إستقصاء الإعتبار الجزء ٢

إستقصاء الإعتبار0%

إستقصاء الإعتبار مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف: متون حديثية
ISBN: 964-319-174-5
الصفحات: 469

إستقصاء الإعتبار

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
تصنيف:

ISBN: 964-319-174-5
الصفحات: 469
المشاهدات: 9915
تحميل: 506


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 469 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 9915 / تحميل: 506
الحجم الحجم الحجم
إستقصاء الإعتبار

إستقصاء الإعتبار الجزء 2

مؤلف:
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث
ISBN: 964-319-174-5
العربية

لأنّ غاية ما يستفاد منها عدم إعادة الغَسل مع البول لا وجوب البول.

وربما احتمل الاستدلال للوجوب بخبر أحمد بن محمد السابق نقله عن الشيخ في التهذيب ، حيث قال فيه : سألت أبا الحسنعليه‌السلام عن غسل الجنابة ، فقال : « تغسل يدك اليمنى من المرفق(١) إلى أصابعك ، وتبول إن قدرت على البول »(٢) فإنّ الجملة الخبرية بمعنى الأمر في هذه المواضع.

وفيه : أنّ الظاهر جريان الجملتين على وَتيرة واحدة ، كما كرّرنا القول فيه ، ولمّا كان غَسل اليد مستحباً فالبول مثله.

وما عساه يقال : إنّ الغَسل إذا خرج بالإجماع لا يلزم خروج ما فيه الخلاف ، فجوابه : استبعاد اختلاف الجمل.

ولزوم الإشكال بوجوب بعض مقتضيات الخبر ، فلا يتم التوجيه. يمكن الجواب عنه : بأنّ العدول إلى الأمر بقوله : « ثم اغسل ما أصابك منه ، وأفض الماء(٣) على رأسك » قرينة على استحباب ما قبله.

وقد يشكل : بأنّ تسليم كون الجملة الخبرية بمعنى الأمر يقتضي أن لا فرق بين الأمر وما يقوم مقامه.

وما قاله بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله في جواب الاعتراض بأنّ دلالة الجملة الخبرية في المقامات الطلبيّة على الوجوب ممّا لا ينبغي التوقف فيه : من أنّ قول علماء المعاني في العدول عن الطلبية إلى الإخبارية لشدّة الاهتمام ليس منحصراً في ذلك ، بل له أسباب أُخر(٤) .

__________________

(١) في التهذيب ١ : ١٣١ / ٣٦٣ : المرفقين.

(٢) في ص ٢١٢ ٢١٣.

(٣) ليست في التهذيب.

(٤) الحبل المتين : ٤٠.

٢٤١

لا يخلو من وجه ، غير أنّا لو سلّمنا إرادة الاهتمام بالنحو الذي ذكروه ، فالدلالة على الوجوب معارضة بما قدمناه ، وحينئذ يحمل على الطلب الاستحبابي للمعارض ، كما يقع بالأمر.

فإن قلت : الأمر يدل على الاستحباب ، فلا بد للعدول عنه من أمر زائد عنه.

قلت : يحتمل تأكد الاستحباب.

وما تضمنه الخبر المبحوث عنه من حكم المرأة لا يخلو من إجمال ، فإنّ حصر ما يخرج منها في ماء الرجل ( لا يوافقه الوجدان في بعض الأحيان )(١) إلاّ أنّ يقال : إن الحديث يراد منه حال الاشتباه ، ( وقولهعليه‌السلام إنّما هو حال الاشتباه ، وفيه ما فيه ، والإمامعليه‌السلام أعلم بالحال إن صح الخبر )(٢) .

__________________

(١) بدل ما بين القوسين في « د » : واضح الإشكال.

(٢) بدل ما بين القوسين في « د » :

والوجه فيه : أنّ ظاهر السؤال عن الرجل المجنب والمرأة المجنبة بالاحتلام في كل منهما ، لقول السائل ، قلت : فما الفرق ، إلى آخره ، فإنّ السؤال من الفرق بين المرأة والرجل إذا كانت جنابة الرجل بالاحتلام وجنابة المرأة بالجماع من دونه لا وجه [ له ] للظهور ، أمّا على تقدير الاتحاد في الجنابة فيمكن توجه الجواب بأن العلم بكون الماء من ماء المرأة مع تحقق ماء الرجل أيضا غير حاصل ، ومع الاشتباه لا يعاد الغسل ، لكن التعبير بقوله عليه‌السلام . إنّما هو إلى آخره خفي المرام ، ولا يبعد أن يقال إن المرأة لا يخرج [ ماؤها ] إلا دفعة واحدة فالخارج بعد إنّما هو ماء الرجل فلا استبراء فلا إعادة للغسل. ويحتمل أن يستفاد من الخبر نفي الاستبراء ، وما يقتضيه كلام المفيد من الاستبراء على المرأة لم نقف على [ ما ] يفيده صريحا ، والشيخ [ استدل ] له في التهذيب بالخبر المبحوث عنه ونحوه خبر آخر ، وفي الظن إمكان أن يقال : إن ظاهر الخبر سقوط الاستبراء لكون الماء من ماء

٢٤٢

وظاهر الخبر أيضاً أنّ خروج شي‌ء هو المقتضي للغُسل إذا لم يبل ، سواء تحقق كونه منياً ، أو علم عدمه ، أو اشتبه الحال ، وفي عبارات كثير من العلماء التعبير بالبلل المشتبه(١) .

