مفاهيم القرآن الجزء ٧

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581
المشاهدات: 32122
تحميل: 630


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 581 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 32122 / تحميل: 630
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 7

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-223-4
العربية

ثُمَّ إنّه سبحانه يبيح لهم ـ رحمة منه ـ ما تسلّط عليه المسلمون من أموال المشركين ، وما أخذوا من الأسرى للفداء ، ويقول :( فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالاً طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) وحاصل مضمون الآيات الثلاث عبارة عن :

١ ـ إنّ أخذ الأسرى قبل الاثخان غير مشروع في الشرائع السماويّة.

٢ ـ لولا كتابٌ من الله سبق ، لمسّ المسلمين في أخذ الأسرى قبل الاثخان عذاب عظيم.

٣ ـ لقد أباح الله سبحانه الجميع من الأموال والأسرى رحمة منه.

الوعد الجميل للأسرى

إنّ فداء كل رجل من المشركين يوم بدر كان أربعين أوقية والأوقية أربعون مثقالاً ، إلاّ العبّاس فإنّ فداءه كان مائة مثقال ، وكان اُخذ منه حين اُسر عشرون أوقية ذهباً ، فقال النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله : ذلك غنيمة ففاد نفسك ، وابني أخيك نوفلاً وعقيلاً. فقال : ليس معي شيء. فقال : أين الذّهب الّذي سلّمته إلى أم الفضل وقلت : إن حدث بي حدث فهو لك وللفضل وعبد الله وقثم ؟ فقال : من أخبرك بهذا ؟ قال : الله تعالى. فقال : أشهد أنّك رسول الله ، والله ما اطّلع على هذا إلاّ الله.

ثمّ إنّه سبحانه ـ رحمة منه ـ يعد الأسرى بأنّهم إن آمنوا ، واتبّعوا الحق ، يؤتهم خيراً ممّا اُخذ منهم ، ويغفر لهم ، ولكنّهم إن أرادوا خيانتك بعد اطلاق سراحهم بالفداء ، والعود إلى ما كانوا عليه من العناد والفساد ، فقد خانوا الله من قبل ، فأمكنك منهم ، وأقدرك عليهم ، وهو قادر على أن يفعل بهم ذلك ثانياً ، كما يقول سبحانه :( يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَىٰ إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ *وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللهَ مِن قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ) ( الأنفال / ٧٠ ـ ٧١ ).

٣٤١

وروي أنّه قدم مال من البحرين يقدر ب‍ « ثمانين » ألفاً ، وقد توضّأ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لصلاة الظهر ، فما صلّى يومئذ حتّى فرّقه ، وأمر العباس أن يأخذ منه ، ويحثي ، فأخذ ، فكان العبّاس يقول : هذا خير ممّا اُخذ منّا ، وأرجو المغفرة(١) .

__________________

(١) لاحظ مجمع البيان ج ٢ ص ٥٥٧ ـ ٥٦٠ ، والميزان ج ٩ ص ١٣٦ ـ ١٤٠.

٣٤٢

٢ ـ غزوة أحد (١)

لقد كانت لغزوة « بدر » أصداء في عهد النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وما بعده ، وقد أوجد انتصار النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فيها خوفاً ووجلاً في قلوب المشركين ، خصوصاً بعد ما شاع خبر أنّ النّبي الأكرمصلى‌الله‌عليه‌وآله طرح أجساد قتلىٰ المشركين في القليب ، ووقف عليهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخاطبهم بقوله : يا أهل القليب هل وجدتم ما وعدكم ربّكم حقّاً ، فإنّي قد وجدّت ما وعدني ربّي حقّاً. فلمّا قيل لرسول الله : أتكلّم قوماً موتى ، أو أتنادي قوماً قد جيفوا ؟ فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولكنّهم لا يستطيعون أن يجيبوني.

فلمّا بلغ خبر انتصار النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهزيمة المشركين إلى مكّة ، ناحت قريش على قتلاها ، ثم منعت النياحة بتاتاً في مكّة ونواحيها حذراً من شماتة المسلمين أوّلاً ، واستنهاضاً لعزائمهم لأخذ الثأر ثانياً ، فإنّ النياحة والبكاء وسكب الدّموع تهبّط العزائم ، وتثبّط الهمم.

وكان الأسود بن عبد المطلب قد اُصيب له ثلاثة من ولده ، وكان يحب أن يبكي على بنيه ، ولكنّه كان يكبح جماح مشاعره حذراً من نقمة قريش ، فبينما هو كذلك إذ سمع نائحة في الليل ، فقال لغلام له وقد ذهب بصره : انظر هل اُحلّ النحب لعلّي أبكي على أولادي ، فإنّ جوفي قد احترق ، فرجع الغلام وقال : إنّما هي امرأة تبكي على بعير لها أضلّته.

__________________

(١) وقعت غزوة اُحد يوم السبت لسبع خلون من شوّال في السنة الثالثة من الهجرة.

٣٤٣

فعند ذلك أنشأ يقول :

أتبكي أن يضل لها بعير

ويمنعها من النوم السهود

فلا تبكي على بكر ولكن

على بدر تقاصرت الجدود(١)

باتت قريش على تلك الحالة وصدورهم مليئة بالغيظ والحقد ، وهم بصدر العزم على أخذ الثأر ، وتحيّن الفرصة المناسبة لذلك.

