البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة الجزء ٣

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة0%

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة مؤلف:
تصنيف: مكتبة العقائد
ISBN: 964-371-766-6
الصفحات: 453

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

مؤلف: محمّد جعفر الأسترآبادي
تصنيف:

ISBN: 964-371-766-6
الصفحات: 453
المشاهدات: 2311
تحميل: 244


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 453 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 2311 / تحميل: 244
الحجم الحجم الحجم
البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة

البراهين القاطعة في شرح تجريد العقائد الساطعة الجزء 3

مؤلف:
ISBN: 964-371-766-6
العربية

١
٢

٣
٤

دليل الجزء الثالث

المقصد الرابع : في النبوّة ٩

الفصل الأوّل : في وجوب البعثة ١٣

الفصل الثاني : في وجوب العصمة للنبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ١٨

الفصل الثالث : في المعجزة ٢٦

الفصل الرابع : في إثبات نبوّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ٣٥

الفصل الخامس : في أفضليّة نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله ٦٤

تذنيبات :

الأوّل : فرق المسلمين ٧٠

الثاني : في دفع الشكوك عن الشريعة ٨٠

الرابع : في أسرار النبيّ وكراماتهصلى‌الله‌عليه‌وآله ١٧٤

الخامس : في معجزات النّبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ١٨٠

المقصد الخامس : في الإمامة ٢٠٥

الفصل الأوّل : في وجوب نصب الإمام ٢١٥

الفصل الثاني : في وجوب العصمة للإمام ٢٢٤

الفصل الثالث : في الأعلميّة والأفضليّة ٢٣٢

٥

الفصل الرابع : في المنصوبيّة والمنصوصيّة ٢٣٤

الفصل الخامس : في أنّ الأئمّة اثنا عشر ٢٣٨

المطلب الأوّل : في إثبات إمامة علي بن أبي طالبعليه‌السلام ٢٣٨

فصل : في إثبات إمامتهعليه‌السلام من طريق النصّ ٢٤٠

فصل : في أعلميّته وأفضليّتهعليه‌السلام ٢٧٩

مطاعن الخلفاء الثلاث ٣٢٧

خصائص عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام ٣٤١

ذكر بعض الأدلّة العقليّة والنقليّة لإثبات إمامتهعليه‌السلام ٣٥١

فصل : في اثبات إمامتهعليه‌السلام بطريق المعجزة ٣٦٢

المطلب الثاني : في بيان إمامة سائر الأئمّة الاثني عشر ٤٢٨

المطلب الثالث : في وجود صاحب الزمان وغيبته ٤٤١

في كيفيّة الرجعة ٤٤٥

فهرس الموضوعات ٤٥١

٦

المقصد الرابع

في الأصل الثالث

من أصول الدين وهو في ( النبوة )

٧
٨

( المقصد الرابع )

في الأصل الثالث من أصول الدين

وهو في ( النبوّة )

وهي كالأبوّة في كون الواو أصليّة غير منقلبة من الهمزة ، من « النّبوّة » و « النّباوة » بمعنى ما ارتفع من الأرض ، كما في الصحاح(١) ، فيكون نقل النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله إلى الإنسان المبعوث من الحقّ إلى الخلق لشرافته على سائر الخلق وعلوّ شأنه وسطوح برهانه ، فيكون فعيلا بمعنى مفعول.

وكالمروّة في كون الواو منقلبة من الهمزة ، من « النبأ » بمعنى الخبر ، فيكون النقل لإنبائه عن الله تعالى ، فيكون فعيلا بمعنى فاعل.

وقد يجعل مأخوذا من « النبيّ » بمعنى الطريق ؛ لكونه وسيلة إلى الحقّ تعالى.

وكيف كان ، فلها معنى تصوّري ومعنى تصديقي.