والحديث الثاني : تضمن البلل ، والقول فيه كالأول.

وكذلك الثالث : إلاّ أنّ ما تضمنه من أنّه لو بال لا يعيد غسله ولكن يتوضّأ ويستنجي ، يدل على نجاسة الخارج ، وربما يحصل التوقف في ذلك عند من لا يعمل بالموثق ، من حيث عدم معلومية كون الماء من النجاسات.

وفي كلام بعض المتأخرين : أنّ البلل المشتبه والمعلوم كونه ليس بولاً ولا غيره لا نزاع فيه ، كما لا نزاع في أنّه لو علم أنّه بول أو مني يجب الوضوء أو الغسل ، وأمّا إيجاب الغسل على تقدير الاشتباه بالمني ، فهو المذكور في أكثر الكتب ، وعليه يدل بعض الأخبار بالمفهوم ، والبعض بالتصريح ، ولكنه معارض ببعض الأخبار ، والأصل ينفيه ، وكذلك الأخبار التي دلت على أنّ اليقين لا ينقضه الشك ، وحصر الموجب في بعض الأخبار ، فحمل الأخبار على ما هو غالب الظن أنّه مني أولى ، لترجيح الظاهر على الأصل ، مع احتمال الاستحباب ، سيما مع [ عدم ] الظن الغالب(٢) . انتهى.

__________________

الرجل ولو كان من ماء المرأة ففيها الاستبراء وحينئذ يدل على مطلوب الشيخ في الجملة بحيث يخرج كلامه عن الغرابة ، وقد يمكن الدخل فيه باحتمال ما قدمناه من أن المرأة لا تمني بعد والجواب لا بد فيه من مثل هذا إذ لولاه لم يطابق السؤال ، إلا أن يقال : إن السؤال عن المرأة في قول وعدم الإنزال منها ، وفيه ما فيه.

(١) منهم الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٤٣.

(٢) مجمع الفائدة ١ : ١٣٨ ، وما بين المعقوفين.

٢٤٣

وأنت تعلم أنّ الأخبار المعتبرة لا دلالة فيها على المشتبه ، والحمل عليه كما ذكره جماعة من المتأخّرين(١) ، محل بحث ، إلاّ أن يقال : إنّ الأخبار متناولة للمشتبه والمحقَّق ، ولمّا خرج المحقَّق بقي المشتبه ، وفيه كلام من حيث ما قاله المذكور كلامه ، فإنّه متوجه لولا أنّ ظاهر الأخبار يفيد خلافه ، وبالجملة فالمقام لا يخلو من إشكال ، والله تعالى أعلم بالحال.

والخبر الرابع : كما ترى ظاهره إعادة الصلاة الواقعة بين رؤية البلل والغسل ، إلاّ أنّ جماعة من المتأخّرين قالوا بعدم إعادة الصلاة ، لأنّ هذا حدث جديد(٢) ، وحمل بعض الأصحاب الحديث على الاستحباب ، أو على من صلّى بعد وجدان البلل(٣) ، وفيه : أنّه احتمال بعيد من الرواية ، والاستحباب لا بد له من موجب مع ظهور الرواية ، وكون البلل حدثا جديدا محل كلام.

ونقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب القول بوجوب إعادتها(٤) . وفي الذكرى : لعل مستنده الحديث المتقدم عن محمد ، ويمكن حمله على الاستحباب ـ إلى أن قال ـ : وربما يخيل فساد الغسل الأوّل ، لأنّ المني باق بحاله في مخرجه لا في مقرّه ، كما قال بعض العامة ، وهو خيال ضعيف ، لأن المتعبد به هو الغسل ممّا خرج لا ممّا بقي ، ولهذا لو حبسه لم يجب الغسل إلاّ بعد خروجه عندنا وعند أكثرهم(٥) . انتهى.

__________________

(١) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٩٣ ، والأردبيلي في مجمع الفائدة ١ : ١٣٨ ، وصاحب المدارك ١ : ٣٠٤.

(٢) منهم المحقق في المعتبر ١ : ١٩٣ ، والشهيد في الذكرى ٢ : ٢٣٦ ، والشيخ البهائي في الحبل المتين : ٤٤.

(٣) كالشهيد في الذكرى ٢ : ٢٣٦.

(٤) السرائر ١ : ١٢٣.

(٥) الذكرى ٢ : ٢٣٦.

٢٤٤

ولقائل أن يقول : إنّ الموجب إذا كان حدثاً جديداً موجباً للغسل لم يتحقق شريطة المني الموجب للغسل وقد قرّروا ذلك في الغسل ، إلاّ أن يقال : إن الشرط في أوّل الخروج ، ولا يخفى أنّ الأمر سهل ، ولعلّ التعلق بالرواية أولى ، والمعارض غير واضح ، فليتأمّل.

