مفاهيم القرآن الجزء ٧

مفاهيم القرآن0%

مفاهيم القرآن مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف: مفاهيم القرآن
ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581

مفاهيم القرآن

مؤلف: الشيخ جعفر السبحاني
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
تصنيف:

ISBN: 964-357-223-4
الصفحات: 581
المشاهدات: 18176
تحميل: 411


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 581 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 18176 / تحميل: 411
الحجم الحجم الحجم
مفاهيم القرآن

مفاهيم القرآن الجزء 7

مؤلف:
الناشر: مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)
ISBN: 964-357-223-4
العربية

٦ ـ غزوة ذات السلاسل

إنّ غزوة ذات السلاسل بالنحو الذي سيمر عليك ذكره في هذا الفصل انفردت بنقله جملة من أعلام الإمامية ومفاده :

إنّ أعرابياً جاء إلى النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله فجثا بين يديه ، وقال له : جئتك لأنصح لك. قال : وما نصيحتك ؟ قال : قوم من العرب قد اجتمعوا بوادي الرمل ، وعملوا على أن يبيتوك بالمدينة. ووصفهم له ، فأمر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أن ينادي بالصلاة جامعة ، فاجتمع المسلمون ، وصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ، ثمّ قال : أيّها الناس إنّ هذا عدوّ الله وعدوّكم قد عمل على أن يبيتكم فمن لهم ، فقام جماعة من أهل الصفة ، فقالوا : نحن نخرج إليهم يا رسول الله فولّ علينا من شئت ، فأقرع بينهم ، فخرجت القرعة على ثمانين رجلاً منهم ومن غيرهم ، فاستدعى أبا بكر ، فقال له : خذ اللواء وامض إلى بني سليم ، فانّهم قريب من الحرة ، فمضى ومعه القوم حتى قارب أرضهم ، وكانت كثيرة الحجارة والشجر ، وهم ببطن الوادي والمنحدر إليه صعب ، فلمّا صار أبو بكر إلى الوادي ، وأراد الانحدار ، خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من المسلمين جمعاً كثيراً ، وانهزم أبو بكر من القوم ، فلمّا قدموا على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله عقده لعمر بن الخطاب وبعثه إليهم ، فكمنوا له تحت الحجارة والشجر ، فلمّا ذهب ليهبط خرجوا إليه فهزموه ، فساء رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ذلك ، فقال له عمرو بن العاص : ابعثني يا رسول الله إليهم ، فإنّ الحرب خدعة ، فلعلّي أخدعهم ، فانفذه مع جماعة ووصّاه ، فلمّا صار إلى الوادي خرجوا إليه فهزموه وقتلوا من أصحابه جماعة.

٤٢١

ومكث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيّاماً يدعو عليهم ثمّ دعى أمير المؤمنينعليه‌السلام فعقد له ثمّ قال : أرسلته كرّاراً غير فرار ، ثمّ رفع يديه إلى السماء وقال : « اللهمّ إن كنت تعلم أنّي رسولك فاحفظني فيه وافعل به وافعل » فدعا له ما شاء وخرج علي بن أبي طالبعليه‌السلام وخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله لتشييعه ، وبلغ معه إلى مسجد الأحزاب ، وعليعليه‌السلام على فرس أشقر ، مهلوب عليه بردان يمانيّان ، وفي يده قناة خطّية ، فشيّعه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ودعا له ، وأنفذ معه فيمن أنفذ أبا بكر وعمر وعمرو بن العاص ، فسار بهم نحو العراق متنكّباً للطريق ، حتى ظنّوا أنّه يريد بهم غير ذلك الوجه ، ثمّ أخذ بهم على محجّة غامضة ، فسار بهم حتى استقبل الوادي من فمه ، وكان يسير الليل ويكمن النهار ، فلمّا قرب من الوادي أمر أصحابه أن يعلموا الخيل(١) ووقفهم مكاناً ، وقال : لا تبرحوا وانتبذ أمامهم ، فأقام ناحية منهم.

فلمّا رأى عمرو بن العاص ما صنع لم يشك أنّ الفتح يكون له ، فقال لأبي بكر : أنا أعلم بهذه البلاد من عليعليه‌السلام ، وفيها ما هو أشد علينا من بني سليم ، وهي الضباع والذئاب ، فإن خرجت علينا خفت أن تقطّعنا ، فكلّمه يخل عنّا نعلوا الوادي ، قال : فانطلق أبو بكر فكلّمه فأطال ، فلم يجبه أمير المؤمنينعليه‌السلام حرفاً واحداً ، فرجع إليهم فقال : لا والله ما أجابني حرفاً واحداً ، فقال عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب : أنت أقوى عليه ، فانطلق عمر فخاطبه ، فصنع به مثل ما صنع بأبي بكر ، فرجع إليهم فأخبرهم انّه لم يجبه ، فقال عمرو بن العاص : إنّه لا ينبغي أن نضيع أنفسنا انطلقوا بنا نعلوا الوادي. فقال له المسلمون : لا والله ما نفعل ، أمرنا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أن نسمع لعليعليه‌السلام ونطيع فنترك أمره ونطيع لك ونسمع ، فلم يزالوا كذلك حتى أحسّ أمير المؤمنينعليه‌السلام بالفجر ، فكبس القوم وهم غارون ، فأمكنه الله تعالى منهم ، ونزلت على النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا إلى

__________________

(١) يعلموا الخيل : يعلّقون عليها صوفاً ملوناً في الحرب.