والمعنى التصوّري عبارة عن : « كون الإنسان مبعوثا من الحقّ إلى الخلق » ، كما في شرح القوشجي(٢) ، أو كون البشر المعصوم عن الذنوب والمنزّه عن العيوب ، المقترن بالمعجزة المصدّقة مبعوثا إلى المكلّفين لبيان أحكام الدين ، أو مخبرا عن الله بنحو الوحي عن أحكام الدين المتعلّقة بالعقائد ، أو أفعال المكلّفين مع الرئاسة

__________________

(١) « الصحاح » ٦ : ٢٥٠٠ « ن ب و».

(٢) « شرح تجريد العقائد ٣٥٧.

٩

الإلهيّة عليهم في أمر الدنيا والدين ، هذا إن جعل دالاّ على حال النبيّ.

وإن جعل مبيّنا لفعل الله تعالى ، يكون بمعنى بعث الله تعالى البشر المزبور ، أو جعله تعالى مبعوثا إلى المكلّفين لبيان أحكام الدين.

وبالجملة : فهي رئاسة إلهيّة بالأصالة للبشر المعصوم عندنا على المكلّفين كلاّ أو بعضا في أمر الدنيا والدين.

والمعنى التصديقي عبارة عمّا يجب تصديقه بالجنان وإقراره باللسان ، وهو أنّ نبيّنا محمّد بن عبد الله بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد المناف المنتهي إلى عدنان ، رسول الله المبعوث إلى الإنس والجانّ مع المعجزات التي منها المعراج الجسماني ، وشقّ القمر ، والقرآن ، على سبيل اللزوم العقلي ، كسائر الأنبياء في سائر الأديان.

وهو بشر معصوم ـ كغيره من الأنبياء ـ عن العصيان والنسيان ، ومطهّر عن الذنوب والعيوب التي توجب تنفّر الإنسان ، وهو أفضل الأنبياء والمرسلين ، وخير الخلق أجمعين ، وأنّه خاتم النبيّين ، ودينه باق إلى يوم الدين ، وله إذن شفاعة العاصين ، بمعنى أنّ الله تعالى لمّا كان غنيّا مطلقا ، وخلق بمقتضى حكمته خلقا ، أحبّ أن بوصلهم بمقتضى الكرم إلى النعم ؛ لئلاّ يلزم العبث في إيجاد العالم.

ولمّا كان حكيما وجب أن يكون ما يتفضّل به جاريا على وفق الحكم ، فكلّف بما يحصل به الاستعداد لإيصال النعم ودفع النقم.

ولمّا لم يكن للكلّ علم بما فيه صلاحهم ، ولا قابليّة للتلقّي من الله بلا واسطة فرد من بني آدم ، وجب عقلا بمقتضى اللطف أن يختار من خلقه من كان قابلا للتلقّي من الله الخالق الحقّ ، والإلقاء إلى الخلق ؛ إتماما للغرض الأهمّ. ولا يتمّ ذلك إلاّ بالعصمة المعلومة بالمعجزة المصدّقة ، والتنزّه عمّا يوجب النفرة ؛ لئلاّ يكون للناس على الله حجّة ، فيجب بعث البشر المعصوم المخبر عن الله بنحو الوحي من غير اجتهاد ، المقترن بالمعجزة المصدّقة. فكلّ من ادّعى النبوّة الممكنة مع المعجزة المصدّقة فهو نبيّ بلا شبهة.

١٠

وقد تظافر وتواتر أنّه ظهر في مكّة محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله وادّعى النبوّة ، وأظهر الله على يده المعجزة المصدّقة كالقرآن الذي عجز عن الإتيان بمثله جميع الأمّة ، فهو نبيّ بلا ريبة.

وحيث ادّعى ختم النبوّة ، وأخبر الله تعالى به أيضا في الآية الشريفة(١) فهو خاتم النبيّين ، ودينه باق إلى يوم الدين.

