إستقصاء الإعتبار الجزء ١

إستقصاء الإعتبار0%

إستقصاء الإعتبار مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف: متون حديثية
ISBN: 964-319-173-7
الصفحات: 501

إستقصاء الإعتبار

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف:

ISBN: 964-319-173-7
الصفحات: 501
المشاهدات: 10802
تحميل: 651


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 501 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 10802 / تحميل: 651
الحجم الحجم الحجم
إستقصاء الإعتبار

إستقصاء الإعتبار الجزء 1

مؤلف:
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
ISBN: 964-319-173-7
العربية

عن أحمد ابن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سُئل عمّا(١) يشرب منه الحمام ، فقال : « كلّ ما أُكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب ».

وممّا(٢) يشرب منه بازي أو صقر أو عقاب ، فقال : « كلّ شي‌ء من الطير(٣) يتوضّأ ممّا يشرب منه إلاّ أنّ ترى في منقاره دماً فإنّ رأيت شيئاً في منقاره فلا تشرب »(٤) .

وسئل عما(٥) يشرب(٦) منه الدجاجة ، فقال : « إن كان في منقارها قذر لم تشرب ولم تتوضّأ منه ، وإن لم تعلم أنّ في منقارها قذراً توضّأ منه واشرب ».

وهذا خبر عام في جواز سؤر كلّ ما يؤكل لحمه من سائر الحيوان ، وأنّ ما لا يؤكل لحمه لا يجوز استعمال سؤره ، وقد بينا أيضاً في كتاب تهذيب الأحكام ما يتعلق بذلك ، واستوفينا فيه الأخبار(٧) .

وما يتضمن هذا الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها مثل البازي والصقر إذا عري منقارها من الدم مخصوص من بين ما لا يؤكل لحمه في جواز استعمال سؤره.

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ و « رض » : الطيور.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : فإن رأيت في منقاره دماً فلا تتوضأ منه ولا تشرب منه.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : عن ماء.

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٥ / ٦٤ : شرب.

(٧) التهذيب ١ : ٢٢٤.

٢٠١

وكذلك ما رواه إسحاق بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام « أنّ أبا جعفرعليه‌السلام كان يقول : لا بأس بسؤر الفأرة إذا شربت من الإناء أن يشرب منه ويتوضّأ منه ».

الوجه فيه أن نخصّه من بين ما لا يؤكل لحمه ، من حيث لا يمكن التحرز من الفأرة ويشق ذلك على الإنسان ، فعفي لأجل ذلك عن سؤره.

السند‌

فيه العدة الذي يروي عنها الحسين بن عبيد الله ، وسيأتي في باب ترتيب الوضوء ذكرها ومن لا ارتياب فيه(١) ، والظاهر اطّرادها.

وفي التهذيب روى بعض هذا الحديث ، والسند : عن الشيخ أيّده الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن أحمد ابن إدريس ؛ ومحمّد بن يحيى ، جميعاً عن محمّد بن أحمد ، عن أحمد بن الحسن بن علي ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار بن موسى ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سئل عمّا يشرب منه الحمام قال : « ما أُكل لحمه يتوضّأ من سؤره ويشرب »(٢) فالسند موثق ، ورواه مرّة ثانية بهذا السند وزاد فيه ما هنا(٣) .

__________________

(١) يأتي في ص ٤٣٨.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٤ / ٦٤٢ وفيه : كل ما يؤكل ، الوسائل ١ : ٢٣٠ أبواب الأسآر ب ٤ ح ٢ ، بتفاوت يسير.

(٣) التهذيب ١ : ٢٢٨ / ٦٦٠.

٢٠٢

المتن :

كما ترى مشتمل على لفظ كلّ ما أُكل ، وفي التهذيب ذكر التوجيه بعد نقل الحديث الذي ذكرناه عنه ، فقال : قوله : « كلّ ما يؤكل لحمه يتوضّأ بسؤره ويشرب » يدل على أنّ ما لا يؤكل لحمه لا يجوز التوضّؤ به والشرب منه ؛ لأنّه إذا شرط في استباحة سورة أنّ يُؤكل لحمه دل على أنّ ما عداه بخلافه ، ويجري هذا مجرى قول النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله « في سائمة الغنم الزكاة »(١) في أنّه يدل على أنّ المعلوفة ليس فيها الزكاة(٢) .

وأنت خبير بأنّ الشيخ لو جعل توجيهه بعد الحديث المتضمن للفظ « كلّ » كان أولى(٣) ، لكن اعتماده على ما ذكره بلفظ « كلّ » اقتضى اكتفاؤه بذلك كما نقله هنا.