٤٢٢

آخرها) فبشّر النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله أصحابه بالفتح ، وأمرهم أن يستقبلوا أمير المؤمنينعليه‌السلام ، فاستقبلوه والنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يتقدّمهم فقاموا له صفين ، فلمّا أبصر بالنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ترجّل له عن فرسه ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : اركب فإنّ الله ورسوله عنك راضيان ، فبكى أمير المؤمنينعليه‌السلام فرحاً ، فقال له النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : يا عليّ لولا أنّني اشفق أن تقول فيك طوائف من اُمّتي ما قالت النصارى في المسيح عيسى بن مريم ، لقلت فيك اليوم مقالاً لا تمر بملأ من الناس إلاّ أخذوا التراب من تحت قدميك(١) .

وقال أمين الإسلام الطبرسي :

قيل نزلت السورة لمّا بعث النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله علياًعليه‌السلام إلى ذات السلاسل فأوقع بهم ، وذلك بعد أن بعث عليهم مراراً غيره من الصحابة ، فرجع كل منهم إلى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وهو المروي عن أبي عبد اللهعليه‌السلام في حديث طويل قال : وسمّيت هذه الغزوة ذات السلاسل لأنّه أسر منهم وقتل وسبى وشدّ أسراهم في الحبال ، مكتّفين كأنّهم في السلاسل ، ولما نزلت السورة خرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الناس ، فصلّى بهم الغداة وقرأ فيها والعاديات ، فلمّا فرغ من صلاته. قال أصحابه : هذه سورة لم نعرفها. فقال رسول الله : نعم إنّ علياًّ ظفر بأعداء الله ، وبشّرني بذلك جبرئيلعليه‌السلام في هذه الليلة ، فقدم عليّعليه‌السلام بعد أيام بالغنائم والأسارى(٢) .

* * *

__________________

(١) الإرشاد للشيخ المفيد : ص ٨٦ ـ ٨٨ وتفسير فرات : ص ٢٢٢ إلى ٢٢٦ ، وتفسير القمي : ج ٢ ص ٤٣٤ ـ ٤٣٩ مع زيادات في الأخير ، وقد نقل ما جاء فيه من الفضائل في الشرح الحديدي : ج ٩ ص ١٦٨ ومناقب المغازي : ص ٢٣٧ و ٢٣٨ وغيرهما.

(٢) مجمع البيان : ج ١٠ ص ٨٠٢ ـ ٨٠٣ ط بيروت.

٤٢٣

هذا ما رواه جمع من أعلام الشيعة الإماميّة إلاّ أنّ ما يذكره أصحاب السير والمغازي(١) من أهل السنّة يغاير ما حكيناه لك ، وهؤلاء لا يتعرّضون بالذكر بتاتاً إلى دور شخصية الإمام علي بن أبي طالبعليه‌السلام كما لا يذكرون نزول الآيات في تلك المناسبة ، ومع ذلك يختلفون في تحديد موضع الغزوة والقبيلة المحاربة فيه ، فيسمّيه ابن هشام بأرض بني عذرة ، بينما نجد الواقدي في مغازية يشير إليهم بقوله : إنّ جمعاً من بَلِيّ وقضاعة قد تجمّعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومن أراد الوقوف على مضانّها ، فليرجع إلى محالها.

السر في انتصار عليّعليه‌السلام دون من عداه :

إنّ الحنكة والبراعة الحربيّة التي انتهجها أمير المؤمنينعليه‌السلام هي التي كفلت له الانتصار حيث تكمن في الأساليب الحربية التي نستعرضها لك فيما يلي :

١ ـ تغيير مسير الجيش لإيهام العدو بعدم القصد للمباغتة والمهاجمة ، وحتى لا يصل خبرهم إليهم عن طريق أعراب البادية والقبائل المجاورة.

٢ ـ اتّخاذ الليل ستراً وحجاباً عن أعين الجواسيس ، وطلائع المقاتلين ، فقد سار ليلاً واختبأ نهاراً.

٣ ـ المهاجمة ليلاً والمباغتة لهم في عقر دارهم ، وهم غاطّون في سبات الغفلة والنوم.

٤ ـ البأس والحميّة والشجاعة التي أبداها عند الهجوم على مواقعهم حيث لم يترك لهم أي فرصة للمقابلة والدفاع عن أنفسهم ، فلم يكد ينادي المنادي منهم بالاستنفار ، إلاّ وقد كبس القوم برمّتهم ، وسقطوا في أيدي المسلمين.

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٦٢٣ ـ ٦٢٥ ، والمغازي للواقدي : ج ٢ ص ٧٦٩ ـ ٧٧٤.

٤٢٤

وأمّا الآيات النازلة في هذه الواقعة ، فعلى حسب ما نقلناه هي سورة العاديات بأكملها بمناسبة تلك الواقعة وإليك تفسير ما تضمنته.

( وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا *فَالمُورِيَاتِ قَدْحًا *فَالمُغِيرَاتِ صُبْحًا *فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا *فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا *إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ *وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ *أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ *وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ *إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) .

إنّ السياق العام الذي تضمّنته الآيات الشريفة يوحي بأنّ السورة مكّية لكون فواصلها متقاربة ، ولكن المضمون يدل على أنها من السور المدينة ، حيث تتناول الحكاية عن خيل الغزاة ، وقد شرع الجهاد في المدينة.

( وَالْعَادِيَاتِ ) : من العدو وهو الجري بسرعة.

