مفاهيم القرآن الجزء ٧

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581
المشاهدات: 4600
تحميل: 101


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 581 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4600 / تحميل: 101
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 7

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-223-4
العربية

( وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللهِ عَلَى الْكَافِرِينَ ) ( البقرة / ٨٩ ).

روى الطبرسي عن معاذ بن جبل ، وبشر بن البراء : إنّهما خاطبا معشر اليهود وقالا لهم : اتّقوا الله وأسلموا فقد كنتم تستفتحون علينا بمحمد ونحن أهل الشرك ، وتصفونه وتذكرون أنّه مبعوث ، فقال سلام بن مسلم أخو بني النضير : ما جاءنا بشيء نعرفه ، ما هو بالذي كنّا نذكر لكم ، فنزلت هذه الآية(١) .

وعن الإمام جعفر الصادقعليه‌السلام أنّه لما كثر الحيّان ( الأوس والخزرج ) بالمدينة ، كانوا يتناولون أموال اليهود ، فكانت اليهود تقول لهم : أمّا لو بعث محمد لنخرجنّكم من ديارنا وأموالنا ، فلمّا بعث الله محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله آمنت به الأنصار ، وكفرت به اليهود ، وهو قوله تعالى :

( وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا ) (٢) .

وبالرغم من أخذ الميثاق من الاُمم ، وبالرغم من تعرّف تلك الاُمم على النبي الخاتم ، عمد أصحاب الأهواء منهم إلى كتمان البشائر به ، واخفاء علائمه ، وسماته الواردة في كتبهم كما يقول سبحانه :( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( البقرة / ١٧٤ ).

وقال سبحانه :

( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالهُدَىٰ مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ ) ( البقرة / ١٥٩ ).

والمعنيّ بالآية نظراء كعب بن الأشرف وكعب بن أسد وابن صوريا وغيرهم

__________________

(١) مجمع البيان ج ١ ص ١٥٨.

(٢) تفسير العياشي ج ١ ص ٥٠.

٢١

من علماء اليهود والنصارى الذين كتموا أمر محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله ونبوّته وهم يجدونه مكتوباً في التوراة والإنجيل مثبّتاً فيهما.

قال(١) العلاّمة الطباطبائي : المراد بالكتمان وهو الإخفاء أعمّ من كتمان أصل الآية وعدم إظهارها للناس ، أو كتمان دلالتها بالتأويل ، أو صرف الدلالة بالتوجيه كما كانت اليهود تصنع ببشارات النبوّة ذلك فما يجهله الناس لا يظهرونه ، وما يعلم به الناس يؤوّلونه بصرفه عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

وقال سبحانه :

( وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ) .

والضمير في « لتبيّننّه » إمّا عائد إلى النبي الخاتمصلى‌الله‌عليه‌وآله المفهوم من سياق الآية ، أو إلى الكتاب المذكور قلبه ، وعلى كل تقدير يدخل في الآية ، بيان أمر النبي لأنّه في الكتاب ، والظاهر أنّ الآية مطلقة تعمّ كل ما يكتمونه من بيان الدين والأحكام والفتاوى والشهادات.

النبي الأكرم ودعاء الخليل

أمر سبحانه إبراهيم الخليل بتعمير بيته ، وقد قام الخليل بما اُمر ، وبمساهمة فعليّة من ابنه « إسماعيل » وقد حكى سبحانه دعاءه عند قيامه بهذا العمل وقال :

( وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ *رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ *رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ

__________________

(١) مجمع البيان ج ١ ص ١٩٥.

(٢) الميزان ج ١ ص ٣٩٤.

٢٢

الحَكِيمُ ) ( البقرة / ١٢٧ ـ ١٢٩ ).

فقد دعا إبراهيم لذرّيته من نسل إسماعيل القاطنين في مكّة وحواليها ، ولم يبعث سبحانه من تتوفّر هذه الأوصاف الواردة في الآية من تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة والتزكية سوى النبي الأكرم محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله .

والآية تدلّ على أنّ إبراهيم واسماعيل دعيا لنبيّنا بجميع شرائط النبوّة لأنّ تحت التلاوة الأداء ، وتحت التعليم البيان ، وتحت الحكمة السنّة ، ودعوا لاُمّته باللطف الذي لأجله تمسّكوا بكتابه وشرعه فصاروا أزكياء ، وبما أنّ المرافق والمشارك في الدعاء مع إبراهيم هو ابنه ، فيجب أن يكون النبي من نسل إبراهيم من طريق ابنه ، ولم يكن في ولد إسماعيل نبيّ غير نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله سيّد الأنبياء.

وقد استجاب الله سبحانه دعاء الخليل وابنه إذ بعث في ذرّيته رسولاً وقال :

( لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى المُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ( آل عمران / ١٦٤ ).