فإن قلت : قوله في الرواية : قال محمد. هل هو متعلق بما سبق؟ فيكون السند واحداً في الخبرين ، وهو صحيح ، أم هو مرسل؟

قلت : الظاهر أنّ السند الأوّل لتمام الخبر(١) ، والاحتمال قائم ، ومحمد هو ابن مسلم على ما يظن ، والله تعالى أعلم بالحال.

ثم الحديث دلالته على وجوب الوضوء من مجرد البول يتناول الاستبراء وعدمه ، ولعلّه مقيد بما سبق من الأخبار الدالة على أنّ البلل بعد الاستبراء من البول لا يؤثّر شيئاً ، إلاّ أن يقال : إنّ تلك الأخبار في غير المجنب ، وغير بعيد أن يكون إطلاق الاستبراء بعد البول يتناول الجنب ، وفي البين كلام يعرف بالنظر فيما سبق من الأخبار.

قال :

فأمّا ما رواه سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد ، عن عبد الله ابن محمد الحجال(٢) ، عن ثعلبة بن ميمون ، عن عبد الله بن هلال ، قال : سألت أبا عبد الله عليه‌السلام ، عن الرجل يجامع أهله ، ثم يغتسل قبل أن يبول ، ثم يخرج منه شي‌ء بعد الغسل ، فقال : « لا شي‌ء عليه ، إنّ ذلك ممّا وضعه الله عنه ».

__________________

(١) في « فض » و « د » زيادة : الأخير.

(٢) كذا في النسخ والتهذيب ١ : ١٤٥ / ٤١١ ، وفي الاستبصار ١ : ١١٩ / ٤٠٤ : الحجاج.

٢٤٥

عنه ، عن موسى بن الحسن ، عن محمد بن عبد الحميد ، عن أبي جميلة المفضل بن صالح ، عن زيد الشحام ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : سألته عن رجل أجنب ، ثم اغتسل قبل أن يبول ، ثم رأى شيئاً ، قال : « لا يعيد الغسل ليس ذلك الذي رأى شيئاً ».

فالوجه في هذين الخبرين أحد شيئين ، أحدهما : أن يكون الغاسل قد اجتهد في البول فلم يتأتّ له ، فحينئذ لم يلزمه إعادة الغسل ، والثاني : أن يكون ذلك مختصاً بمن فعل ذلك ناسيا.

والذي يدل على ذلك :

ما أخبرني(١) به الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن علي بن محبوب ، عن علي بن السندي ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن دراج قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الرجل تصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتى يغتسل ، ثم يرى بعد الغسل شيئا ، أيغتسل أيضاً؟ قال : « لا قد ( تعصّرت ونزل )(٢) من الحبائل ».

وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن محمد بن عيسى ، عن أحمد بن هلال ، قال : سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول ، فكتب : « إنّ الغسل بعد البول ، إلاّ أن يكون ناسياً فلا يعيد منه الغسل ».

فجاء هذا الخبر مفسِّرا للأحاديث كلّها بالوجه الذي ذكرناه من أنّه يختص ذلك بمن تركه ناسياً ؛ فأمّا ما يتضمن خبر سماعة ومحمد بن‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٢٠ / ٤٠٦ : ما أخبرنا.

(٢) في « فض » : تقصرت ، وفي « رض » : تعصّرت وأنزلت.

٢٤٦

مسلم ، من ذكر إعادة الوضوء ، فمحمول على الاستحباب ، ويجوز أن يكون المراد بما خرج بعد البول والغسل ما ينقض الوضوء [ فحينئذ يجب عليه الوضوء ولأجل ذلك قال عليه‌السلام ] (١) : « عليه الوضوء والاستنجاء » في حديث سماعة ، وذلك لا يكون إلاّ فيما ينقض الوضوء.

السند‌

في الأول : عبد الله بن هلال ، وهو مجهول الحال.

والثاني : فيه أبو جميلة ، وحاله بالضعف لا يخفى ، وتقدم أيضاً قول في بقية الرجال.

والثالث : فيه علي بن السندي ، وقد ذكرنا القول فيه(٢) .

وفي فوائد شيخنا أيّده الله على الكتاب : وإن كان هذا يعني علي ابن السندي هو علي بن إسماعيل على ما وصل إلينا من نسخ الكشي ، وقد وثّقه نصر بن الصباح ، فإنّ توثيقه لا يعتمد عليه ، على أنّ العلاّمة نقله علي بن السري ، وهو يوجب نوع وهن ، كما لا يخفى. انتهى.

والرابع : فيه أحمد بن هلال ، والشيخ قد ضعفه(٣)

المتن :

في الخبر الأوّل : لو صحّ سنده أمكن حمله على سقوط الوجوب ،

__________________

(١) بدل ما بين المعقوفين في النسخ هكذا : ولأجل قال ، والصواب ما أثبتناه من الاستبصار ١ : ١٢٠ / ٤٠٧.

(٢) راجع ج ١ ص ٣٣١ وج ٢ ص ١٦٧ ، ١٦٩.

(٣) الفهرست : ٣٦ / ٩٧.

٢٤٧

وتحمل الأخبار الأولة على الاستحباب ، كما سلفت إليه إشارة من كلام البعض ، إلاّ أنّ السند قد علمته ، ومع الأخبار السابقة الشهرة ، وإن كان فيها كلام ، غير أنّ الأمر سهل.