( ضَبْحًا ) : والضبح صوت أنفاس الخيل عند عدوها ، والمعنى لاُقسم بالخيل التي تعدو وهي تضبح.

( فَالمُورِيَاتِ قَدْحًا ) « الايراء » : إخراج ، « القدح » : الضرب. يقال : قَدَحَ فَأورى : إذا أخرج النار بالقدح ، والمراد الشرر المتطاير الذي ينتج من اصطكاك حوافر الخيل إذا عدت فوق الحجارة والأرض المحصبة.

( فَالمُغِيرَاتِ صُبْحًا ) الإغارة : الهجوم على العدو بغتة بالخيل ، فأقسم بالخيل الهاجمة على العدو بغتة في وقت الصبح.

( فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا ) الإثارة : هو تهييج الغبار ونحوه ، والنقع : الغبار ، والمعنى إطارة الغبار من على وجة الأرض.

( فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا ) الوسط والتوسّط : بمعنى واحد ، والضمير المجرور يرجع إلى الصبح ، أو إلى النقع ، والمعنى فصرن في وقت الصبح في وسط الجمع ، والمراد منه كتيبة العدو.

( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) الكنود : الكفور ، والآية كقوله :( إِنَّ الإِنسَانَ

٤٢٥

لَكَفُورٌ ) ( الحج / ٦٦ ) وهو إخبار عمّا في طبع الإنسان من اتبّاع الهوى والإنكباب على عرض الدنيا ، وفيه تعريض للقوم المغار عليهم.

( وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ) : أي انّ الإنسان على كفرانه بأنعم ربّه شاهد فانّ « الإنسان على نفسه بصيرة ».

( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) : أي إنّ الإنسان لأجل حبّ المال لبخيل شحيح.

( أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ *وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ *إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ ) : أي أفلا يعلم الإنسان أنَّ لكفرانه بنعمة ربّه ، تبعة ستلحقه وسيجازى بها إذا اُخرج ما في القبور من الأبدان ، وحصل ما في الصدور من سرائرها ، وانّ ربهم خبير بسرائرهم ، فيجازيهم بما فيها.

بقي في تقسير الآيات بيان نكتتين :

١ ـ ما هو سر الحلف بالعاديات ، فالموريات ، فالمغيرات.

٢ ـ ما هي الصلة بين الحلف بها والجواب عن القسم بقوله :

( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ *وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ *وَإِنَّهُ لِحُبِّ الخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) .

إنّ كثيراً من التفاسير تتضمّن سرّ الحلف بها ، ولم يذكر سرّ الصلة بينهما بل أهمله في جميع الأقسام الواردة في القرآن ، وهو أمر عجيب.

أمّا علّة القسم بالاُمور المذكورة ، فلأنّ الخيل أقوى وسيلة للمقاتل المجاهد في سبيل الله ، فتضفي له طابع القداسة ، لقداسة غايته ، فإنّ كرامة الوسيلة بكرامة ذيها ، وأمّا القسم بضبحها ، والموريات التي تتطاير من حوافر أرجلها ، فلأنّ هذه الحالات المجتمعة في الخيل عند العدو تبعث الرعب والهلع والخوف في نفوس الأعداء ، فتكون بمجموعها من مقوّمات النصر والغلبة ، والظهور على الكفر ، وهنا يكمن السر في تشريفها وتعظيمها ، واستحقاقها لتكون محلاًّ للقسم.

قال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : « الخير كلّه في السيف ، وتحت

٤٢٦

ظلّ السيف ، ولا يقيم الناس إلاّ السيف ، والسيوف مقاليد الجنّة والنار »(١) .

وعنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أيضاً قال : « إنّ أفضل عمل المؤمنين الجهاد في سبيل الله »(٢) .

إلى غير ذلك من الروايات الواردة في شرف الجهاد مضافاً إلى قوله سبحانه :( وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ ) ( الأنفال / ٦٠ ).

هذا برمّته حول سر الحلف بهذه الأشياء ، بقي الحديث عن بيان المناسبة بين القسم بهذه الأشياء والجواب عنها بجملة( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) فنقول : إنّ قوله سبحانه :( لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ *ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ *إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ) ( التين / ٤ ـ ٦ ).

يشهد بأنّ للإنسان قدرة على السمو إلى أعلى درجات الكمال ، وكذلك له قابلية على الإنحطاط إلى أدنى المستويات كما يشهد بهذين الأمرين قوله :( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ ) وقوله :( إِلاَّ الَّذِينَ ) ، وعلى ضوء ذلك ، فالإنسان ربّما يصل عند اتصافه بجملة تلك الملكات السامية إلى درجة يستحق أن يحلف لا به فقط ، بل بخيله وما يطرأ عليه من العوارض المذكورة.

وربّما ينحط عن تلك الرتبة إلى حد يكون فيه جاحداً بكل أنعم ربّه وفضله عليه كما قال سبحانه :( إِنَّ الإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ ) وفي آية اُخرى :( إِنَّ الإِنسَانَ لَكَفُورٌ ) ( الحج / ٦٦ ) وفي آية ثالثة :( إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ) ( إبراهيم / ٣٤ ) وفي آية رابعة :( إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً ) ( الأحزاب / ٧٢ ) وفي نقس تلك السورة :( وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ ) (٣) .

__________________

(١) وسائل الشيعة : ج ٦ ص ٤٥.

(٢) نهج الفصاحة : ص ١٢٠.

