إستقصاء الإعتبار الجزء ٥

إستقصاء الإعتبار0%

إستقصاء الإعتبار مؤلف:
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
المترجم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف: متون حديثية
ISBN: 964-319-177
الصفحات: 379

إستقصاء الإعتبار

مؤلف: الشيخ محمّد بن الحسن بن الشّهيد الثّاني
المحقق: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
المترجم: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التّراث
تصنيف:

ISBN: 964-319-177
الصفحات: 379
المشاهدات: 8491
تحميل: 437


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 379 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 8491 / تحميل: 437
الحجم الحجم الحجم
إستقصاء الإعتبار

إستقصاء الإعتبار الجزء 5

مؤلف:
ISBN: 964-319-177
العربية

يحتمل أن يراد به قبل فوت وقت العشاء ، فيدل على الإعادة في الوقت كما يدل على امتداد وقت العشاء في مثل هذه الصورة.

ويحتمل أن يراد بقبليّة الصبح ما يعم القضاء ، فيحمل على الاستحباب في خارج الوقت للمعارض ، ولو قيّد بالوقت أمكن لو لا الاحتمال الموجب للإجمال.

وأمّا السادس : فهو ظاهر الدلالة على أنّ من انحرف عن القبلة يمينا وشمالا لا يعيد ، إلاّ أنّ قولهعليه‌السلام : « وما بين المغرب والمشرق قبلة » يدل على أنّ المنحرف لنفس المشرق ونفس المغرب لا يكون صلّى إلى القبلة والجواب(١) لا يطابق في الظاهر السؤال إلاّ على ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ من إرادة الانحراف اليسير لا بلوغ نفس اليمين واليسار ، كما يؤذن به الجواب ، قال ـ سلّمه الله ـ : ولعلّ الكلام في قبلة العراق ، فإنّ معاوية بن عمار عراقي(٢) . انتهى.

وربما يقال : إنّ مقتضى الخبر الانحراف إلى يمين القبلة وشمالها ، وعلى تقدير الانحراف اليسير لا يندفع معه الإشكال ، لأنّ ما نقله العلاّمة في المختلف من الإجماع على أنّ الانحراف لمحض(٣) اليمين واليسار يقتضي الإعادة(٤) ، وما استدل به في المنتهى على الإعادة فيما ذكر بالرواية الأولى والثانية(٥) . محلّ تأمّل ، أمّا الإجماع فثبوته مشكل ، وأمّا الخبران فمطلقان ، وقد ذكر في المنتهى أنّهما يقيّدان بخبر معاوية بن عمّار(٦) ، وهو السادس ،

__________________

(١) في « فض » زيادة : كما ترى.

(٢) الحبل المتين : ١٩٩.

(٣) في « د » : بمحض.

(٤) المختلف ٢ : ٨٦.

(٥) المنتهى ١ : ٢٢٤.

(٦) المنتهى ١ : ٢٢٤.

٢١

والحال أنّ الخبر كما يحتمل الانحراف اليسير يحتمل الانحراف إلى نفس اليمين واليسار.

والجواب وإن دل ظاهرا على أنّ نفس اليمين واليسار ليس قبلة ، إلاّ أنّه محتمل أيضا احتمالا لا يبعد عن الأوّل ، وهو أن يكون قوله : « وما بين المغرب والمشرق قبلة » بيان حكم مستقل لا دخل له بالجواب ، وحينئذ فمفاد الجواب مضيّ الصلاة ثم إعلام السائل بأنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة ، غاية الأمر أنّه مخصوص بالمضطر ولا يبعد أن تكون فائدة الإتيان بهذه في الجواب التنبيه على أنّ الانحراف عن القبلة التي ما بين المغرب والمشرق للمضطر لا يضر وإن وصل إلى نفس اليمين واليسار.

وما قاله العلاّمة في المنتهى ـ جوابا عن الاعتراض بأنّ خبر معاوية بن عمّار ليس تخصيصه بأولى من تخصيصه بالخبرين ، على معنى أنّه يحمل على خارج الوقت ـ : من أنّه أولى لوجهين ، أحدهما : موافقة الأصل ، ولو قيّد بخارج الوقت لزم الإعادة لمن صلّى بين المشرق والمغرب في الوقت ، والأصل عدمه ، والثاني : ( إنّا نمنع تخصيص ما ذكرتم من )(١) الأحاديث للخبر(٢) ، لأنّ قولهعليه‌السلام : « ما بين المشرق والمغرب قبلة » ليس مخصّصا لما دلّ على الإعادة في الوقت دون خارجه ، إذ غاية ما يدل عليه أن ما بين المشرق والمغرب قبلة ، بل لقائل أن يقول : إنّ قوله : « إذا صلّيت وأنت على غير القبلة » يتناول لفظ القبلة ما بين المشرق والمغرب(٣) .

__________________

(١) ما بين القوسين في « فض » : مع تخصيص.

(٢) في « فض » زيادة : أصلا.

(٣) المنتهى ١ : ٢٢٤.

٢٢

انتهى.

