مفاهيم القرآن الجزء ٧

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581
المشاهدات: 4576
تحميل: 101


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 581 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 4576 / تحميل: 101
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 7

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-223-4
العربية

فقالوا لرسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : إلى ما تدعو ؟ فقال إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وإنّي رسول الله وإنّ عيسى عبد مخلوق ، يأكل ويشرب ، ويُحدث ، فقالوا : فمن أبوه ؟ فنزل الوحي على رسول الله ، فقال : قل لهم : « ما تقولون في آدم أكان عبداً مخلوقاً يأكل ويشرب ويُحدث وينكح ؟ فسألهم النبيّ ، فقالوا : نعم ، فقل : فمن أبوه ؟ فبهتوا ، فأنزل الله :

( إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ *الحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلا تَكُن مِّنَ المُمْتَرِينَ *فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ ) ( آل عمران / ٥٩ ـ ٦١ ).

الدعوة إلى المباهلة

فلأجل ذلك قال لهم رسول الله فباهلوني فإن كنت صادقاً اُنزلت اللّعنة عليكم وإن كنت كاذباً اُنزلت عليّ ، فقالوا : « أنصفت » ، فتواعدوا للمباهلة ، فلمّا رجعوا إلى منازلهم ، قال لهم رؤساؤهم ـ السيّد والعاقب والأيهم ـ : إن باهلنا بقومه باهلناه فإنّه ليس نبيّاً ، وإن باهلنا بأهل بيته خاصّة لم نباهله فإنّه لا يقدّم أهل بيته إلاّ وهو صادق ، فلمّا أصبحوا جاءوا إلى رسول الله ومعه أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين ، فقال النصارى من هؤلاء ؟ فقيل لهم : هذا ابن عمه وصهره علي بن أبي طالب وهذه ابنته فاطمة وهذان ابناه الحسن والحسين ، ففزعوا ، فقالوا لرسول الله : نعطيك الرّضا فاعفنا من المباهلة ، فصالحهم رسول الله على الجزية وانصرف(١) .

وروى الطبرسي : ولمّا كان الغد جاء النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله آخذ بيد علي بن أبي طالب والحسن والحسينعليهم‌السلام بين يديه يمشيان وفاطمةعليها‌السلام تمشي خلفه ، وخرج النصارى يتقدّمهم أسقفهم فلمّا رأى

__________________

(١) تفسير القمي ج ١ ص ١٠٤.

٢٨١

النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله قد أقبل بمن معه ، سأل عنهم ، فقيل له : هذا ابن عمّه وزوج ابنته وأحبّ الخلق إليه وهذان ابنا بنته من عليعليه‌السلام وهذه الجارية بنته فاطمة ، أعزّ الناس عليه وأقربهم إلى قلبه ، وتقدّم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فجثا على ركبتيه.

قال أبو الحارثة الأسقف : جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة ، فسكع ولم يقدم على المباهلة ، فقال السيّد : إدن يا أبا حارثة للمباهلة ، فقال : لا ، إنّي لأرى رجلاً جريئاً على المباهلة وأنا أخاف أن يكون صادقاً ولئن كان صادقاً لم يحل والله علينا الحول وفي الدنيا نصراني يطعم الماء ، فقال الأسقف : يا أبا القاسم إنّا لا نباهلك ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به ، فصالحهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على ألفي حلّة من حلل الأواقي قسمة كل حلّة أربعون درهماً فما زاد ونقص فعلى حساب ذلك ، وعلى عارية ثلاثين درعاً ، وثلاثين رمحاً ، وثلاثين فرساً إن كان باليمن كيد ، ورسول الله ضامن حتّى يؤديها وكتب لهم بذلك كتاباً.

وروي أنّ الأسقف قال لهم : إنّي لأرى وجوهاً لو سألوا الله أن يزيل جبلاً من مكانه لأزاله ، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة ، وقال النبيّ : والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير ، ولاضطرم الوادي عليهم ناراً ، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلّهم ، قالوا : فلمّا رجع وفد نجران ، لم يلبث السيّد والعاقب إلاّ يسيراً ، حتّى رجعا إلى النبيّ ، وأهدى العاقب له حلّة وعصا وقدحاً ونعلين وأسلما(١) .

وهناك كلمة قيّمة للزمخشري يقول فيها :

فإن قلت : ما كان دعاؤه إلى المباهلة إلاّ لتبيّن الكاذب منه ومن خصمه وذلك أمر يختصّ به وبمن يكاذبه فما معنى ضم الأبناء والنساء ؟

قلت : ذلك آكد في الدلالة على ثقته بحاله واستيقانه بصدقه حيث تجرّأ على

__________________

(١) مجمع البيان : ج ٢ ص ٧٦٢ و ٧٦٣ ( طبع بيروت ).