(٣) أنّ دراسة الأقسام الواردة في القرآن البالغ عددها قرابة أربعين حلفاً ، من الأبحاث والدراسات الجديرة بالإهتمام ، وقد كتب ابن القيم كتاباً حولها وأسماه « الأقسام في القرآن »

٤٢٧

٧ ـ فتح مكّة

أو

الفتح المبين

إنّ أوّل بيت وضع لعبادة الله وتوحيده وتقديسه ، هو الكعبة بيت الله الحرام ، وقد اندرست آثاره وعفيت رسومه في حادثة الطوفان في زمن نبي الله نوحعليه‌السلام ، ثم بقي على تلك الحال إلى زمن إبراهيمعليه‌السلام ، فأمره عزّ وجلّ بإقامة قواعده وتشييد أركانه ليكون مثابة للناس وأمناً ، قال سبحانه :( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ) ( البقره / ١٢٥ ).

وقد ظلّ البيت الحرام على تلك الوتيرة مدة مديدة من الزمن حتّى تمكّن الشرك من النفوذ إلى نفوس القاطنين في ضواحيه ، وذلك في زمن قصي بن كلاب(١) وعندما بعث النبي الأكرم كانت الأصنام منصوبة وتحيط بالبيت الحرام ، وتعلوها أعلام الكفر والشرك.

__________________

ولكنّه أهمل الجانب المهم منها وهو بيان الصلة بين المقسم به وجوابه. نعم قام ولدي الفاضل المجاهد الشهيد الشيخ أبو القاسم الرزاقيقدس‌سره بهذه المهمة وأقرده بالتأليف باللغة الفارسية وإنّي أرجو أن يقوم أحد البارعين في اللغتين ، بنقله إلى اللغة العربية ، فإنّه خير كتاب في هذا الموضوع وقد طبع بتقديم منّا أيام حياته ، ولقد لقي ربّه مضرّجاً بدمه أثناء الحرب المفروضة على الشعب المسلم في إيران ، وقد اُسقطت طائرته ، فاستشهد هو وقرابة أربعين شخصاً ، بين عالم وكاتب وسياسي محنّك ، حشرهم الله مع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمة المعصومينعليهم‌السلام وقد أحرق الحادث قلبي واراق دموعي.

(١) لاحظ السيرة النبويّة : ج ١ ص ١٣٠ ط بيروت.

٤٢٨

ولما وقع إبرام الصلح بين النبي الأكرم ، وقريش عبدة الأوثان وسدنة الكعبة ، واتّفقوا على أن يتجنّبوا كل ما من شأنه إثارة الحرب بينهما طيلة عشرة أعوام ، لم يكن يتبادر في خلد أحد انّ النبي الأكرم سوف تسنح له الفرصة لفتح ذلك الحصن المنيع للشرك ، ويوقعه في شراك الأسر والذلة والمسكنة.

لكنّه سبحانه عندما رجع رسولهصلى‌الله‌عليه‌وآله من صلح الحديبية عازماً الدخول إلى المدينة وعده بفتحين :

١ ـ الفتح القريب.

٢ ـ الفتح المبين.

أمّا الأوّل فقد أشار إليه بقوله :( وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ) ( الفتح / ١٨ ) وقال :( فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَٰلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا ) ( الفتح / ٢٧ ).

وأمّا الثاني فهو الذي ورد في صدر هذه السورة وقال :( إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا ) .

أمّا الفتح القريب فقد سلف أن ذكرنا انّه فتح خيبر.

أمّا الفتح المبين فهو فتح مكّة ، ولم يكن يعلم أحد من الصحابة المراد من ذلك الفتح المبين ، الذي تنبّأ به الوحي قبل مجيئه ، غير أنّه لم تشارف السنتان على الانقضاء بعد نزول تلك الآية إلاّ وقد ظهرت الخيانة من قريش لبنود ذلك الصلح ، وعندها سنحت الفرصة للنبيصلى‌الله‌عليه‌وآله بعد أنْ تمكّن من بناء جيش قوي له ، أن ينقض أركان الشرك ويهاجمهم في عقر دارهم.

بيانه

قد كان من بنود الصلح : إنّ من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش وعهدهم ، ودخلت خزاعة في عقد رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وعهده.

٤٢٩

فلمّا كانت الهدنة اغتنمها طائفة من بني بكر ، فخرج نوفل بن معاوية في جمع حتى باغت خزاعة وهم على الوتير ، ماء لهم ، فأصابوا منهم رجلاً واقتتلوا وأعانت قريش بني بكر بالسلاح ، وقاتل معهم من قريش مَنْ قاتل ، بالليل مستخفياً حتى ساقوا خزاعة إلى الحرام. فلمّا دخلت خزاعة مكّة لجأوا إلى دار « بديل بن ورقاء » ، ودار مولى لهم يقال له « رافع » ، فلمّا تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة ، وأصابوا منهم ما أصابوا ، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله من العهد والميثاق ، وما استحلّوا من خزاعة ، خرج « عمرو بن سالم » الخزاعي حتى قدم على رسول الله المدينة ، فدخل المسجد فانتصب قائماً وقال :

يا رب إنّي ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

كنت لنا أباً وكنا ولْدا

ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك الله نصراً أبدا

وادع عباد الله يأتوا مددا

هم بيتونا بالوتير هجّدا

وقتلونا ركّعاً وسجّدا

ولما سمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله شعره ، ووقف على صدق مقاله ، قال : نَصَرْتَ يا عمرو بن سالم.