وقد اعترض عليه شيخناقدس‌سره في بعض فوائده على الكتاب ، وكذلك شيخنا المحقق ميرزا محمّد أيّده الله بما حاصله : أنّه لو سلّم دلالته على أنّ ما عداه بخلافه ؛ إنّما يدل على أنّ غير المأكول لا يثبت له الحكم كلّياً كما ثبت للمأكول ، ونحن نقول بموجبه ، فإنّ سؤر بعض غير المأكول نجس قطعاً.

وقد سبق إلى هذا العلاّمة في المختلف ، فقال : إذا سلّمنا أنّ المفهوم حجة يكفي في دلالته مخالفة المسكوت عنه للمنطوق في الحكم الثابت‌

__________________

(١) عوالي اللئالي ١ : ٣٩٩.

(٢) التهذيب ١ : ٢٢٤ / ٦٤٢ ، ٦٤٣.

(٣) لا يخفى أنّ الحديث الذي نقله عن التهذيب مشتمل على لفظ كلّ ، فتوجيه الشيخ في محلّه ، والظاهر أنّه كان ساقطاً من نسخة صاحب الاستقصاء.

٢٠٣

للمنطوق ، وهنا الحكم الثابت للمنطوق الوضوء بسؤر ما يُؤكل لحمه والشرب منه ، وهو لا يدل على أنّ كلّ ما لا يؤكل لحمه لا يتوضّأ منه ولا يشرب ، بل جاز انقسامه إلى قسمين(١) . وأطال الكلام والمحصل ما سبق.

واعترض الوالد(٢) قدس‌سره على العلاّمة بما ذكرته في حاشية التهذيب وغيرها ، وذكرت ما قد يتوجه عليه ، نظراً إلى أنّ الظاهر وجاهة الإشكال على الشيخ.

والآن يخطر في البال أنّ كلام الوالدقدس‌سره لا يخلو من وجه ، لأنّ حاصله : أنّ المنطوق هو مأكول اللحم من كل حيوان ، والحكم الثابت له جواز الوضوء من سؤره والشرب ، وغير محل النطق ما انتفى عنه الوصف ، وهو عبارة عن غير المأكول من كل حيوان ، فيدل على انتفاء الحكم كلّياً.

فإنّ قلت : إذا لوحظت الكلّية في المنطوق لا بُدّ أنّ يراد نفيها في المفهوم ، وهو يتحقق بالجزئي.

قلت : إذا نظرنا إلى مفهوم الوصف وحجّيته يكون الغرض المطلوب من الكلام نفي الحكم الثابت لذي الوصف عمّا عداه ، فلا بُدّ أنّ يكون جميع ما عداه منتفياً عنه الحكم ، وإلاّ لما أفاد المفهوم ما هو المطلوب ؛ وذكر الكلّ في المنطوق لا دخل له في مفهوم الوصف ، بل لبيان شمول الأفراد على سبيل التأكيد ، وإلاّ فالعموم يستفاد من جهة أُخرى.

ولو منع مانع استفادته أمكن أنّ يقال : إنّ الكلية في المنطوق استفيدت من لفظ كلّ ، والمفهوم يستفاد كلّيته من انتفاء محل الوصف ، فلو فرض للمفهوم قسمان يقال : إنّ تعين أحد القسمين وهو النفي كلّياً لقرينة‌

__________________

(١) المختلف ١ : ٦٥.

(٢) معالم الفقه : ١٥٣.

٢٠٤

دلالة الوصف على النفي عمّا عداه فلا ينافي القاعدة.

اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : إن مدخليّة الوصف في النفي عمّا عداه ليست من ٠ جهة الوصف لا غير ، بل بالوصف مع ملاحظة ما معه حتى الكلّية ، ومعه لا يتم المطلوب ، والوجه في اعتبار ما معه أنّ الكلام في مفهوم الوصف مع ما يتضمن القضية بشروطها ، ولا ريب أنّ الكلية داخلة.

فإنّ قلت : دلالة الوصف على النفي عمّا عداه لا دخل لها في جميع شرائط القضية.

قلت : بل لا بُدّ من المدخلية ؛ لأنّ الدلالة على نفي الحكم عمّا عداه يقتضي السلب عمّا عدا القضية المحكوم فيها بالإيجاب ، فلا بُدّ من اعتبار القضية إيجاباً وسلباً.

والحاصل : أنّ مفهوم الوصف لا يكون حجة إلاّ مع الدلالة على الحصر ، ومع الحصر لا بُدّ أنّ لا يشارك المنطوق المفهوم في الحكم ، ومع المشاركة تنتفي حجّية المفهوم ، واعتبر هذا بقوله : « في سائمة الغنم زكاة » فإنّه لولا الحصر لما أفاد نفي الحكم عن المعلوفة ، فليتأمّل.

وبهذا قد يترجّح اعتراض الوالدقدس‌سره غير أنّ في البين نوع كلام بعد ، إلاّ أنّ الأمر سهل ؛ فإنّ مفهوم الوصف غير ثابت الحجّية ، كما حررّناه في الأُصول ، وذكرنا ما لا بُدّ منه فيه في حاشية التهذيب في بحث وجوب السورة.