٢٨٢

تعريض أعزّته وأفلاذ كبده وأحبّ الناس إليه لذلك ، ولم يقتصر على تعريض نفسه له وعلى ثقته بكذب خصمه حتّى يهلك خصمه مع أحبّته وأعزّته هلاك الإستئصال إن تمّت المباهلة. وخصّ الأبناء والنساء لأنّهم أعزّ الأهل وألصقهم بالقلوب ، وربّما فداهم الرجل بنفسه ، وحارب دونهم حتّى يقتل ، ومن ثمّ كانوا يسوقون مع أنفسهم الظعائن في الحروب لتمنعهم من الهرب ، ويسمّون الذادة عنهم بأرواحهم : « حماة الحقائق » وقدّمهم في الذكر على الأنفس ( في الآية ) لينبّه على لطف مكانهم ، وقرب منزلتهم وليؤذن بأنّهم مقدّمون على الأنفس مفدون بها ، وفيه دليل لا شيء أقوى منه على فضل أصحاب الكساءعليهم‌السلام وفيه برهان واضح على صحّة نبوّة النبيّ لأنّه لم يرو أحد من موافق ولا مخالف أنّهم أجابوا إلى ذلك(١) .

ومن أمعن فيما ورد من سبب النزول وشرحه في كتب الحديث والتفسير يقف على مكرمة وفضيلة عظيمة لأهل البيتعليهم‌السلام في تلك الحادثة ، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى كتاب « الكلمة الغرّاء في تفضيل الزهراء » للسيّد شرف الدين ( ص ١٩٧ ـ ٢٠٣ ).

وهناك نكتة اُخرى نقلها الرازي عن بعض معاصريه من الشيعة ولم يناقش في كلامه مع غرامه بنقض المحكمات وهيامه في التشكيكات والشبهات ، قال :

كان في الري رجل يقال له محمود بن الحسن الحمصي وكان معلّم الإثنى عشرية وكان يزعم أنّ عليّاًرضي‌الله‌عنه أفضل من جميع الأنبياء سوى محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله واستدلّ على ذلك بقوله تعالى :( وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ) إذ ليس المراد بقوله( وَأَنفُسَنَا ) نفس محمدصلى‌الله‌عليه‌وآله لأنّ الإنسان لا يدعو نفسه بل المراد غيرها ، وأجمعوا على أنّ ذلك الغير كان علي بن أبي طالب (رض) فدلّت الآية على أنّ « نفس علي » هي محمد ، ولا يمكن أن يكون المراد إنّ هذه النفس هي عين تلك ، فالمراد إنّ هذه النفس مثل تلك النفس ، وذلك

__________________

(١) الكشاف : ج ١ ص ٣٢٧.

٢٨٣

يقتضي المساواة في جميع الوجوه ، ترك العمل بهذا العموم في حق النبوّة وفي حق الفضل لقيام الدلائل على أنّ محمداً عليه الصلاة والسلام كان نبيّاً وما كان علي كذلك ولإنعقاد الإجماع على أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أفضل من علي (رض) فبقى فيما وراءه معمولاً به ثمّ الإجماع دلّ على أنّ محمداًصلى‌الله‌عليه‌وآله كان أفضل من سائر الأنبياءعليهم‌السلام فيلزم أن يكون علي أفضل من سائر الأنبياء(١) .

٢٩ ـ الخلفيّة التشريعيّة لحرمة الأشهر الحرم :

ربّما نقرأ في بعض الصحف والكتب أنّ عرب الجاهلية هم الذين حرّموا الحرب في الأشهر الحرم واضفوا عليها مسحة قدسية خاصة ، وذلك لأنّهم كانوا متوغّلين في الحروب والغارات وكان تمادي الظاهرة القبليّة الشاذّة موجباً لفكّ عرى الحياة ، ولأجل ذلك استثنوا هذه الأشهر لتقويم أودهم وضمان أمن طرق التجارة وتيسير أمر زيارة الكعبة.

ولكنّها فكرة خاطئة تخالف ما نستلهمه من القرآن الكريم ، فإنّ الظاهر منه أنّ حرمة الأشهر لها جذور دينية وأنّها جزء من صميم الدين القيّم الذي جاء به إبراهيمعليه‌السلام إلى اُمّته ، قال سبحانه :( إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ ) ( التوبة / ٣٦ ).

فإنّ قوله :( ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) ربّما يشير إلى أنّ اتّصاف الأربعة بالحرم جزء من الدين القيّم وتشريعاته.

وعلى ذلك الأساس فالنبيّ الأكرم أولى بأن يحافظ على حرمتها ويراعي قدسيّتها ، وبذلك يسهل لك القضاء في الحادثة الدموية التي وقعت في مستهلّ

__________________

(١) تفسير الرّازي ج ٨ ص ٨١ ( طبع بيروت ).

٢٨٤

شهر رجب بيد المسلمين وهي التي استغلّتها قريش للتعيير بالنبيّ والإزدراء به ، وأنّه هدم قدسيّة تلك الأشهر وإراقة الدم فيها ، وإليك نصّ القصة :

بعث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عبد الله بن جحش بن رئاب الأسدي في رجب مقفلة من بدر الاُولى وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد ، وكتب لهم كتاباً وأمره أن لا ينظر فيه حتّى يسير يومين ثمّ ينظر فيه ، فيمضي بما أمره به ولا يستكره من أصحابه أحداً.

فلمّا سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فإذا فيه : إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتّى تنزل نخلة بين مكّة والطائف ، فترصد بها قريشاً وتعلم لنا من أخبارهم.

فلمّا نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال : سمعاً وطاعة ، ثمّ قال : لأصحابه قد أمرني رسول الله أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشاً حتّى آتيه منهم بخبر ، وقد نهاني أن أستكره أحداً منكم فمن كان منكم يريد الشهادة ويرغب فيها فلينطلق ومن كره ذلك فليرجع ، فأمّا أنا فماض لأمر رسول الله ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلّف منهم أحد.