ولأجل ذلك مشى عبد الله بن أبي ربيعة ، وعكرمة بن أبي جهل ، وصفوان بن اُميّة ، في رجال من قريش ممّن اُصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر ، فكلّموا أباسفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة ، فقالوا : يا معشر قريش ، إنّ محمّداً قد وتركم ، وقتل خياركم ، فأعينونا بهذا المال ( اشارة إلى العير الّتي أقبل بها أبوسفيان من الشام إلى مكّة ) على حربه ، فلعلّنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منّا ، ففعلوا ، وفي ذلك نزل قوله سبحانه :

( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَن سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ) ( الأنفال / ٣٦ )(٢) .

فاجتمعت قريش لحرب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أطاعهم من قبائل كنانة ، وأهل تهامة. وكان أبو عزّة عمرو بن عبد الله الجمحي قد منّ عليه رسول الله يوم بدر ، وكان فقيراً ، ذا عيال وحاجة ، وكان في الأسارى ، فقال : إنّي ذو عيال وحاجة ، فامنن عليّ صلّى الله عليك ؛ فمنّ عليه رسول الله. فقال له صفوان ابن اُميّة : يا أبا عزّة إنّك إمرؤٌ شاعر ، فأعنّا بلسانك ، فاخرج معنا ؛ فقال : إنّ محمداً قد منّ عليّ ، فلا اُريد أن اظاهر عليه. قال : بلىٰ ، فاعنا بنفسك ، فلك الله عليّ إن رجعت أنْ أغنيك ، وإن أصبتَ أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزّة في تهامة.

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ١ ص ٦٤٨.

(٢) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٦٠ ، ومجمع البيان ج ٢ ص ٨٣٢ ، نقلاً عن أبي إسحاق.

٣٤٤

خرجت قريش بحدّها وجدّها ، وحديدها وأحابيشها(١) ومن تابعها من بني كنانة ، وأهل تهامة ، وخرجت معهم النساء في الهوادج التماس الحفيظة وألاّ يفرّوا. فخرج أبوسفيان بهند بنت عتبة ، وخرج عكرمة بأمّ حكيم ، وهكذا.

فخرجوا حتّى نزلوا على شفير الوادي مقابل المدينة ، وهم ثلاثة آلاف بمن انضم إليهم ، وكان فيهم من ثقيف مائة رجل ، وخرجوا بعدّة وسلاح كثير ، وقادوا مائتي فرس ، وكان فيهم سبعمائة دارع ، وثلاثة آلاف بعير.

ثم إنّ العباس بن عبد المطلب أخبر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بنيّة القوم ، ومسيرهم نحو المدينة وعددهم وعُدتهم ، فكتب كتاباً وختمه ، واستأجر رجلاً من بني غفار ، واشترط عليه أن يسير ثلاثاً ، فوجد رسول الله بقباء ، فدفع إليه الكتاب ، فقرأه عليهم اُبيّ بن كعب ، واستكتم اُبيّاً ما فيه. فدخل منزل سعد بن الربيع ، فأخبره بكتاب العباس ، وجعل سعد يقول : يا رسول الله إنّي لأرجو أن يكون في ذلك خير.

فلمّا سمع رسول الله نزولهم على شفير الوادي ، شاور قومه في الخروج عن المدينة ، أو البقاء فيها ، فاختلفت آراء أصحابه ، فكان عبد الله بن اُبيّ وأصحابه يكرهون الخروج ، فقالوا : يا رسول الله أقم بالمدينة لاتخرج إليهم ، فو الله ما خرجنا منها إلى عدوّ لنا قطّ إلاّ أصاب منا ، ولا دخلها علينا إلاّ أصبنا منه.

وكان الشّباب من أصحاب الرّسول يصرّون على الخروج ، ويقولون : « أخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون إنّا جبنا عنهم وضعفنا ».

فلمّا رآى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله اصرار هم على الخروج. وهم يقولون : ( هي احدى الحسنيين أمّا الشهادة وأمّا الغنيمة ) ، صلّى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله الجمعة بالنّاس ، ثم وعظهم ، وأمرهم بالجد والجهاد ، ثم صلّى العصر ، وصفّ النّاس له ما بين منبره وحجرته ، فجاء هم سعد بن معاذ ، وأسيد بن

__________________

(١) الأحابيش من إجتمع إلى العرب وانضمّ إليهم من غيرهم.

٣٤٥

حضير ، فقالا للنّاس : قلتم لرسول الله ما قلتم ، واستكرهتموه على الخروج ، فردّوا الأمر إليه ، فما أمركم فافعلوه ، فبينا القوم على ذلك ، إذ خرج رسول الله قد لبس لامّته ودرعه ، وحزم وسطها بمنطقة من حمائل سيف من أدم ، فقالوا يا رسول الله : استكرهناك ، ولم يكن ذلك لنا ، فإن شئت فاقعد صلّى الله عليك ، فقال رسول الله : ما ينبغى لنبيّ إذا لبس لامّته أن يضعها حتّى يقاتل ، فخرج في ألف من أصحابه(١) .

عودة المنافقين القهقرى إلى المدينة :

كان عبد الله بن اُبيّ ممّن أبدى الإصرار على الإقامة في المدينة والتحصّن بها فلمّا رأى أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ترك رأيه وأخذ برأي الآخرين ، فقال : أطاعهم وعصاني ، ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا ، فرجع بمن اتّبعه من قومه من أهل النفاق والريب ، وهم ثلث النّاس ، واتّبعهم عبد الله بن عمرو ، فقال : ياقوم اُذكّركم الله ألاّ تخذلوا قومكم ونبيّكم عندما حضر من عدوّهم ؛ قال عبد الله بن اُبىّ : لو نعلم أنّكم تقاتلون لما أسلمناكم ، ولكنّا لا نرى أنّه يكون قتال.

