مفاهيم القرآن الجزء ٧

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581
المشاهدات: 18172
تحميل: 411


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 581 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 18172 / تحميل: 411
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 7

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-223-4
العربية

وفد الحبشة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله للإستطلاع على أمر الدعوة :

لمّا بلغ خبر رسول الله إلى الحبشة وهم نصارى ، فقدم منهم إلى مكّة عشرون رجلاً ليقفوا على حقيقة الأمر عن كثب ، فوجدوا النبي في المسجد ، فجلسوا إليه وكلّموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة ، فلمّا فرغوا من مسألة رسول الله عمّا أراد ، ودعاهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الله عزّ وجلّ وتلا عليهم القرآن ، فلمّا سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ، ثمّ استجابو لله وآمنوا بالنبيّ وصدّقوه وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره ، فلمّا قاموا عنه إعترضهم أبو جهل بن هشام في نفر من قريش فقالوا لهم : خيّبكم الله من ركب بعثكم من ورائكم من أهل دينكم ، ترتادون لهم لتأتوهم بخبر الرجل فلم تطمئنّ مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم ، وصدّقتموه بما قال ، ما نعلم ركباً أحمق منكم ، فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه ، لم نأل أنفسنا خيراً ، وفيهم نزل قوله سبحانه :

( الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ *وَإِذَا يُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ *أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ *وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ ) ( القصص / ٥٢ ـ ٥٥ )(١) .

إلى هنا تمّ الفراغ من بيان الحوادث المهمّة في الفترة الواقعة بين بعثته وهجرته وبقيت هناك عدّة حوادث يقف عليها من سبر التفاسير ، فتركنا ذكرها روماً للإختصار.

__________________

(١) السيرة النبويّة ، لابن هشام : ج ١ ص ٣٩٢ ، مجمع البيان : ج ٤ ص ٣٥٨ ، مع اختلاف يسير بين المصدرين.

٢٢١
٢٢٢

(٨)

في رحاب الهجرة إلى يثرب

الهجرة في اللّغة هو الخروج من أرض إلى أرض(١) فلو ترك إنسان أرضاً وانتقل إلى أرضٍ اُخرى لغاية من الغايات ، يقال إنّه هاجر ، ولكنّها في مصطلح القرآن هو الإنتقال من أرض إلى أرض لغاية قدسية كحفظ الإيمان والتمكّن من إقامة الفرائض على وجه تكون قداسة الهدف مقوّماً لمفهوم المهاجرة إلى حدٍّ استعمله النبيّ في ترك المحرّمات ونبذ المعاصي وإن لم يكن هناك إنتقال من مكان إلى مكان ، بل كان هناك إنتقال الرّوح من العصيان إلى الطّاعة. قال : « المهاجر من هجر ما حرّم الله عليه »(٢) .

والهجرة في مصطلح أهل السيرة والتاريخ والتفسير من المسلمين هو هجرة الرسول من موطنه إلى يثرب للتخلّص من مؤامرة قريش على سجنه أو قتله أو نفيه ، وليس الرسول بدعاً في ذلك فقد ذكر القرآن مهاجرة لفيف من الأنبياء.

فهذا هو إبراهيم الخليل لمّا اُلقي في النار ، ونجّاه الله سبحانه غادر موطنه ، قال سبحانه حاكياً قصّته :

( قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الجَحِيمِ *فَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَسْفَلِينَ *وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ *رَبِّ هَبْ لِي مِنَ

__________________

(١) لسان العرب : مادة « هجر ».

(٢) جامع الاُصول : ج ١ ص ١٥٤.

٢٢٣

الصَّالِحِينَ ) ( الصافّات / ٩٧ ـ ١٠٠ ) فنزل الخليل الأراضي المقدّسة ووهبه سبحانه إسحاق ويعقوب. قال تعالى :

( وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيًّا ) ( مريم / ٤٩ ).

وهذا لوط وقد تبع إبراهيم وغادر موطنه كما يحكي عنه قوله سبحانه :( فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) ( العنكبوت / ٢٦ ).

وهذا موسى بن عمران فلمّا وقف على أنّ الملأ يأتمرون به ليقتلوه غادر أرض الفراعنة ونزل مدين. يقول سبحانه :( فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) ( القصص / ٢١ ).

وأمّا النبيّ الأكرم فقد خرج في موسم الحج ولقيه فيه نفر من الخزرج فقال لهم : من أنتم ؟ فقالوا : نفر من الخزرج ، قال : أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم. قال : أفلا تجلسون أكلّمكم ؟ قالوا : بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله عزّ وجلّ وعرض عليهم الإسلام ، وتلى عليهم القرآن. قال : وكان ممّا صنع الله بهم في الإسلام أنّ اليهود كانوا معهم في بلادهم ، وكانوا أهل كتاب وعلم ، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان ، وكانوا قد غزوهم ببلادهم ، وكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم : إنّ نبيّنا مبعوث الآن قد أظلّ زمانه نتبعهُ فنقتلكم معهُ قتل عاد وإرم ، فلمّا كلّم رسول الله اُولئك النفر ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض : ياقوم ، تعلموا والله إنّه النبيّ الذي توعدكم به اليهود ، فلا تسبقنّكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدّقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام ، وقالوا : إنّا قد تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، فعسى أن يجمعهم الله بك ، فستقدم عليهم ، فندعوهم إلى أمرك ، وتعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين ، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك.

