لا يقبل التعدّد.

فالنتيجة : وجود الواجب واحدٌ لا يقبل التعدّد.

وإليك البرهنة على كل من المقدّمتين.

أمّا الصغرى : فإنَّ محدودية الموجود ملازمة لتلبُّسه بالعدم. ولأجل تقريب هذا المعنى لاحظ الكتاب الموضوع بحجم خاص ، فإنّك إذا نظرت إلى أي طرف من أطرافه ترى أنّه ينتهي إليه وينعدم بعده ، ولا فرق في ذلك بين صغير الموجودات وكبيرها ، حتى إنَّ جبال الهملايا مع عظمتها محدودة لا نرى أي أثر للجبل بعد حدّه. وهذه خصيصية كل موجود متناه زماناً أو مكاناً أو غير ذلك ، فالمحدوديّة والتلبّس بالعدم متلازمان.

وعلى هذا الأساس لا يمكن اعتبار ذاته سبحانه محدودة ، لأنّ لازم المحدوديّة الإنعدام بعد الحد كما عرفت ، وما هو كذلك لا يكون حقّاً مطلقاً مئة بالمئة بل يلابسه الباطل والإنعدام ، مع أنَّ الله تعالى هو الحق المطلق الذي لا يدخله باطل ، والقرآن الكريم يصف وجوده سبحانه بالحق المطلق وغيره بالباطل ، وما هذا إلاّ لأنّ وجود غيره وجود متلبّس بالعدم والفناء وأمّا وجود الله

__________________

(١) شرح الأسماء الحسنى : ص ١٢٨.

٤٨٠