فلمّا استعصوا عليه وأبوا إلاّ الإنصراف عنهم ، قال : أبعدكم الله أعداء الله ، فسيغني الله عنكم نبيّه.

وفي ذلك نزل قوله سبحانه :( وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالا لاَّتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ) ( آل عمران / ١٦٧ ).

وقد أوجد رجوع رئيس النفاق في أثناء الطريق شقاقاً وخلافاً بين أصحاب النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله على نحوين :

١ ـ فقال قوم من المسلمين : نقاتل قريشاً ، وقال آخرون : لا نقاتلهم ، وفي ذلك نزل قوله سبحانه( فَمَا لَكُمْ فِي المُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ

__________________

(١) المغازي للواقدي ، ج ١ ص ٢١٣ ، والسيرة النبويّة ج ٢ ص ٦٣.

٣٤٦

أَن تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللهُ وَمَن يُضْلِلِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ) ( النساء / ٨٨ ).

فالآية تشير إلى أنّ المسلمين صاروا في أمر ما صار إليه المنافقون فرقتين مختلفتين ، فمنهم من مال إلى مقالتهم ومنهم من يخالفهم في الرأي.

٢ ـ همّت طائفتان من المسلمين أن تأخذ برأي رئيس النفاق ، ويرجعا في أثناء الطريق ، وهما بنو سلمة وبنو حارثة من الأنصار ، وإليه يشير قوله سبحانه :

( وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ المُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ *إِذْ هَمَّت طَّائِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ ) ( آل عمران / ١٢١ و ١٢٢ ).

نزول رسول الله أرض أحد :

لمّا انتهى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أحد ، جعل جبل اُحد خلف ظهره ، واستقبل المدينة ، وجعل عينين عن يساره ، وجعل الرماة وهم خمسون رجلاً على عينين(١) عليهم عبد الله بن جبير ، فقال لرئيسهم : انضح الخيل عنّا بالنّبل لا يأتونا من خلفنا ، إن كانت لنا أو علينا ، فأثبت مكانك لا نؤتين من قبلك.

ثم قام رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وخطب النّاس وقال : إنّ جهاد العدو شديد ، شديد كربه ، قليل من يصبر عليه ، إلاّ من عزم الله رشده ، فإنّ الله مع من أطاعه ، وانّ الشيطان مع من عصاه ، فافتتحوا أعمالكم بالصبر على الجهاد ، والتمسوا بذلك ما وعدكم الله(٢) .

وكان للمشركين كتيبتان ميمنة عليها خالد بن الوليد ، وميسرة عليها عكرمة بن أبي جهل. وجعل رسول الله ميمنة ، وميسرة ، ودفع لواءه الأعظم إلى مصعب بن

__________________

(١) جبل باُحد له هضبتان بينهما معبر ينتهي إلى ساحة القتال.

(٢) راجع المغازي للواقدي ج ١ ص ٢٢٢ ، وللخطبة صلة.

٣٤٧

عمير ، ودفع لواء الأوس إلى أسيد بن حضير ، ولواء الخزرج إلى سعد أو حباب بن المنذر ، والرماة يحمون ظهور هم يرشقون خيل المشركين بالنّبل.

وعند ذلك دنا القوم بعضهم من بعض فقدّمت قريش صاحب لوائهم طلحة بن أبي طلحة ، وصفّوا صفوفهم ، وأقاموا النساء خلف الرجال بالأكبار والدفوف ، وهند وصواحبها يحرّضن ويَذْمُرن(١) الرجال ويذكرن من اُصيب ببدر.

وصاح طلحة بن أبي طلحة : مَن لبني عبد الدار ؟ وكانت راية قريش يوم ذلك بأيدي هؤلاء ، فقال عليعليه‌السلام : هل لك في البراز ؟ قال طلحة : نعم ، فبرزا بين الصفين ، ورسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله جالس تحت الراية عليه درعان ومغفر وبيضة ، فالتقيا ، فبدره عليّ ، فضربه على رأسه ، فمضى السيف حتّى فلق هامته حتّى انتهى إلى لحيته ، فوقع طلحة ، وانصرف علي(٢) .

ثمّ أخذ الراية أبو سعيد بن أبي طلحة ، فقتله علي وسقطت الراية ، فأخذها مسافع بن أبي طلحة ، فقتله علي. حتّى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار ، حتّى صار لواؤهم إلى عبد لهم أسود يقال له : صوأب ، فانتهى إليه علي ، فقطع يده اليمنى ، فأخذ اللواء باليسرىٰ ، فضرب يسراه فقطعها ، فاعتنقها باليدين المقطوعتين ، فضربه على رأسه فقتله ، فسقط اللواء ، فأخذته عمرة بنت علقمة الكنانية ، فرفعتها(٣) .

وقد كان لعليّعليه‌السلام مواقف مشهودة كما كان لأبي دجانة ، والزبير بن العوّام ، وفي ظل بطولة هؤلاء ، ولفيف من غيرهم انهزمت قريش هزيمة نكراء لايلوون ، ونساؤهم يدعون بالويل بعد ضرب الدفاف ، فلمّا انهزم المشركون تبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حتّى أخرجوهم عن الساحة ثمّ اشتغلوا بعد وضع سيوفهم على الأرض بنهب ما استولوا عليه في معسكرهم.

__________________

(١) أي يحضضن الرجال باللوم على الفرار.

(٢) المغازي للواقدي ، ج ١ ص ٢٢٦.

(٣) مجمع البيان ج ١ ص ٨٢٥.