فالكلام في هذا الأصل ـ الذي هو من أعظم الأصول ـ يقع في خمسة فصول :

الأوّل : أنّ بعثة النبيّ ـ المخبر عن الله بنحو الوحي من غير اجتهاد ـ حسن بالحسن التامّ ، فيكون واجبا عقلا مع أنّه واقع نقلا. وهذا من أصول المذهب من جهة ، ومن أصول الدين من أخرى ، فيكون ردّا على الأشاعرة وأمثالهم(٢) .

الثاني : أنّ النبيّ يجب أن يكون معصوما عن العصيان والنسيان ، بل عن جميع ما يوجب تنفّر الإنسان. وهو أيضا من أصول المذهب ، ردّا على العامّة(٣) .

الثالث : أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله يجب أن يكون مع المعجزة المصدّقة ، ردّا على من أنكر الوجوب على الله تعالى.

الرابع : أنّ نبيّنا محمّد بن عبد اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله رسول الله المبعوث إلى الثقلين : الإنس والجانّ مع المعجزات التي منها المعراج الجسماني ، وشقّ القمر ، والقرآن. وهو من أصول الدين ، ردّا على كثير من الكافرين كاليهود والنصارى ، وأمثالهم من المعاندين الجاحدين.

وفي حكمهم من قال في دفع لزوم الخرق والالتئام في الأفلاك عند عروج النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله : إنّ الصاعد كلّما صعد ألقى منه عند كلّ رتبة منها ، مثلا إذا أراد تجاوز كرة الهواء ألقى ما فيه من الهواء فيها ، وإذا أراد تجاوز كرة النار ألقى ما فيه منها فيها ، وإذا

__________________

(١) الأحزاب (٣٣) : ٤٠.

(٢) راجع « كشف المراد » : ٣٤٦.

(٣) المصدر السابق.

١١

رجع أخذ ما له من كرة النار ، فإذا وصل الهواء أخذ ما له من الهواء ؛ بناء منه على أنّ العروج إنّما هو للجسم النوراني الهورقليائي دون العناصر المعروفة ؛ أو أنّ جسده الشريف علّة لوجود جميع الأجسام فكان محيطا بجميعها ، فلا يكون منها جزء إلاّ وهو محيط به ، فكانصلى‌الله‌عليه‌وآله في عروجه محيطا بجميع الأجسام والأرواح والنفوس والعقول ؛ فإنّه أيضا للحقّ من الجاحدين.

وأنّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله خاتم النبيّين ودينه باق إلى يوم الدين ، بمعنى أنّ الله تعالى بعث قبله الأنبياء والمرسلين وجعل نبيّنا خاتم النبيّين ؛ كما نطق به القرآن المبين(١) ، وروي عنهصلى‌الله‌عليه‌وآله أنّه قال : « خلق الله عزّ وجلّ مائة ألف نبيّ وأربعة وعشرين ألف نبيّ أنا أكرمهم على الله تعالى »(٢) . وهو أيضا من أصول الدين ، ردّا على الجاحدين.

الخامس : أنّ نبيّناصلى‌الله‌عليه‌وآله أفضل المخلوقين ، وله لهذا إذن شفاعة العاصين في يوم الدين. وهذا أيضا من أصول المذهب ظاهرا. خلافا لبعض القاصرين ، كما حكي عن بعض الأشاعرة وجمهور المعتزلة حيث قالوا بأفضليّة الملائكة للوجوه الركيكة(٣) .

وحكي عن الوعيديّة من لزوم الوعيد وعدم العفو والشفاعة.

وبالجملة ، فنقول :

__________________

(١) الأحزاب (٣٣) : ٤٠.

(٢) « الخصال » ٢ : ٦٤١ ، ح ١٨ و ١٩.

(٣) انظر « تلخيص المحصّل » : ٣٧٤ ـ ٣٧٦.

١٢

الفصل الأوّل :

في أنّ بعث الله تعالى النبيّ ـ المخبر عن الله تعالى بنحو

الوحي من غير اجتهاد ـ بالحسن التامّ ، فيكون واجبا عقلا مع أنّه واقع نقلا

بيان ذلك عقلا أنّ للبعثة فوائد :

الأولى : تقوية العقل في الأحكام التي يستقلّ بإدراكها ، والدلالة على ما لا يستقلّ فيه.