إذا عرفت هذا فما قاله الشيخ هنا ؛ من أنّ ما تضمنه الخبر من جواز سؤر طيور لا يؤكل لحمها مثل البازي والصقر مخصوص من بين ما لا يؤكل لحمه ؛ لا يخفى أنّه غير مطابق للنص ؛ لأنّ مقتضاه أنّ كلّ شي‌ء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه ، وإنّما ذكر الصقر والبازي في كلام السائل ،

٢٠٥

والاعتبار بعموم الجواب لا بخصوص السؤال ، ولعل المراد بقول الشيخ مثل البازي والصقر المثليّة في كونه غير مأكول.

وأمّا رواية إسحاق بن عمار : فهي مرسلة هنا ، وفي التهذيب في باب زيادات الطهارة(١) ، وقد سمعت فيما سبق الأخبار الدالة على سؤر السنّور والسباع ، بل ظاهر رواية أبي العباس أنّه لم يترك شيئاً إلاّ سأل عنه(٢) .

وأنت خبير بأنّ كلام الشيخ هنا في تخصيص الفأرة : لأنّها لا يمكن التحرز عنها ؛ يمكن أنّ يقال مثله في السنّور.

أمّا السباع وغيرها المستفاد من الخبر المذكور سابقاً فالتخصيص إن وجد فيه فلا وجه لاقتصار الشيخ على ما ذكره ، وإن لم يخصص فالمعارضة موجودة ، وهذا الكتاب موضوع للجمع بين الأخبار ، وما ذكرناه من المهم في ذلك عند العامل بالجميع كالشيخ ، ومن لا يعمل إلاّ بالصحيح فهو في راحة من مشقّة الجمع في المقام.

قوله :

باب ما ليس له نفس سائلة

يقع في الماء فيموت فيه‌

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمّد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : سئل عن الخنفساء والذباب‌

__________________

(١) التهذيب ١ : ٤١٩ / ١٣٢٣ ، الوسائل ١ : ٢٣٩ أبواب الأسآر ب ٩ ح ٢.

(٢) راجع ص ١٥٤.

٢٠٦

والجراد والنملة وما أشبه ذلك تموت في البئر والزيت والسمن وشبهه ، قال : « كل ما ليس له دم فلا بأس »(١) .

وبهذا الإسناد عن محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر ، عن أبيه ، عن حفص بن غياث ، عن جعفر بن محمّدعليه‌السلام قال : « لا يفسد الماء إلاّ ما كانت له نفس سائلة ».

أخبرني الشيخ أبو عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان قال ، قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « كل شي‌ء يسقط في البئر ليس له دم مثل العقارب والخنافس وأشباه ذلك فلا بأس ».

السند‌

أمّا الأوّل : فهو من الموثق كما تكرر القول فيه(٢) .

وأمّا الثاني : فأبو جعفر فيه هو أحمد بن محمّد بن عيسى ، وحاله مشهور ، إمّا أبوه محمّد بن عيسى فغير موثق ، وحفص بن غياث عامي على ما قاله الشيخ في الفهرست(٣) وكتاب الرجال(٤) ، والنجاشي لم يذكر كونه عاميا ولا مدحه(٥) .

وأمّا الثالث : فحال رجاله قد تكرر القول فيها بما يغني عن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٦ / ٦٦ زيادة : به.

(٢) راجع ص ٦٣ و ٩١ و ٩٣.

(٣) الفهرست : ٦١ / ٢٣٢.

(٤) رجال الطوسي : ١٧٥ / ١٧٦.

(٥) رجال النجاشي : ١٣٤ / ٣٤٦.

٢٠٧

الإعادة(١) .

أمّا رواية ابن مسكان وهو عبد الله عن أبي عبد اللهعليه‌السلام بغير واسطة ، فهي تنافي ما قيل من أنّه لم يسمع من أبي عبد اللهعليه‌السلام إلاّ حديث : من أدرك المشعر(٢) ، لكن الحديث كما ترى غير صحيح ، بل وذلك القول محل كلام.

المتن :

في الجميع ظاهر في أنّ ما لا نفس له ينجّس الماء ، والأخبار وإن لم تكن صحيحة ، إلاّ أنّ الأصل معها مؤيّد قوي.

وفي المنتهى : اتّفق علماؤنا على أنّ ما لا نفس له سائله من الحيوانات لا ينجس بالموت ، ولا يؤثّر في نجاسة ما يلاقيه(٣) .

وفي المعتبر : أنّ عدم نجاسة ما هذا شأنه وانتفاء التنجيس به مذهب علمائنا أجمع(٤) .

وحكى الوالدقدس‌سره عن الشيخ في النهاية أنّه قال : كلّ ما ليس له نفس سائلة من الأموات فإنّه لا ينجّس الثوب ولا البدن ولا الشراب إذا وقع فيه ، سوى الوزغ والعقرب(٥) .