وقال تعالى :( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ ) ( الجمعة / ٢ ).

ولقد نقَّب علماء الإسلام في العهدين ( التوراة والإنجيل ) وجمعوا البشارات الواردة فيهما على وجه التفصيل ، ومن أراد الوقوف عليها فليرجع إلى الكتب المعدّة لذلك(١) . ونحن نعرض عن نقل تلكم البشائر في هذه الصحائف لأنّ نقلها يوجب الاسهاب في الكلام والخروج عن وضع المقال.

__________________

(١) مثل أنيس الأعلام في نصرة الإسلام لفخر الاسلام الشيخ محمد صادق ، في ستة أجزاء واظهار الحق تأليف الشيخ رحمة الله الهندي وهو كتاب ممتع ، والهدى إلى دين المصطفى تأليف الشيخ العلاّمة محمد جواد البلاغي ، وفي كتاب بشارات العهدين غنى وكفاية.

٢٣
٢٤

(٢)

ثقافة قومه وحضارة بيئته

إنّ الإنسان مهما بلغ من الكمال لا يستطيع أن يجرّد نفسه وفكره ، ومنهجه الإصلاحي عن معطيات بيئته ، فهو يتأثّر عن لا شعور بثقافة قومه ، وحضارة موطنه ، ولكن إذا راجعنا تفكير إنسان وشخصيته فوجدناها منقطعة عن تأثيرات الظروف التي نشأ فيها ، ومباينة لمقتضياتها ، بل كانت على النقيض منها ، فتكشف أنّ لما جاء به من التشريع والتقنين ولما قدّمه إلى اُمّته من مبادئ الإصلاح خلفيّة سماويّة غير خاضعة لثقافة قومه ، وتقاليد قبيلته.

وهذا نجده في ما حمله رسول الإسلام إلى قومه والى البشرية جمعاء من عقائد واخلاق وتشريعات.

وللوقوف على هذه الحقيقة نقدّم عرضاً خاطفاً عن حياة العرب في عصره قبل ميلاده وبعده ، ومن المعلوم أنّ الإسهاب في ذلك يتوقّف على الغور في التاريخ والسيرة وهو خارج عن هدفنا ، بل نقدّم موجزاً ممّا يذكره القرآن عن حياتهم المنحطّة البعيدة عن الحضارة ، وستقف أيّها القارئ الكريم من خلال ذلك على أنّ الذي جاء به رسول الإسلام الكريم ، من عقائد وأخلاق وسنن ، تضاد مقتضيات ظروفه ، فهو بدل أن يؤكّد تفكير قومه وطقوس قبيلته وتقاليد وسطه الذي كان يعيش فيه ، بدأ يكافحها ويفنّدها بالإسلوب المنطقي.

لقد نشأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بين قومه وقد كانوا منقطعين عن الأنبياء وبرامجهم حيث لم يبعث فيهم نبيّ ، قال سبحانه في هذا الصدد :

٢٥

( وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ) ( القصص / ٤٦ ).

يقول تعالى :

( أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الحَقُّ مِن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ) ( السجدة / ٣ ).

وقال سبحانه :

( لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ ) ( يس / ٦ ).

وهذه الآيات تعرب من أنّ اُمّ القرى وما حولها لم يبعث فيها أي بشير أو نذير ، والآيات تعني هذه المناطق والقاطنين فيها ، ولا تعني العرب البائدة التي بعث فيها أنبياء عظام كهود وصالح وشعيب ، ولا عامّة المناطق في الجزيرة العربيّة ولا عامّة القبائل من القحطانيين والعدنايين ، وقد كان فيهم بشير ونذير كخالدبن سنان العبسي وحنظلة على ما في بعض الروايات والأخبار.

ومن المعلوم أنّ الاُمّة البعيدة عن تعاليم السماء خصوصاً في العصور البعيدة التي كانت المواصلات فيها ضعيفة بين الاُمم ، وكانت عقلية البشر في غالب المناطق قاصرة عن تنظيم برنامج ناجح للحياة الإنسانية ، فحياتهم لا تتعدّى عن حياة الحيوانات بل الوحوش في الغابات ، ولا يكون لهم من الإنسانية شيء إلاّ صورتها ، ولا من الحضارة إلاّ رسمها.

وهذا هو القرآن يصفهم بأنّهم كانوا على شفا حفرة من النار ، ولم يكن بين سقوطهم واقتحافهم فيها إلاّ خطوات ودقائق بل لحظات لولا أنّ النبيّ الأكرم أنقذهم من النار ، قال تعالى :

( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ) ( آل عمران / ١٠٣ ).