وسلك إلى الحجاز حتّى إذا كان بمعد فوق « الفرع » يقال له بحران أضلّ سعد بن أبي وقّاص وعتبة بن غزوان بعيراً لهما ، كانا يتعاقبانه ، فتخلّفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقيّة أصحابه حتّى نزل بنخلة ، فمرّت به عير لقريش تحمل زبيباً وادماً وتجارة من تجارة قريش ، فيها عمرو بن الحضرمي ، فلمّا رآهم القوم(١) هابوهم وقد نزلوا قريباً منهم ، فأشرف لهم عكاشة ابن محصن وكان قد حلق رأسه فلمّا رأوه أمنوا وقالوا : عمّار لا بأس عليكم منهم ، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب ، فقال القوم :(٢) والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلنّ الحرم

__________________

(١) المقصود عير قريش.

(٢) المقصود المسلمون.

٢٨٥

فليمتنعنّ منكم به(١) ولئن قتلتموهم لنقتلنّهم في الشهر الحرام ، فتردّد القوم(٢) وهابوا الإقدام عليهم ثمّ شجّعوا أنفسهم عليهم وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم وأخذ ما معهم فرمى واقد بن عبد الله التيمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله ، واستأسر عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان وأفلت القوم(٣) نوفل ابن عبد الله فأعجزهم وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتّى قدموا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلمّا قدموا على رسول الله المدينة ، قال : ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام فوقّف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئاً ، فلمّا قال ذلك رسول الله ، سقط في أيدي القوم وظنّوا أنّهم قد هلكوا وعنّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا ، وقالت قريش : قد إستحلّ محمّد وأصحابه الشهر الحرام فسفكوا فيه الدم وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال.

وقد توقّع اليهود لأجل هذه الحادثة بالمسلمين الشر ، فلمّا أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله :( يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( البقرة / ٢١٧ و ٢١٨ ).

والآية الثانية تحكي عن نزول المغفرة لعبد الله بن جحش وأصحابه وذلك لأجل أنّهم كانوا ذوو سابقة حسنة وبلاء محمود كما يشير إليه قوله :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

__________________

(١) أي يتحصّنون يالحرم.

(٢) المقصود هم المسلمون.

(٣) أي فر من بين أيديهم فلم يتمكنّوا من اللحاق به والقبض عليه.

٢٨٦

وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَٰئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللهِ ) .

قال ابن هشام : لمّا تجلّى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن ( الآية الاُولى ) طمعوا في الأجر ، فقالوا : يا رسول الله أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطي فيها أجر المجاهدين ؟ فأنزل الله عزّ وجلّ فيهم :( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا ) .

فلمّا نزل القرآن بهذا وفرّج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله العير والأسيرين. وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان ( الأسيرين ) ، فقال رسول الله : لا نفديكموهما حتّى يقدم صاحبانا ـ يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان ـ فإنّا نخشاكم عليهما فإن تقتلوهما ، نقتل صاحبيكم ، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله منهم.

فأمّا الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه واقام عند رسول الله حتّى قتل يوم بئر معونة شهيداً ، وأمّا عثمان بن عبد الله فلحق بمكّة حتّى مات بها كافراً.

هذا كلّه راجع إلى حكاية القصّة بجزئيّاتها وأمّا تحليل الحادثة وتوضيح الجواب الذي جاءت به الآية الاُولى فهو بالشكل التالي.

لا شك أنّ عمل عبد الله بن جحش لم يكن خاضعاً للضوابط العسكرية ، فإنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يأمره بالقتال بل أمر بإستطلاع أخبار القوم ونقل أخبارهم إليه ، فقتاله كان عصياناً لأوامر قائده أوّلاً وهتكاً لقداسة الشهر ثانياً ، ولأجل ذلك لمّا جاء إلى النبيّ لم يقبل منه العير والأسيرين وانتظر الوحي الإلهي حتّى وافاه ، وليس من الصحيح أن يؤاخذ الأمير ورئيس القوم بإجرام واحد من قادة عسكره.

وإليه يشير قوله سبحانه :( قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ ) أي إنّ القتال فيه وإن كان صغيراً في نفسه : أمر كبير مستنكر لعظيم حرمته ، ولكن الذي ينبغي إلفات النظر إليه هو أنّ الناقدين أعني قريشاً قد إرتكبوا جريمة أكبر ممّا إرتكبه ذلك القائد

٢٨٧

العسكري وذلك :

١ ـ إنّهم صدّوا الناس عن سبيل الله ومنعوهم عن الطريق الموصل إلى الله تعالى وهو الإسلام ، حيث كان المشركون يضطهدون المسلمين ويقتلون من يسلم أو يؤذونه في نفسه وأهله وماله فيمنعونه من الهجرة إلى النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

٢ ـ إنّهم كفروا بالله سبحانه.

٣ ـ إنّهم صدّوا عن المسجد الحرام ومنعوا المؤمنين من الحج والإعتمار.

٤ ـ إنّهم أخرجوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله والمهاجرين.

وكلّ هذه أكبر عند الله من قتال المسلمين المشركين في الشهر الحرام.