٣٤٨

وعند ذلك قال بعض الرماة لبعض : لِمَ تقيمون ههنا في غير شيء ؟ قد هزم الله العدو ، وهؤلاء إخوانكم ينهبون معسكرهم ، فادخلوا معسكر المشركين ، فاغنموا مع إخوانكم. فقال بعض الرماة لبعض : ألم تعلموا أنّ رسول الله قال لكم : « احموا ظهورنا ، فلا تبرحوا مكانكم ، وإن رأيتمونا نقتل ، فلا تنصرونا ، وإن رأيتمونا غنمنا ، فلا تشركونا » فقال الآخر : لم يرد رسول الله هذا ، وقد أذلّ الله المشركين وهزمهم ، فادخلوا المعسكر ، فانتهبوا مع إخوانكم ، فلمّا اختلفوا خطبهم أميرهم عبد الله بن الجبير ، وأمرهم بأن لايخالفوا لرسول الله أمراً ، فعصوا ، فانطلقوا فلم يبق من الرماة مع أميرهم عبد الله بن الجبير إلاّ نفراً ما يبلغون العشرة ، واشترك المنطلقون في النهب ، واشتغلوا بما إشتغل به سائر المسلمين.

الهزيمة بعد الإنتصار :

قد كان الإنتصار حليف المسلمين في الغزوة ، ولكن لمّا خالف الرماة أمر رسول الله ، وأخلوا مكانهم ، رأى العدو أنّ جبل العينين قد أضحى خالياً من الرماة والمدافعين ، وكان جبل العينين يقع على ضفّتين يتخللهما معبر ، وينتهي مداه إلى المعسكر ، وقد أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بوقوف الرماة على الضفّتين حتّى يمنعوا من دخول العدو من هذا المعبر على ساحة القتال ، والحيلولة دون هجومه عليهم من خلفهم ، ولمّا خالف الرماة باخلائهما ، رأى العدو أنّ الفرصة مساعدة لمباغتة المسلمين ، فأدار خالد بن الوليد ومن معه من وراء المسلمين(١) فورد المعسكر من هذا المعبر على حين غفلة من المسلمين بعد ما قتل من بقي من الرماة فوق الهضبة ، وعند ذلك أثخنوا المسلمين ضرباً وقتلاً ، فألقى كل مسلم ما كان بيده مما انتهب ، وعاد إلى سيفه يسلّه ليقاتل به ولكنّ هيهات هيهات لقد تفرّقت الصفوف ، وتمزّقت الوحدة ، بعد أن كانت تقاتل تحت لواء قيادة قويّة حازمة حكيمة ، وهي الآن أصبحت تقاتل ولا قيادة لها ، فلم يكن عجباً أن ترى مسلماً يضرب مسلماً بسيفه ، وهو لا يكاد يعرفه.

__________________

(١) ولعلّه نجح لذلك بإدارتهم على ظهر جبل اُحد حتّى دخل المعسكر من هذا المعبر.

٣٤٩

النداء بنعي النّبي :

والذي زاد في الطّين بلّة وأعان على تمّزق الصفوف ، وتفرّق المسلمين عن ساحة الحرب ، ولجوئهم إلى مخابئ الجبل وثناياه ، سماعهم خبراً مكذوباً يهتف بموت النّبي ، إذ نادى أحد المشركين أنّ محمّداً قد قتل ، فعند ذلك سقط ما في أيدي المسلمين ، وتفرّقوا في كل وجه ، وصعدوا الجبل ، والتجاؤا إلى المخابئ ، فلم يبق إلاّ الأقل القليل من أصحابه.

هذه هي الحالة التّي صار إليها المسلمون. وأمّا المشركون ، فقد امتلأوا فرحاً وطرباً ، واستنهضت هممهم كل يريد أن يشفي غليله بالمساعدة على الإجهاز على النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله .

وفي هذه المرحلة الرهيبة كيف يتصوّر حال النبيّ ؟ فهو بين تجرّع مرارة جلاء أصحابه من ساحة القتال ، وبين مضض هجوم عدوّه بشراسة وحماسة تجاه موقعه وموضعه الّذي ربض فيه.

فلم يصمد معه في ساحة المعركة إلاّ شرذمة قليلة ، وعلى رأسهم ابن عمّه علي بن أبي طالب ، وأبو دجانة سمّاك بن خرشة ، وكلّما حملت طائفة على رسول الله استقبلهم عليعليه‌السلام ، فدفعهم عنه حتّى تقطّع سيفه ، فدفع إليه رسول الله سيفه ذا الفقار ، وانحاز رسول الله إلى ناحية جبل اُحد ، فصار القتال من وجه واحد ، فلم يزل علي يقاتلهم حتّى أصابه في رأسه ووجهه ويديه سبعون جراحاً. كان علي يدافع عن ساحة النّبي ، والنّبي يريد اللجوء إلى جانب الجبل ، كان النّبي على هذه الحالة إذ عرفه أحد أصحابه وهو كعب بن مالك ، عرفه من عينيه وهما تزهران من تحت المغفر ، فنادى بأعلى صوته : يا معشر المسلمين ، أبشروا ، هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . فأشار إليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أن أنصت(١) وإذا أردت أن تقف عن كثب على حقيقة الحال ، وعلى ما حاق

__________________

(١) السيرة النبويّة ج ٢ ص ٨٣ ، والمغازي للواقدي ج ١ ص ٢٣٦.

٣٥٠

بالمسلمين من محنة وبلاء ، وتقرّق وتشتّت ، وهبوط معنويّاتهم ، وخوار عزائمهم ، فاستمع إلى هذا النص الّذي يرويه لنا ابن هشام حيث يقول :

انتهى أنس بن النضر ، عم أنس بن مالك ، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيدالله ، في رجال من المهاجرين والأنصار ، وقد ألقوا بأيديهم ، فقال : مايجلسكم ؟ قالوا : قتل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . قال : فماذا تصنعون بالحياة بعده ؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ثم استقبل القوم ، فقاتل حتّى قتل ، وبه سمّي أنس بن مالك(١) .