٢٦

وقد تضمّن قوله سبحانه :( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ ) استعارة بليغة حيث صوّر قوم النبيّ كالساقطين في قعر هوَّةِ سحيقة لا يقدورن على الخروج ، وفي يد النبيّ حبل ألقاه في قعر تلك الهوّة يدعوهم إلى التمسّك به حتّى يستنقذهم من الهلكة.

هذا ما يصف به القرآن الكريم بيئة النبيّ وعقلية عشيرته ، على الوجه الكلّي ، ولكنّه يصفهم في الآيات الأُخر بالإنحطاط والإنهيار بشكل مفصّل.

وإليك بيان ذلك في ضوء الآيات القرآنية.

١ ـ الشرك أو الدين السائد

كان الدين السائد في العرب في الجزيرة العربية عامّة ، ومنطقة أُمُ القرى خاصّة ، هو الشرك بالله سبحانه ، فهم وإن كانوا موحّدين في مسألة الخالقيّة ، وكان شعارهم هو أنّ الله هو الخالق للسماوات والأرض ، ولكنّهم كانوا مشركين في المراحل الاُخرى للتوحيد.

أمّا كونهم موحّدين في مجال الخالقيّة فلقوله سبحانه :( وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ ) ( لقمان / ٢٥ )(١) .

وأمّا كونهم مشركين في المراتب الاُخرى للتوحيد فيكفي في ذلك كونهم مشركين في أمر الربوبية ( تدبير العالم ) هو أنّ الوثنية دخلت مكّة وضواحيها ، بهذا اللون من الشرك ( الشرك في الربوبية ).

روى ابن هشام عن بعض أهل العلم أنّه قال : « كان عمرو بن لُحَي أوّل من أدخل الوثنية إلى مكّة ونواحيها ، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام اُناساً يعبدون الأوثان وعندما سألهم عمّا يفعلون ، قالوا : هذه أصنام نعبدها فنستمطرها ، فتمطرنا ، ونستنصرها ، فتنصرنا ، فقال لهم : أفلا تعطونني منها فأسير بها إلى أرض

__________________

(١) ولهذا المضمون آيات اُخر لاحظ العنكبوت / ٦١ ، الزمر / ٣٨ ، والزخرف / ٩ و ٧٨.

٢٧

العرب فيعبدوه ، فاستصحب معه إلى مكّة صنماً باسم « هبل » ووضعه على سطح الكعبة المشرّفة ودعى الناس إلى عبادتها »(١) .

وأمّا الشرك في العبادة : فقد كان يعمّهم قاطبة إلاّ أُناساً لا يتجاوز عددهم عن عدد الأصابع ، فالأغلبيّة الساحقة كانوا يعبدون الأصنام مكان عبادته سبحانه زاعمين أنّ عبادتهم تقرّبهم إلى الله ، قال سبحانه :

( وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ) ( الزمر / ٣ ).

والقرآن شدّد النكير على فكرة الشرك أكثر من كل شيء ، وفنّدها بأساليب علميّة وعقليّة ، ولقد صوّر واقع الشرك ووضع المشرك ببعض التشبيهات البليغة التي تقع في النفوس بأحسن الوجوه قال سبحانه :

( مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ) ( العنكبوت / ٤١ ).

وقال تعالى :

( وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ ) ( الحجّ / ٣١ ).

فالمعتمد على الحجر ، والخشب الذي لا يبصر ، ولا يسمع ، ولا ينفع ، ولا يضرّ ، كالمعتمد على بيت العنكبوت الذي تخرقه قطرة ماء ، وتحرقه شعلة نار وتكسحه هبّة ريح.

٢ ـ إنكار الحياة بعد الموت

الإعتقاد بالحياة بعد الموت هو الرصيد الكامل للتديّن ، وتطبيق العمل على الشريعة ، ولكن العرب كانت تنزعج من نداء الدعوة إلى الإيمان بها ، لأنّ الإيمان

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٧٩.

٢٨

بالحياة المستجدة ، يستدعي كبح جماح الشهوات ، ووضع السدود والعوائق دون المطامح والمطامع ، وأين هذا من نزعة الاُمّة المتطرّفة التي لا تهمّها إلاّ غرائزها الطاغية ورغباتها الجامحة.

وبما أنّ ذكر الموت والحياة بعده يلازمان الحساب والجزاء ، لهذا كان العرب يقابلون النبيّ بالسبّ والشتم واتّهامه بالجنون ، لأجل إنبائه عن أمر غير مقبول ، وحادث غير معقول ، قال سبحانه :

( وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَىٰ رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ *أَفْتَرَىٰ عَلَى اللهِ كَذِبًا أَم بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ ) ( سبأ / ٧ ـ ٨ )

٣ ـ عقيدتهم في الملائكة والجنّ

ومن عقائدهم : إنّ الملائكة بنات الله سبحانه ، وفي الوقت نفسه كانوا يكرهون البنات لأنفسهم ، يقول سبحانه :

( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ *أَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ *أَلا إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ *وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ *مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ) ( الصافّات / ١٤٩ ـ ١٥٤ ).