الثانية : تنبيه العقلاء على لزوم معرفة الله التي هي الأساس الموجب للحياة الأبديّة والسعادة الأخرويّة ؛ لانغمار العقول باللذائذ الجسمانيّة والشهوات الحيوانيّة والعلائق البدنيّة التي يميل إليها الطبع ، فالناس كلّهم لا بدّ لهم من الإيقاظ من نوم الغفلة والجهل بالدعوة النبويّة ليحصّلوا المعارف اليقينيّة.

الثالثة : إرشاد الناس إلى المنافع النفسانيّة والجسمانيّة ؛ إذ معرفة المنافع البدنيّة والمضارّ البدنيّة بالتجربة تتوقّف على مرور الدهور وهلاك كثير من الناس ، فلا بدّ ممّن يعرفها من الله ؛ ولهذا خلق الله قبل الكلّ نبيّا وهو آدمعليه‌السلام .

الرابعة : حفظ نوع الإنسان ؛ لأنّه مدني بالطبع ، بمعنى أنّه بالطبع محتاج إلى معاونة بعضهم بعضا في الغذاء واللباس والمسكن والآلات لدفع العدوّ ونحوه ، ولا يمكن لأحد من الأفراد الإتيان بجميع ما يحتاج بنفسه كما لا يخفى ، بل لا بدّ من اجتماع جماعة في موضع يمكن إعانة بعضهم بعضا لينتظم أمر معاشهم ويترتّب

١٣

عليه أمر معادهم ، ويسمّى ذلك الموضع مدينة.

وكون الإنسان مدنيّا عبارة عن احتياجه إلى الكون في المدينة لينتظم أمر معاشه ومعاده ، ولمّا كان اجتماعهم ـ من جهة كونهم ذوي غضب وشهوة ـ موجبا لوقوع الفتنة والظلم ، والهرج والمرج الموجبة لاختلال نظام أمر المعاش والمعاد ، وبطلان فائدة الاجتماع والتمدّن ، فلا بدّ من العدل الذي هو عبارة عن تسوية الحقوق ، وإحقاق الحقّ منها جزئيّات العدل في الحقوق الجزئيّة ، فلا بدّ من واضع وجاعل يقرّرها بحيث لا يمكن لأحد التخلّف عنها إلاّ وقد لزمه الهلاك ، فلا بدّ أن يكون ذا قدرة ؛ ليطيعه الناس طوعا وكرها ، ويكون أوامره ونواهيه نافذة في الناس ، ولا يمكن ذلك إلاّ بتأييد من الله بالآيات والمعجزات ؛ لئلاّ يكون لغيره له منازعة في استحقاق هذه الرئاسة العامّة. والمراد من النبيّ ليس إلاّ مثل هذا الفرد.

الخامسة : اشتمالها على اللطف ؛ إذ الإخبار بالثواب على الواجبات والعقاب على المنهيّات ، مقرّب إلى الطاعات ومبعّد عن المعاصي ، وحيث كان اللطف واجبا على الله كانت البعثة واجبة عليه تعالى.

والحاصل : أنّ بعثة الأنبياء لطف متمّم للغرض من جهة اقتضائها تنبيه العقول وتقويتها في العقائد ، وإرشاد الناس إلى المنافع الجسمانيّة والروحانيّة المعاشيّة والمعاديّة ، ومضارّهم كذلك. وحفظ نوع الإنسان الذي هو مدني بالطبع محتاج إلى الاجتماع في المكان والكون في المدينة ؛ لانتظام أمر المعاش والمعاد الموجب لوقوع الفتنة من جهة وقوع الغضب والشهوة المحتاج إلى مقنّن القوانين الرافعة لها ولو بالقهر والغلبة المعلوم كونه من جانب الله ، وصاحب العصمة المتمّمة للغرض بالمعجزة نقلا بما ورد في الكتاب والسنّة ، فإنّه قد قال تعالى :( رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ) (١) . وقال تعالى :( وَما أَرْسَلْنا

__________________

(١) النساء (٤) : ١٦٥.