قد كان يوم أحد يوم بلاء ومحنة وتمحيص. أكرم الله تعالى فيه من أكرم بالشّهادة ، ومحص فيه من لم يكن له ثبات عزم ، وقوّة شكيمة في الدّفاع عن حريم الإسلام.

ولأجل فرار المسلمين ، وجلائهم ساحة المعركة رشق العدو بالحجارة وجه النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله فاثقلوه جراحاً ، فشجوا وجهه ، وكسروا رباعيته ، ولولا أنّ هنالك رجلاً مخلصين لنجدته ، لقضي الأمر ، ولكنّه سبحانه كتب على نفسه نصر المؤمنين ، وإعزاز الرّسول ، وتمكين دعوته.

إنّ النّبيصلى‌الله‌عليه‌وآله مشى وحوله لفيف من أصحابه إلى فم الشعب ، فلمّا استقرّ به الحال جاء علي بماء غسل عن وجه النبيّ الدّم ، وصب على رأسه وكان النبيّ يقول : اشتدّ غضب الله على من أدمى وجه نبيّه ، ونزع أبو عبيدة بن الجراح حلقتي المغفر من وجه الرّسول ، فسقطت ثنيّتاه. ولمّا وقف المسلمون على أمر النبيّ ، وعلموا موضعه تقاطروا عليه تترى من كل جانب ، والتفّوا حوله.

وأمّا قريش فطارت بنصرها سروراً ، وحسبت نفسها أنّها انتقمت لبدر أشدّ الإنتقام ، حتّى بعد ما وقفوا على أنّ النبيّ حي لم يقتل ، وحينما أراد أبوسفيان الإنصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته فقال : إنّ الحرب سجال يوم بيوم

__________________

(١) السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٨٣.

٣٥١

أعل هبل ـ أي أظهر دينك ـ فأمر رسول الله أصحابه أن يقولواً : الله أعلى وأجلّ لا سواه ، قتلانا في الجنّة ، وقتلاكم في النار.

وقال أبوسفيان : « إنّ لنا العزّى ولا عزّى لكم ».

فأمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن يجيب أصحابه ويقولوا : « الله مولانا ولا مولى لكم ».

ثُمَّ رجعت قريش إلى أثقالهم ، وركّبوا الأثقال ، فتركوا ساحة المعركة. فخرج المسلمون يتبّعون قتلاهم ، فلم يجدوا قتيلاً إلاّ مثلوا به ، إلاّ حنظلة كان أبوه مع المشركين فترك له ، ووجدوا حمزة بن عبد المطلب عم النبيّ قد بقر بطنه ، وحملت كبده ، احتملها وحشي ، وهو قتله ، يذهب بكبده إلى هند بنت عتبة في نذر نذرته حين قتل أباها يوم بدر. وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم ثُمَّ رجعوا إلى المدينة. فلمّا دخل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى أزقّتها إذا النوح والبكاء في الدور. فقال : ما هذا ؟ قالوا : هذه نساء الأنصار يبكين على قتلاهنّ. وقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله حين سمع البكاء : لكنّ حمزة لا بواكي له ، واستغفر له. فسمع ذلك سعد بن معاذ ، وسعد بن عبادة ، ومعاذ بن جبل ، وعبد الله بن رواحة ، فمشوا في دورهم ، فجمعوا كل نائحة وباكية كانت بالمدينة للبكاء على حمزة.

وعند ذلك بدت شماتة اليهود وقالوا : لو كان نبيّاً ما ظهروا عليه ، ولا اُصيب منه ما اُصيب. وقال المنافقون للمسلمين : لو كنتم أطعتمونا ما أصاب الذي أصابوا منكم.

ثُمَّ قدم رجل من أهل مكّة على رسول الله ، فاستخبرهم عن أبي سفيان وأصحابه ، فقال : نازلتهم ، فسمعتهم يتلاومون يقول بعضهم لبعض : لم تصنعوا شيئاً أصبتم شوكة القوم وحدّهم ، ثمّ تركتموهم ولم تبروهم ، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم ، فلمّا كان الغد من يوم اُحد أذّن مؤذّن النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله في المسلمين بطلب العدو ، واستنفرهم لمطاردته على أن لايخرج إلاّ من حضر الغزوة ، وخرج المسلمون ، فوقع في روع أبي سفيان أنّ أعداءه جاءوا من المدينة بمدد

٣٥٢

جديد ، فخاف لقاءهم ، وبلغ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله حمراء الأسد(١) فأقام بها ثلاثة أيّام. فكان أبوسفيان وأصحابه بالروحاء ، فمرّ به معبد الخزاعي ، وكان قد مرّ بالنبيّ ومن معه ، فسأل عن شأنهم ، فقال : إنّ محمداً قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرّقون عليكم تحرّقاً ، قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم ، وندموا على ما صنعوا ، فيهم من الحنق شيء لم أر مثله.فلمّا سمع أبو سفيان مقالة معبد ، خاف على نفسه وأصحابه ، فشدّ عزيمته على الرجوع قول صفوان بن اُميّة حيث قال : إنّ محمداً واصحابه قد غضبوا ، وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الذي كان ، فارجعوا ، فرجعوا إلى مكّة.

وقد قتل من المسلمين في ساحة اُحد تسعة وأربعون رجلاً ، وقتل من المشركين ستّة عشر رجلاً(٢) .