والآية ترد عليهم وتفنّد عقيدتهم بوجوه :

١ ـ إنّ تصوير الملائكة بناتاً لله سبحانه يستلزم تفضيلهم عليه سبحانه ـ حسب عيقدتهم ـ لأنّهم يفضلّون البنين على البنات ، ويشمئزون منهنّ ، ويئدونهنّ ، فكيف تجعلون البنات لله وإليه أشار بقوله سبحانه :

( أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ ) ؟.

٢ ـ إنّهم يقولون شيئاً لم يشاهدوه ، فمتى شاهدوا الأُنثويّة للملائكة ؟ وإليه

٢٩

يشير بقوله :( أَمْ خَلَقْنَا المَلائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ ) ؟.

٣ ـ إنّ توصيف الملائكة بناتاً لله يستدعي أنّه سبحانه ولدهنّ وهو منزّه عن الإيلاد والاستيلاد ، وإليه يشير قوله :( لَيَقُولُونَ *وَلَدَ اللهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ) .

ثمّ إنّهم كانوا يتخيّلون وجود نسب بين الله والجنّ ، والوحي يحكي ذلك على وجه الإجمال قوله سبحانه :

( وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتِ الجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ ) ( الصافات / ١٥٨ ).

وقد ذكر المفسّرون وجوهاً مختلفة لتبيين ذلك النسب أظهرها بالاعتبار أنّهم قالوا : صاهر الله الجنّ فوجدت الملائكة تعالى الله عن قولهم(١) .

٤ ـ سيادة الخرافات

إنّ الأمّة البعيدة عن تعاليم السماء ، وهداية الأنبياء يعيشون غالباً في خِضمِّ الخرافة ، ويستسلمون في مجال العقيدة إلى الأساطير والقصص الخرافية ، وكذلك كانت الأمّة العربية عصر نزول القرآن ، فقد كانت غارقة في الخرافات والأساطير ، وقد جمع « الآلوسي » تقاليدهم الإجتماعية ، وطقوسهم الدينيّة في كتابه « بلوغ الارب في معرفة أحوال العرب » حيث يجد القارئ فيها تلاَّ من الأوهام والخرافات ، وقد ذكر القرآن الكريم نماذج من عقائدهم ، ونحن نشير إلى بعض ما وقفنا عليه في القرآن.

أ ـ كانت العرب في عصر حياة النبي قبل البعثة تحكم على بعض الأصناف من الأنعام بأحكام خاصّة تنشأ عن نيّة التكريم وقصد التحرير لها ، غير أنّ تلك الأحكام كانت تؤدِّي إلى الإضرار بالحيوان ، وتلفه وموته عن جوع وعطش ، وقد حكى سبحانه تلك الأحكام عنهم وقال :( مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَٰكِنَّ

__________________

(١) مجمع البيان ج ٤ ص ٤٦.

٣٠

الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) ( المائدة / ١٠٣ ).

والآية تعرب من أنّهم كانوا ينسبون أحكامهم في هذه الحيوانات والأنعام الأربعة إلى الله سبحانه ، ولأجل ذلك وصف سبحانه تلك النسبة بالإفتراء عليه ، وثلاثة منها أعني « البحيرة » و « السائبة » و « الحامي » من الإبل ، والوصيلة من الشاة ، وقد اختلف المفسّرون في تفسير هذه الكلمات ، ولكن الجميع يشتركون في أنّ الأحكام المترتبة عليها كانت مبنية على تحريرها والعطف عليها ، ونحن نذكر تفسيراً واحداً لهذه الكلمات ، ومن أراد التبسّط والتوسّع فليرجع إلى كتب التفسير.

١ ـ البحيرة : هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن ، وكان آخرها ذكراً ، شقُّوا اُذنها شقّاً واسعاً وامتنعوا من ركوبها ونحرها ، ولا تطرد عن ماء ، ولا تمنع عن مرعى ، فإذا لقيها المعيي لم يركبها.

٢ ـ السائبة : وهي ما كانوا يسيبونه من الإبل ، فإذا نذر الرجل للقدوم من السفر أو للبرء من علّة أو ما أشبه ذلك ، قال : ناقتي سائبة ، فكانت كالبحيرة في أن لا ينتفع بها ، ولا تطرد عن ماء ولا تمنع عن مرعى.

٣ ـ الحامي : وهو الذكر من الإبل كانت العرب إذا أنتجت من صلب الفحل عشرة أبطن ، قالوا : قد حمى ظهره ، فلا يحمل عليه ولا يمنع من ماء ولا مرعى.