وقد يمكن أن يراد من الحديث أنّه لا شي‌ء عليه في عدم البول من الإثم ، وإن كان الغسل لا بد من إعادته ، إلاّ أنّ ظاهر الخبر يأباه ، وأن الاحتمال واسع الباب.

وأما الثاني : فلا مجال للحمل فيه إلاّ على ما تكلّفه الشيخ ، وفيه ما تعلمه ، أما الوجه الأوّل من وجهي الشيخ : فقد ذكر شيخناقدس‌سره في فوائده على الكتاب أنّه لا دليل عليه.

وشيخنا أيّده الله يفهم من بعض فوائده إمكان التوجيه له ، بأنّ الاستبراء بالبول إذا وجب فمع العمد يخالف المأمور به ، ومع النسيان يعذر.

وهذا الوجه ذكره أيّده الله في مقام الردّ على شيخناقدس‌سره حيث قال في بعض الفوائد : التوجيه الثاني من وجهي الشيخ بأنّ السؤال فيها وإن وقع عن حكم الناسي ، إلاّ أنّ التعليل المستفاد من الجواب من قوله : « قد تعصّرت ونزل من الحبائل » يقتضي عدم الفرق بينه وبين غيره.

واعتراض شيخنا أيّده الله كما ترى يقتضي الفرق ، وقد يقال : إنّه لا ينحصر في النسيان ، لأن عدم التكليف يتحقق في الجاهل أيضا ، بناءً على عدم تكليفه. ولعلّ شيخنا أيّده الله أراد توجيه كلام الشيخ ، ولعلّ(١) الشيخ يقول بالتكليف في غير الناسي ، ومقام التوجيه واسع ، غير أنّه قد‌

__________________

(١) ليست في « د ».

٢٤٨

يستفاد منه ما أشرنا إليه من توجيه الوجه الأول ، وهو عدم القدرة على البول ، فإنّه لا ريب أنّ وجوب البول فرع القدرة ، وكأنّ الشيخ ناظر في حمل الأخبار إلى هذا في الوجه الأول ، فليتأمّل.

فإن قلت : على تقدير التقصير وعدم جواز الغسل تنتفي الإعادة مع عدم البول حال كونه غير ناس وغير متعذر منه ، وسواء وجد بللاً أم لا فما وجه ذكر الشيخ وجود البلل مع النسيان؟

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ الشيخ مشى مع الأخبار ، فلا يبعد وقوفه على مضمونها ، من أنّ الإعادة مع وجود البلل ، غير أن مقتضى قوله بوجوب البول ، لزوم الإعادة من دونه مطلقا ، والله أعلم بالحال.

ويبقى الكلام هنا أنّ شيخنا أيّده الله قال في أول الفائدة : الوجه الأوّل لا دليل عليه ، كما قال شيخناقدس‌سره فربما ينكر علينا في أنّا استخرجنا من كلامه توجيهاً يصلح دليلاً له ، والحال أنّه نفاه ، ولعلّ مراده لا دليل عليه من الأخبار والاعتبارات الصالحة ، وإن كان ما قلناه لا يخلو من وجه.

ونقل في توجيهه : أنّه إذا اجتهد واخترط ولم يتأتّ له البول كان الظاهر عدم بقاء شي‌ء في المجرى ، كما في البول ، وأنّ التكليف بأكثر من ذلك كالحرج ، وأنّ القائل بخلافه غير ظاهر ، وأنت خبير بما في الوجوه من التكلّف.

وما تضمنه خبر جميل من قوله : « قد تعصرت » إلى آخره ، لم أفهم معناه ، ولا قول شيخناقدس‌سره إنّه متناول للناسي وغيره(١) ، فإن كان المراد أن نزول المني إلى الخارج يقتضي عدم بقاء شي‌ء منه ، فالكلام لا يساعد‌

__________________

(١) مدارك الأحكام ١ : ٣٠٦.

٢٤٩

عليه ، وإن كان المراد أنّ السائل نسي البول ، ولكنه استبرأ ، فهو خلاف ظاهر الرواية ، فلا ينبغي الغفلة عن ذلك.

وما قد يقال : من أنّ الرواية إنّما تضمنت حكم النسيان من كلام السائل فلا اعتبار فيه. يمكن توجيهه بأنّ ظاهر إقرار الإمامعليه‌السلام يفيد المطلوب ، وفيه ما فيه.

وبالجملة : فالأخبار مع اختلال(١) الأسانيد غير تامّة المعاني ، والأخبار المعتبرة قد سمعت القول فيها.

وينبغي أن يعلم أنّ في البين أُموراً :

الأول : صريح كلام الشيخ هنا وفي التهذيب القول بالنسيان(٢) ، وبين المتأخّرين ليس هذا مذكوراً في الأقسام ، ولا أدري الوجه فيه.

الثاني : المعروف بين الأصحاب ونقل ابن إدريس فيه الإجماع على ما حكي(٣) عنه ، أنّ من ترك البول والاستبراء يعيد الغسل ، والأخبار الدالّة على ذلك قد سمعتها.