ففيه : أنّ أصالة براءة الذمّة تقتضي عدم الإعادة مطلقا ، لأنّ الأمر يقتضي الإجزاء على تقدير التكليف بالظن.

وقوله في المختلف : إنّ الظنّ لو انكشف فساده لا يكون مجزئا. محلّ تأمّل.

واحتمال أن يقال : إنّ الذمّة مشغولة بالعبادة يقينا فلا يزول إلاّ بمثله.

فيه : أنّ(١) بعد فعل العبادة يزول يقين اشتغال الذمّة كما لا يخفى.

والعجب أنّه في المختلف صرّح في الاستدلال على الإعادة في الوقت بأنّ انكشاف فساد الظنّ يقتضي الإعادة(٢) ، وفي المنتهى كما ترى ذكر أصالة براءة الذمّة(٣) . فليتأمّل.

ثم ما(٤) ذكره في المنتهى من منع التخصيص ، فيه : أنّ الرواية إن حملت على ظاهرها لا تدل على الانحراف اليسير ، ولو عدل بها عن الظاهر وأريد الانحراف اليسير بقرينة الجواب كما اعترف به ـ حيث استدل على عدم الإعادة بالانحراف اليسير بخبر معاوية بن عمار ـ فالجواب ينافي الاستدلال ، كما أنّه يتحقق الاحتمال(٥) الذي ذكرناه في الرواية ، فينبغي التأمّل في هذا كلّه ، وسيجي‌ء تمام تحقيق ما لا بدّ منه.

وربما يظن من الرواية أنّ الانحراف يقتضي صحة الصلاة ولو علم في الأثناء كما يفيده الجواب ، وسيأتي في خبر عمّار تحويل الوجه لو علم‌

__________________

(١) في « رض » : انه.

(٢) المختلف ٢ : ٨٧.

(٣) المنتهى ١ : ٢٢٤.

(٤) في « رض » : إنما.

(٥) في « فض » : الإجمال.

٢٣

في الأثناء(١) .

وأمّا السابع : فهو دال على استقبال القبلة إذا ثبت في الأثناء. والثبوت لا يخلو من إجمال إلاّ أنّ الحديث لا يصلح للكلام فيه ، كما تركنا ذكر ( احتمال في الاستقبال المذكور فيها.

نعم قد يشكل على الشيخ ذكر )(٢) الرواية ، لتضمنها عدم الإعادة ولو في الوقت ، فليتأمّل.

(والثامن : كالسابع إلاّ أنّ قوله : « أو لم يعلم » محتمل لأنّ يراد به الاستفهام ، والمعنى : أو لم يعلم قوله الله سبحانه ، الآية. ويحتمل إرادة بيان حالة اخرى لعدم الإعادة ، وهي عدم العلم ، وفيه ما لا يخفى والتسديد ممكن )(٣) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ أكثر الأخبار المتضمنة للإعادة في الوقت دون خارجه يتناول الاستدبار ، ويؤيّد عدم الإعادة خارج الوقت توقف القضاء على أمر جديد ، وقد اتفق للعلاّمة في المختلف الاستدلال على عدم القضاء خارج الوقت بما ذكرناه : من أنّ القضاء فرض مستأنف ، إلاّ أنّ في المختلف له اضطراب في القضاء ، ففي المسألة المذكورة ذكر ما حكيناه ، وفي بحث صلاة الكسوف صرّح بتبعية القضاء للأداء ، وكذا في غيره أيضا(٤) . وستسمع ما يقوله الشيخ في لزوم القضاء للمستدبر.

__________________

(١) في ص ٢٦.

(٢) ما بين القوسين ساقط من « رض ».

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

(٤) المختلف ٢ : ٣٠٠.

٢٤

قوله :

فأمّا ما رواه الطاطري ، عن محمّد بن زياد ، عن حمّاد ، عن معمر(١) بن يحيى قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثم تبين(٢) له القبلة وقد دخل في وقت صلاة أخرى ، قال : « يعيدها قبل أن يصلي هذه التي(٣) قد دخل وقتها ».

عنه ، عن محمّد بن زياد(٤) ، عن معمّر بن يحيى قال : سألت أبا عبد اللهعليه‌السلام عن رجل صلّى على غير القبلة ثم تبين(٥) له القبلة وقد دخل وقت صلاة أخرى ، قال : « يصلّيها قبل أن يصلّي هذه التي دخل وقتها ، إلاّ أن يخاف فوت التي دخل وقتها ».

فالوجه في هذين الخبرين أن نحملهما على أنّه كان ( قد استدبر )(٦) القبلة فإنّه يجب عليه إعادة الصلاة(٧) سواء كان الوقت باقيا أو منقضيا.

يدل على ذلك :

ما رواه محمّد بن يعقوب ، عن أحمد بن إدريس ، عن محمّد بن ‌

__________________

(١) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٨ ، والتهذيب ٢ : ٤٦ / ١٤٩ : عمرو.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٨ تبيّنت.

(٣) ساقطة من « د ».

(٤) في التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠ زيادة : عن حماد بن عثمان.

(٥) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٩ : تبينت.