١٤

مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ) (١) . وقال تعالى :( يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ) (٢) .

وقال تعالى :( لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (٣) .

وروي عن هشام بن الحكم ، قال : سأل الزنديق الذي أتى أبا عبد اللهعليه‌السلام فقال : فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟

قال أبو عبد اللهعليه‌السلام : « إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا وعن جميع ما خلق ، وكان ذلك الصانع حكيما ، لم يجز أن يشاهده خلقه ، ولا يلامسوه ، ولا يباشرهم ولا يباشروه ، ولا يحاجّهم ولا يحاجّوه ، فثبت أنّ له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه وعباده ، يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم ، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه ، فثبت عند ذلك أنّ له معبّرين ، وهم الأنبياء وصفوته من خلقه ، حكماء مؤدّبين بالحكمة ، مبعوثين بها ، غير مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب ، مؤيّدين من عند الله الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد ، من إحياء الموتى ، وإبراء الأكمه والأبرص ، فلا تخلو أرض الله تعالى من حجّة يكون معه علم يدلّ على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته »(٤) .

ومثله الآخران مسندا ومرسلا(٥) .

وإلى مثل ما ذكرنا أشار المصنّفرحمه‌الله مع بيان الشارح القوشجي بقوله :( البعثة

__________________

(١) إبراهيم (١٤) : ٤.

(٢) إبراهيم (١٤) : ١٠.

(٣) الحديد (٥٧) : ٢٥.

(٤) « التوحيد » : ٢٤٩ ، الباب ٣٦ ، ح ١.

(٥) المصدر السابق ، ح ٢ و ٣.

١٥

حسنة ؛ لاشتمالها على فوائد : كمعاضدة النقل (١) فيما يدلّ عليه العقل ) أي يستقلّ بمعرفته ، مثل وجود البارئ وعلمه وقدرته.

( واستفادة الحكم ) من النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله ( فيما لا يدلّ ) أي لا يستقلّ به العقل ، مثل الكلام والرؤية والمعاد الجسماني ؛ لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل.

( وإزالة الخوف ) الحاصل عند الإتيان بالمحسّنات ؛ لكونه تصرّفا في ملك الله بغير إذنه ، وعند تركها ؛ لكونه تركا للطاعة.( و ) استفادة( الحسن والقبح ) في الأفعال التي تحسن تارة وتقبح أخرى من غير إهداء العقل إلى معرفتها.( و ) استفادة( النافع والضارّ ) أي معرفة منافع الأغذية والأدوية ومضارّهما التي لا تفي بها التجربة إلاّ بعد أدوار وأطوار مع ما فيها من الأخطار.( وحفظ النوع الإنساني ) فإنّ الإنسان مدنيّ بالطبع يحتاج إلى التعاون ، فلا بدّ من شرع يفرضه شارع يكون مطاعا ، كما ذكرنا في بيان حسن التكليف على طريقة حكماء الإسلام.( وتكميل أشخاصه ) أي تكميل النفوس البشريّة( بحسب استعداداتهم المختلفة ) في العلميّات والعمليّات.

( ويعلّمهم الصنائع الخفيّة ) من الحاجات والضروريّات( والأخلاق ) الفاضلة الراجعة إلى الأشخاص( والسياسات ) الكاملة العائدة إلى الجماعات من المنازل والمدن( والإخبار بالعقاب والثواب ) ترغيبا في الحسنات ، وتحذيرا عن السيّئات ، إلى غير ذلك.( فيحصل اللطف للمكلّف ) أي بعثة الأنبياء لطف من الله تعالى بالنسبة( إلى عباده ).