٤ ـ الوصيلة : وهي في الغنم ، كانت الشاة إذا ولدت اُنثى فهي لهم ، وإذا ولدت ذكراً جعلوه لآلهتهم ، فإن ولدت ذكراً واُنثى ، قالوا : وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم(١) .

وقد أشار القرآن إلى أنّ الدافع لإتّباع هذه الأحكام حتّى بعد نزول الوحي هو تقليد الآباء ، وقد أشار إليه بقوله :( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٣٥٢ ، ولم نذكر سائر التفاسير لاشتراك الجميع في أنّ الأحكام كانت مبتنية على تسريحها واظهار العطف لها.

٣١

قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ ) ( المائدة / ٤ ).

ثمّ إنّ هذه الأحكام وإن كانت لغاية تسريحها وإظهار العطف عليها لكنّها كانت تؤدّي بالمآل إلى موتها وهلاكها عن جوع وعطش ، لأنّ تسريحها في البوادي والصحاري من دون حماية راع ولا رائد كان ينقلب إلى هلاكها.

ب ـ إنّ القرآن الكريم يحكي عن العرب المعاصرين لنزول الوحي خرافة أُخرى في مجال الأطعمة إذ قال سبحانه :

( وَجَعَلُوا للهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ وَالأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَٰذَا للهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَٰذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللهِ وَمَا كَانَ للهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَىٰ شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ ) ( الأنعام / ١٣٦ ).

والآية تحكي من أنّ المشركين كانوا يخرجون من الزرع والمواشي نصيباً لله ونصيباً للأوثان ، فما كان للأصنام لا يصل إلى الله ، وما كان لله فهو يصل إلى الأصنام.

وقد إختلف المفسّرون في كيفيّة هذا التقسيم الجائر فنذكر تفسيراً واحداً.

قالوا : إنّهم كانوا يزرعون لله زرعاً ، وللأصنام زرعاً ، وكان إذا زكى الزرع الذي زرعوه لله ، ولم يزك الزرع الذي زرعوه للأصنام ، جعلوا بعضه للأصنام وصرفوه إليها ، ويقولون : إنّ الله غني ، والأصنام أحوج ، وان زكى الزرع الذي جعلوه للأصنام ، ولم يزك الزرع الذي زرعوه لله ، لم يجعلوا منه شيئاً لله ، وقالوا : هو غنيّ ، وكانوا يقسّمون النعم فيجعلون بعضه لله ، وبعضه للأصنام ، فما كان لله أطعموه الضيفان ، وما كان للصنم أنفقوه على الصنم(١) .

ج ـ ومن تقاليدهم : إنّه إذا ولدت الأنعام حيّاً يجعلونه للذكور ويحرمون النساء منه ، واذا ما ولد ميّتاً أشركوا النساء والرجال ، وإليه يشير قوله سبحانه :

__________________

(١) مجمع البيان ج ٢ ص ٣٧٠.

٣٢

( وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰ أَزْوَاجِنَا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ ) ( الأنعام / ١٣٩ ).

وعلى ضوء الآية فأجنّة البحائر والسيب كانت مختصّة بالرجال إذا ولدت حيّة ، واذا ولدت ميّتةً أكله الرجال والنساء ، فما وجه هذا التقسيم غير التفكير الخرافي ؟

د ـ كانوا يقسّمون الأنعام إلى طوائف ، فطائفة يجعلونها لآلهتهم واوثانهم ، وطائفة يحرّمون الركوب عليها ، وهي السائبة والبحيرة والحامي ، وطائفة لا يذكرون اسم الله عليها.

كل ذلك تقاليد باطلة ردّها الوحي الإلهي بقوله :( وَقَالُوا هَٰذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لاَّ يَطْعَمُهَا إِلاَّ مَن نَّشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لاَّ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِم بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ) ( المائدة / ١٣٨ ).

والحجر بمعنى الحرام وهو ما خصّوه بآلهتهم ولا يطعمونه إلاّ من شاؤوا.

هذا بعض ما وقفنا عليه من تقاليد العرب الخرافية الباطلة قبل الإسلام وحين ظهوره ممّا جاء ذكره في القرآن الكريم.

* * *

٥ ـ ثقافة قومه

يصف القرآن الكريم قوم النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بل القاطنين في اُمّ القرى ومن حولها بالاُمّية ويقول :

( هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالحِكْمَةَ ) ( الجمعة / ٢ ).

وقال :( لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا

٣٣

فَقَدِ اهْتَدَوا ) ( آل عمران / ٢٠ ).