وفي الفقيه بعد أن أورد الخبر المتضمن لإعادة الغسل قال : وروى في حديث آخر : « إن كان قد رأى بللاً ولم يكن بال فليتوضّأ ولا يغتسل » قال مصنف الكتاب : إعادة الغسل أصل ، والخبر الثاني رخصة(٤) .

واستعمال الصدوق للرخصة في كتابه كثير ، أمّا معناها فلا يخلو من إجمال ، كما نبّهنا عليه في حاشيته ، وإرادة المعنى الأُصولي بعيدة من‌

__________________

(١) في « رض » : اختلاف.

(٢) التهذيب ١ : ١٤٥.

(٣) السرائر ١ : ١٢٢ ، وحكاه عنه في الذكرى ٢ : ٢٣٤.

(٤) الفقيه ١ : ٤٧ / ١٨٧ ، الوسائل ٢ : ٢٥٠ أبواب الجنابة ب ٣٦ ح ١ ، ٢.

٢٥٠

كلامه ، على أنّ الخبر الثاني لا يخفى حاله.

الثالث : في كلام المحقق في بعض كتبه ما يعطي عدم إعادة الغسل لو حصل أحد الأمرين ، من البول أو الاستبراء ، سواء كان البول ممكناً أم لا(١) . وقد يستبعد ذلك مع إطلاق الأخبار ، ويقربه النظر فيما أسلفناه بعين الاعتبار.

الرابع : ما قاله الشيخ أخيراً : من أنّ خبر محمد بن مسلم الدال على إعادة الوضوء محمول على الاستحباب. يدل على أنّه فهم من الرواية حصول البول والاستبراء ، وقد علمت أنّ خبر سماعة تضمن الاستنجاء ، فلا يتم ما فهمه الشيخ إلاّ بتكلّف.

نعم : رواية محمد ربما كان ظاهرها ما قاله الشيخ أخيراً في الحمل على خروج ما ينقض الوضوء ، ولعلّ مراده به عدم الاستبراء ، فإنّ ذلك يوجب نقض ما خرج للوضوء ، إلاّ أنّ عبارة الشيخ لا تخلو من حزازة ، وربما ظهر منها أنّ مفاد الروايات مع الاشتباه ، وقد سبق منا نوع كلام لا ينبغي الغفلة عنه.

ولشيخناقدس‌سره هنا كلام في المدارك ، ذكرنا ما فيه في موضع آخر ، وحاصله : أنّه اعتمد في وجوب الوضوء إذا حصل البول من دون الاستبراء ثم وجد البلل على صحيح محمد المذكور هنا ، ومفهوم حسنة حفص بن البختري : في الرجل يبول : « ينتره ثلاثاً ، ثم إن [ سال ](٢) حتى يبلغ الساق فلا يبالي »(٣) .

__________________

(١) المعتبر ١ : ١٩٤.

(٢) في النسخ : بال ، وما أثبتناه من المدارك ١ : ٣٠٦.

(٣) التهذيب ١ : ٢٧ / ٧٠ ، الوسائل ١ : ٢٨٣ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ٣.

٢٥١

ثم قال :قدس‌سره ولا ينافي ذلك ما رواه عبد الله بن [ أبي ] يعفور في الصحيح ، أنّه سأل أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل بال ثم توضّأ وقام إلى الصلاة فوجد بللاً ، قال : « لا شي‌ء عليه ولا يتوضّأ »(١) لأنّ هذه الرواية مطلقة وأخبارنا(٢) مفصلة ، والمفصل يحكّم على المطلق(٣) . انتهى.

وأنت خبير بأن الإطلاق والتقييد ليس على الإطلاق ، والتناول للبول بعد الجنابة محل كلام ، ورواية محمد غير صريحة ، فليتأمّل.

قال :

باب مقدار الماء الذي يجزئ في غسل الجنابة والوضوء‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن ابن سنان ، عن ابن مسكان ، عن أبي بصير ، قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن الوضوء ، فقال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتوضّأ بمُدٍّ ويغتسل بصاع ».

وبهذا الإسناد ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يتوضّأ بمُدّ ويغتسل بصاع ، والمُدّ رطل ونصف ، والصاع ستة أرطال ».

أخبرني الحسين بن عبيد الله ، عن أحمد بن محمد بن يحيى ، عن أبيه ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن علي بن محمد ، عن سليمان بن حفص المروزي ، وأخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ٣٨ / ١٤٧ ، الوسائل ١ : ٢٨٢ أبواب نواقض الوضوء ب ١٣ ح ١.

(٢) في المدارك : والرواية السابقة.

(٣) مدارك الأحكام ١ : ٣٠٦.

٢٥٢

محمد ، عن أبيه ، عن الصفار ، عن موسى بن عمر ، عن سليمان بن حفص المروزي قال : قال أبو الحسنعليه‌السلام « الغسل بصاع من ماء ، والوضوء بمدٍّ من ماء ، وصاع النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله خمسة أمداد ، والمد مائتان وثمانون درهما ، والدرهم ستة دوانيق ، والدانق وزن ستّ حبّات ، والحبّة وزن حبّتي شعير من أوساط الحب ، لا من صغاره ولا من كباره ».