ثمّ انصرفوا عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله راجعين إلى بلادهم ، وقد آمنوا وصدّقوا. فلمّا قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله ودعوهم إلى الإسلام ، حتّى فشا فيهم ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلاّ وفيه ذكر لرسول الله.

٢٢٤

حتّى إذا كان في العام المقبل وأتى الموسم من الخزرجيين اثنا عشر رجلاً بالعقبة ، فبايعوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على بيعة النساء(١) وذلك قبل أن تفرض عليهم الحرب

يقول عبادة بن الصامت : فبايعنا على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف. وقال النبيّ : فإن وفّيتم فلكم الجنّة وإن خشيتم من ذلك شيئاً فأمركم إلى الله عزّ وجلّ إن شاء عذّب وإن شاء غفر

ثمّ إنّ النبي بعث إلى يثرب مصعب بن عمير ليعلّمهم القرآن ، وذلك باستدعاء أسعد بن زرارة ـ أحد رؤساء الخزرجيين ـ ، فصارت نتيجة ذلك أن وافى النبيّ في العام المقبل في العقبة الثانية وفود من الخزرجيين والأوسيين ، فبايعوا النبيّ في الشعب

فتكلّم رسول الله ، فتلا القرآن ، ودعا إلى الله ، ورغَّب في الإسلام. ثمّ قال اُبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم

فقام أبو الهيثم بن التيهان ، وقال يا رسول الله : إنّ بيننا وبين الرجال حبالاً وإنّا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثمّ أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال : فتبسمّ رسول الله ثمّ قال : بل الدم بالدم ، والهدم بالهدم(٢) أنا منكم وأنتم منّي ، أحارب من حاربتم ، واُسالم من سالمتم

ثمّ قال : أخرجوا إليّ منكم اثنيّ عشر نقيباً ليكونوا على قومهم بما فيهم ،

__________________

(١) ذكر الله تعالى بيعة النساء في القرآن وقال :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ المُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لاَّ يُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئًا وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ وَلا يَقْتُلْنَ أَوْلادَهُنَّ وَلا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الممتحنة / ١٢ ). ترى المماثلة بين بيعة الخزرجيّين وبيعة النساء في الموادّ والمضامين.

(٢) الهدم : الحرمة ، أي ذمتي وحرمتي حرمتكم.

٢٢٥

فأخرجوا منهم اثنيّ عشر نقيباً تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس

فلمّا انتشرت مبايعة الأوس والخزرج لرسول الله ، خافت قريش على نفسها خصوصاً بعد ما وقفوا على أنّ المعذّبين في مكّة أخذوا يهاجرون إلى يثرب ، فأذعنوا أنّ النبيّ أيضاً سوف يخرج إليهم ويتّخذها مأوى لنفسهِ وأصحابه ، وليشنّ عليهم الحرب وينكّلهم ، فاجتمعوا

قال ابن إسحاق : « فلمّا رأت قريش أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم ، عرفوا أنّهم قد نزلوا داراً ، وأصابوا منهم منعة ، فحذروا خروج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إليهم ، وعرفوا أنّه قد أجمع لحربهم. فاجتمعوا له في دار الندوة وهي دار قصيّ بن كلاب التي كانت قريش لا تقضي أمراً إلاّ فيها ، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين خافوه

فتشاوروا فقال قائل منهم : إحبسوه في الحديد واغلقوا عليه باباً ، ثمّ تربّصوا به ما أصاب من الشعراء الذين كانوا قبله : زهيراً والنابغة حتّى يصيبهُ ما أصابهم ، وقال قائل منهم : نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا ، وقال أبوجهل بن هشام : أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتىً شابّاً جليداً نسيباً وسيطاً فينا ، ثمّ نعطي كل فتى منهم سيفاً صارماً ، ثمّ يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد ، فيقتلوه فنستريح منه ، فإنّهم إذا فعلوا ذلك تفرّق دمه في القبائل جميعاً ، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعاً ، فرضوا منّا بالعقل فعقلناه لهم ، فتفرّق القوم على ذلك وهم مجمعون له ، فأتى جبرئيل وقال : لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. قال فلمّا كان عتمة من الليل إجتمعوا على بابه يرصدونه متىٰ ينام فيثبون عليه ، فلمّا رآى رسول الله مكانهم قال لعلي بن أبي طالب : نم على فراشي وتسبّح ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه ، فخرج عليهم رسول الله ، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه ، وجعل القوم يتطلّعون فيرون عليّاً علىٰ الفراش متسجّياً ببرد رسول الله ، فيقولون : والله إنّ هذا لمحمد نائماً عليه ، برده فلم يبرحوا كذلك ، وحتى أصبحوا ، فقام عليّ

٢٢٦

رضي‌الله‌عنه عن الفراش »(١) فباؤوا بالفشل وانصرفوا عن إيذاء علي وقتله.