(٦) في الاستبصار ١ : ٢٩٧ / ١٠٩٩ : صلّى إلى استدبار.

(٧) في « د » و « فض » : إعادتهما ، وفي « رض » : إعادتها ، وما أثبتناه من الاستبصار ١ : ٢٩٨.

٢٥

أحمد بن يحيى ، عن أحمد بن الحسن بن علي بن فضال ، عن عمرو بن سعيد ، عن مصدق بن صدقة ، عن عمّار الساباطي ، عن أبي عبد الله عليه‌السلام في رجل صلّى على غير القبلة فيعلم وهو في الصلاة قبل أن يفرغ من صلاته ، قال : « إن كان متوجّها فيما بين المشرق والمغرب فليحوّل وجهه إلى القبلة حين يعلم ، وإن كان متوجّها إلى دبر القبلة فليقطع ثم يحوّل وجهه إلى القبلة ثم يفتتح الصلاة ».

السند :

في الأوّل : معلوم بالنسبة إلى الطاطري والطريق إليه ممّا مضى(١) ، وأمّا محمّد بن زياد فقد قدّمنا أنّه مشترك(٢) ، غير أنّ الاشتراك بين الثقة وغيره من المذكورين بعنوان محمّد بن زياد في الرجال ، وخطر في البال سابقا(٣) أنّ محمّد بن أبي عمير يقال له محمّد بن زياد ؛ لأنّ أبا عمير اسمه زياد ولم يذكر في الرجال بهذا العنوان ، وحيث لم يسبق ما يدل على احتمال محمّد بن أبي عمير بوجه يوجب الرجحان لم نذكره فيما مضى.

والآن فالراوي عن حمّاد بن عثمان في الرجال محمّد بن أبي عمير في جملة آخرين(٤) ، واحتمال حمّاد هنا لابن عثمان وإن كان موقوفا على تحقق كون محمّد بن زياد هو ابن أبي عمير فلا يتم المطلوب ، إلاّ أنّ في التهذيب عن حماد بن عثمان(٥) ، وحينئذ فالرجحان لكونه ابن أبي عمير‌

__________________

(١) في ج ٤ : ٢٤٢.

(٢) في ج ١ : ٢٨٢.

(٣) في ج ١ : ٢٨٢.

(٤) الفهرست : ٦٠ / ٢٣٠.

(٥) التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠.

٢٦

ظاهر.

وربّما يظن أنّ جميع من تقدم أو الأكثر هو ابن أبي عمير ، ويؤيّده أنّه مضى في باب وقت المغرب والعشاء رواية عن الحسن بن محمّد بن سماعة ، عن محمّد بن زياد ، عن عبد الله بن سنان ، وفي الرجال أنّ الراوي عن عبد الله بن سنان محمّد بن أبي عمير(١) .

وبالجملة : فأثر هذا وإن كان هيّنا في المقام ، إلاّ أنّ له نفعا في التنبيه على أنّه يترك في كتب الرجال بعض الأسماء بالنظر إلى الكنية مع وجوده في الأخبار بالاسم ، وقد مضى عن قريب : الحسين بن هاشم ، وهو غير مذكور في الرجال بهذا العنوان ، ولكن خطر في البال أنّه ابن أبي سعيد المكاري ؛ لأنّ أبا سعيد اسمه هاشم ، وذكرنا سابقا في الرواية المذكور فيها ما يفيد تعينه ، ومثله كثير.

والثاني : كما ترى يروي فيه محمّد بن زياد عن معمّر بن يحيى ، والحال أنّه في الأوّل محمّد بن زياد عن حمّاد عن معمر ، والواسطة وإن أمكن انتفاؤها تارة ووجودها أخرى ، إلاّ أنّ الشيخ في التهذيب(٢) روى الثاني عن محمّد بن زياد عن حماد بن عثمان عن معمر بن يحيى ، فالسهو وقع هنا من طغيان القلم ، والذي أشرنا إليه من رواية التهذيب هو هذا ، وعلى كل حال فرواية ابن أبي عمير عن حمّاد بن عثمان أكثر من أن تحصى ، فلو لم يكن مصرّحا بابن عثمان فالظن يقتضي تعيّنه.

والثالث : غير خفيّ الحال.

__________________

(١) الفهرست : ١٠١ / ٤٢٣.

(٢) التهذيب ٢ : ٤٦ / ١٥٠.

٢٧

المتن :

في الخبرين الأولين ما ذكره الشيخ فيه ممكن لو وجد ما يدل عليه بتقدير العمل بالخبرين.

والثالث : لا دلالة له على ما ذكر كما هو واضح ، بل إنما تضمن القطع لو علم في الأثناء ، ولا يدل على القضاء إلاّ أن يقال : إنّ الخبر يقتضي بطلان الصلاة إذا وقعت إلى الاستدبار ، فعلى تقدير الفوات يدخل في عموم الخبر الدال على قضاء ما فات.

وفيه نظر واضح ، لأنّ الخبر الدال على قضاء ما فات يتوقف على تحقق الفوات ، ومع عدم العلم بالاستدبار في الأثناء لا دليل على البطلان لتكون فائتة ، وعلى تقدير البطلان ربما يدعى أنّ الفوات لا يتناولها.