وقد علمت ممّا تقدم نقل العلاّمة الاحتجاج لنجاسة العقرب والجواب عنه(٦) .

__________________

(١) راجع ص ٤٠ ، ٤١ ، ٦٩ ، ١١٧ ، ١٦٢.

(٢) رجال الكشّي ٢ : ٦٨٠.

(٣) المنتهى ١ : ٢٨.

(٤) المعتبر ١ : ١٠١.

(٥) معالم الفقه : ٢٣٣ ، وهو في النهاية : ٦.

(٦) راجع ص ١٦٧ ١٦٨.

٢٠٨

أمّا الوزغ فقد تقدم الخبر الدال على أنّه لا يُنتفع بما يقع فيه ، وحمل الشيخ له على الكراهة(١) .

وفي المعتبر : ما يتولّد في النجاسات كدود الحش وصراصره ففي نجاسته تردّد ، ووجه النجاسة أنّها كائنة عن النجاسة ، فتبقى عليها ، ووجه الطهارة الأحاديث الدالة على طهارة ما مات فيه حيوان لا نفس له من غير تفصيل ؛ وترك التفصيل دليل إرادة الإطلاق ؛ ولأنّ تولّده في النجاسة معلوم ، أمّا منها فغير معلوم ، فلا يحكم بنجاسته ، وإن لاقى النجاسة إذا خلا من عينها(٢) . انتهى.

ولقائل أنّ يقول : إنّ ظاهر الكلام ينافي ما قرروه من أنّ استحالة الصورة النوعية من المطهّرات ؛ فإنّ الاستحالة في ما نحن فيه أظهر الأفراد ، إلاّ أنّ الذي صرّح به المحقق في المعتبر على ما نقله عنه أبي(٣) عدم طهارة الخنزير وشبهه إذا وقع في المملحة وصار ملحاً ، وكذلك العذرة إذا وقعت في البئر واستحالت حمأة(٤) .

وخصوص هذه المذكورات لا وجه له ، وحينئذٍ لا يتوجه على المحقق شي‌ء.

نعم ذهب جماعة كالمحقق الشيخ فخر الدين(٥) ، والشهيد(٦) ، وجدّي(٧) قدّس سرهم إلى أنّ الاستحالة مطهّرة ؛ واختار ذلك والديقدس‌سره ـ

__________________

(١) راجع ص ١٨٢.

(٢) المعتبر ١ : ١٠٢.

(٣) معالم الفقه : ٤٠٧ ، وهو في المعتبر ١ : ٤٥١.

(٤) الحمأة : طين أسود ، المصباح المنير : ١٥٣.

(٥) إيضاح الفوائد ١ : ٣١.

(٦) الذكرى ١ : ١٣٠ ، والدروس ١ : ١٢٥.

(٧) انظر الروضة ١ : ٦٧ وروض الجنان : ١٧٠.

٢٠٩

مستدلاً بأنّ الحكم بالنجاسة منوط بالاسم فيزول بزواله(١) .

وقد ينظر في هذا : بأنّ الاسم إذا تحققت الطهارة بزواله يشكل ، بأنه يقتضي طهارة كثير من الأشياء وإن لم تحصل الاستحالة ، والأمر لا يخلو من إشكال.

وإرادة زوال الصورة النوعية من الاسم على تقديرها يوجب تطهير متغيّر الصورة وإن لم يستحل ، ولا أظنّ القائلين يلتزمون ذلك.

وقد احتجّ المحقق(٢) والعلاّمة(٣) على القول بعدم الطهارة : بأنّ ( النجاسة قائمة بالأجزاء لا بالأوصاف ، ولا تزول بتغيّر الأوصاف.

وأُجيب : بأنّ قيام )(٤) النجاسة بالأجزاء مسلّم ، لكن لا مطلقاً ، بل بشرط الوصف ؛ لأنّه المتبادر من تعليق الحكم بالاسم ، والمعهود في الأحكام الشرعية ، ولا ريب في انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه(٥) .

والوالدقدس‌سره ذكر هذا الجواب أيضاً(٦) .

ولا يخلو من تأمّل في نظري القاصر ؛ لأنّ اشتراط الوصف يقتضي بمجرد زواله الطهارة ، وقد سمعت القول فيه.

ومن العجيب أنّ الوالد(٧) قدس‌سره ارتضى كلام المحقق في الحيوان المتولّد في النجس ، والحال أنّ مذهبه الطهارة بالاستحالة.

__________________

(١) معالم الفقه : ٤٠٧.

(٢) المعتبر ١ : ٤٥١.

(٣) المنتهى ١ : ١٧٩.

(٤) ما بين القوسين ليس في « فض ».

(٥) انظر إيضاح الفوائد ١ : ٣١.