وقد بلغت الاُمّيّة عند العرب إلى حد اشتهروا بذلك حتّى وصفهم أهل الكتاب بها كما يحكي عنه سبحانه بقوله :

( وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ ) ( آل عمران / ٧٥ ).

والاُمّيّون جمع الاُمّي وهو المنسوب إلى الاُم ، قال الزجّاج : الاُمّي الذي هو على صفة اُمّة العرب ، قال عليه الصلاة والسلام : إنّا اُمّة اُمّيّة لا نكتب ولا نحسب(١) .

فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرؤون والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه اُمّيّاً(٢) .

وقال البيضاوي : الاُمّي من لا يكتب ولا يقرأ.

قال ابن فارس : الاُمّي في اللّغة ، المنسوب إلى ما عليه جبلّة الناس لا يكتب فهو في أنّه لا يكتب على ما ولد عليه(٣) .

والزمخشري يفسّر قوله تعالى :( وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ) ( البقرة / ٧٨ ). بأنّهم لا يحسنون الكتاب فيطالعوا التوراة ويتحقّقوا ما فيها.

هذا هو معنى الاُمّي وقد أصفقت عليه أئمّة اللّغة في جميع الأعصار إلى أن جاء الدكتور عبد اللطيف الهندي فزعم للاُمّي معان اُخرى لا توافق ما اتّفقت عليه أئمّة اللّغة ، وسنذكر اراءه الساقطة في معنى « الأُمّي » عند البحث عن أوصاف النبي ، ومنها أنّه « اُمّي » فانتظر.

__________________

(١) ايعاز إلى ما رواه البخاري في صحيحه ج ١ ص ٣٢٧ عن النبي أنّه قال : إنّا اُمّة

(٢) مفاتيح الغيب ج ٤ ص ٣٠٩.

(٣) مقاييس اللغة ج ١ ص ٢١٨.

٣٤

والعرب في اُمّ القرى وما حولها كانت اُمّيّة لا تقرأ ولا تكتب ، وقد نشأ النبيّ بينهم ، ويؤيّد ذلكَ ما ذكره الإمام البلاذري في « فتوح البلدان » حيث أتى بأسماء الذين كانوا عارفين بالقراءة والكتابة فما تجاوز عن سبعة عشر رجلاً في مكّة ، وعن أحد عشر نفراً في يثرب(١) .

وعلى ضوء ذلك فالسائد على تلك المنطقة كانت هي الاُمّيّة المطلقة إلاّ من شذّ.

نعم ، ما ذكرنا من سيادة الاُمّيّة على العرب لا ينافي وجود الحضارة في عرب اليمن حيث كانوا على أحسن ما يكون من المدنيّة ، فقد بنوا القصور المشهورة ، وشيّدوا الحصون ، وكانت لهم مدن عظيمة ، قال في كتابه الكريم :

( لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ ) ( سبأ / ١٥ ).

وكان لهم ملوك واقيال دوّخوا البلاد ، واستولوا على كثير من أقطار الأرض ، ولكن تلك الحضارة زالت وبادت بسيل العرم ، قال سبحانه :

( فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ *ذَٰلِكَ جَزَيْنَاهُم بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ ) ( سبأ / ١٦ و ١٧ ).

وأمّا بنو عدنان ومن جاورهم من عرب اليمن فقد اختلّ أمرهم وتغيّر حالهم بعد أن فرّقهم حادث سيل العرم ، فمن ذلك اليوم فشى الجهل بينهم ، وقلّ العلم فيهم ، واضاعوا صنائعهم وتشتّتوا في الأطراف والأكناف ، ووقع التنازع والتشاجر بين القبائل ، وتكاثرت البغضاء بينهم ، فلم يبق عندهم علم منزل ، ولا شريعة موروثة من نبي ، ولا العلوم كالحساب والطب ، وانحصر عملهم بما سمحت قرائحهم من الشعر والخطب ، أو ما حفظوه من أنسابهم وايامهم ، أو ما احتاجوا

__________________

(١) فتوح البلدان ص ٤٥٧.

٣٥

إليه في دنياهم من الأنواء والنجوم وصنع آلات الحرب وغير ذلك(١) .

فالمثقّف عندهم من جادت قريحته بالشعر ، أو قدر على إلقاء الخطب والوصايا ارتجالاً ، أو من عرف أنساب الناس ، أو عرف أخبار الاُمم وبالأخص أيام العرب.

نعم كان عند بعض العرب علم الفراسة والكهانة والعرافة ، ويراد من الأوّل من يستدل بهيئة الإنسان واشكاله والوانه واقواله على أخلاقه وسجاياه وفضائله ورذائله ، ولعلّه إليه يشير قوله سبحانه :

( تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ ) ( البقرة / ٢٧٣ ).

( وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ ) ( محمد / ٣٠ ).