وإلى تلك المؤامرة يشير قوله سبحانه :( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللهُ وَاللهُ خَيْرُ المَاكِرِينَ ) ( الأنفال / ٣٠ ). وفيه تصريح بآرائهم الثلاثة التي أبدوا بها في الندوة ، وأجمعوا على القتل.

عزب عن قريش أنّه سبحانه تعهّد على نفسه نصر أنبيائه ورسله ، فقال سبحانه :( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المُرْسَلِينَ *إِنَّهُمْ لَهُمُ المَنصُورُونَ ) ( الصافّات / ١٧١ ـ ١٧٢ ).

أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليّاً أن يتخلّف بعده بمكّة حتّى يؤدّي عن رسول الله الأمانة التي كانت عنده للناس ، وليس بمكّة أحد عنده شيء إلاّ وضعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عند علي ، فخرج رسول الله عامداً إلى غار بثور(٢) وبقى فيها ثلاثاً ، واستنفدت قريش طاقتها في الوقوف على محلّه ، وجعلت مائة ناقة لمن يردّه إليها ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مع دليله ( عبد الله بن أرقط ) ومعهما أبو بكر فسلك بهما أسفل مكّة ثمّ مضى على الساحل حتّى عارض الطريق أسفل من عسفان حتى قدم قباء باثنتىٰ عشرة ليلة خلّت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين ، حتّى اشتدّ الضحى وكانت الشمس تعتدل(٣) .

وإلى هجرته هذه واختفائه في الغار ونزول نصرته سبحانه عليه يشير قوله سبحانه :

( إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) ( التوبة / ٤٠ ).

__________________

(١) السيرة النبوية ، لابن هشام : ج ١ ص ٤٢٨ ـ ٤٨٣.

(٢) جبل بأسفل مكّة.

(٣) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٤٨٥ ـ ٤٩٢.

٢٢٧

والضمير في قوله :( أَنزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ ) يرجع إلى النبيّ بشهادة قوله :( وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا ) . فما هي النكتة في أفراد الضمير ؟

روى البيهقي عن ابن عباس كان رسول الله بمكّة فاُمر بالهجرة واُنزل عليه :( وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا ) ( الإسراء / ٨٠ )(١) .

وقد نقل غير واحد من المفسّرين : إنّ النبيّ لما بلغ في هجرته الجحفة تذكّر موطنه ، فنزل عليه الوحي مبشّراً بأنّه سوف يرد إلى موطنه ويزوره ، قال سبحانه :( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) ( القصص / ٨٥ ).

روى السيوطي : « لما خرج النبي من مكّة فبلغ الجحفة إشتاق إلى مكّة فأنزل الله :( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) : إلى مكّة ، وعن علي بن الحسينعليه‌السلام قال : كل القرآن مكّي أو مدني غير قوله :( إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ ) فإنّها اُنزلت على رسول الله بالجحفة حين خرج إلى المدينة فلا هي مكّية ولا مدنية ، وكل آية نزلت على رسول الله قبل الهجرة فهي مكيّة نزلت بمكة أو بغيرها من البلدان ، وكل آية نزلت بالمدينة بعد الهجرة فإنّها مدنيّة نزلت بالمدينة أو بغيرها من البلدان »(٢) .

وقد أشار الذكر الحكيم إلى موطنهصلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله :( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ ) ( محمد / ١٣ ).

__________________

(١) دلائل النبوّة : ج ٢ ص ٥١٦ ، وأخرجه الترمذي في كتاب تفسير القرآن ، باب تفسير سورة الإسراء الحديث ٣١٣٩.

(٢) الدر المنثور في التفسير بالمأثور : ج ٥ ص ١٣٩ و ١٤٠ ، ومجمع البيان : ج ٧ ص ٢٦٨ و ٢٦٩.

٢٢٨

قدومهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى قباء

قدم النبي حسب ما يذكره ابن هشام قباء لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل يوم الإثنين حين اشتدّ الضحى وكانت الشمس تعتدل ، وأقام علي بن أبي طالب بمكة ثلاثة ليال وأيامها حتى أدّى عن رسول الله الودائع التي كانت لرسول الله عنده ، حتى إذا فرغ منها لحق برسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فأقام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ب‍ « قباء » في بني أمر بن عوف يوم الإثنين ويوم الثلاثاء ويوم الأربعاء ويوم الخميس ، وأسّس مسجده الذي اُشير إليه في قوله سبحانه :( لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَاللهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ ) ( التوبة / ١٠٨ )(١) .