(٦) معالم الفقه : ٤٠٨.

(٧) معالم الفقه : ٤٠٧.

٢١٠

وجواب المحقق ؛ حيث ذكر فيه : أنّ الحيوان تولد في النجاسة لا منها(١) ؛ لا يوافق كلام الوالدقدس‌سره في الاستحالة ، ولعلّهقدس‌سره رأى أن الاستحالة لا يخلو فتح بابها من الإشكال ، فالاستدلال بغيرها أنسب وإن قال بها(٢) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الأخبار المبحوث عنها في الأخير منها حكم البئر خاصة ، والمفهوم من الشرط فيه وإن اقتضى حصول البأس في ذي الدم ، إلاّ أنّ حمله على ما لا ينافي غير عَسِر.

واحتمال اختصاص البئر لكونه جارياً بعدم تأثّره فلا وجه لذكره هنا ؛ لا يخلو من وجه ، إلاّ أنّ الظاهر من الشيخ إرادة كون البئر مساوياً للماء القليل غير الجاري ، كما سيأتي في الخبر المنافي.

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن عثمان بن عيسى ، عن سماعة ، عن أبي بصير ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : سألته عن الخنفساء تقع في الماء أيتوضّأ منه؟ قال : « نعم لا بأس به » قلت : فالعقرب؟ قال : « أرقه ».

فالوجه في هذا الخبر فيما يتعلق(٣) بإراقة ما يقع فيه العقرب أن نحمله على الاستحباب دون الحظر والإيجاب.

وأمّا ما رواه محمّد بن أحمد بن يحيى ، عن محمّد بن‌

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٠٢.

(٢) في « رض » : قيل بها ، وفي « فض » : قاربها.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٧ زيادة : بالأمر.

٢١١

عبد الحميد ، عن يونس بن يعقوب ، عن منهال قال ، قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : العقرب تخرج من البئر ميتة ، قال : « استق عشر دلاء » قال ، قلت : فغيرها من الجيف ، قال : « الجيف كلّها سواء إلاّ جيفة قد أُجيفت ، فإنّ كانت جيفة قد أُجيفت فاستق منها مائة دلو ، فإن غلب عليه الريح بعد مائة دلو فانزحها كلّها ».

فالوجه في هذا الخبر(١) ضرب من الاستحباب دون الإيجاب.

السند‌

في الحديث الأوّل تقدّم ما يغني عن بيانه(٢) .

وأمّا الثاني : ففيه محمّد بن عبد الحميد ، والظاهر أنّه ابن سالم العطّار ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن أبي عبد الله البرقي في الفهرست(٣) ، وعبد الله بن جعفر الحميري في النجاشي(٤) ، ومرتبة محمّد بن أحمد بن يحيى تناسبه.

وفي رجال الشيخ : محمّد بن عبد الحميد فيمن لم يرو عن أحد من الأئمّةعليهم‌السلام روى عنه ابن الوليد(٥) ، ولا يخفى بُعد إرادته هنا.

ثمّ إنّ محمّد بن عبد الحميد اتّفق في النجاشي أنّه قال : محمّد بن عبد الحميد بن سالم العطار أبو جعفر ، روى عبد الحميد عن أبي الحسن موسىعليه‌السلام وكان ثقة من أصحابنا الكوفيين(٦) .

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٧ / ٧٠ زيادة : أيضاً.

(٢) راجع ص ٧٠ و ٦٩ ، ٧٠ ، ١٠٨ ، ٧٢ و ٨٣ و ١٢٥.

(٣) الفهرست : ١٥٣ / ٦٧٥.

(٤) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.

(٥) رجال الطوسي : ٤٩٢ / ٦.

(٦) رجال النجاشي : ٣٣٩ / ٩٠٦.

٢١٢

فظن جدّيقدس‌سره أنّ الموثق الأب(١) ، وأراه لا يخلو من بُعد ؛ لأن العنوان لمحمّد وذكر الأب بالعارض ، فمن المستبعد توثيق الأب ، إلاّ أنّ الأمر لا يخلو من اشتباه.

وفي الخلاصة نقل [ في(٢) ] عبد الحميد ما هذه صورته : روى عن موسى وكان ثقة(٣) .

وكأنّه أخذه من النجاشي ظنّاً بأنّ الموثق الأب ، والذي رأيناه في النجاشي في عبد الحميد من دون توثيق.

وأمّا يونس بن يعقوب : فقد كان فطحياً ورجع ، وهو ثقة ، ذكر ذلك النجاشي(٤) . والتوقف في روايته واضح الوجه ، لعدم العلم بزمن الرواية.

وأمّا منهال : فهو مشترك في الرجال بين من لا يزيد على الإهمال(٥) .