٥ ـ والفتنة أكبر من القتل أي فتنة المسلمين في دينهم بإلقاء الشبهات في قلوبهم أو بتعذيبهم كما فعلوا بعمّار بن ياسر وبلال وخبّاب بن الأرت وغيرهم ، أكبر من قتل المشركين.

والقتال في الشهر الحرام أهون من الفتنة عن الإسلام لو لم يحفّ بها غيرها من الآثار ، كيف وقد قارنها الصدّ عن سبيل الله ، والكفر به ، والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه ، فمن وقف على فتنة المشركين لضعفاء المسلمين طيلة ثلاث عشرة سنة واستمرارها بعد هجرته في حقّ المستضعفين القاطنين في مكّة ، يقف على أنّ قتل مشرك وأسر نفرين منهم أهون بكثير ممّا إرتكبوه طوال هذه السنين.

وإلى هذا يشير قوله سبحانه :

( وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ ) .

٢٨٨

٩

الإشتباك المسلّح مع اليهود بالمدينة :

١ ـ إجلاء بني قينقاع من المدينة :

قد وقفت فيما سبق على المناظرات والإجتجاجات التي دارت رحاها بين النبيّ واليهود ، واتّضح لك إنّها لم تكن من اليهود بغرض كشف الحقيقة وإنّما كانت مماراة منهم حتّى يشوّهوا الحقيقة على طلاّبها ويضعوا العراقيل في وجه إنتشار الإسلام وتعاظم قدرة المسلمين ، وقد كان النبيّ الأكرم صابراً على إيذائهم ، ولكنّهم لمّا بلغت جرأتهم إلى حدّ هتكوا عرض امرأة مسلمة وقتلوا رجلاً من المسلمين في سوقهم ، قام النبيّ في وجههم فرفض الميثاق الذي عقدوه بينهم وبين النبيّ لأنّهم بأعمالهم الإجرامية نقضوا بنوده ومضامينه فلم يبقوا له حرمة ، ولكن النبيّ الأكرم أخذ كل طائفة من اليهود بجرمها ولم يأخذ جميع طوائف اليهود بجرم واحدة منها.

فأجلى بني قينقاع لأجل ذينك العملين ( هتك حرمة المرأة المسلمة وقتل مسلم ) وأبقى الطائفتين الاُخريين على حالهما ، فلمّا همّ بنو النضير بقتل النبيّ الأكرم ، أجلاهم بمؤامرتهم وأبقى بني قريظة على حالها في المدينة إلى أن إرتكبت الثالثة جريمة كبيرة ، فجازاهم بعملهم حسبما يوافيك بيانه.

وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ النبيّ الأكرم كان يحترم العهود والمواثيق المبرمة بينه وبين سائر الملل والنحل وأنّه لو لم تنقض اليهود عهودها ومواثيقها لما خطا النبيّ الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله خطوة واحدة في طريق

٢٨٩

الحرب ضدّهم ، ولأجل ذلك يجب علينا دراسة العوامل التي حفّزت النبي إلى إتّخاذ موقف حازم وصارم في وجه اليهود القاطنين في المدينة ، وقبل إيضاحها نذكر لك نص الميثاق الذي عقده النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله معهم إبّان نزوله المدينة.

روى القمّي في تفسيره : وجاءته اليهود ـ قريظة والنضير وقينقاع ـ فقالوا : يا محمّد إلى ما تدعو ؟ قال : إلى شهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله وأنّي الذي تجدونني مكتوباً في التوراة والذي أخبركم به علماؤكم أنّ مخرجي بمكة ومهاجري في هذه الحرّة ، وأخبركم عالم منكم جاءكم من الشام فقال : « تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور لنبيّ يبعث في هذه الحرّة مخرجه بمكة ومهاجره هاهنا ، وهو آخر الأنبياء وأفضلهم ، يركب الحمار ويلبس الشملة ويجتزي بالكسرة ، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوّة ، ويضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى ، وهو الضحوك القتّال يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر » فقالوا له : قدسمعنا ما تقول وقد جئناك لنطلب منك الهدنة على أن لا نكون لك ولا عليك ولا نعين عليك أحداً ولا نتعرّض لأحد من أصحابك ولا تتعرّض لنا ولا لأحد من أصحابنا حتّى ننظر إلى ما يصير أمرك وأمر قومك ، فأجابهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى ذلك وكتب بينهم كتاباً : ألاّ يعينوا على رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ولا على أحد من أصحابه بلسان ولايد ولا بسلاح ولا بكراع في السرّ والعلانية ، لا بليل ولا بنهار ، الله بذلك عليهم شهيد ، فإن فعلوا فرسول الله في حِلٍّ من سفك دمائهم ، وسبي ذراريهم ونسائهم ، وأخذ أموالهم. وكتب لكل قبيلة منهم كتاباً على حدّة ، وكان الذي تولّى أمر بني النضير حيّي بن أخطب ، فلمّا رجع إلى منزله قال له اُخوته ( جديّ بن أخطب وأبو ياسر بن أخطب ) : ما عندك ؟ قال : هو الذي نجده في التوراة والذي يبشّرنا به علماؤنا ولا أزال له عدوّاً لأنّ النبوّة خرجت من ولد إسحاق ، وصارت في ولد إسماعيل ، ولا نكون تبعاً لولد إسماعيل أبداً.