ثم خرج « بديل بن ورقاء » في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة ، فأخبروه بما اُصيب منهم وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم ، ومضى « بديل ابن ورقاء » ، وأصحابه حتى لقوا أبا سفيان بن حرب بعسفان قد بعثته قريش إلى رسول الله ليشد العقد ، ويزيد في المدّة ، فدخل أبو سفيان المدينة ، فدخل على ابنته اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، فلمّا ذهب ليجلس على فراش رسول الله طوته عنه ، فقال : يا بنيّة ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش ، أم رغبت به عني ؟ فقالت : بل هو فراش رسول الله ، وأنت رجل مشرك نجس ، ولم أحب أن تجلس على فراش رسول الله ، ثم خرج حتى أتى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله فكلّمه ، فلم يرد عليه شيئاً ، فتوسّل بجمع من الصحابة أن يشفعوا له عند النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلم يجيبوه فآيس منهم ، فركب بعيره وأقفل راجعاً ، فلمّا قدم على قريش قالوا له :

٤٣٠

ما وراءك ؟ قال : جئت محمداً ، فكلّمته فو الله ما ردّ عليّ شيئاً.

ثم إنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله أعلم الناس بعزمه على المسير لفتح مكة ، ودعاهم لإعداد العدّة لذلك وقال : « اللّهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها ».

كتاب صحابي الى قريش :

لمّا أجمع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله على المسير إلى مكة ، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش ، يخبرهم بالذي أجمع عليه أمر رسول الله ، من السير إليهم ، ثم أعطاه امرأة تدعى سارة(١) وجعل لها أجراً على أن تبلّغه قريشاً ، فجعلته في رأسها ، ثم فتلت عليها قرونها ، ثم خرجت به ، وأتى رسول الله الخبر من السماء بما صنع حاطب ، فبعث علي بن أبي طالب ، والزبير بن العوّام ـ رضي الله عنهما ـ فقال : أدركا امرأة ، قد حملت رسالة حاطب إلى قريش يبلغهم ما أجمعنا عليه ، فخرجا حتى أدركاها بذي الحليفة ، فاستنزلاها ، ففتّشا رحلها ، فلم يجدا شيئاً ، فقال لها علي بن أبي طالب : إنّي أحلف بالله ، ما كذب رسول الله ، وما كذبنا ولتخرجنّ هذا الكتاب أو لنكشفنّك(٢) .

__________________

(١) وسارة مولاة لأبي عمرو بن صيفي بن هشام أتت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله من مكة إلى المدينة بعد بدر بسنتين فقال لها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : أمسلمة جئت ؟ قالت : لا. قال : أمهاجرة جئت ؟ قالت : لا. قال : فما جاء بك ؟ قالت : كنتم الأصل والعشيرة والموالي وقد ذهب موالي واحتجت حاجة شديدة ، فقدمت عليكم لتعطوني وتكسوني وتحملوني. قال : فأين أنت من شبان مكّة ، وكانت مغنيّة نائحة قالت : ما طلب مني بعد وقعة بدر ، فحث رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله عليها بني عبد المطلب ، فكسوها وحملوها وأعطوها نفقة. لاحظ مجمع البيان : ج ٥ ص ٢٦٩.

(٢) وفي مجمع البيان : قال لها : اخرجي الكتاب وإلاّ والله لاضربنّ عنقك. ( مجمع البيان : ج ٥ ص ٢٦٩ ) وهذا هو الأوفق بمقام العصمة.

٤٣١

فلمّا رأت الجد منه قالت : اعرض ، فأعرض ، فحلّت قرون رأسها ، فاستخرجت الكتاب منها ، فدفعته إليه ، فأتى به رسول الله ، فدعى رسول الله حاطباً فقال : يا حاطب ما حملك على هذا ؟ فقال : يا رسول الله : إنّي لمؤمن بالله ورسوله ما غيّرت ولا بدّلت ، ولكنّي كنت امرءاً ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة ، وكان لي بين أظهر هم ولد وأهل ، فصانعتهم عليهم.

فأنزل الله تعالى في حاطب :

١ ـ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُم مِّنَ الحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَن تُؤْمِنُوا بِاللهِ رَبِّكُمْ إِن كُنتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِم بِالمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنتُمْ وَمَن يَفْعَلْهُ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ) .

٢ ـ( إِن يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُم بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ ) .

٣ ـ( لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) .

٤ ـ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ المَصِيرُ ) .

٥ ـ( رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الحَكِيمُ ) .

٦ ـ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ ) .

٧ ـ( عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ

٤٣٢

غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( الممتحنة / ١ ـ ٧ ).

المستفاد من الآيات :

إِنّ الآية الاُولى تمنع المسلمين عن اتّخاذ الكافرين أولياءً لهم ، وتشدّد النكير على التقرب إليهم بالمودّة والمحبّة والإخاء ، إلاّ انّها لم تعن بذلك أن لا تكون هناك صلة على الإطلاق بأي نحو كان مع الكافرين ، بل لا تمنع من عقد علاقات تجارية أو سياسية بشرط أن لا تصل إلى حد المودّة الممنوعة.

نعم لو أصبحت تلك العقود والاتفاقات السياسية والتجارية بشقّيها ، سبباً للاضرار بالمصلحة الخاصة أو العامة للمسلمين ، فلا شك في حرمتهما ، وقضية الأندلس خير شاهد لنا في المقام ، وما ترتب ونجم عن أخطاء حكّامها من مصائب وويلات ، قضت على الدولة الإسلامية برّمتها هناك.