إطلالة على نشأة التاريخ الهجري

المشهور إنّ أوّل من أرّخ بالتاريخ الهجري هو عمر بن الخطاب. يقول اليعقوبي : « وفيها ( سنة ١٦ ه‍ ) أرّخ عمر الكتب وأراد أن يكتب التاريخ منذ مولد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثمّ قال : من المبعث ، فأشار عليه علي بن أبي طالبعليه‌السلام أن يكتبه من الهجرة ، فكتبه من الهجرة(٢) .

وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب أنّه قال : جمع عمر الناس فسألهم من أي يوم يكتب التاريخ ؟ فقال علي بن أبي طالب : من يوم هاجر رسول الله ، وترك أرض الشرك ، ففعله عمررضي‌الله‌عنه ، هذا حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه(٣) .

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٣ ص ٧٢.

(٢) تاريخ اليعقوبي : ج ٢ ص ١٣٥ ( طبع النجف ).

(٣) مستدرك الصحيحين ، الحاكم : ج ٣ ص ١٤.

٢٢٩

ويظهر من ابن كثير الدمشقي أنّ اليعقوبي والحاكم لخّصا القصة وكانت هي أطول ممّا ذكراه. حيث نقل عن الواقدي أنّه قال :

« وفي الربيع الأوّل من هذه السنة ـ أعني سنة ١٦ ـ كتب عمر بن الخطاب التاريخ وهو أوّل من كتبه.

وأضاف ابن كثير قائلاً : قد ذكرنا سببه في سيرة عمر ، وذلك انّه رفع إلى عمر صكّ مكتوب لرجل على آخر بدين يحلّ عليه في شعبان ، فقال : أي شعبان ؟ أمن هذه السنة أم التي قبلها ، أم التي بعدها ؟ ثمّ جمع الناس فقال : ضعوا للناس شيئاً يعرفون فيه حلول ديونهم ، فيقال : إنّهم أراد بعضهم أن يؤرّخوا كما تؤرّخ الفرس بملوكهم كلّما هلك ملك أرّخوا من تاريخ ولاية الذي بعده فكرهوا ذلك ، ومنهم من قال : أرّخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك ، ولطوله أيضاً ، وقال قائلون : أرّخوا من مولد رسول الله ، وقال آخرون : من مبعثهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وأشار علي بن أبي طالب وآخرون أن يؤرّخ من هجرته من مكّة إلى المدينة لظهوره لكل أحد ، فإنّه أظهر من المولد والمبعث ، فاستحسن ذلك عمر والصحابة ، فأمر عمر أن يؤرّخ من هجرة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وأرّخوا من أوّل تلك السنة من محرّمها ، وعند مالكرحمه‌الله فيما حكاه عن السهيلي(١) وغيره أنّ أوّل السنة من ربيع الأوّل لقدومهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المدينة ، والجمهور على أنّ أوّل السنة من المحرّم لأنّه أضبط لئلاّ تختلف الشهور ، فإنّ المحرّم أوّل السنة الهلالية العربية(٢) .

ولكن الجزم والإذعان بصحّة هذه النقول مشكل ، والظاهر أنّ أوّل من أرّخ بالسنة الهجريّة ، هو النبيّ الأكرم حسب تضافر النصوص الموجودة في ثنايا الكتب وما ظفرنا عليه من النصوص تدلّ على كون التأريخ بالهجرة في زمن النبي وبعده.

__________________

(١) كذا في المصدر والظاهر زيادة كلمة « عن ».

(٢) البداية والنهاية : ج ٧ ص ٧٥ و ٧٦. طبع دار الكتب العلميّة.

٢٣٠

١ ـ ما روي عن الزهري : إنّ رسول الله لمّا قدم المدينة مهاجراً أمر بالتاريخ فكتب في ربيع الأوّل(١) .

٢ ـ ما رواه الحاكم وصحّحه عن عبد الله بن العباس أنّه قال : كان التاريخ في السنة التي قدم فيها رسول الله المدينة ، وفيها ولد عبد الله بن الزبير(٢) .

ودلالته على المقصود واضحة ، لأنّه قال : « كان التاريخ في السنة » ولم يقل « من السنة ».

٣ ـ إنّ بعض الصحابة كانوا يعدّون بالأشهر من مهاجرة النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أواسط السنة الخامسة ، مثلاً أرّخوا تحويل القبلة على رأس سبعة عشر شهراً ، وفرض رمضان على رأس ثمانية عشر شهراً من هجرة الرسول(٣) .