وكان الذي ولي أمر قريضة كعب بن أسد ، والذي ولي أمر بني قينقاع مخيريق وكان أكثرهم مالاً وحدائق ، فقال لقومه : تعلمون أنّه النبيّ المبعوث ؟

٢٩٠

فهلمّوا نؤمن به ونكون قد أدركنا الكتابين ، فلم تجبه قينقاع إلى ذلك(١) .

هذا هو نص الميثاق ، وسنوافيك في هذا البحث وما يتلوه إنّهم كيف ضربوا به عرض الجدار خصوصاً بعد ما بلغهم إنتصار المسلمين على قريش في غزوة بدر فانتابهم الهلع والخوف ، وترقّبوا الخطر المحدق بهم ، وقد بلغ النبيَّ أخبار بني قينقاع ، وما أخذوا يتفوّهون به ضدّه ، فلأجل إتمام الحجة جمعهم رسول الله في سوق بني قينقاع بعد نزوله عن بدر ، فقال : يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بمثل ما أصاب به قريشاً ، فقالوا له : يا محمّد لا يغرّنّك من نفسك أنّك قتلت نفراً من قريش ، كانوا أغماراً(٢) لا يعرفون القتال ، إنّك والله لو قاتلتنا لعرفت انّا نحن الناس وإنّك لنتلقى مثلنا ، فأنزل الله تعالى في ذلك من قولهم :( قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المِهَادُ *قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأَبْصَارِ ) ( آل عمران / ١٢ و ١٣ )(٣) .

وبين ما هم عليه من إظهار العداوة ونقض العهد ، جاءت امرأة نزيعة(٤) من العرب تحت رجل من الأنصار إلى سوق بني قينقاع ، وجلست عند صائغ في حُليّ لها ، فجاء رجل من يهود قينقاع فجلس من ورائها ولا تشعر ، فخلّى(٥) درعها إلى ظهرها بشوكة ، فلمّا قامت المرأة بدت عورتها ، فضحكوا منها ، فقام إليه رجل من المسلمين فاتّبعه فقتله ، فاجتمعت بنو قينقاع فتحايشوا ، فقتلوا الرجل ونبذوا العهد إلى النبيّ وتحصّنوا في حصنهم(٦) .

__________________

(١) البحار ج ١٩ ص ١١٠ ـ ١١١ ( طبع بيروت ).

(٢) الأغمار جمع الغمر وهو الذي لم يجرّب الاُمور.

(٣) السيرة النبويّة ج ١ ص ٥٥٢ ، مجمع البيان ج ٢ ص ٧٠٦ ، المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦.

(٤) المرأة التي تزوّجت في غير عشيرتها.

(٥) أي جمع بين طرفي الشيء.

(٦) المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦ و ١٧٧.

٢٩١

فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود ، فغضب المسلمون ، فحاصرهم رسول الله حتّى نزلوا على حكمه.

روى الواقدي : لمّا رجع ( رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ) من بدر حسدوه فأظهروا الغشّ ، فنزل عليه جبرئيلعليه‌السلام بهذه الآية :( وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الخَائِنِينَ ) ( الأنفال / ٥٨ ).

قال : فلمّا فرغ جبرئيل قال له رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : فأنا أخافهم. فسار رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بهذه الآية حتّى نزلوا على حكمه ولرسول الله أموالهم ، ولهم الذرّية والنساء(١) .

فقام عبد الله بن اُبي بن سلول رئيس المنافقين في المدينة بالشفاعة لهم فقال : يا محمّد أحسن في موالي ، وكانوا حلفاء الخزرج ، فأبطأ عليه رسول الله ، فقال : يا محمّد ، أحسن في موالي ، فأعرض عنه ، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ، فقال له رسول الله : أرسلني ، وغضب رسول الله حتّى رأوا لوجهه ظللاً ، ثمّ قال : ويحك أرسلني ، قال : لا والله لا أرسلك حتّى تحسن في موالي ، أربعمائة حاسر(٢) وثلاثمائة دارع ، قد منعوني من الأحمر والأسود ، تحصدهم في غداة واحدة إنّي والله أمرؤٌ أخشى الدوائر ، فقال رسول الله : هم لك ، فاستعمل رسول الله على المدينة في محاصرته إيّاهم بشير بن عبد المنذر ، وكانت محاصرته إيّاهم خمس عشرة ليلة.

وكان لعبادة بن الصامت مثل الحلف الذي كان لهم من عبد الله بن اُبي ، فجاء عبادة بن الصامت وقال : يا رسول الله أتولّى الله ورسوله والمؤمنين ، وأبرأُ من حلف هؤلاء الكفّار وولايتهم ، وفي تلك القصّة نزلت الآيات التالية :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ *فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم

__________________

(١) مغازي الواقدي ج ١ ص ١٨٠.

(٢) الحاسر الذي لا درع له ويقابله الدارع.

٢٩٢

مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَىٰ أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا أَسَرُّوا فِي أَنفُسِهِمْ نَادِمِينَ *وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَٰؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ ) ( المائدة / ٥١ ـ ٥٣ ).

فلمّا أصرّ ابن اُبي فيهم تركهم رسول الله وأمر بهم أن يجلوا من المدينة.