وبهذا الاسناد ، عن محمد بن أحمد بن يحيى ، عن أبي جعفر عن أبيه ، عن زرعة ، عن سماعة ، قال : سألته عن الذي يجزئ من الماء للغسل فقال : « اغتسل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بصاع وتوضّأ من مدٍّ(١) ، وكان الصاع على عهده خمسة أمداد ، وكان المدّ قدر رطل وثلاث أواق ».

قولهعليه‌السلام في هذا الخبر : « الصاع خمسة أمداد » وتفسير المدّ برطل وثلاث أواق مطابق للخبر الذي رواه زرارة ، لأنّه فسّر المدّ برطل ونصف ، فالصاع يكون ستة أرطال ، وذلك مطابق لهذا المقدار (٢) ، فأمّا تفسير سليمان المروزي المدّ بمأتين وثمانين درهماً فمطابق للخبرين ، لأنّه يكون مقداره ستة أرطال بالمدني ، ويكون قوله عليه‌السلام : « خمسة أمداد » وهماً من الراوي ، لأنّ المشهور من هذه الرواية أربعة أمداد ، ويجوز أن يكون ذلك إخباراً عما كان يفعله النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله إذا شارك في الاغتسال بعض أزواجه ، يدل على ذلك‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ١٢١ / ٤١١ : بمد.

(٢) في الاستبصار ١ : ١٢١ / ٤١١ القدر.

٢٥٣

ما رواه محمد(١) بن يحيى ، عن محمد بن الحسين(٢) ، عن صفوان ، عن العلاء ، عن محمد بن مسلم ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : سألته عن وقت(٣) غسل الجنابة كم يجزئ من الماء؟ قال : « كان رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله يغتسل بخمسة أمداد بينه وبين صاحبته ، ويغتسلان جميعاً من إناء واحد ».

الحسين بن سعيد ، عن النضر ، عن محمد بن أبي حمزة ، عن معاوية بن عمار ، قال : سمعت أبا عبد اللهعليه‌السلام يقول : « كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يغتسل بصاع ، وإذا كان معه بعض نسائه يغتسل بصاع ومدّ ».

السند‌

في الأول : فيه ابن سنان ، وهو محمد على الظاهر ، كما قدمنا القول فيه(٤) ، وأبو بصير تكرّر أيضا(٥) .

والثاني : لا ارتياب فيه.

والثالث : علي بن محمد الواقع فيه لا يخلو من اشتباه ، وفي التهذيب رواية علي بن محمد عن رجل(٦) ، وأمّا سليمان بن حفص فهو مجهول الحال ، وموسى بن عمر لا يبعد أن يكون ابن بزيع الثقة ، إلاّ أن باب الاحتمال فيه متّسع ، وتحقيق الحال فيه هنا خال عن الفائدة.

__________________

(١) في نسخة من الإستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٢ زيادة : بن أحمد.

(٢) في « رض » : الحسن.

(٣) يقال لكلّ شي‌ء محدود : موقّت ، مجمع البحرين ٢ : ٢٢٨ ( وقت ).

(٤) راجع ج ١ ص ١١٧ ١١٨.

(٥) راجع ج ١ ص ٧٢ ، ٨٣ ، ٣٤٥ وج ٢ ص ٩٠ ٩٤.

(٦) التهذيب ١ : ١٣٦ / ٣٧٤.

٢٥٤

والرابع : فيه محمد بن عيسى الأشعري المعبّر عنه بقوله : عن أبيه ، لأن أبا جعفر هو أحمد ( بن محمد )(١) بن عيسى ، وعلى ما يظهر من الرجال أنّ محمّداً لا يزيد على(٢) أنّ له شأناً في الجملة(٣) ، أمّا كونه ثقة فلا ، وتصحيح العلاّمة بعض الطرق الذي هو فيها(٤) محل كلام كررنا فيه القول ، وعلى ظاهر قواعدهم عدّ الحديث من الموثق.

وأما الخامس : فواضح الطريق.

والسادس : كذلك على ما قدمنا فيه القول بالنسبة إلى محمد بن أبي حمزة(٥) .

المتن :

في الأول ظاهر ، وربما دل لفظ كان على المداومة ، كما صرّح به ابن الأثير في أحكام الأحكام ، حيث قال بعد رواية مثل هذا : عندهم يقال : كان يفعل كذا ، إذا تكرر منه فعله وكان عادته ، وقد يستعمل لإفادة مجرد الفعل ووقوعه من دون الدلالة على

التكرار ، والأوّل أكثر في الاستعمال. انتهى.

والخبر الثاني : كالأوّل ، وذكر بعض محقّقي المعاصرين سلّمه الله أنّ في كلام بعض العامة أنّ معنى الحديث أنّهصلى‌الله‌عليه‌وآله كان يتوضّأ بمدّ من ذلك الصاع ، فيكون اغتساله بثلاثة أمداد ، وفساده ظاهر(٦) ، انتهى. والمذكور في‌

__________________

(١) ما بين القوسين ليس في « رض ».

(٢) في « فض » زيادة : إهمال.

(٣) رجال النجاشي : ٣٣٨ / ٩٠٥.

(٤) المختلف ١ : ٢٦٢.