( وشبهة البراهمة ) وهي أنّ البعثة إمّا لأجل ما يوافق العقل فلا حاجة فيه إليهم ، أو لأجل ما يخالفه ، وما يخالف العقل غير مقبول ، فلا فائدة في بعثتهم ؛( باطلة ؛ لما تقدّم ) من أنّ ما يوافق العقل قسمان : أحدهما ما استقلّ العقل بإدراكه. والثاني ما لا يستقلّ بإدراكه. والحاجة إليهم في القسم الثاني ، بل في القسم الأوّل أيضا

__________________

(١) في الأصل : « العقل » وما أثبتناه من المصدر.

١٦

ليتعاضد العقل بالنقل.

( وهي واجبة لاشتمالها على اللطف في التكاليف العقليّة ) فإنّ الإنسان إذا كان واقفا على التكاليف بحسب الشرع كان أقرب من فعل الواجبات العقليّة وترك المنهيّات العقليّة.

أقول : لا يخفى ما فيه من البعد. فالأقرب أن يحال بما بيّنته آنفا من اشتمالها على فوائد »(١) .

__________________

(١) « شرح تجريد العقائد » للقوشجي : ٣٥٧ ـ ٣٥٨.

١٧

الفصل الثاني :

في أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله يجب أن يكون معصوما عن

العصيان والنسيان ، بل عن جميع ما يوجب تنفّر الإنسان

اعلم أنّ العصمة ملكة إلهيّة موهوبيّة بكمال الفطانة ، لا كسبيّة ولا ذاتيّة ، مانعة عن حصول الذنوب وصدور القبائح والعصيان في حالتي العمد والنسيان في مدّة عمر بعض أفراد الإنسان ، على وجه الاختيار لا على وجه الإكراه والإجبار ؛ كما هو ظاهر قوله :( إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ ما رَحِمَ رَبِّي ) (١) وظاهر إطلاق لفظ « المعصوم » ، مضافا إلى أنّ الذاتيّة تقتضي نفي المدح والفضيلة مع أنّه لا إكراه في الدين.

وبعبارة أخرى : هي حالة نفسانيّة ـ غريزة ـ يمتنع بها صدور داعي الذنوب امتناعا وقوعيّا ، لا عقليّا وذاتيّا ، فيمتنع صدور الذنوب مع القدرة عليها.

وبالقيد الأوّل تمتاز عن العدالة ؛ إذ لا يعتبر فيها كون الملكة موجبة لامتناع صدور الذنوب. ويمكن الامتياز من جهة أخرى وهي إمكان صدور الذنوب مع العدالة ولكن مع التعسّر سيّما الصغيرة ، فيكون المنع عن صدور الذنوب فيها أغلبيّا لا كلّيّا. بخلاف العصمة ؛ فإنّ صدورها معها ممتنع وإن كان القدرة عليها متحقّقة ؛ إذ الامتناع بسبب عدم الداعي ، أو وجود المانع لا ينافي القدرة ، كما أنّ الوجوب بسبب

__________________

(١) يوسف (١٢) : ٥٣.

١٨

وجود الداعي لا ينافيها.

وظهر من القيد الأخير عدم امتناع صدور العصيان على وجه الإجبار ؛ إذ لا إكراه في الدين.

والأنسب أن يفسّر العصمة بحالة إلهيّة مانعة عن صدور مطلق القبيح والعصيان عن العمد والنسيان ، ونحوهما ممّا يعرض الإنسان مدّة العمر ، لا على وجه الإكراه.

وأمّا عصمة خاتم الأنبياء وأوصيائه فهي مانعة عن صدور ترك الأولى مطلقا وما يوجب النفرة والنقص ، وعدم إتمام الحجّة ، والشبهة في إتمام الحجّة أيضا ، كما هو مقتضى الوصول إلى مرتبة حقّ اليقين المشار إليه بقولهعليه‌السلام : « لو كشف الغطاء لما ازددت يقينا »(١) ، ومقتضى الخشية فـ( إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ ) (٢) .