فإن قلت : ما رواه الصدوق في الفقيه صحيحا : من أنّ الصلاة لا تعاد إلاّ من خمسة(١) وعدّ منها القبلة ، يدل على أنّ الإخلال بالقبلة يقتضي الإعادة ، واستعمال الإعادة في الأخبار لما يتناول القضاء شائع ، فإذا خرج ما يعاد في الوقت فقط بقي ما عداه.

قلت : الخبر المذكور لا يخرج عن الإطلاق ، والأخبار المتضمنة للإعادة في الوقت دون خارجه مقيّدة ، والمقيّد يحكّم على المطلق.

فإن قلت : ما دل على الوقت مطلق أيضا كإطلاق ما دل على الإعادة.

قلت : إطلاق كل منها لا ينافي التقييد ، وقد ذكرنا ما لا بدّ منه في‌

__________________

(١) الفقيه ١ : ١٨١ / ٨٥٧ ، الوسائل ٤ : ٣١٢ أبواب القبلة ب ٩ ح ١.

٢٨

كتاب معاهد التنبيه على كتاب من لا يحضره الفقيه.

وبالجملة فالخبران المذكوران أوّلا لو صحّا أمكن الحمل على الاستحباب في الإعادة ، وإن لم يصحّا أمكن أيضا على ما مضى. وأمّا الثالث : فله دلالة على أنّ من كان بين المشرق والمغرب يحوّل وجهه ، والظاهر أنّ المراد بتحويل الوجه تحويل جميع البدن ، واستعمال هذا غير عزيز الوجود في الأخبار.

ثم إنّ المشرق والمغرب على تقدير [ الاعتداليّين ](١) يظهر الحكم ( فيما )(٢) بينهما ، أمّا على تقدير الأعم فالتبيّن مختلف.

وقد ذكر بعض محققي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ أنّ الحديث يدل على أنّه إذا تبيّن الانحراف عن القبلة في أثناء الصلاة فإن كان يسيرا انحرف إلى القبلة وصحت صلاته ، وإن ظهر أنّه كان مستدبرا بطلت ، ولا يحضرني أن أحدا من الأصحاب خالف في ذلك ، وقد ألحقوا بالاستدبار بلوغ الانحراف إلى نفس اليمين واليسار ، لأنّه لو ظهر بعد الفراغ استأنف فكذا في الأثناء ، لأنّ ما يقتضي فساد الكل يقتضي فساد جزئه(٣) . انتهى.

ولقائل أن يقول : إنّ الخبر لمّا تضمن ذكر الاستدبار في إيجاب القطع ، والتحويل فيما بين المشرق والمغرب ، لزم منه أحد أمرين ، إمّا عدم التعرض لمحض اليمين واليسار ولما بينهما وبين دبر القبلة ، أو أنّ الحكم كأحد الفردين المذكورين على الإجمال ، وهو لا يناسب الجواب المقصود به الإفهام والسكوت عن الآخر كذلك ، وحينئذ يمكن ادعاء إرادة ما بين‌

__________________

(١) في النسخ : الاعتدالين ، والأولى ما أثبتناه.

(٢) في « رض » : فيه فيما ، وفي « فض » : فيه ممّا.

(٣) الحبل المتين : ١٩٩.

٢٩

المشرق والمغرب في الرواية ما عدا الاستدبار لتكون بيانا لحكم تحويل الوجه من دون قطع ، فلا يتم الاستدلال بأنّ بطلان الكل يستلزم بطلان الجزء.

فإن قلت : هل أنت مسلّم الإعادة على تقدير الانحراف نحو اليمين واليسار أم لا؟ فإن كان الأوّل لزم من إبطال الكل إبطال الجزء ، وإن كان الثاني لزم مخالفة الإجماع وإطلاق معتبر الأخبار الدال على الإعادة في الوقت لمن صلّى إلى غير القبلة المتناول لمحض اليمين واليسار.

قلت : لو تمّ الإجماع وإطلاق الأخبار أمكن أن يقال بجواز الحكم ببطلان الكل على تقدير العلم بعد الفراغ ، والاكتفاء بالانحراف في الأثناء إلى القبلة في صحة العبادة ، والمانع عقلا مفقود وشرعا غير معلوم ، بل في بعض الأحكام ما يساعده.

فإن قلت : ما وجه التوقف في إطلاق الأخبار مع أنّه ظاهر؟

قلت : قدّمنا نوع كلام في الإطلاق ، فليتأمّل.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ ما تضمنه الخبر الأخير من قوله : « إلى دبر القبلة » يحتمل أن يراد بالقبلة : المعلومة ، ويحتمل أن يراد بها ما يتناول ما بين المشرق والمغرب ، وحينئذ يكون دبرها إضافيّا ، فيفيد الخبر القطع فيما بين دبر القبلة والمشرق والمغرب ، ولا يبعد ادعاء(١) تبادر القبلة المعلومة ؛ لأنّ ما بين المشرق والمغرب قبلة للضرورة.