المتن :

في الأوّل : على تقدير العمل بالخبر محمول كما ذكره الشيخ على الاستحباب ، لكن لا لمعارضة الخبر المذكور في هذا الباب ؛ لتضمن الخبر حكم العقرب إذا وقعت في البئر ، ويجوز أنّ يكون للبئر حكم يغاير غيره من الماء الذي لا يكون له مادة لينافيه الخبر المبحوث عنه ، بل لِما تقدم من الخبر في الباب المتقدم الدال على أنّه يسكب من الماء ثلاث مرّات ثم‌

__________________

(١) قال به في فوائده على خلاصة العلاّمة على ما حكاه عنه في تنقيح المقال ٣ : ١٣٦.

(٢) بدل ما بين المعقوفين في النسخ : عن ، والظاهر ما أثبتناه.

(٣) خلاصة العلاّمة : ١١٦ / ٣.

(٤) رجال النجاشي : ٤٤٦ / ١٢٠٧.

(٥) رجال الطوسي : ٣١٣ / ٥٣٧ ٥٤٠.

٢١٣

يشرب منه(١) ، مع احتمال أنّ يقال بالتخيير بين الإراقة والسكب ثلاث مرّات.

وما قد يقال : إنّ الأخبار الدالة على أنّ ما ليس له دم لا بأس به تتناول العقرب ، فيحتاج الحمل على الاستحباب في العقرب لذلك.

يمكن الجواب عنه بجواز تخصيص ذلك وتقييده ، مع احتمال أن يراد بنفي البأس عدم النجاسة وعدم التحريم ، فلا يتم المعارضة ، وفي هذا نظر ( ولا يخفى أنّ الجمع فرع العمل بالأخبار )(٢) .

وأمّا الثاني : فما ذكره الشيخ فيه من الحمل على الاستحباب لا بأس به بالنسبة إلى غير الشيخ ، أمّا هو على ما يظهر منه من وجوب النزح تعبّداً فلا مانع له من أنّ يحمل الخبر المتضمن لنفي البأس على عدم النجاسة ، والأمر بالنزح على الوجوب تعبّداً ، أو بزوال النفرة من السم عند غير الشيخ مع الاحتمال المتقدم ؛ إلاّ أنّ في مذهب الشيخ بالنسبة إلى النزح نوع خفاء ، كما سنبينه إن شاء الله(٣) .

أمّا ما تضمنه الخبر من قوله : « جيفة قد أُجيفت » فالمراد به ميتة قد أنتنت ، والحمل على الاستحباب في بعض الحديث والوجوب في بعض محل إشكال.

وقولهعليه‌السلام : « فإنّ غلب الريح بعد مائة دلو فانزحها كلّها » لا يخلو من إجمال لا يتمّ بيانه إلاّ في باب نزح المتغيّر من الآبار.

فإنّ قلت : ظاهر الخبر في الجيفة الشمول للطاهرة كجيفة ما لا نفس‌

__________________

(١) راجع ص ١٨٢.

(٢) ما بين القوسين ليس في « فض » و « د ».

(٣) يأتي في ص ٢٣١.

٢١٤

له ، والوجوب فيها لا يخلو من إشكال ، بل الاستحباب له وجه ، فلعل الخبر محمول عليها بخصوصها ، فيتم الاستحباب.

قلت : لا يخفى عدم تماميّة هذا ، بل الظاهر أنّ المراد من الجيفة غير العقرب وما ماثلها ممّا ليس له نفس سائلة ، غاية الأمر أنّ الحديث على نحو بعض الأخبار الواردة في البئر ، من دخوله في حيّز الإجمال ، والله تعالى أعلم بالحال.

قوله :

بَاب المَاء المستعمل‌

أخبرني الشيخ أبو عبد الله رحمه‌الله عن أبي القاسم جعفر بن محمّد بن قولويه ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن الحسن بن علي ، عن أحمد بن هلال ، عن الحسن بن محبوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « لا بأس بأنّ يتوضّأ بالماء المستعمل » وقال : « الماء الذي يغسل به الثوب ، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أنّ يتوضّأ منه وأشباهه ، وأمّا الذي يتوضّأ به الرجل فيغسل به وجهه ويده في شي‌ء نظيف فلا بأس أنّ يأخذه غيره ويتوضّأ به ».

السند‌

فيه محمّد بن قولويه وقد تقدم القول فيه(١) ، والحسن بن علي : يحتمل أنّ يكون ابن النعمان ؛ لأنّ الراوي عنه في النجاشي(٢) الصفار ، وهو‌

__________________

(١) في ص ١١١.

(٢) رجال النجاشي : ٤٠ / ٨١.

٢١٥

في مرتبة سعد ، وهذا الاحتمال لا يفيد الجزم الذي يعوّل عليه.

واحتمال ابن فضال بعيد ؛ لأنّ الراوي عنه أحمد بن محمّد بن عيسى في الرجال(١) ، وكذلك الوشاء الراوي عنه من ذكر ، وعلى كل حال بعد وجود أحمد بن هلال الذي ذمّه الشيخ(٢) رحمه‌الله غاية الذم لا ثمرة في تحقيق الحسن بن علي.