هذه إطلالة سريعة على غزوة اُحد تعرّضنا لذكرها ليكون معيناً على فهم ما ورد حول هذه الغزوة من آيات الذكر الحكيم ، فانّ ما ورد في المغازي والسّيرة بمثابة القرائن التي يستعان بها على رفع إجمال الآيات وما اُبهم معناه منها. وإليك إستعراض ما ورد في الذكر الحكيم مع الاشارة إلى ما يستفاد منها من عبر وعظات :

١ ـ حنكة النبيّ العسكريّة :

قد أوضحت الخاتمة التي آل إليها مصير المسلمين قيمة ما ألزم به النبيّ الرماة حيث قال : « احموا لنا ظهورنا فإنّا نخاف أن نؤتى من ورائنا ، والزموا مكانكم لا تبرحوا منه وإن رأيتمونا نهزمهم ، وإن رأيتمونا نقتل فلا تعينونا ، ولا تدفعوا عنّا ، اللّهم إنّي اُشهدك عليهم ، واُرشقوا خيلهم بالنّبل ».

__________________

(١) موضع على ثمانية أميال من المدينة.

(٢) لاحظ السيرة النبويّة لابن هشام ج ١ ص ٨٥ ـ ١٠٥ ، ومغازي الواقدي ج ١ ، ٢٣٩ ـ ٢٤٩ ، ودلائل النبوة ص ٢١٢ ـ ٢١٩ وغيرها.

٣٥٣

ولكنّ ياللأسف إنّ الرماة خالفوا الرّسول وعصوه ، فبقيت ثلّة منهم في موقفهم ، ونزل كثير منهم من الجبل للنّهب وجمع الثروة ، حتّى جاء خالد بن الوليد ، فقتل من بقي منهم ، ثّم دخل ساحة المعركة من دون مقاومة تذكر ، فأعمل السيف فيهم.

وهذا إن دَلّ على شيء فإنّما يدلّ على حنكة النبيّ العسكريّة أوّلاً ، وعلى وجود حالة عدم الرضوخ التامّ بين أصحابه لأوامره ثانياً ، حيث أوّلوا أمرهصلى‌الله‌عليه‌وآله بتأويلات لغاية إشباع نهم شهواتهم بجمع المال ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه :

( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ ) ( آل عمران / ١٥٢ ).

وإليك تحليل ما تضمّنته هذه الآية :

أقوله سبحانه :( وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ ) يدل على أنّه سبحانه وعدهم بالنصر ، ولعلّ النصر هو ما ورد في قوله سبحانه :

( بَلَىٰ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ) ( آل عمران / ١٢٥ ).

نعم وعد سبحانه بالإنتصار بشر طين لا مطلقاً ، وقد ألمحت الآية إليهما في قوله :

١ ـ( إِن تَصْبِرُوا ) .

٢ ـ( وَتَتَّقُوا ) .

ولكنّ الرماة المستقرّين على الهضبة لم يصبروا ، ولم يتّقوا مغبّة مخالفة الرّسول ، فآثروا حطام الدّنيا على الآخرة.

٣٥٤

ب ـ قوله سبحانه :( حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا ) يدلّ على أنّه طرأ الفشل عليهم ، وتنازعوا في أمر البقاء والمغادرة ، وعصوا أمر الرّسول ، وكان منهم من يطمح في نيل حطام الدّنيا ، ومنهم من آثر الآخرة وطاعة الرّسول على نيل شهوات الدّنيا.

ج ـ ولكنّ رحمته الواسعة شملتكم ، فكفّكم عن المشركين بعد ظهور الفشل والتّنازع والمعصية ، وعفى عن عصيانكم كما يدلّ عليه قوله :

( ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ ) .

د ـ ليبتليكم : أي كان هذا الخلاف مَحَكّاً قَويّاً لتمييز الطالب للدّنيا عن طالب الآخرة ، بل لتمييز المؤمن عن المنافق ، والمؤمن الراسخ في إيمانه الثّابت على عزيمته ، من المتلوّن السريع الزوال ، ومع ذلك فإنّ الله سبحانه عفا عنهم بفضله كما قال :

( وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ ) .

٢ ـ تصدّع جيش المسلمين وإنحلال زمامه :

لقد مَرَّ بك أنّ خالد بن الوليد باغت المسلمين من ورائهم ، وقد وضعوا سيوفهم على الأرض ، والتهوا بجمع الغنائم ، فعند ما رأوا سيوف العدو على رؤوسهم ، وبريق أسنّة رماحهم أصابهم الذهول ، وتفرّقوا في كلّ حدب وصوب ، فتركوا ما كان بأيديهم ، وصعدوا الجبل من دون أن يلتفتوا ورائهم إلى النبيّ والمؤمنين ، وأنّهم تركوه أثناء المعركة الطاحنة ، مع أنّ النبيّ كان يدعوهم بقوله : إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله ، إليّ عباد الله ، وهم لا يلتفتون ، فعند ذلك ملأت قلوبهم الهموم بعضها أشّد من بعض ، همّ الإنتكاسة غير المرتقبة ، ثمّ همّ فقد الأحبّة والأعزّة ، ثم تعالى صوت الناعي بقتل النبيّ الأكرم ، وإلى ذلك يشير قوله سبحانه :

( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا

٣٥٥

بِغَمٍّ لِّكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ وَاللهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) ( آل عمران / ١٥٣ ) وإليك تحليل ما تضمّنته الآية :

في قوله سبحانه :( إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ ) تلويح بفرارهم عن ساحة الحرب كما أنّ قوله :( وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ) إشارَة إلى النداءات الّتي تعالت من فم النبيّ في تلك الأثناء ، تدعوهم للصمود والثّبات في المعركة :

وقوله :( فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ ) إشارة إلى تراكم الغموم والهموم والآلام على قلوب المسلمين ، وقوله :( لِّكَيْلا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلا مَا أَصَابَكُمْ ) إشعار بأنّ الغموم بلغت حدّاً نسوا معه ما فاتهم من الغنائم.