٤ ـ ما رواه أبو نعيم عن عهد النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لسلمان الفارسي وهو مؤرّخ بسنة تسع للهجرة ، وهو ينقل عن الحسين بن محمد بن عمرو الوثابي : إنّه رأى هذا السجل بشيراز بيد سبط لغسّان بن زاذان بن شاذويه بن ماهبنداز ، وهو أخو سلمان ، وهذا العهد بخط علي بن أبي طالب ، مختوم بخاتم النبي ، فنسخ منه ما صورته :

« بسم الله الرّحمن الرّحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله ـ سأله سلمان وصيّة بأخيه ماهبنداز أهل بيته وعقبه » وفي آخر العهد : « وكتب علي بن أبي طالب بأمر رسول الله في رجب سنة تسع من الهجرة ، وحضره أبو بكر ، وعمر ، وعثمان ، وطلحة ، والزبير ، وعبد الرّحمان ، وسعد ، وسعيد ، وسلمان ، وأبوذر ، وعمّار ، وعيينة ، وصهيب ، وبلال ، والمقداد ، وجماعة آخرون من المؤمنين ».

__________________

(١) فتح الباري : ج ٧ ص ٢٠٨ ، وإرشاد الساري : ج ٦ ص ٢٣٣.

(٢) مستدرك الصحيحين ، للحاكم النيسابوري : ج ٣ ص ١٣ و ١٤.

(٣) تاريخ الخميس : ج ١ ص ٣٦٨ ، ومن راجع الكتب المؤلّفة حول السيرة يجد ذلك بوضوح ، فإنّ أكثر الحوادث في السنين الاُولى بعد الهجرة مؤّرخة بالشهور.

٢٣١

وذكره أيضاً أبو محمد بن حيّان عن بعض من عني بهذا الشأن : إنّ رهطاً من ولد أخي سلمان بشيراز زعيمهم رجل يقال له ( غسّان ) بن زاذان معهم هذا الكتاب بخط علي بن أبي طالب في يدغسان ، مكتوب في أديم أبيض مختوم بخاتم النبي وخاتم أبي بكر وعلي ـ رضي الله عنهما ـ على هذا العهد حرفاً بحرف إلاّ أنّه قال : وكتب علي بن أبي طالب ، ولم يذكر عيينة مع الجماعة(١) .

ونقل أيضاً عن أبي كثير بن عبد الرحمان بن عبد الله بن سلمان الفارسي ، عن أبيه ، عن جدّه أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أملى هذا الكتاب على علي بن أبي طالبرضي‌الله‌عنه : هذا مافادى محمد بن عبد الله رسول الله فدى سلمان الفارسي من عثمان بن الأشهل اليهودي ، ثمّ القرظي بغرس ثلاثمائة نخلة وأربعين أوقية ذهب ، فقد برء محمد بن عبد الله رسول الله لثمن سلمان الفارسي ، وولاّه لمحمد بن عبد الله رسول الله وأهل بيته فليس لأحد على سلمان سبيل. شهد على ذلك : أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وكتب علي بن أبي طالب يوم الإثنين في جمادي الاُولى مهاجر محمد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

٥ ـ كتب خالد بن وليد لأهل دمشق : إنّي قد أمنتهم على دمائهم وأموالهم وكنائسهم وفي آخره شهد أبو عبيدة بن الجرّاح وشرحبيل بن حسنة ، وكتب سنة ١٣(٣) .

إلى غير ذلك من النصوص التي جاء بها الفاضل المتتبّع السيّد جعفر مرتضى

__________________

(١) ذكر أخبار اصبهان : ج ١ ص ٥٣.

(٢) المصدر السابق : ج ١ ص ٥٢ ، والظاهر أنّ المراد من « المهاجر » هو عام الهجرة لامكانها ، ويؤيّد ذلك : إنّ سلمان عرف الرسول إبّان قدومه بالمدينة وآمن والتحق به ، والظاهر أنّ توصيف أبي بكر بما في الرواية من تلاعب الرواة ، حيث لم يكن يوم ذلك معروفاً به. لاحظ : السيرة النبويّة لابن هشام : ج ١ ص ٢١٨ و ٢١٩.

(٣) الأموال لأبي عبيد الثقفي القاسم بن سلام ، ـ ( المتوفّى ٢٢٤ ) : ص ٢٩٧.

٢٣٢

العاملي في مقاله في مجلة الهادي(١) وهذا يعرب عن أنّ التاريخ بالهجرة كان قبل الخليفة ، وغاية ما يمكن تصحيح ما ورد بأنّ الخليفة أرّخ بالهجرة هو أنّ النبيّ أرّخ بالهجرة ولم يشتهر بين الناس لقلّة حاجاتهم إلى التاريخ ، فلمّا إنتشر الإسلام خارج الجزيرة مسّت الحاجة إلى تاريخ الكتب والرسائل الواردة من مختلف الأرجاء ، جمع الخليفة صحابة النبي وأشار الإمام بنفس مافعله رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وممّا يؤسف له أنّ المسلمين نسوا أمجادهم التاريخية والحضارية التي كرّمهم الإسلام بها ، فعادوا يؤرّخون كتبهم ورسائلهم بالتاريخ المسيحي ، فكأنّهم( نَسُوا اللهَ فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ ) وقد رأيت بعيني رسالة لشيخ الأزهر الشيخ محمود عبد الحليم وقد أرّخها بالتاريخ المسيحي الميلادي ولم يذكر ـ حتّى في جنبه ـ التاريخ الهجري ، فإذا كان هذا حال شيخ الأزهر فما ظنّك بغيره ؟