ثم إنّ الآية الثانية تلقي بمزيد من الضوء على ذلك الأمر ، فتوضح لنا انّ الكافرين لو سنحت الفرصة لهم للظفر بالمسلمين ، لأصبحوا لكم أعداءً ، ولامتدت سطوتهم إليكم ولأوقعوا فيكم الإيذاء ، وساموكم سوء العذاب ، ولنتاولوكم بألسنتهم بالشتم والسب ، ولودّوا لكم الرجوع عن دينكم.

والآية الثالثة تفيد انّ الوشائج العرقية إنّما تنفعكم يوم القيامة إذا كان صاحبها موحّد العقيدة والمبدأ كما يشير إليه قوله سبحانه :( لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ ) .

ولمّا كان هناك احتياج وافتقار إلى اُسوة تكون مثالاً يقتدي به المسلمون في مجالي التولّي والتبرّي ممّن كانوا يعيشون معه ، تناول الوحي هذا الأمر بذكر قضية نبي الله إبراهيمعليه‌السلام ومن معه فقد تبرّؤا من الكافرين ، على الرغم من الصلات العرقية والقبلية التي كانت تربطهم بهم ، قال سبحانه :( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤْمِنُوا بِاللهِ وَحْدَهُ ) .

٤٣٣

ثم إنّه سبحانه يستثني في هذه الآية شيئاً وهو :( إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللهِ مِن شَيْءٍ ) .

وعندئذٍ يجري الكلام في التنبيه على ما هو المراد بالمستثنى منه فنقول : قد ورد قبل الاستثناء جملتان والاستثناء يرجع الى واحد منهما وهما عبارة عن.

١ ـ( أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ) .

٢ ـ( إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ) .

وارجاع الاستثناء إلى الجملة الاُولى بعيد عن السياق لأنّ معناه حينئذ : إنّ إبراهيم اُسوة في كل شيء إلاّ في هذا المورد ، وهذا لا يتناسب مع مقام نبوّته ، ومع قوله سبحانه في حقّه :( إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ المُؤْمِنِينَ ) ( آل عمران / ٦٨ ).

فإذا كان إبراهيم أولى بأن يتبعه النبي الأكرم ، فكيف لا يكون اُسوة على الاطلاق.

على أنّ الآيات الكريمة الواردة في استغفار إبراهيم تعرب عن أنّ عدته بالاستغفار لأبيه كان عملاً حسناً وواقعاً في محلّه ، وذلك لأنّه وعده عندما يحتمل انّه سيعود إلى فطرته السليمة ، ويقطع أواصره بالوثنية قال سبحانه :

( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ) ( التوبة / ١١٤ ).

وهذا يعرب عن أنّ الوعد إنّما كان في زمن كان يؤمل فيه منه الصلاح والرشد ، ولذلك لما استولى اليأس ، وفقد الأمل بتحقّق ذلك الأمر ، تبرّأ منه ، وعلى ذلك يتعيّن القول برجوع الاستثناء إلى الجملة التالية لأنّ مفادها انّ إبراهيم ومن كان معه تبرّأوا من جميع من كان يمت إليهم بصلة في قومهم ، مع انّ إبراهيم لم يتبرّأ من أبيه ، ولأجل ذلك جاء بالاستثناء ومعناه : إنّ إبراهيم وأتباعه قالوا لقومهم : إنّا برءآؤا منكم ، إلاّ إبراهيم ، فلم يتبرّأ من أبيه وهذا هو المستفاد من الآيات.

٤٣٤

ثم إنّه سبحانه أعاد حديث الاُسوة لأهمّيته ، وانّه إنّما ينتفع بها المؤمنون أي الذين يرجون ثواب الإيمان بالله سبحانه ، وما وعد الله به المؤمنين في الآخرة ، غير أنّ من رفض حديث الاُسوة ، وتولّى أعداء الله ، فإنّما يضر نفسه والله سبحانه هو الغني ، وقال :( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الْغَنِيُّ الحَمِيدُ ) .

ولمّا نهاهم عن موالاة الكفّار وإلقاء المودّة ، وكان ذلك عزيزاً على نفوسهم لوجود الوشائج القومية بينهم ، وكانوا يتمنّون أن يجدوا المخلص منه ، أردف ذلك سبحانه انّه عسى أن يجعل بينهم ، وبين الذين عادوهم مودّة ، وقد أنجز سبحانه ذلك بفتح مكّة ، فأسلم كثير منهم ، وتم لهم ما كانوا يريدون من التحابّ والتواد.

وإليه يشير قوله سبحانه :( عَسَى اللهُ أَن يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُم مِّنْهُم مَّوَدَّةً وَاللهُ قَدِيرٌ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) .

* * *

المعيار في إبرام المعاهدات مع الكفّار :

لما كان المستفاد من قوله سبحانه في صدر السورة :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ) هو قطع جميع العلائق والأواصر بالكفار ، أعقبها بما يخصص مضمون الآية بالقسم المحارب دون مطلق الكافر بقوله عزّ من قائل :

( لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ ) ( الممتحنة / ٨ ).

( إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَىٰ إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ( الممتحنة ـ ٩ ).