واحتمال أن يقال : إنّ قبلة المضطرّ دبرها كذلك.

يمكن الجواب عنه بأن قبلة المضطر إذا لم يتبادر لا يلتفت إلى‌

__________________

(١) ليست في « رض ».

٣٠

دبرها ، والأمر سهل بعد معرفة سند الرواية.

غير أنّه يبقى على الشيخ أنّ رواية القاسم بن الوليد السابقة تقتضي عدم الإعادة بعد الفراغ من الصلاة إذا صلّى لغير القبلة ، وهي تدل على أنّ ما دلّ على الإعادة يحمل على الاستحباب أو على الاستدبار ، والأمران مشكلان على الشيخ ، أمّا الأوّل : فلقوله بالوجوب في الوقت. وأمّا الثاني : فلقوله بإعادة المستدبر في الوقت وخارجه ، وحينئذ لا بدّ من صرف عنان النظر نحو جميع الأخبار عند من يعمل بها(١) .

قوله :

باب الصلا ة في جوف الكعبة

أخبرني أبو الحسين بن أبي جيد القمي ، عن محمّد بن الحسن بن الوليد ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة ، عن معاوية بن عمار ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « لا تصلّى المكتوبة في الكعبة ، إن(٢) النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله لم يدخل الكعبة في حجّ ولا عمرة ، ولكنه دخلها في الفتح فتح مكة وصلّى ركعتين بين العمودين ومعه أسامة بن زيد ».

عنه ، عن صفوان وفضالة ، عن العلاء ، عن محمّد ، عن أحدهماعليهما‌السلام قال : « لا تصلح صلاة المكتوبة في جوف الكعبة ».

فأمّا ما رواه الحسين بن سعيد ، عن الحسن بن علي بن فضال ،

__________________

(١) في « رض » زيادة : فليتأمل.

(٢) في الاستبصار ١ : ٢٩٨ / ١١٠١ : فإن.

٣١

عن يونس بن يعقوب قال : قلت لأبي عبد اللهعليه‌السلام : إذا(١) حضرت الصلاة المكتوبة وأنا في الكعبة أفأصلّي فيها؟ قال : « صلّ ».

فلا ينافي هذا الخبر الخبرين الأوّلين ؛ لأنّ الوجه في هذا الخبر أن نحمله على حال الضرورة التي لا يتمكن الإنسان من الخروج منها ، وحينئذ يجوز له الصلاة فيها ، على أن ذلك مكروه غير محظور ، وقد صرّح بذلك في قوله « لا تصلح الصلاة المكتوبة في جوف الكعبة » وذلك صريح بالكراهة ، والخبر الأوّل وإن كان لفظه لفظ النهي فمعناه الكراهة بدلالة ما فسّره في الخبر الثاني وما ورد من جوازه في الخبر الثالث.

السند :

في الأوّل : فيه أبو الحسين بن أبي جيد ، ويقال له علي بن أحمد بن أبي جيد كما ذكره النجاشي في ترجمة جعفر بن سليمان(٢) ، ويقال(٣) علي بن أحمد القمي ، ويظهر من النجاشي أيضا في مواضع أنّه يقال له علي بن أحمد بن طاهر ، فيكون اسم أبي جيد طاهر.

وعلى كل حال الرجل غير مذكور في كتب الرجال ، لكنّه من الشيوخ ، ولم تجر عادة المتقدمين بذكر الشيوخ على الاطراد ، كما أنّهم لو ذُكروا لم ينص على توثيقهم ، وظاهر بعض الأصحاب المتأخّرين الاعتماد على خبر هذا الرجل إذا خلا من مانع غيره. والحسين بن الحسن بن أبان‌

__________________

(١) ليست في الاستبصار ١ : ٢٩٨ / ١١٠٣.

(٢) النجاشي : ١٢١ / ٣١٢.

(٣) في « رض » زيادة : له.

٣٢

مضى القول فيه(١) . وغيرهما معلوم الحال ممّا مضى(٢) أيضا.

والثاني : كذلك ، ومحمّد فيه هو ابن مسلم.

والثالث : موثق كما لا يخفى.

المتن :

في الأوّل : كما ترى بصورة النفي لثبوت الياء ـ المثناة تحت ـ في « تصلّي » على ما وجدت من النسخ ، لكن الظاهر أنّه في معنى النهي ، لما تقدم في أمثاله مع نوع كلام ، وعلى تقدير إرادة النهي قد يخطر في البال أنّ الحديث ربّما كان فيه دلالة على وجوب التأسّي ، فإنّ ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله حيث لم يصلّ فيها المكتوبة يدل على أنّ عدم فعلهعليه‌السلام يقتضي عدم فعلنا ، أو أنّه لو فعل لجاز لنا.

فإن قلت : ما وجه التأسّي على التفصيل؟.