٣ ـ على أعتاب الردّة

لم تكن زلّة القوم منحصرة بالفرار وإخلاء ساحة المعركة ، وترك النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله بين يدي المشركين ، ومخالفة الرماة أوامره ، بل بلغ أمرهم إلى أبعد من ذلك غوراً ، حيث طرأ على قلوبهم ظنون أهل الجاهليّة ، فظنّوا من الظنون الّتي لا يليق بتصوّرها إلاّ أهل الجاهلية ، حيث انتابتهم حالة من الشكّ ، وإلى ذلك ونحوه يشير قوله سبحانه :( ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) ( آل عمران / ١٥٤ ).

ولأجل الوقوف على المزيد ممّا تضمّنته الآية الشريفة السابقة نتناول التعرّض لها جملة بعد جملة.

١ ـ( ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ) .

٣٥٦

النّعاس ما يسبق النوم من فتور واسترخاء ، وربّما يسمّى بالنّوم الخفيف ، وقد نزل النّعاس ، وغشى طائفة من القوم ولم يعمّ الجميع بقرينة قوله :( يَغْشَىٰ طَائِفَةً مِّنكُمْ ) ، وكان هذا النّعاس بمثابة الرحمة بعد الغمّ الذي اعتراهم ، فأزال عنهم الخوف بغلبة النوم ليستردّوا ما فقدوا من القوّة ، وما عرض لهم من إلا رهاق والتّعب والضعف.

وكلمة( نُّعَاسًا ) يدلّ من قوله( أَمَنَةً ) للملازمة بين الأمنة والنوم ، وقد قيل : الأمن منوّم والخوف مسهّر ، وأمّا من هؤلاء الّذين غشيهم النّعاس دون غيرهم ؟ فيحتمل أن يكونوا هم الّذين رجعوا إلى رسول الله بعد الإنهزام والانكسار لمّا ندموا وتحسّروا ، فهؤلاء بعض القوم ، وهم النادمون على ما فعلوا ، الراجعون إلى النبيّ ، المحتفّون به ، وكان ذلك حينما وصل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى فم الشعب ، ووقفت تلك الطائفة على أنّ النبيّ لا زال على قيد الحياة لم يقتل ، فرجعوا إليه يتقاطرون تترىٰ.

٢ ـ( وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ) وهذه طائفة اُخرىٰ من المؤمنين لا من المنافقين ، فإنّهم فارقوا النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ومن معه في أثناء الطريق وانخذلوا ، ولهم شأن آخر سينبّئ الله سبحانه بهم بعد ذلك ، وهذه الطائفة الثانية الموصوفة بـ( أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ ) لم يكرمهم الله بما أكرم به الطائفة الاُولى من العفو ، وإثابة الغمّ ثمّ الأمنه والنّعاس ، بل وكّلهم إلى أنفسهم ، ونسوا كلّ شيء ، ولم يهتمّوا إلاّ بأنفسهم.

وهذه الطائفة قد استولى عليهم الخوف ، وذهلوا عن كلّ شيء سواهم ، ولمّا لم يكن الوثوق بالله ووعده رسوله وصل إلى قرارة أنفسهم ، لأنّهم كانوا مكذّبين للرّسول في قلوبهم لا جرم عظّم الخوف لديهم ، وحقّ عليهم ما وصفهم الله به :

أ ـ( يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ ) فكانوا يبطنون في قرارة أنفسهم : « لو كان محمد نبيّاً حقّاً ما سلّط الله عليه الكفّار » وهذه مقالة لا يتفوّه بها إلاّ من دان بالكفر.

٣٥٧

ب ـ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ ) والظّاهر أنّ المراد من الأمر هو الظّفر والنّصر في كلا الموردين ، والمقصود من الضمير في( لَنَا ) هؤلاء بما أنّهم يشكّلون جزءاً من المسلمين وإن لم يكونوا منهم حقيقة ، والمعنى :

يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار والإستهجان : « هَلْ لَنَا مِنَ النَّصْرِ وَالفَتْحِ والظّفر نصيب » ؟! يعنون أنّه ليس للمسلمين ( لنا ) من ذلك شيء ، وإنّ الله سبحانه لا ينصر محمّداًصلى‌الله‌عليه‌وآله وبما أنّ النّصر وكون الدّين حقّاً كانا متلازمين عندهم ، فاستنتجوا أنّ الدعوة المحمّديّة ليست حقّاً.

ثمّ إنّه سبحانه أجابهم في معرض تناول ذكرهم بقوله :

( إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ للهِ ) أي كلّ الاُمور بيده سبحانه حتّى النّصر والهزيمة ، وإليه دعى محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو معتقد المسلمين ، ولكن بمقتضىٰ حكمته وسننه الّتي وضعها لتسيير شؤون الخلق ، وربط فيها الأسباب بالمسبّبات ، فهو وإن وعد رسله بقوله :

( كَتَبَ اللهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ) ( المجادلة / ٢١ ).

وقال :( وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ) ( الصافّات / ١٧٣ ).