والحسن بن محبوب وابن سنان حالهما غنيّة عن البيان.

المتن :

ظاهره جواز الوضوء بالماء المستعمل ، سواء كان مستعملاً في الكبرى أو الصغرى.

وقولهعليه‌السلام في آخر الحديث : « فأمّا الذي يتوضّأ به الرجل » إلى آخره ، الظاهر أنّ المراد به غسل الوجه واليدين ، لا الوضوء الشرعي ، واحتمال إرادة الوضوء الشرعي لا يضر بالحال ، إلاّ من جهة التخصيص بوضوء غير الغاسل وجهه ويده ، ومقتضى الأوّل جواز الاستعمال مطلقاً ، إلاّ أنّ الإجماع قد ادّعي في المنتهى(٣) والمعتبر(٤) ، على أنّ المستعمل في رفع الأصغر طاهر مطهِّر ، من غير فرق بين الذي رفع به الحدث وغيره ، مؤيّداً بأنّ الاستعمال لا يخرج الماء عن الإطلاق.

وهذا الذي ذكرناه في الخبر على تقدير العمل به ، وعلى هذا التقدير‌

__________________

(١) رجال النجاشي : ٣٤ / ٧٢ والفهرست : ٤٨.

(٢) الفهرست : ٣٦ / ٣٤.

(٣) المنتهى ١ : ٢٢.

(٤) المعتبر ١ : ٨٥.

٢١٦

فيه تخصيص ، لجواز الوضوء بالمستعمل ، أمّا الغُسل بالمستعمل في الوضوء فظاهر النص لا يدلّ عليه.

وقولهعليه‌السلام : « الماء الذي يغسل به الثوب » إلى آخره ، لا يخلو من إجمال ، فإنّ ضمّ ما يغسل به الثوب إلى ما يغتسل به من الجنابة يقتضي المشاركة في الحكم ، والحال أنّ ما يغسل به الثوب فيه خلاف في النجاسة وعدمها ، ولم أعلم القول بأنّه يصير مستعملاً ، وكذلك القول بأنّ المستعمل في الجنابة نجس ، فإنّ كانت المشاركة في كون الماءين مستعملان فالحال ما سمعت ، وكذلك إن كانا نجسين ، فالاستدلال على المطلوب من عدم جواز استعمال المستعمل في رفع الأكبر بالحديث لا يخلو من غرابة.

مضافاً إلى اختصاصه بالوضوء من الرافع للجنابة ، والمدعى أعم.

وبالجملة فالحديث لا يصلح للاستدلال سنداً ومتناً.

فإنّ قلت : قوله : « وأشباهه » ما المراد به؟

قلت : هو أيضاً في حيّز الإجمال ؛ إذ يحتمل أنّ يراد أشباه غسل الجنابة من الأغسال المفروضات ، بل ربما يدّعى ظهوره من حيث إنّ « وأشباهه » مرفوعة عطفاً على الماء.

ويحتمل الجرّ فيه ، عطفاً على الضمير المجرور ، لكنه مرجوح عند بعض ، والمعنى كالأوّل.

ويحتمل أنّ يكون عطفاً على فاعل يجوز ، والمعنى يجوز أنّ يتوضأ ويجوز أشباه الوضوء ، ويراد المشابهة في الاستعمال لغسل بعض الأعضاء.

وبُعد هذا واضح ، وبه قد يرتفع الإجمال من هذه الجهة.

نعم في الفعل أعني يتوضّأ احتمالان : البناء للمجهول والمعلوم ، ومع الاحتمال نوع إشكال.

٢١٧

وقد استدل على المنع بصحيح محمّد بن مسلم ، عن أحدهما قال : سألته عن ماء الحمام ، فقال : « ادخله بإزار ، ولا تغتسل من ماء آخر إلاّ أن يكون فيه جنب أو يكثر أهله فلا تدري فيهم جنب أم لا »(١) .

واعترض الوالدقدس‌سره على الاستدلال بالرواية بأنّها غير واضحة الدلالة ؛ لتضمنها عدم استعمال ماء الحمام إذا كثر الناس فيه ، ولم يعلم هل فيهم جنب أم لا ، والاتفاق واقع على أنّ الشك في حصول المقتضي غير موجب للمنع ، فتكون الرواية مصروفة عن ظاهرها ، مراداً بها مرجوحيّة الاستعمال ، ولا ريب أنّ استعمال غير المستعمل أولى ، انتهى(٢) .

ولقائل أنّ يقول : إنّ الشك في حصول المقتضي إن أُريد به مقتضي المنع فمسلّم ، إلاّ أنّ الشرط إذا تحقق من الشارع ، وهو كون الماء المغتسل به غير مستعمل ، فلا بُدّ من حصوله في جواز الاغتسال ، والمفروض ذلك ، والشك في مقتضي المنع لا ينفع.