إذا كان ربّ البيت بالدفّ مولعاً

فشيمة أهل البيت كلّهم رقص

ومن الواجب على المسلمين أن لا يتنازلوا عن أقل شيء ممّا يرجع إلى تاريخهم وحضارتهم ودينهم ، حتى انّ ذكر التاريخ الميلادي جنب التاريخ الهجري نوع ترويج له ومماشاة مع الكفر ، ولم يزل أعداء الدين يتآمرون على الإسلام والمسلمين بمسخ شخصيتهم الإسلاميّة واقتلاع جذور مبادئها ، وقد شهدنا في بلدنا العزيز إيران مثل ذلك عام ١٣٩٦ ه‍ ـ ق. فقد قام طاغوت إيران بتبديل التاريخ الإسلامي إلى التاريخ « الشاهنشاهي » المجعول الذي لا سند له ، وفرضه على الناس وعادت الرسائل والكتب الرسمية تؤرّخ به ، وكادت أن ترسّخ في القلوب لولا أن بدّد الله شمله وأزال ملكه وحاق به العذاب والبلاء بانتصار الثورة الإسلاميّة عام ١٣٩٨ ه‍.ق( قُلْ جَاءَ الحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا ) .

__________________

(١) العدد السادس من السنة الخامسة وهو مقال ممتع.

٢٣٣

نزول النبيّ بالمدينة :

خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يوم الجمعة من ( قبا ) فأدرك الجمعة في بني سالم بن عوف فكانب أوّل جمعة أقامها بالمدينة ، وكان لا يمر على قبيلة إلاّ قالوا أقم عندنا ، فيقول النبيّ خلّوا سبيلها ( الناقة ) فإنّها مأمورة حتّى إذا أتت دار بني مالك بن النجّار ، بركت ناقته على باب مسجده وهو مريد(١) فنزل رسول الله فاحتمل أبو أيّوب رحله فوضعه في بيته ، وسأل عن المربد لمن هو ، فقال معاذ بن عفراء : هو لسهل وسهيل ابني عمرو وهما يتيمان لي وسارضيهما منه ، فاتّخذه مسجداً ، فأمر به رسول الله أن يبني مسجداً ، ونزل رسول الله حتى بنى مسجده ومسكنه ، فعمل فيه رسول الله ليرغّب المسلمين في العمل فيه ، فعمل فيه المهاجرون والأنصار ودأبوا ، فقال قائل من المسلمين :

لئن قعدنا والنبي يعمل

لذاك منّا العمل المضلّل

وممّن ساهم في بناء المسجد عمّار بن ياسر وقد أثقلوه باللبن ، فقال يا رسول الله : قتلوني ، يحمّلون عليّ ما لا يحملون ، قالت اُمّ سلمة زوجة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : فرأيت رسول الله ينفض وفرته بيده وكان رجلاً جعداً ، وهو يقول : ويح ابن سميّة ليسوا بالذين يقتلونك إنّما تقتلك الفئة الباغية.

وارتجز علي بن أبي طالبعليه‌السلام يومئذ :

لا يستوي من يعمّر المساجدا

يدأب فيه قائماً وقاعداً

ومن يرى عن الغبار حائداً

         

وقد كان بين أصحاب رسول الله من يستنكف العمل ، فهذا الرجز من عليعليه‌السلام كان بقصد التعريض به ، وقد قال ابن إسحاق : إنّ المقصود به عثمان بن عفّان ، وفي المواهب ، للدنية : إنّ المقصود عثمان بن مظعون.

__________________

(١) الموضع الذي يجفّف فيه التمر.

٢٣٤

فأقام رسول الله بالمدينة إذ قدمها شهر ربيع الأوّل إلى صفر من السنة التالية حتّى بنى له فيها مسجده ومساكنه ، فلم يبق دار من دور الأنصار إلاّ أسلم أهلها إلاّ حيّ من الأوس ، فإنّهم أقاموا على شركهم.

ولأجل استتباب الأمن ، واضفاء طابع الوحدة السياسية على القبائل التي تستوطن يثرب وما جاورها كتب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كتاباً بين المهاجرين والأنصار ، وادع فيه اليهود وعاهدهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم وشرط لهم واشترط عليهم.

وقد نقل ابن هشام الكتاب برمّته وهو أوّل منشور سياسي أدلى به النبي إبّان نزوله بالمدينة.

ولم يكتف بذلك حتى آخى بين المهاجرين والأنصار ، فقال : تآخوا في الله أخوين أخوين ، ثمّ أخذ بيد علي بن أبي طالب ، فقال : هذا أخي ، فكان رسول الله سيّد المرسلين وإمام المتّقين ورسول رب العالمين الذي ليس له نظير من العباد وعلي بن أبي طالبعليه‌السلام أخوين ، وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وعمّه وزيد بن حارثة مولى رسول الله أخوين ، وإليه أوصى حمزة يوم اُحد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت ، فهكذا تآخى المهاجرون والأنصار أخوين أخوين.