قلت : لا يخفى أنّ ( ظاهر الحكاية عن النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله يفيد التعليل ، واحتمال غيره في غاية البُعد عن المساق و)(٣) ظاهر التعليل يقتضي أنّ عدم فعل المكتوبة لعدم فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله وهو معنى التأسّي ، إلاّ أنّ المذكور كثيرا في مباحث الأصول التأسّي بالفعل فلنا أن نوجّه الرواية بما يرجع إلى الفعل فيقال : إنّ النهي عن الصلاة لأنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لو فعلها لفعلنا.

فإن قلت : وجوب التأسّي هنا لا وجه له ؛ إذ لا يجب الصلاة في الكعبة ، والكلام في الجواز.

__________________

(١) في ح ١ : ٤١.

(٢) في ج ١ : ٣٩ و ٧٠ و ٣٩٨ و ٣٤٦.

(٣) ما بين القوسين ساقط من « فض ».

٣٣

قلت : لما ذكرت وجه ، إلاّ أنّ ذكر النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله في مقام النهي يشعر به ، وحينئذ يرجع إلى التحريم ، وهو عدم الجواز لعدم فعلهصلى‌الله‌عليه‌وآله ، وغير خفيّ الإشكال فيه ؛ لأنّ عدم الفعل في محل لا يفيد التحريم ، وحينئذ فالوجه في الرواية الكراهة ، والتعليل لذلك حينئذ ظاهر ؛ إذ حاصله أنّ الصلاة لو كانت راجحة رجحانا زائدا على الوجوب في الكعبة لفعلها النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله ، فلمّا لم يفعل علم انتفاء الرجحان المذكور ، فلا ينبغي فعلها.

فإن قلت : رجحان الفعل على تقدير دخول وقت الوجوب ، ومن الجائز عدم الدخول في وقت العبادة.

قلت : لو كان الرجحان المذكور موجودا لطلب فعلهعليه‌السلام ، نعم ربّما يقال : إنّ عدم الرجحان المذكور لا يقتضي الكراهة ، إذ هي أقلّ الرجحان ، وعدم فعلهعليه‌السلام لكون الواجب لا يزيد ولا ينقص فلا يتم الاستدلال على الكراهة ، إلاّ أن يقال : إن الكراهة من مجموع قولهعليه‌السلام : « لا تصلّى المكتوبة » مع ذكر فعل النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله .

ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من أنّ ظاهر الخبر المبحوث عنه التحريم وحمله على الكراهة صرفا له عن ظاهره(١) ، لا يخلو من غرابة كما يعلم ممّا قررناه.

أمّا الثاني : فالشيخ استفاد من قوله : « لا تصلح » الدلالة على الكراهة ، وله وجه أيضا يندفع به ما ادعي من أنّ ظاهره التحريم ، إلاّ أنّ الشيخرحمه‌الله كثيرا ما يستدل على التحريم بمثل هذا اللفظ ، وغير بعيد اشتراكه بين الكراهة والتحريم ، والصراحة أو الظهور منتف ، على أنّ في كلام الشيخ نوع تأمل ؛ لأنّ الحمل على الضرورة ثم ذكر الكراهة لا يخلو من تشويش ،

__________________

(١) الحبل المتين : ١٥٨.

٣٤

ولعلّ المراد الكراهة وجواز الفعل من دون كراهة للضرورة ، وفيه ما فيه.

أمّا ما ينقل في الاستدلال للمنع من الصلاة داخل الكعبة ـ مع إجماع الشيخ المدعى في الخلاف ـ بقوله تعالى( فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ) (١) وإنّما يصدق ذلك إذا كان خارجا ؛ ولرواية غير صالحة سندا ومتنا وهي : عن أسامة أنّ النبيصلى‌الله‌عليه‌وآله دخل البيت ودعا وخرج فوقف على بابه وصلّى ركعتين ، وقال : « هذه القبلة » وأشار إليها(٢) ، وإشارته إلى نفس البيت يقتضي بطلان الصلاة داخله ، ولاستلزام الصلاة في داخله استدبار القبلة.

ففيه تأمّل :

أمّا الإجماع فكيف يثبت مع مخالفة المدّعي نفسه.

وأمّا الآية الشريفة فالظاهر منها اعتبار الجهة وهي للبعيد ، أمّا القريب فقبلته العين ، واعتبار مجموع العين لا وجه له مع صحة صلاة المصلّي إلى جزء من العين ، إلاّ أن يقال : إنّ ثبوت العين بالإجماع ، فلا يتم في محل النزاع ، على أنّ الآية الشريفة ظاهرها استقبال الجهة مطلقا ، لكن لا أعلم القائل به ، وعلى تقدير الظاهر تشكل الصلاة داخل الكعبة المشرفة من الآية.

وأمّا ما ذكر من استدبار الكعبة فأثره(٣) سهل.

أمّا ما قاله بعض محقّقي المعاصرين ـ سلّمه الله ـ : من حمل الخبر الأخير على حال الضرورة أو صلاة النافلة أي نافلة المكتوبة(٤) ، فمن البعد بمكان ؛ واحتمال الكراهة وانتفاؤها بالضرورة ممكن ، والاحتياط مطلوب.

__________________

(١) البقرة : ١٥٠.

(٢) الخلاف ١ : ٤٣٩.