وإن أُريد بالمقتضي غير ذلك فغير معلوم ، والاتّفاق المذكور في المقام محل كلام ، بل التصريح واقع في الاستدلال بالرواية.

اللهُمَّ إلاّ أنّ يقال : إن المفهوم من الشارع جواز الاغتسال بكلّ ماء إلاّ إذا علم استعماله ، وظاهر الرواية خلافه ، فكيف ترد الرواية لغير المطلوب؟

نعم في الرواية ما يدل على عدم اللزوم ، وهو النهي عن الغُسل من ماء آخر ، فإنّه لا يناسب التحريم.

وفي الخبر أبحاث كثيرة ذكرناها في محل آخر ، ولعل في هذا القدر كفاية.

__________________

(١) التهذيب ١ : ٣٧٩ / ١١٧٥ ، الوسائل ١ : ١٤٩ أبواب الماء المطلق ب ٧ ح ٥.

(٢) معالم الفقه : ١٣٣.

٢١٨

قوله :

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، قال : حدثني صاحب لي ثقة أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق ، فيريد أنّ يغتسل ، وليس معه إناء ، والماء في وهدة(١) ، فإنّ هو اغتسل(٢) رجع غسله في الماء ، كيف يصنع؟ قال : « ينضح بكفّ بين يديه ، وكفّاً(٣) من خلفه ، وكفّاً عن يمينه ، وكفّاً عن شماله ثم يغتسل ».

فلا ينافي الخبر الأول ؛ لأنه يجوز أنّ يكون المراد بالغسل هاهنا غير غسل الجنابة من الأغسال المسنونات ؛ لأنّ الذي لا يجوز استعمال ما(٤) اغتسل به إذا كان الغسل للجنابة فأمّا إذا كان مسنوناً فذلك يجري مجرى الوضوء.

ويجوز أنّ يكون هذا مختصاً(٥) بمن ليس على بدنه شي‌ء من النجاسة ؛ لأنّه لو كان هناك نجاسة لنجس الماء ولم يجز استعماله على حال.

السند‌

قد تقدم الكلام فيه بما يغني عن الإعادة(٦) .

__________________

(١) الوهدة : بالفتح فالسكون : المخفض من الأرض مجمع البحرين ٣ : ١٦٧ ( وهد ).

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٢ زيادة : به.

(٣) في الاستبصار ١ : ٢٨ / ٧٢ : وكف.

(٤) في الاستبصار ١ : ٢٨ : ماء.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٨ زيادة : بحال الاضطرار ، ولا بُدّ أيضاً أنّ يكون مختصاً.

(٦) راجع ص ٧١ و ١١٧ ، ١٦٢ و ١٩٦.

٢١٩

وقول ابن مسكان : حدثني صاحب لي ثقة ، لا يفيد شيئاً بعد ضعف الطريق ، وعلى تقدير الصحة أيضاً ؛ فإنّ الثقة إذا لم يعلم اسمه ليبحث عنه من وجود الجارح وعدمه ( لا يثبت به صحّة الحديث ، كما حرّر )(١) في الأُصول(٢) .

فإنّ قلت : ما تقرّر في الأُصول لا يخلو من إشكال ؛ لأنّ توقف التوثيق على انتفاء الجرح يقتضي أنّ يكون توثيق أصحاب الرجال إنّما يعتبر إذا لم يعارضه الجرح المعتبر ، والحال أنّ الاستدلال على قبول توثيق الرجال هو قوله تعالى( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ ) (٣) الآية ؛ فإنّ مفهوم الشرط عدم التثبّت عند خبر العدل ، فالتوقف على انتفاء الجرح يقتضي تخصيص الدليل ، وموجبه غير معلوم.

ولو سلّم فانتفاء الجرح في الرجال لا يعلم الآن إلاّ من مراجعة الكشّي ، وهو لا يخلو من تصحيف ، وضعف أسانيده أكثر من صحتها ، وغيره ليس بموجود ليعتمد عليه ، فلو وقف التعديل على انتفاء الجرح لزم عدم قبول التعديل غالباً ، والتزامه واضح الإشكال.

قلت : أمّا ما ذكرت من جهة الآية فالأمر سهل ، من حيث إمكان التخصيص ، على أنّ المفهوم من الآية قبول العدل ، والعلم به لا يتحقق إلاّ مع انتفاء الجرح.

إلاّ أنّ يقال : إنّ الفرق حاصل بين من ثبتت عدالته بقول العدل كأصحاب الرجال ، وبين من علمت بالمعاشرة.

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « رض » : لا يفيد قول الغير ثبوته ، كما صرّح.

(٢) انظر معالم الأُصول : ٢١٤ ٢١٦.

(٣) الحجرات : ٦.

٢٢٠