ولكنّ تحقّق هذا الوعد مرهون بتوفّر الأسباب الكفيلة بالنصر ، فإنّه سبحانه هو الذي وضع سنّة الأسباب والمسبّبات ، فما كان سببه أقوى كان وقوعه أرجح سواء في ذلك الحقّ والباطل والخير والشر والهداية والضلالة والعدل والظلم ، ولا فرق فيه بين المؤمن والكافر ، والمحبوب والمبغوض ، ومحمد وأبي سفيان ، ولأجل ذلك كلّما توافقت الأسباب العاديّة على تقدّم هذا الدين وظهور المؤمنين كان النصر حليفهم ، وحيث لم تتوافق الأسباب كتحقّق نفاق أو معصية لأمر النبيّ أو فشل أو جزع كانت الغلبة والظهور للمشركين على المؤمنين ، وكذلك الحال في أمر سائر الأنبياء مع النّاس.

وإنّكم أيّها المنضوون تحت لواء المسلمين قد عصيتم أمر الرسول ،

٣٥٨

ولم تأتمروا بأمره ، فأخليتم مواقعكم عاصين لأمره وآثرتم حطام الدّنيا والأدنى الخسيس ، ومع ذلك تترقّبون النصر لكم والهزيمة للعدو ! فكيف يقتطف الثمرة من لم يغرس شجرتها أو غرسها ولم يقم بأمرها ؟

ثم إنّه سبحانه بعد هذه الإجابة يأخذ بتبيين ما كان يخامرهم من الأفكار الفاسدة.

ج ـ( يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم مَّا لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) .

الظّاهر أنّ قولهم :( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ ) تفسير للموصول في( مَّا لا يُبْدُونَ ) والفرق بين ما كانوا يظهرونه وما يضمرونه واضح ، فقد كانوا يتظاهرون بالاستفسار في قولهم : « هل لنا من الأمر شيء » لغاية التشكيك ، وهي وإن كانت فكرة خاطئة ولكن لمّا غلّفت بطابع الإستفسار لم تكن ذات بأس شديد.

ولكنّهم كانوا يخفون قولهم :( لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ) يريدون بذلك الاستدلال على بطلان الدعوة المحمّدية بحجّة الانكسار لأنّ النبيّ الأكرم كان يقول : الأمر بيد الله وأنا رسوله ، فلو كان ما يدّعيه حقّاً بأنّ الأمر كان بيد الله لا بيد الآلهة والأرباب المعبودة بين الناس وكان محمّد من جانبه لعمّنا النصر ، ولكنّه النهاية كانت على العكس من ذلك ، فكيف يمكن أن يكون الأمر بيد الله غير مقسّم على الآلهة والأرباب المدبّرة للاُمور بزعمهم.

ولأجل انّ تلك الفكرة كانت فكرة أهل الشرك والوثنيّة سمّاها سبحانه( ظَنَّ الجَاهِلِيَّةِ ) .

ولكنّهم تناسوا ما جرت عليه سنّته الحكيمة ، فإنّ الأمر بيد الله ولكنّها تجري وفق الأسباب والمسبّبات ، فمن لم يأخذ بأسباب النصر لم يكن حليفه.

ثم إنّه سبحانه أجاب عن تلك الفكرة بوجوه ثلاثة :

٣٥٩

الأوّل : ( قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمْ ) فالآجال محدودة والأعمار مؤقتّة بوقت لا تتعدّاه ، فإن قتل من قتل منكم في المعركة ليس دليلاً على عدم كون الأمر بيد الله أو أنّ الدعوة المحمّديّة ليست على حق ، بل لأجل القضاء الإلهي الّذي لا مناص من الوقوع في نفوذه وامضائه ، فقد كان في قضائه اضطجاع هؤلاء في هذه المضاجع ، فلو لم تكونوا خرجتم إلى القتال لبرز الّذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ، فلا مفرّ من الأجل المسمّى الّذي إذا حان لا يتقدّم ساعة ولا يتأخّر.

الثاني والثالث : ( وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ) أي وقع ما وقع في غزوة اُحد لظهور ما انطوت عليه سريرة كلّ نفس حتّى يتميّز المؤمن من المنافق والمجاهد من المتقاعد ، وقد جرت سنّة الله على عموم الابتلاء والتمحيص وهي حاكمة على جميع الاُمم لغاية التمحيص.

نعم ليست الغاية من ابتلائه سبحانه لعباده هو التعرّف لما يكمن في ضمائرهم فإنّه سبحانه عليم بالسرائر مطّلع على الضمائر لا يعزب عنه مثقال ذرّة في الأرض ولا في السماء ، بل الغاية هي الإبتلاء والتمحيص ووصول كلّ ما بالقوّة إلى الفعل من الكفر والإيمان ، وإليه يشير قوله سبحانه :( وَاللهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ) .

وحصيلة البحث : انّ هذه الآية تشير إلى فريقين من المسلمين والمؤمنين الملتفّين حول الرسول المتنكّبين عَن المنافقين.

( أحدهما ) : طائفة وهبهم الله عزّ وجلّ بعد الغمّ نعاساً أمنة منه لإزالة ما انتابهم من الروع والخوف والتفّوا حول الرسول بعد الندم.

( ثانيهما ) : طائفة شغلتهم أنفسهم لا يتجاوز تفكيرهم نطاق ذاتهم من دون أن يتوجّهوا قيد طرفة صوبَ قائدهم ونبيّهم ، وقد اعترتهم هواجس الجاهليّة الاُولى ، فتارة يتفوّهون بها علانية بنحو من الشك والترديد والاستفسار بقولهم :( هَلْ لَنَا مِنَ الأَمْرِ مِنْ شَيْء ) واُخرى بصورة الجزم والقطع واليقين بنحو الاخفاء والاسرار

٣٦٠