(٣) ليست في « رض » ، والأنسب : فأمره.

(٤) البهائي في الحبل المتين : ١٥٨.

٣٥

قوله :

أبواب الأذان والإقامة‌

باب الأذان والإقامة في صلاة المغرب

وغيرها من الصلوات‌

أخبرني الشيخرحمه‌الله عن أحمد بن محمّد ، عن أبيه ، عن الحسين بن الحسن بن أبان ، عن الحسين بن سعيد ، عن حمّاد ، عن معاوية بن وهب أو ابن عمار ، عن الصباح بن سيّابة قال : قال لي أبو عبد اللهعليه‌السلام : « لا تدع الأذان في الصلوات كلّها ، فإن تركته فلا تتركه في المغرب والفجر فإنّه ليس فيهما تقصير ».

عنه ، عن أبي القاسم جعفر بن محمّد ، عن محمّد بن يعقوب ، عن محمّد بن يحيى ، عن أحمد بن محمّد ، عن الحسين بن سعيد ، عن القاسم بن محمّد ، عن عليّ بن أبي حمزة ، عن أبي بصير ، عن أحدهما قال : سألته أيجزئ أذان واحد؟ قال : « إن صلّيت جماعة لم يجز إلاّ أذان وإقامة ، وإن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك يجزؤك إقامة إلاّ الفجر والمغرب ، فإنّه ينبغي أن تؤذّن فيهما وتقيم من أجل أنّه لا يقصّر فيهما كما يقصّر في سائر الصلوات ».

الحسين بن سعيد ، عن الحسن ، عن زرعة ، عن سماعة قال : قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « لا تصلّى الغداة والمغرب إلاّ بأذان وإقامة ، ورخّص في سائر الصلوات بالإقامة ، والأذان أفضل ».

عنه ، عن النضر بن سويد ، عن ابن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يجزؤك في الصلاة إقامة واحدة إلاّ الغداة والمغرب ».

٣٦

السند :

في الأوّل : قد تقدّم مفصّلا ، والصباح بن سيّابة مذكور مهملا في رجال الصادقعليه‌السلام من كتاب الشيخ(١) ، والتردّد بين معاوية بن وهب ومعاوية بن عمّار مع ثقتهما لا يضر كما يخفى.

والثاني كذلك ؛ لما مضى(٢) في القاسم بن محمّد وهو الجوهري وعلي بن أبي حمزة البطائني وأبي بصير ، من الوقف في الأوّل مع عدم التوثيق ، والوقف في الثاني كذلك ، وتعيّن أبي بصير بالضعف برواية علي بن أبي حمزة عنه على ما يستفاد من صحيح الأخبار في هذا الكتاب فيما يأتي الدال على ما يوجب القدح في عقيدته(٣) .

والثالث : موثّق(٤) ، والحسن فيه أخو الحسين ، واحتمال الحسن بن علي بن فضّال لروايات الحسين عنه يبعّده ممارسة الرجال.

والرابع : واضح الصحة.

المتن :

حكى العلاّمة في المختلف عن الشيخين وجوب الأذان والإقامة في الجماعة ، وكذا عن ابن البراج وابن حمزة ، وعن السيّد المرتضى في الجمل الوجوب على الرجال دون النساء في كل صلاة جامعة في سفر أو حضر ،

__________________

(١) رجال الطوسي : ٢١٩ / ٢٠.

(٢) في ج ١ : ١٨٢ ، ٢٦٥ ، ٧٣.

(٣) في « فض » زيادة : والتوثيق له محل تأمل مع ما ذكر. وهي مشطوبة في « د ».

(٤) بزرعة بن محمّد الحضرمي.

٣٧

وأوجبهما عليهم في سفر وحضر في الفجر والمغرب وصلاة الجمعة ، وأوجب الإقامة خاصة على الرجال في كل فريضة.

وعن ابن الجنيد وجوب الأذان والإقامة على الرجال للجمع والانفراد والسفر والحضر والفجر والمغرب والجمعة يوم الجمعة ، والإقامة في باقي الصلوات المكتوبات التي تحتاج إلى التنبيه على أوقاتها.

وعن أبي الصلاح الشرطية في الجماعة ، وعن الشيخ في الخلاف الاستحباب في جميع الصلوات ، وكذا عن السيّد المرتضى في المسائل الناصرية.

وعن ابن أبي عقيل : من ترك الأذان والإقامة متعمدا بطلت صلاته إلاّ الأذان في الظهر والعصر والعشاء الآخرة ، فإنّ الإقامة مجزية عنه ولا إعادة عليه في تركه ، فأمّا الإقامة فإنّها إن تركها متعمدا بطلت صلاته وعليه الإعادة(١) .

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ الخبر الأوّل ينفي وجوب الأذان في الجميع لو صحّ ، وما تضمنه من النهي عن تركه في المغرب والفجر يدلّ في الجملة على قول ابن أبي عقيل لكن ستسمع المعارض.

وأمّا الثاني والثالث : فنقل عن الشيخ والمرتضى في المختلف الاستدلال بهما للوجوب في الجماعة ، وأجاب عنهما في المختلف بالطعن في السند(٢) .