وهاتان الآيتان تتضمّنان الإلفات إلى ما هو الأصل الرصين ، والمحور الرئيسي

٤٣٥

في حدود مشروعية العلاقة مع الدول الخارجية عن إطار دائرة الدولة الإسلامية ، وحصيلة ما يستفاد منهما : إنّ في الكافر أرضية تمهّد السبيل دائماً إليه ، للغدر والخداع والخيانة لعدم وجود رادع نفسي يحول بينه وبين اقتراف ذلك ، والآية الاُولى انطلاقاً من ذلك تحضّ على تجنّب اتّخاذ الكافر وليّاً وحليفاً.

ولكن ربّما يتّصف بعض الكفار بخصائص ، وفضائل إنسانية محدودة تتخلّف معها تلك الظاهرة الغالبة عليهم ، والمتأصّلة في نفوسهم ، وانطلاقاً من ذلك سوّغ الإسلام في حدود معينة عقد روابط وأواصر شكلية معهم سواءً كانت سياسية أم اقتصادية ، ولكن كل ذلك مرهون بتوفّر شرطين :

١ ـ عدم دخولهم أو مشاركتهم في قتال المسلمين.

٢ ـ عدم إخراجهم المسلمين من ديارهم.

وعند ذلك تتوفّر الأرضية الكفيلة بعقد وشائج البر وأواصر القسط وحفظ الحقوق.

وأمّا إذا أظهروا العداء للمسلمين عن طريق مقاتلتهم ، ومحاربتهم وإخراجهم من أوطانهم ، مصرّين على ذلك ، فعندئذ تحرم موالاتهم ، وإسداء البرّ إليهم بأي نحو من الأنحاء.

قال سيد قطب :

نهى سبحانه أشد النهي عن الولاء لمن قاتلوهم في الدين ، وأخرجوهم من ديارهم ، وساعدوهم على إخراجهم ، وحكم على الذين يتولّونهم بأنّهم هم الظالمون ، وهو تهديد يجزع منه المؤمن ، ويتّقى أن يدخل في مدلوله المخيف ، وتلك القاعدة في معاملة غير المسلمين هي أعدل القواعد التي تتّفق مع طبيعة هذا الدين ووجهته ونظرته إلى الحياة الإنسانية ، وهي أساس شريعته الدولية التي تجعل حالة السلم بينه وبين الناس جميعاً هي الحالة الثانية لا بغيرها ، إلاّ وقوع الإعتداء الحربي

٤٣٦

وضرورة ردّه ، أو خوف الخيانة بعد المعاهدة ، وهي تهديد بالاعتداء والوقوف بالقوّة في وجه حرية الدعوة وحرية الاعتقاد ، وهو كذلك اعتداء ، وفيما عدا هذا ، فهي السلم والمودة والبر والعدل للناس(١) .

وعلى ضوء ذلك يستفاد اُمور :

١ ـ إنّ الآيتين الثامنة والتاسعة مقيدتان لإطلاق الآية الاُولى الواردة في صدر السورة حيث تلفت إلى وجود قسمين من الكفّار بين محارب ومهادن موادع ، فالاُولى تحرم موالاته مطلقاً ، والثانية تجوّز بشروط حدّدت ذلك في إطار البرّ وإبداء القسط وبعبارة اُخرى يجب أن ينحصر التولّي في الملامح الظاهرية والوشائج الشكلية ، كالتجارة والروابط السياسية ، ولا يسوغ موآخاتهم في السرّاء والضرّاء ، وعدّهم إخواناً وأحلافاً ، ولا يباح إليهم بالأسرار ، ولا يكاشفونهم بما يضمرونه ، فإنّ ذلك ممّا لا يليق إلاّ بإبدائه للمؤمنين خاصة.

٢ ـ إنّ بعض المفسّرين زعم أنّ قوله سبحانه :( فَاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ ) ( التوبة / ٥ ) ناسخ لمضمون الآية الثامنة المتقدّم ذكرها لأنّه يحكم بقتل المشركين بلاهوادة لا يمكن التوفيق بينه وبين ما دلّ على جواز إبرام العقود معهم :

ولكنّه زعم لا محصّل وراءه لأنّ ما ورد في سورة التوبة يختصّ بالمشرك المحارب بشهادة قوله سبحانه :( أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) ( التوبة / ١٣ ).

وعلى ذلك فلا تنافي بين الآيتين في المضمون لاختلاف موضوعهما.

٣ ـ إنّ لسان قوله سبحانه :( لاَّ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ ) .

__________________

(١) في ظلال القرآن ج ٢٨ ص ٦٦.

٤٣٧

وإن كان لسان رفع الحظر ، ولكنّه لا يدل على أنّ البر والقسط بهم بعقد الأواصر معهم مباح بالمعنى المصطلح أي ما يقابل الواجب والمستحب وغيرهما ، بل المراد هو كون ذلك جائزاً بالمعنى الأعم ، ولا ينافي كونه واجباً في ظروف خاصة ، ومستحبّاً في ظروف اُخرى وهكذا ، وعلى الحاكم الإسلامي أن يتناول أوضاع المسلمين بالدراسة المتفحّصة ، وينتخب ما هو الأوفق بمصلحة الاُمّة الإسلامية حتى لا يفوت عليهم ما هو الأصلح لحالهم ، والأنسب بوضعهم.

وفي خاتمة المطاف نسترعي التفات القارئ الكريم إلى أنّ عمل بعض الدول الإسلامية التي قامت بعقد اتفاقية صلح مع الكيان الصهيوني الغاصب للقدس ، يضاد ما صرّح القرآن الكريم به في الآيتين المتقدّمتين ، والذي يهوّن الخطب انّ هذه الدول إنّما ترفع شعار الإسلام بالاسم فقط دون امتلاك أي رصيد مضموني منه.