فلمّا إطمأنّ رسول الله بالمدينة والتفّ حوله إخوانه من المهاجرين واجتمع أمر الأنصار ، استحكم أمر الإسلام ، فقامت الصلاة وفرضت الزكاة والصيام وقامت الحدود وفرض الحلال والحرام ، وشرع الآذان(١) .

ولمّا استحكمت شوكة المسلمين ظهرت من أحبار اليهود العداوة حسداً وضغناً والتحق بهم رجال من الأوس والخزرج فتظاهروا بالإسلام ، ونافقوا في السرّ وكان هواهم مع اليهود.

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٤٩٤ ـ ٥١٢.

٢٣٥

وكان أحبار اليهود هم الذين يسألون رسول الله ويشاغبونه ليلبسوا الحقّ بالباطل ، فكان القرآن ينزل فيهم فيما يسألون عنه.

وكان المجتمع اليهودي عبارة عن مجموع قبائل ثلاث :

١ ـ بني قينقاع.

٢ ـ بني النضير.

٣ ـ بني قريظة.

وكانت تلك القبائل مليئة بالأحبار وهم الذين شنُّوا حرب الاستنزاف الخفيَّة على النبي ، واستمدّوا ممّن إجتمع إليهم من منافقي الأنصار ، وإليك استعراض ما بدر منهم من جدال على ضوء ما ورد في القرآن الكريم.

مجادلة أهل الكتاب

كانت بيئة مكّة قاعدة للشرك والمشركين ولم يكن هناك حبر ولا راهب ، بل ولا يهودي ولا نصراني إلاّ شرذمة قليلة لا تتجاوز عدد الأصابع من أمثال ورقة بن نوفل ، وعثمان بن حويرث اللّذين تنصّرا قبل الإسلام ، وكانت قريش تغط في الكفر والشرك إلاّ اُناس قليل المقتفين أثر الخليل المسمّين بالأحناف(١) .

إنّ ما ورد من الآيات حول جدال أهل الكتاب مع النبي ، آيات مدنية تناثر ذكرها في السور الطوال كالبقرة وآل عمران وغيرهما.

كان الجدال محتدماً على قدم وساق في الفترة التي كانت القبائل الثلاث مقيمة في المدينة ، وبعد ما اُزيلوا عنها اُخمدت نار فتنتهم ، وكان أكثر ما جادلوا فيه ما يرجع إلى النبي وعلائمه في العهدين ، ولسنا في هذا المقام بصدد نقل كل حوار

__________________

(١) السيرة النبويّة : ج ١ ص ٢٢٢ ـ ٢٢٤.

٢٣٦

ورد في القرآن الكريم سواء أكانت راجعة إلى الأحبار والرهبان أم إلى غيرهم ، وإنّما الهدف تبيين ما دار بين النبي وبين أحبار اليهود في يثرب قبل إجلائهم وإبادتهم ، وكان الكل في السنين الخمس الاُولى إلى أوان حرب الخندق حيث استأصل نسل اليهود في المدينة ولم يبق منهم أحد إلاّ كعب القرظي(١) .

تنبّؤ القرآن عن شدّة عداوة اليهود :

تنبّأ القرآن الكريم عن قسوة اليهود وشدّة عدائهم كالمشركين بينما كان المسيحيون على خلاف ذلك ، فكانوا أقرب الناس مودّة للّذين آمنوا ، قال سبحانه :( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ *وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ) ( المائدة ٨٢ ـ ٨٣ ) ولأجل ذلك نرى أنّه لميسلم من اليهود ولا من أحبارهم إلاّ أقل القليل ، كعبد الله بن سلام وكعب الأحبار من الذين دسُّوا بإسلامهم كثيراً من البدع اليهودية بين المسلمين ، بينما نرى أنّه بعد ما إنتشر الإسلام في ربوع الأراضي المسيحية ، دخل المسيحيّون أفواجاً في الإسلام وما ذلك إلاّ لأنّه كان فيهم قسّيسون ورهبان ، مالوا إلى الحق واعتنقوه وصدّقوا به فتبعهم غيرهم.

وهناك سبب آخر لتصلّب اليهود وعدم رضوخهم لدعوة الإسلام ، يتمثّل في حرصهم على زينة الحياة وزبرجها وهو أكبر حجاب بين بصيرة الإنسان ، والحق الذي يجب أن يتّبع ، قال سبحانه :

__________________

(١) هو والد محمد بن كعب القرظي ، القصّاص الذي ملأت كتب التاريخ والتفسير قصصه ، فتدبّر.

٢٣٧

( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ) ( البقرة / ٩٦ ).