وبالجملة : فالعصمة لطف خصّصه الله تعالى بجمع يتوقّف حصول الغرض من وجودهم عليه وهم الأنبياء والأوصياء ، والغرض من وجودهم تبليغ أحكام الله إلى المكلّفين ، والغرض من التبليغ حصول العلم اليقيني بالأحكام ليسهل الغرض من خلق الإنسان وهو إيصال النعيم الأبدي الموقوف على القابليّة الموقوفة على العمل على وفق الحسن والقبح النفس الأمريّين بارتكاب الأوّل والاجتناب عن الثاني ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالعلم بهما ، وهو لا يحصل إلاّ ببيان من الله بواسطة ، أو بدونها لنقصان عقولنا ، والأخير غير ممكن في الكلّ لنقص القابل ، فلا بدّ من الواسطة التي يحصل من بيانها العلم ، ولا يحصل ذلك إلاّ بالعصمة المانعة عن صدور الكذب ، بل السهو والنسيان ، فتجب عصمة الأنبياء من وجوه ثلاثة :

الأوّل : أنّها لطف للأنبياء في التبليغ الذي هو لطف مخصوص بهم ؛ إذ اللطف ما يقرّب المكلّف إلى أداء التكليف ، وهي كذلك بالنسبة إليهم.

__________________

(١) « بحار الأنوار » ٤٠ : ١٥٣ ، ح ٥٤.

(٢) فاطر (٣٥) : ٢٨.

١٩

والثاني : أنّها لطف للمكلّفين في تصديق الأنبياء الذي هو تكليف بالنسبة إليهم ؛ لما ذكر.

الثالث : أنّها لطف لهم في سائر التكاليف المعدّة لإيصال النعيم الأبدي ، فثبت أنّ عدمها نقض لغرض الله وهو قبيح ، فوجودها واجب.

مضافا إلى أنّ اختيار غير المعصوم ـ مع إمكان بعث المعصوم وعدم المانع عنه ـ ترجيح للمرجوح ، وهو قبيح لا يصدر عن الله ، فبعث المعصوم واجب ، فذانك برهانان من ربّك من جهة العقل ، ويطابقهما النقل ، كقوله تعالى :( لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) (١) . وقوله تعالى :( إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ) (٢) . الدالّ على حصر إرادته التي لا تتغيّر في إذهاب الرجس الممكن بحسب البشريّة ، ووجود قوّتي الغضبيّة والشهويّة ، وتطهيرهم عنه بالكلّيّة ، ونحو ذلك على ما يدلّ على أنّ بعث المعصومعليه‌السلام واجب.

وطريق العلم بها لنا أن يعلم أنّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أتى بالمعجزة كما سيأتي ، ويحكم بها من جهة هذا العلم من قبيل البرهان الإنّي ، أو يخبر المخبر الصادق المعصوم بعصمة شخص آخر كإخبار النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعصمة أمير المؤمنينعليه‌السلام أو بإمامته الموقوفة عليها ، وهكذا.

وقد نقل الخلاف في أنّ عصمة الأنبياء يجب أن تكون في الكذب فقط ، أو في غيره أيضا ، وعلى الأوّل هل يجب أن يكون في الكذب في التبليغ فقط ، أو في غيره أيضا؟ وعلى الثاني هل يجب أن تكون بالنسبة إلى الكبيرة فقط ، أو إلى الصغيرة أيضا؟ وعلى الثاني هل يجب أن تكون بالنسبة إلى الخسيسة فقط ، أو بالنسبة إلى غيرها أيضا؟ وعلى التقادير هل يجب أن تكون بالنسبة إلى حال العمد فقط ، أو يجب أن تكون بالنسبة إلى حال السهو أيضا؟ وعلى أيّ تقدير هل يجب أن تكون

__________________

(١) البقرة (٢) : ١٢٤.

(٢) الأحزاب (٣٣) : ٣٣.

٢٠