* * *

عود على بدء :

ذكرنا أنّ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان قد أعدّ العدّة لغزو قريش في عقر دارها ، والانتقام منها بوازع القصاص منها ، لخيانتها ونقضها لبنود الميثاق الذي أبرمته مع رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فخرج رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، واستخلف على المدينة وذلك لعشر مضين من شهر رمضان ، فصام رسول الله وصام الناس معه ، ولمّا بلغ حد الترخّص أفطر ، وأفطر أغلب من كان معه(١) .

__________________

(١) وقد روى سماعة عن الإمام الصادق انّه سأله عن الصيام في السفر ، قال : لا صيام في السفر قد صام ناس على عهد رسول الله فسمّاهم العصاة فلا صيام في السفر إلاّ الثلاثة أيام التي قال الله عز وجلّ في الحج.

وفي حديث آخر : إنّ رسول الله خرج من المدينة إلى مكّة في شهر رمضان ، ومعه الناس

٤٣٨

ثم مضى حتى نزل ( مَرّ الظهران ) في عشرة آلاف من المسلمين وقد عميت الأخبار عن قريش ، فلم يأتهم خبر عن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، ولا يدرون ما هو فاعل ، وخرج في تلك الليالي أبو سفيان بن حرب ، وحكيم بن حزام ، وبديل بن ورقاء يتحسّسون الأخبار ، وينظرون هل يجدون خبراً أو يسمعون به ، وقد كان العباس بن عبد المطلب قد غادر مكة متوجّهاً إلى المدينة ولقى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ببعض الطريق ( الجحفة ) فاصطحبه.

فلمّا نزل رسول الله ( مرّ الظهران ) ، قال العباس بن عبد المطلب فقلت : واصباحَ قريش ، والله لئن دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه ، انّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر. قال : فركبت بغلة رسول الله البيضاء حتى جئت الأراك فقلت لعلّي : أجد من يخبر قريش بمكان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ليخرجوا إليه ، فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة ، وآنذاك طرق سمعي كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وهما يتراجعان ، وأبو سفيان يقول : ما رأيت كالليلة نيراناً قط ، ولا عسكراً ، قال : يقول « بديل » : هذه والله خزاعة حمشها(١) الحرب ، قال : يقول أبو سفيان : خزاعة أذل وأقل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها ، قال : فعرفت صوته ، فقلت : يا أبا حنظلة ، فعرف صوتي ، فقال : أبو الفضل ؟! قال : قلت نعم. قال : ما لك ؟ فداك أبي واُمّي قال : ويحك يا أباسفيان هذا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله في الناس واصباح قريش.

قال : فما الحيلة ؟ قال قلت : لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك ، فاركب في عجز هذه البغلة حتى آتي بك رسول الله فأستامنه لك.

__________________

وفيهم المشاة ، فلمّا انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشربه وأفطر ، ثمّ أفطر الناس معه وتمّ ناس على صومهم فسمّاهم العصاة ، وإنّما يؤخذ بآخر أمر رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله . لاحظ الوسائل : ج ٧ ، الباب ١ و ١١ من أبواب من يصح فيه الصوم الحديث ١ و ٧.

(١) حمشها أي أحرقتها.

٤٣٩

قال : فدخلت على رسول الله ، وقلت : يا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله إنّي قد آجرته. فقال رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله : اذهب به إلى رحلك ، فاذا أصبحت ائتني به ، فلمّا جاء به إلى رسول الله مصبحاً ، قال له رسول الله : ويحك أبا سفيان ألم يأن لك أن تعلم أنّه لا إله إلاّ الله. قال : بأبي أنت واُمّي يا رسول الله ما أحلمك وأكرمك وأوصلك.

ثم قال العباس بعد كلام دار بين رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وبين أبي سفيان : يا رسول الله إنّ أبا سفيان رجل يحب الفخر فاجعل له شيئاً ، قال : نعم ، من دخل دار أبي سفيان كان آمناً ، ومن أغلق بابه كان آمن ، ومن دخل المسجد فهو آمن ، فلمّا أراد أن ينصرف أبو سفيان ، قال رسول الله : أجلسه بمضيق الوادي حتى تمرّ به جنود الله ويراها.

ثم إنّ أصحاب السيرة ذكروا استعراض جيش رسول الله أمام أبي سفيان(١) .

قال الواقدي : وعبّأ رسول الله أصحابه ومرّت قبائل على قادتها ، والكتائب على راياتها ، فكان أوّل من قدم رسول الله خالد بن الوليد في بني سليم وهم ألف ، ثم مرّ على إثره الزبير ابن العوام في خمسمائة ، ومرّ بنو غفار في ثلاثمائة يحمل رايتهم أبوذر الغفاري ، ثم مضت أسلم في أربعمائة ، ثم مرّت بنو عمرو بن كعب في خمسمائة ، ثم مرّت مزينة في ألف ، ثم مرّت جهينة في ثمانمائة ، ثمّ مرّت بنو ليث وهم مائتان وخمسون ، ثم مرّت أشجع وهم آخر من مرّ في ثلاثمائه.

وكلّما مرّت قبيلة كبروا ثلاثاً عندما حاذوا رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

فلمّا مرّ سعد براية النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله نادى : يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشاً.

__________________

(١) السيرة النبوية : ج ٢ ص ٤٠٠ ـ ٤٠٤.

٤٤٠