وروى الواقدي : كان ابن اُبيّ أمرهم أن يتحصّنوا وزعم أنّه سيدخل معهم ، فخذلهم ولم يدخل معهم ، ولزموا حصنهم فما رموا بسهم ، ولا قاتلوا حتّى نزلوا على صلح رسول الله وحكمه ، وأموالهم لرسول الله ، فلمّا نزلوا وفتحوا حصنهم ، كان محمّد بن مسلمة هو الذي أجلاهم وقبض أموالهم ، وأمر رسول عبادة بن الصامت أن يجليهم ، فقالت قينقاع ، يا أبا الوليد نحن مواليك فعلت هذا بنا ؟

قال لهم عبادة : لمّا حاربتم جئت إلى رسول الله فقلت : يا رسول الله إنّي أبراُ إليك منهم ومن حلفهم ، وكان ابن اُبي وعبادة بن الصامت منهم بمنزلة واحدة في الحلف ، فقال عبد الله بن اُبي : تبرّأت من حلف مواليك ، فقال عبادة : أبا الحبّاب تغيّرت القلوب ومحي الإسلام العهود ، فخرجوا إلى الشام ولحقوا بإذرعات(١) ثمّ هلكوا(٢) .

__________________

(١) بلد في أطراف الشام يجاور أرض البلقاء وعمان « معجم البلدان ج ١ ص ١٦٢ ).

(٢) السيرة النبويّة ج ١ ص ٤٧ ـ ٤٩ ، المغازي للواقدي ج ١ ص ١٧٦ ـ ١٨٠.

٢٩٣

٢ ـ إجلاء بني النضير

قدم أبو براء ، عامر بن مالك على رسول الله المدينة فعرض عليه رسول الله الإسلام ودعاه إليه ، فلم يسلم ولم يبعد من الإسلام ، وقال : يا محمّد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى نجد ، فادعوهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك ، فقال رسول الله : إنّي أخشى عليهم أهل نجد ، قال أبو براء : أنا لهم جار ، فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك ، فبعث رسول الله المنذر بن عمرو في أربعين رجلاً(١) من خيار المسلمين فساروا حتّى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر ، وحرة بني سليم ، كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرّة بني سليم أقرب.

فلمّا نزلوها بعثوا ابن ملحام بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل ، فلمّا أتاه لم ينظر في كتابه حتّى عدى على الرجل فقتله ، ثمّ استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه ، وقالوا لن نحفر(٢) أبا براء لقد عقد لهم عقداً وجواراً ، فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم فأجابوه إلى ذلك ، فخرجوا حتّى غشوا القوم ، فأحاطوا بهم في رحالهم ، فلمّا رأوهم أخذوا سيوفهم ثمّ قاتلوهم حتّى قتلوا من عند آخرهم إلاّ كعب بن زيد فإنّهم تركوه وبه رمق ، فرفع من بين القتلى فقدم المدينة.

وكان في مسير القوم عمرو بن اُميّة الضمري ورجل من الأنصار فلمّا اطّلعا على قتل إخوانهم ، قال عمرو بن اُميّة : نخبر رسول الله ، فقال الأنصاري : ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ، فقاتل القوم حتّى قتل واُسر عمرو ابن اُميّة ، وأطلقه عامر بن الطفيل وجزّ ناصيته ، فأقبل عمرو بن اُميّة إلى المدينة

__________________

(١) أو سبعين رجلاً على ما في صحيح البخاري ومسلم.

(٢) أي لا ننقض عهده.

٢٩٤

ولقى في مسيره رجلين من بني عامر وقد سألهما ممّن أنتما ؟ فقالا : من بني عامر فأمهلهما حتّى إذا ناما ، عدى عليهما فقتلهما وهو يرى أنّه أصاب بهما الثأر من بني عامر ، فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ، فلمّا قدم عمرو بن اُميّة على رسول الله فأخبره الخبر ، قال رسول الله : لقد قتلت قتيلين لاُدِينهما(١) .

خرج رسول الله إلى بني النضير يستعينهم في ديّة ذينك القتيلين من « بني عامر » اللذين قتلهما عمرو بن اُميّة الضمري ، فكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف ، فلمّا أتاهم رسول الله يستعينهم في أداء الديّة ، قالوا : نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أجبت ممّا استعنت بنا عليه ، ثمّ خلا بعضهم ببعض فقالوا : إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ، ورسول الله إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد ، فمن رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيرحنا منه ؟ فانتبذ لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فصعد ليلقي عليه صخرة ورسول الله في نفر من أصحابه.

فأتى الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام وخرج إلى المدينة « وكأنّه يريد أن يقضي حاجة وترك أصحابه في مجلسهم »(٢) فلمّا إستلبث النبيّ أصحابه قاموا في طلبه فلقوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه ، فقال : رأيته داخلاً المدينة ، فأقبل أصحاب رسول الله حتّى انتهوا إليه فأخبرهم الخبر بما أراد اليهود من الغدر إليه ، وأمر رسول الله بالتهيّؤ لحربهم ، والسير إليهم ، واستعمل على المدينة ابن اُمّ مكتوم فتحصّنوا في الحصون.