ويراد من الثاني من يتنبّأ بما سيقع من الحوادث في الأرض.

والعرّافة هو قسم من الكهانة ، لكنّها تختصّ بالاُمور الماضية وكأنّه يستدل ببعض الحوادث الغابرة على الحوادث القادمة.

هذا هو عرض خاطف عن ثقافة قوم النبي عصر نزول القرآن أتينا به ليكون دليلاً واضحاً على انقطاع شريعة النبي عن تعاليم بيئته وتقاليدها.

والقرآن الكريم يصف ذلك العصر في غير واحد من الآيات بالجاهليّة ، يقول سبحانه :( أَفَحُكْمَ الجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ) ( المائدة / ٥٠ ).

ويقول سبحانه :( يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ ) ( آل عمران / ١٥٤ ).

ويقول سبحانه :( وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجَاهِلِيَّةِ الأُولَىٰ ) ( الأحزاب / ٣٣ ).

ويقول تعالى :( إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الجَاهِلِيَّةِ ) ( الفتح / ٢٦ ).

__________________

(١) بلوغ الارب ج ٣ ص ٨٠ ـ ٨١ ، ومن أراد أن يقف على ثقافة العرب عامّة ، قحطانيهم وعدنانيهم ، فليرجع إلى ذلك الكتاب.

٣٦

وأغلب المفسّرين يفسّرون الجاهليّة بفساد العقيدة في جانب الدين فقط ، ولكنّه تخصيص بلا جهة ، فكان القوم يفقدون العلم الناجع كما يفقدون الدين الصحيح.

٦ ـ الإنهيار الخلقي

طبيعة العيش في الصحراء تفرض على الإنسان نزاهة خاصّة في الخلق ، تصون نفسه عن الإنهيار الخلقي ، ولأجل ذلك نرى أنّ الفساد في المناطق المتحضّرة أكثر منها في البدو وسكّان الصحاري.

وقد كان من المترقّب من سكنة أُمّ القرى وما حولها النزاهة عن المجون والفساد ، غير أنّ في الآيات القرآنية أخباراً عن شيوع الفساد الخلقي بينهم.

فهذا القرآن الكريم يركّز على النهي عن الفحشاء ظاهره وباطنه ، والفحشاء وإن فسّر بما عظم قبحه من الأفعال والأقوال الذميمة ولكنها منصرفة إلى الزنا وكناية عنها ، قال سبحانه :

( إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) ( النساء / ١٩ ).

وقال سبحانه :( وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ ) ( النساء / ١٥ ).

وقال سبحانه :( وَلا يَخْرُجْنَ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ) ( الطلاق / ١ ).

وكل هذا يعرف عن شيوع هذا العمل الشنيع المنكر بينهم.

فإنّنا نرى أنّ الله سبحانه ينهي عن إتخاذ الخدن ويقول :

( وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ) ( النساء / ٢٥ ).

ويقرب منها قوله في سورة المائدة ، الآية ٥.

و « الأخدان » جمع « خدن » وهو يطلق على الصاحب والصاحبة بأن يكون

٣٧

للمرأة صاحب أو خليل يزني بها سرّاً ، وهكذا في جانب الرجل ، فالخدن يطلق على الذكر والأُنثى ، وكان الزنا في الجاهلية على قسمين : سرّ وعلانية ، عامّ وخاصّ.

فالخاص السري هو أن يكون للمرأة خدن يزني بها سرّاً ، ولا تبذل نفسها لكلّ أحد.

والعام الجهري هو المراد بالسفاح كما قال ابن عبّاس وهو البغاء.

وكان البغاء من الإماء وكنّ ينصبن الرايات الحمر لتعرف منازلهن وبيوتهن.

روى ابن عبّاس : إنّ أهل الجاهلية كانوا يحرّمون ما ظهر من الزنا ، ويقولون : إنّه لوم ، ويستحلّون ما خفي ويقولون : لا بأس به ، ولتحريم القسمين يشير قوله سبحانه :

( وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ) ( الأنعام / ١٥١ )(١) .