(٥) راجع ج ١ ص ١٤٠ ١٤١.

(٦) حكاه الشيخ البهائي في الحبل المتين : ٤٤.

٢٥٥

كلام من رأينا كلامه من الأصحاب ، استحباب أن يكون الوضوء بمدّ والغسل بصاع(١) .

وما تضمنه حديث زرارة من أنّ الصاع أربعة أمداد وأنّ المدّ رطل ونصف ، فيكون الصاع ستة أرطال بالمدني ، على ما قاله الشيخرحمه‌الله في غير هذا الكتاب ، وسيأتي ما لا بدّ منه في الفطرة إن شاء الله.

وأمّا خبر المروزي ، فلا يخفى منافاته لما تقدم من الأخبار وللمشهور بين من رأينا كلامه ، من كون الدانق ست حبّات ،(٢) إلى آخره ، إذ المنقول أنّه ثماني حبات(٣) ، وفي المنتهى في بحث الفطرة : الصاع أربعة أمداد ، والمدّ رطلان وربع بالعراقي ، وهو مائتان واثنان وتسعون(٤) درهماً ونصف ، والدرهم ستة دوانيق ، والدانق ثماني(٥) حبات من أوسط حبات الشعير ، يكون مقدار الصاع تسعة أرطال بالعراقي ، وستة بالمدني ، ذهب إليه علماؤنا أجمع(٦) (٧) .

وما قاله الشيخ في التوجيه واضح في عدم التمامية ، وفي فوائد شيخناقدس‌سره على الكتاب على قوله : وتفسير المدّ برطل وثلاثة أواق مطابق للخبر. فيه نظر ، فإنّ المدّ إذا كان رطلاً وثلاث أواق تكون الخمسة أمداد خمسة أرطال وخمسة عشر أوقية ، وذلك لا يطابق التقدير‌

__________________

(١) المنتهى ١ : ٨٦ ، المدارك ١ : ٣٠٢.

(٢) بيان لحاصل خبر المروزي.

(٣) كما في السرائر ١ : ٤٦٩.

(٤) في المنتهى : وسبعون.

(٥) في المنتهى : ثمانون.

(٦) ليست في المنتهى.

(٧) المنتهى ١ : ٥٣٧.

٢٥٦

بستة أرطال ، إلاّ إذا كانت الخمسة عشر أوقية رطلاً ، وهو بعيد. انتهى.

وأنت خبير بأنّ الخمسة عشر أوقية إذا كانت رطلاً ، فإمّا أن تكون الأرطال كلها كذلك ، أو بعضها خمسة عشر ، والباقي اثنى عشر أوقية ، فإن كان الأول : احتمل جمع ما قاله الشيخ ، وإن كان الثاني : فلا معنى لاختلاف الرطل ، ولا يبعد أن يكون مراد الشيخ أنّ الثلاث الأواق الزائدة لا تضر بحال المطلوب إرادته من الستة الأرطال ، إذ هي يسيرة ، وغير هذا لا يمكن إرادته كما لا يخفى.

نعم : يتوجه على الشيخ ما في الرواية من الإشكالات غير هذا ، كما أشرنا إلى بعضها ، ومنها تفسير المدّ في خبر زرارة برطل ونصف ، وهنا مفسّر برطل وثلاث أواق ، وما قاله الشيخ : من أنّ تفسير سليمان المدّ بمأتين وثمانين ، إلى آخره ، قد اعترض عليه شيخناقدس‌سره بأنّ المطابقة غير متحققة ، فإن المدّ إذا كان وزن مائتين وثمانين درهماً ، تكون الأربعة أمداد ألفاً ومائة وعشرين ، وذلك ينقص عن وزن ستة أرطال المدينة بخمسين درهما. والأمر كما قاله ، ويزيد أنّ ما قاله الشيخ : إنّ لفظ خمسة أمداد وقعت وهماً من الراوي. يضر بحال ما تقدم من الشيخ ، كما يعرف بأيسر نظر.

وبالجملة : فالكلام في الرواية لا يخلو من اختلال ، والشيخ قد مشى على مسلك الراوي ، والله تعالى أعلم بالحال.

وأمّا الاحتمال الأخير الذي ذكره الشيخ ففي غاية البعد ، إلاّ أنّه قابل للتوجيه ، والخبران المستدل بهما لا يدلاّن على أن المدّ لها ، والصاع لهصلى‌الله‌عليه‌وآله .

نعم روى الشيخ في زيادات الصلاة من التهذيب ، عن الحسين بن سعيد ، عن حماد ، عن حريز ، عن زرارة ومحمد بن مسلم وأبي بصير ،

٢٥٧

عن أبي جعفر وأبي عبد الله ، أنّهما قالا : « توضّأ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله بمدّ(١) واغتسل بصاع » ثم قال : « اغتسل هو وزوجته بخمسة أمداد من إناء واحد » قال زرارة : فقلت : كيف صنع؟ قال : « بدأ هو فضرب بيده في الماء قبلها وأنقى فرجه ، ثم ضربت فأنقت فرجها ، ثم أفاض هو وأفاضت هي على نفسها حتى فرغا ، وكان الذي اغتسل به رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله ثلاثة أمداد ، والذي اغتسلت به مدّين ، وإنّما أجزأ عنهما لأنّهما اشتركا جميعا ، ومن انفرد بالغسل وحده فلا بد له من صاع »(٢) .