__________________

(١) المختلف ٢ : ١٣٥ ، وهو في المقنعة : ٩٧ ، النهاية : ٦٤ ، شرح جمل المرتضى لابن البرّاج : ٧٩ ، الوسيلة : ٩١ ، جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٩ ، الكافي في الفقه : ١٤٣ ، الشيخ في الخلاف ١ : ٢٨٤ ، المسائل الناصرية ( الجوامع الفقهية ) : ٢٢٧.

(٢) المختلف ٢ : ١٣٨ ، وهو في النهاية : ٦٤ ، وفي جمل العلم والعمل ( رسائل المرتضى ٣ ) : ٢٩.

٣٨

وأنت خبير بأنّ الأوّل منهما له دلالة في الجملة ، أمّا الثاني فلا وجه للاستدلال به.

ثم إنّ ما تضمنه الخبر الأوّل من قوله : « فلا تتركه » قد يدلّ على أنّه محمول على الكراهة الخبر الثاني ، للإتيان بلفظ « ينبغي » إلاّ أن يقال : إنّ لفظ « ينبغي » اتي به في موضع الضرورة فلا يتم الإطلاق. وفيه : أنّ ترك الواجب لمجرّد العذر محل إشكال. نعم قد يدعى أنّ لفظ « ينبغي » يستعمل في الواجب. وفيه : أنّ الظاهر منها إرادة غير الواجب ، وعلى تقدير التساوي فهي مشتركة حينئذ ، مضافا إلى ما ستسمعه من المعارض.

والثالث : صريح في عدم وجوب الأذان في غير الغداة والمغرب.

وأمّا الرابع : فله ظهور في الدلالة على عدم إجزاء الإقامة وحدها في الغداة والمغرب ، وهو يحتمل أن يراد فيه توقف الإجزاء على الأذان مع الإقامة أو أنّ الأذان مجزئ.

أمّا احتمال إرادة إجزاء إقامة واحدة لجميع الصلوات إلاّ الغداة والمغرب فلا بد لكل واحدة من إقامة فبعيد ، كما أنّ احتمال إرادة الواحدة من فصول الإقامة كذلك ، وسيأتي إن شاء الله في خبر عمر بن يزيد ما يدل على إجزاء الإقامة في المغرب(١) ، وحينئذ يحمل هذا الخبر على الأكملية ، وعلى هذا يراد بالإجزاء أقلّ الفضل ، فيدل الخبر على عدم وجوب الأذان والإقامة على الإطلاق.

وقد استدل العلاّمة على عدم الوجوب بالأصل مع دليل آخر تركه أولى ، وبالأخبار الآتي بعضها ، وروى الشيخ في التهذيب عن الحسين بن‌

__________________

(١) في ص ٤١.

٣٩

سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، عن عبد الله بن سنان ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام قال : « يجزؤك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان »(١) وقد ذكر هذه في حجّة الاستحباب العلاّمةرحمه‌الله قائلا : أنّها تقتضي عدم وجوب الأذان مطلقا(٢) .

وأنت خبير بأنّ إثبات الاستحباب مطلقا مشكلٌ ، لكنه ضمّ إلى هذه الرواية ما رواه الشيخ ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمّد ، عن ابن أبي عمير ، عن حمّاد ، عن عبيد الله الحلبي ، عن أبي عبد اللهعليه‌السلام ، عن أبيه « أنّه كان إذا صلّى وحده في البيت أقام إقامة ولم يؤذّن »(٣) وكذلك رواية عمر بن يزيد الآتي(٤) ، وبعض الأخبار المتضمّنة لأنّ الأذان سنّة. وغير خفي أنّ الاحتجاج غير واف بالمطلوب ، كما يعلم من مراجعته.

وما تضمنه خبر الحلبي لا يخلو ظاهره من إشكال ذكرناه في حاشية التهذيب ، والحاصل أنّ ما ورد في ثواب الأذان قد ينافيه فعلهعليه‌السلام .

وفي الذكرى : أنّ فيه دلالة على عدم تأكّد الأذان في حقّه ؛ إذ الغرض الأهمّ من الأذان الإعلام ، وهو منفيّ هنا ، أمّا أصل الاستحباب فإنّه قائم ؛ لعموم شرعيّة الأذان ، ثم قال : فإن قلت : « كان » يدل على الدوام ، والإمام لا يواظب على ترك المستحب ، فدلّ على سقوط أصل الاستحباب. قلت : يكفي في الدوام التكرار ولا محذور في إخلال الإمامعليه‌السلام بالمستحب أحيانا(٥) . انتهى.

__________________

(١) التهذيب ٢ : ٥٠ / ١٦٦.

(٢) المختلف ٢ : ١٣٧.

(٣) التهذيب ٢ : ٥٠ / ١٦٥ ، الوسائل ٥ : ٣٨٥ أبواب الأذان والإقامة ب ٥ ح ٦.

(٤) في ص ٤١.

(٥) الذكرى : ١٧٥.

٤٠