وممّا يعرب عن رسوخ الإنحلال الخلقي فيهم ما نقله « تميم بن جراشة » وهو ثقفي ، قال قدمت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في وفد ثقيف ، فأسلمنا وسألناه أن يكتب لنا كتاباً فيه شروط ، فقال : اكتبوا ما بدا لكم ، ثمّ ائتوني به ، فسألناه في كتابه أن يحلّ لنا الربا والزنا ، فأبى عليّرضي‌الله‌عنه أن يكتب لنا ، فسألناه خالد بن سعيد بن العاص ، فقال له عليّ : تدري ما تكتب ؟ قال : اكتب ما قالوا ورسول الله أولى بأمره ، فذهبنا بالكتاب إلى رسول الله ، فقال للقارئ إقرأ ، فلمّا انتهى إلى الربا ، فقال : ضع يدي عليها في الكتاب ، فوضع يده ، فقال :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا ) ( البقرة / ٢٧٨ ). ثمّ محاها ، وألقيت عليها السكينة فما راجعناه ، فلمّا بلغ الزنا ، وضع يده عليها ، وقال :

__________________

(١) المنار ج ٥ ص ٢٢ ، وزاد في المصدر قوله : وهذان النوعان معروفان الآن في بلاد الافرنج والبلاد التي تقلّد الافرنج في شرور مدنيّتهم كمصر ووالاستانة وبعض بلاد الهند ، ويسمّي المصريون الخدن الرفيق ، ومن هؤلاء الافرنج والمتفرنجون من هم كأهل الجاهلية يستحسنون الزنا السرّي ، ويستقبحون الجهري.

٣٨

( وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً ) ( الاسراء / ٣٢ ).

ثمّ محاها وأمر بكتابنا أن ينسخ لنا(١) .

وممّا يدل على الإنحلال الخلقي في أمر النساء قوله سبحانه :

( وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ) ( النور / ٣٣ ).

فالآية تعرب عن الإنهيار الخلقي الذي كان يعاني منه بعضهم حتّى بعد هجرة النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى المدينة ، وقد رووا : إنّ عبد الله بن أُبي كان له ستّ جوارٍ كان يكرههنّ على الكسب عن طريق الزنا ، فلمّا نزل تحريم الزنا ، أتين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فشكين إليه ، فنزلت الآية(٢) .

٧ ـ معاقرة الخمور وإرتياد نواديها

كان الاستهتار بمعاقرة الخمور رائجاً بين العرب منذ زمن بعيد ، وقد بلغ شغفهم بها حتّى أنّهم جعلوها أحد الأطيبين مع أنّ النبي الأكرم كان قد حرّم الخمر حتّى قبل هجرته إلى المدينة ، ولكنّه لم يتحقّق ما أمر به إلاّ بعد مضي سنوات من هجرته ، ونزول آيات مختلفة الاُسلوب متنوّعة البيان وإليك بيان هذا التدرّج :

١ ـ قال سبحانه :( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ) ( النحل / ٦٧ ) والآية مكّيّة نزلت في ظروف قاسية لا تتحمّل إنذاراً أكثر وأشد من هذا ، ولهذا اكتفى فيه بعد اتّخاذ السكر ضد الرزق الحسن.

__________________

(١) اُسد الغابة ج ١ ص ٢١٦ ترجمة تميم بن جراشة.

(٢) مجمع البيان ج ٤ ص ١٤١.

٣٩

٢ ـ قال سبحانه :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ) ( البقرة / ٢١٩ ).

فالآية تشير إلى أنّه لو كان هناك لذّة وطرب لشارب الخمر ، أو مال للاعب الميسر حيث يفوز به من غير كدّ ولا مشقّة ، ولكن إثمهما أكبر من نفعهما.

فلأجل ذلك يجب ترك النفع القليل في مقابل الضرر الكبير ، والآية مدنيّة كافية في التحريم ، وذلك لأنّها تصرّح بوجود الإثم في الخمر والميسر ، وقد حرّم الوحي الإلهي الإثم على وجه القطع واليقين قبل هجرة النبي ، قال سبحانه :

( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ ) ( الأعراف / ٣٣ ).

وأي بيان أوضح لتحريم الخمر إذا قرنت الآيتان : الواحدة إلى الأُخرى ؟ فالآية الأُولى تحقّق الصغرى وهو أنّ الخمر إثم ، والآية الثانية تصرّح بالكبرى ، وهي أنّ الله سبحانه حرّم الإثم ، فيستنتج منهما أنّه سبحانه حرّم الخمر.

والعجب انّ القوم ( مع أَنَّ الآية الثانية التي تحرّم الإثم على وجه الحتم والبت نزلت بمكّة ) ، لم يتنزّهوا من هذا العمل المزيل للعقل ، والمضاد للكرامة الإنسانية ، فكانوا يشربون الخمر في نواديهم حتّى وافاهم الوحي الإلهي بتحريم الصلاة وهم في حال السكر ، إذ قال سبحانه :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) ( النساء / ٤٣ ).

وهذه الآيات الثلاث التي تعرّفت عليها تلقّاها بعض الصحابة بأنّها ليست بياناً وافياً ، فظلّ يترصّد البيان الأوفى حتّى وافى الوحي الإلهي ، وقال سبحانه :( إِنَّمَا الخَمْرُ وَالمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ *إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ ) ؟ ( المائدة / ٩٠ و ٩١ ).

٤٠