الدعوة إلى أصل مشترك بين الشرائع السماوية :

إنّ التوحيد في العبادة هو الأصل المشترك الذي قام عليه صرح الشرائع السماوية ، ومن العجب إنّ أهل الكتاب الذي يضفون على أنفسهم أنّهم من أنصار لواء التوحيد ، قد إنحرفوا عن هذا الأصل الأصيل ، فعاد يتّخذ بعضهم بعضاً أرباباً من دون الله ، فجاء الوحي يدعوهم إلى العودة إلى هذا الأصل ، والإنضواء تحت رايته الخفّاقة ، قال سبحانه :

( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ) ( آل عمران / ٦٤ ).

ولأجل إيقاف القارئ على نماذج من إنحراف اليهود والنصارى عن هذا الأصل المشترك على أبعاده المختلفة ( التوحيد في العبادة ـ التوحيد في الربوبية ) نذكر بعض عقائدهم الخرافية حسبما ورد في القرآن الكريم.

الإعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ وعلا :

وقد تمخّض الانحراف عن أصل التوحيد ، وبلغ الذروة حيث اتّخذوا لله ابناً باسم عزير والمسيح وهم يضاهئون بذلك قول الكافرين ، وإليه الإشارة في قوله عزّ وجلّ :( وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى المَسِيحُ ابْنُ اللهِ ذَٰلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللهُ أَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ ) ( التوية / ٣٠ ).

٢٣٨

إنّ اليهود اليوم وإن كانت تنكر تلك النسبة ولا تدين بها ولكنّها كانت موجودة في عصر نزول القرآن ، ولأجل ذلك لم تعترض اليهود على النبيّ الأكرم.

والمستفاد من الآية انّ الإعتقاد بمبدأ البنوّة للباري جلّ وعلا ذات خلفية تاريخية ولعلّ الآية تشير إلى عقيدة التثليث التي كانت تدين بها الهندوكية كما هو الظاهر من آثار آلهتهم المجسّمة المثلّثة(١) .

وبما أنّ للتثليث دعامة راسخة في الديانة النصرانية أفاض القرآن القول فيه ، يليق بنا الإسهاب في تناول أطراف هذا الموضوع.

ذاتية التوحيد وظاهرة التثليث :

لقد تمثّلت ظاهرة التثليث في الديانة النصرانية عصر نزول القرآن في صور مختلفة تناولها القرآن الكريم بالذكر.

فتارة يقولون المسيح هو الله.

واُخرى يصرّحون بالثالوث المقدّس ، وإنّ هناك ثلاث آلهاتٍ بإسم إله الأب ، واله الإبن ، وروح القدس.

وثالثة إنّ المسيح ابن الله.

ولعلّ الجميع تعبيرات متنوّعة عن حقيقة واحدة أو أنّها عبارة عن نظريّات مختلفة يتبنّى كلّ واحد منها طائفة منهم وإليك التوضيح.

أ ـ المسيح هو الله :

يقول سبحانه حاكياً عنهم تلك العقيدة :( لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ هُوَ

__________________

(١) لاحظ : الآثار الوثنية في الديانة النصرانية.

٢٣٩

المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ المَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) ( المائدة / ٧٢ ).

فالآية تعرب عن أنّ المسيح عند طائفة منهم هو الربّ الخالق ، وبعبارة اُخرى : إنّ الله إتّحد بالمسيح إتّحاد الذات ، فصارا شيئاً واحداً وصار الناسوت لاهوتاً(١) .

والذين يقولون من النصارى : إنّ الله هو المسيح ابن مريم هم اليعقوبية ، واللائق بهذا القول هو إنكار التثليث ، ولكنّ لا يخلوا مذهب من مذاهب النصارى منه ، وقد ردّ القرآن على ذلك الزعم بما نقله عن المسيح بأنّه قال :( يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ) فهو يدّل على أنّه عبد مثلهم كما أنّ قوله :( إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ ) يدلّ على أنّ من يجعل لله شريكاً في الوهيّته ، فهو مشرك كافر ، محرّم عليه الجنّة. وفي هذا القول مزيد عناية بإبطال ما ينسبونه إلى المسيح من حديث التفدية وأنّهعليه‌السلام باختياره الصلب فدى بنفسه عنهم ، فهم مغفور لهم ، مرفوع عنهم التكاليف الإلهية ، ومصيرهم إلى الجنة ولا يمسّون ناراً.

كيف يقولون ذلك مع أنّهعليه‌السلام كان يقول :( مَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ ) (٢) .

ب ـ الله ثالث ثلاثة أو الثالوث المقدّس :

وكان هناك قسم آخر من الإنحراف عن خط التوحيد يتجسّد في القول بأنّ الله ثالث ثلاثة كما يحكيه قوله سبحانه :

( لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلاَّ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( المائدة / ٧٣ ) والقائل بهذه

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٢ ص ٢٢٨.

(٢) التبيان : ج ٣ ص ٥٨٧.

٢٤٠