وقد بعث عبد الله بن اُبي بعض أصحابه إلى بني النضير ، فقال لهم : إثبتوا وتمنّعوا فإنّا لن نسلّمكم ، إن قوتلتم قاتلنا معكم ، وإن اُخرجتم خرجنا معكم ،

__________________

(١) أي لأدفع ديّتهما ، ووجهه : إنّ القتل وقع بقبيلة بني سليم لا ببني عامر ، فإنّهم وإن لم يدافعوا عن المسلمين وخذلوهم ، ولكنّهم لم يشتركوا في مقاتلتهم ، فكان قتل هذين الرجلين بلا ظلامة اقترفاها ، وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على أنّ الرسول كان يقوم بالعدل ولا يأخذه في ذلك شيء من الأهواء.

(٢) ما بين القوسين ممّا رواه الواقدي.

٢٩٥

فتربّصوا ذلك من نصرهم ، ولم يكن وعده إلاّ خداعاً ، وفي ذلك نزل الوحي :

( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِن قُوتِلْتُمْ لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ *لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ *لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ *لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ *كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) ( الحشر / ١١ ـ ١٥ ) ففي هذه الآيات ملاحم وتنبّؤات غيبية كشف عنها الوحي. وإليك الإشارة إليها :

١ ـ إنّ اليهود لعلاقتهم الشديدة بالحياة لا يجرأون على مقاتلتكم خارج حصونهم ، وإنّما يقاتلونكم متمنّعين بحصونهم ، ويكتفون في ذلك برشقهم بالحجارة ونحوها ، كما أشار إليه قوله :( لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ ) .

٢ ـ يستأسدون عند الإجتماع ببعضهم البعض ولكنّهم عند لقاء المسلمين ينتابهم الخوف والرعب والهلع ، ويستفاد ذلك من ضم الآيتين أعني قوله :( بَأْسُهُم بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ ) إلى قوله :( لأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللهِ ) .

٣ ـ إنّهم يتظاهرون بوحدة الكلمة ، ولكنّها وحدة شكلية صورية وقلوبهم شتّى ، وإليه يشير قوله سبحانه :( تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ) .

ثمّ إنّ الذكر الحكيم يصفهم بأنّهم قوم لا يعقلون ولا يتّخذون العبرة ممّا لاقاه بنو قينقاع ، وإليه يشير قوله :( كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ ) .

ثمّ إنّ الملاحم الواردة فيما سبق من الآيات لا تنحصر بذلك بل تنبّأت بأنّ وعد النصر من جانب المنافقين وعد خاوٍ ومكذوب لا يفون به ، وإليه يشير قوله سبحانه :( لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِن قُوتِلُوا لا يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنصَرُونَ ) .

٢٩٦

وقد تنبّأ القرآن بكل ما ذكرنا قبل وقوع النصر وغلبة المسلمين عليهم.

روى البيهقي : إنّ النبيّ مضى لأمر الله تعالى فأمر أصحابه فأخذوا السلاح ، ثمّ مضى إليهم وتحصّنت اليهود في دورهم وحصونهم ، فلمّا إنتهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أزقّتهم وحصونهم فأمر بالأدنى فالأدنى من دورهم أن تهدم ، وبالنخل أن تحرق وتقطع ، وكفّ الله تعالى أيديهم وأيدي المنافقين فلم ينصرونهم ، وألقى الله عزّ وجلّ في قلوب الفريقين الرعب(١) .

لم يكن عمل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا المجال إلاّ إيجاداً للرعب في قلوب الكافرين والتعجيل في إستسلامهم ، فإنّ اليهود ما زالوا ولن يزالوا عالقين بالمال والثروة ، ويحبّونهما كحب الأنفس والأولاد ، فلم يكن للنبيّ إلاّ الإضرار ببعض أموالهم وثرواتهم لتلك الغاية ، والشاهد على ذلك أنّ النبيّ لم يقطع إلاّ بعض النخيل ، قوله تعالى :( مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَىٰ أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللهِ وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ ) ( الحشر / ٥ ) ، وأمّا الدور التي هدمها النبي فكانت عبارة عن الدور الواقعة خارج الحصن بشهادة أنّهم هدموا دورهم بأيديهم عند مغادرة المدينة ، يقول سبحانه :( يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ ) ( الحشر / ٢ ).

فهذا العمل العسكري من النبي وأصحابه كان عملاً تكتيكيّاً لغاية قصوى ، وهو الإستيلاء عليهم بلا إراقة الدم من الجانبين ، ولولا ذلك ربّما طال الحصار وكان من المتوقّع تحقّق الإشتباك الدموي بين الطرفين. فلما رأوا أنّ النبيّ مصمّم على الإستيلاء عليهم ، سألوه أن يجليهم ويكف عن دماءهم على أنّ لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلاّ السلاح ، فقبل النبيّ ، فاحتملوا من أموالهم ما استقالت به الإبل ، فكان الرجل منهم يهدم بيته عن نجاف(٢) بابه ، فيضعه على ظهر بعيره

__________________

(١) دلائل النبوّة ج ٣ ص ١٨١ ، والمغازي للواقدي ، ج ١ ص ٣٧٤ ، والسيرة النبويّة لابن هشام ج ٢ ص ١٩١.

(٢) نجاف ـ على وزن كتاب ـ : العتبة التي على الباب.