وهذه الرواية لولا أنّي أشم منها رائحة التقية من حيث ذكر الوضوء أوّلا وذكر غير ذلك أيضا ، لكانت دالّة على أنّ مع المشاركة يزول استحباب الصاع.

ثم فيها دلالة على أُمور أُخر ، منها : جواز المستعمل من الغير في الغسل في الجملة ، فينفى به بعض أقوال الأصحاب.

ومنها : حصول إنقاء الفرج بشي‌ء من الماء ، بل قد يستفاد منها الاكتفاء في غسل المني مرّة واحدة.

وما قاله في المنتهى من أنّ التقدير لم يحصل بعد الاغتسال بل قبله ، وذلك يستلزم إدخال ما غسل الفرجين في المقدار(٣) . لا يخلو من غرابة ، فإنّ ظاهر النص سقوط المقدار بالاجتماع ، اللهم إلاّ أن يريد(٤) مطلق المقدار من الصاع وغيره ، وفيه : أنّ الخبر ظاهر في خلاف ما قاله.

__________________

(١) ليست في النسخ ، أثبتناه من التهذيب ١ : ٣٧٠ / ١١٣٠.

(٢) التهذيب ١ : ٣٧٠ / ١١٣٠ ، الوسائل ٢ : ٢٤٣ أبواب الجنابة ب ٣٢ ح ٥ ، بتفاوت يسير.

(٣) المنتهى ١ : ٨٦.

(٤) في « رض » : يريدوا.

٢٥٨

ثم إنّ الرطل العراقي على ما قاله العلاّمة في المنتهى في الزكاة : إنّه مائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم ، إنّه تسعون(١) مثقالا ، والمثقال درهم وثلاثة أسباع درهم(٢) .

ونقل غيره أنّ الرطل مائة وثلاثون درهما(٣) .

والرطل المدني : قيل إنّه رطل ونصف عراقي(٤) . وسيجي‌ء ذكر ما لا بدّ منه إن شاء الله في محله ، وبالجملة فللكلام في المقام مجال واسع ، ولعلّ في هذا القدر كفاية إن شاء الله تعالى.

قال :

فأمّا ما رواه محمد بن أحمد بن يحيى ، عن الحسن بن موسى الخشاب ، عن غياث بن كلوب ، عن إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيهعليهما‌السلام « إنّ علياًعليه‌السلام كان يقول : الغسل من الجنابة والوضوء يجزئ منه ما أجزأ من الدهن الذي يبلّ الجسد ».

عنه ، عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب والحسن بن موسى الخشاب ، عن يزيد بن إسحاق(٥) ، عن هارون بن حمزة الغنوي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، قال : « يجزيك من الغسل والاستنجاء ما بللت يدك ».

وما يجري مجراها(٦) من الأخبار : فإنها محمولة على الإجزاء‌

__________________

(١) في المنتهى : سبعون.

(٢) المنتهى ١ : ٤٩٧.

(٣) نقله في المعتبر ١ : ٤٧.

(٤) كما في الحبل المتين : ١٠٧.

(٥) في الاستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٥ زيادة : عن إسحاق.

(٦) في الاستبصار ١ : ١٢٢ / ٤١٥ : مجراهما.

٢٥٩

والأوّلة على الفضل ، إلاّ أنّ مع ذلك فلا بدّ أن يجري الماء على الأعضاء ليكون غاسلاً وإن كان قليلاً مثل الدهن ، فإنّه متى لم يجر لم يسمّ غاسلاً ، ولا يكون ذلك مجزئاً.

والذي يدل على ذلك :

ما رواه علي بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل ، عن زرارة ، عن أبي جعفرعليه‌السلام ، قال : قال : « الجنب ما جرى(١) عليه الماء من جسده قليله وكثيره فقد أجزأه ».

الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن جميل ، عن زرارة عن أبي جعفرعليه‌السلام في الوضوء ، قال : « إذا مسّ جلدك الماء فحسبك ».

عنه ، عن صفوان ، عن ابن مسكان ، عن محمد الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « أسبغ الوضوء إن وجدت ماءً ، وإلاّ فإنّه يكفيك اليسير ».

السند‌

في الأوّل : غياث بن كلوب ، ولم يذكر أصحاب الرجال مدحه فضلاً عن كونه ثقة.

والثاني : فيه يزيد بن إسحاق ، ولم أفهم من كتب الرجال مدحه ، فضلاً عن الثقة ، إلاّ أنّ جديقدس‌سره في شرح الدراية يفهم منه توثيقه(٢) ، وكأنّه أخذه من تصحيح العلاّمة طريق الصدوق إلى هارون بن حمزة(٣) ، وهو فيه ، ولا يخفى عليك حقيقة الحال ، وأمّا هارون بن حمزة فهو ثقة.

__________________

(١) في « رض » : ما أجرى.

(٢) شرح الدراية : ١٣١.

(٣) خلاصة العلاّمة : ٢٧٩.

٢٦٠