٢٩٧

فينطلق به ، فخرجوا من المدينة إلى خيبر وبعضهم صار إلى الشام.

ومن الذين صاروا إلى خيبر سلاَّم بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق وحُيي بن الأخطب.

والعجب انّهم خرجوا بنساءهم وأبنائهم وأموالهم ومعهم الدفوف والمزامير والقيان يعزفن خلفهم ، وما هذا إلاّ لأجل إلقاء الستار على خذلانهم فكأنّهم أرادوا بالخروج بهذه الكيفية أنّهم ليسوا بمغلوبين ولا محزونين ، وإنّما يخرجون مع النشاط والسرور لأنّهم ينتقلون إلى أمكنة خصبة بالعطف والحنان(١) .

وأمّا الأراضي التي تركوها فجعلها سبحانه نفلاً لرسول الله ولم يجعل فيها سهماً لأحد غيره ، قال سبحانه :( وَمَا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ (٢) عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَٰكِنَّ اللهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ وَاللهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ *مَّا أَفَاءَ اللهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَىٰ فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ *لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) ( الحشر / ٦ ـ ٨ ).

فالآيات الكريمة تحدّد مواضع صرف الأموال التي أفاء الله على رسوله ، فذكر مصارفها المتعدّدة فيها ، ولكنّ النبيّ حسب ما ورد في السيرة قسّمها على المهاجرين الأوّلين دون الأنصار إلاّ سهل بن حنيف وأبا دجانة الأنصاري ـ سماك بن حرشة ـ ذَكرا فَقْراً فأعطاهما رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ولم يسلم من بني النضير إلاّ رجلان. أسلما على أموالهما فأحرزاها.

__________________

(١) قال الواقدي : ومرّوا يضربون بالدفوف ، ويزمّرون بالمزامير مظهرين ذلك تجلّداً المغازي للواقدي ج ١ ص ٣٧٥.

(٢) فما أوجفتم : أي ما حرّكتم وأتعبتم في السير ، قال سبحانه :( قُلُوب يَوْمَئِذ وَاجِفَة ) .

٢٩٨

وقد نزلت سورة الحشر في هذه القصة والله سبحانه يمنّ على المؤمنين ، بأنّه سبحانه سلّطهم على الكافرين عن طريق إيجاد الرعب في قلوبهم ، كما يبيّن بأنّهم جوزوا بسوء أعمالهم ، قال سبحانه :

( هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللهِ فَأَتَاهُمُ اللهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي المُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ *وَلَوْلا أَن كَتَبَ اللهُ عَلَيْهِمُ الجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ *ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَن يُشَاقِّ اللهَ فَإِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) ( الحشر / ٢ ـ ٤ ).

وبإجلاءهم لم تبق في المدينة طائفة من اليهود ، إلاّ قبيلة بني قريظة ، وكان النبي يحترم عهودهم ما داموا حافظين عليها. ولمّا ظهرت منهم بادرة النقض ، أخذهم النبيّ أخذ عزيز مقتدر ، كما سيبيّن في الفصل القادم.

٢٩٩

٣ ـ إبادة بني قريظة

لقد أجلى النبيّ الأكرم قبيلتي بني قينقاع ، وبني النضير ، وجزاهم بأعمالهم الإجرامية ، وكانت فكرة تأليب العرب على النبي والمسلمين فكرة اختمرت في نفوس رؤساء بني النضير ، وقبلهم بني قينقاع ، نظراء حيي بن أخطب وسلاّم بن أبي الحقيق وكنانة بن الربيع بن أبي حقيق ، الذين نزلوا حصن خيبر ، فأرادوا درك ثأرهم من المسلمين بتأليب الأحزاب عليهم ، فقدموا إلى قريش ، ودعوهم إلى حرب رسول الله وقالوا : إنّا سنكون معكم عليه ، حتّى نستأصله ، وقد سألتهم قريش وقالوا يا معشر يهود : إنّكم أهل الكتاب الأوّل ، وأهل العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد. أفديننا خير أم دينه ؟ قالوا : بل دينكم خير من دينه ، وأنتم أولى بالحقّ منه(١) .

ولم يكتف زعماء بني النضير بتأليب قريش على النبي الأكرم بل خرجوا إلى غطفان وكلّ من له عند المسلمين ثأر ، حرّضوهم على الأخذ بثأرهم ، ويذكرون لهم متابعة قريش إيّاهم على حرب محمد ، فاتّفقوا على الخروج والحضور في المدينة في يوم واحد ، وأحاطوا المدينة رجالاً وركباناً وقد بلغ عددهم عشرة آلاف ، وكان قد بلغ النبي مؤامرتهم فضرب الخندق على المدينة حتّى يكون كالحصن لها حائلاً بينه وبينهم ، وقد طال الحصار على المدينة قرابة شهر ، ووقع هناك إشتباك بينهم وبين العدوّ على وجه سنذكره في مغازي النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وقد أدركت الأحزاب المؤلّفة من قريش وغطفان ويهود خيبر وعلى رأسهم حيي بن أخطب أنّ الإنتصار على محمد أمر غير ميسور ، مادام الخندق يحول بينه و

__________________

(١) قد مرّ نقل هذا الخطأ الفاحش في مناظرات النبيّ مع اليهود ، فلاحظ.

٣٠٠