جامع الافكار وناقد الانظار الجزء ٢

جامع الافكار وناقد الانظار0%

جامع الافكار وناقد الانظار مؤلف:
المحقق: مجيد هاديزاده
الناشر: مؤسسة انتشارات حكمت
تصنيف: مفاهيم عقائدية
ISBN: 964-5616-70-7
الصفحات: 646

جامع الافكار وناقد الانظار

مؤلف: محمد مهدي بن أبي ذر النراقي [ المولى مهدي النراقي ]
المحقق: مجيد هاديزاده
الناشر: مؤسسة انتشارات حكمت
تصنيف:

ISBN: 964-5616-70-7
الصفحات: 646
المشاهدات: 1793
تحميل: 208


توضيحات:

الجزء 1 الجزء 2
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 646 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 1793 / تحميل: 208
الحجم الحجم الحجم
جامع الافكار وناقد الانظار

جامع الافكار وناقد الانظار الجزء 2

مؤلف:
الناشر: مؤسسة انتشارات حكمت
ISBN: 964-5616-70-7
العربية

الطوسي بعينية الإرادة للداعى ليس منشأه هو كون الداعي عين ذاته حتّى يكون أصل غرضه اثبات عينية الإرادة للذات / ١٩٥ MA / إنّه ـرحمه‌الله ـ قد حكم بعدم زيادة الإرادة على الداعي في الممكنات أيضا ، حيث قال في مبحث الاعراض من التجريد : « ومنها ـ أي : ومن الكيفيات النفسانية ـ الإرادة والكراهة ، وهما نوعان من العلم »(١) .

وغير خفيّ بأنّ التأويل المذكور لا يجري في إرادة الممكنات ، لأنّ عينية الصفات للذات عند المحقّق لا يكون إلاّ في الواجب دون الممكنات. وقد ظهر ممّا ذكر أنّ الاستدلال المذكور على كون إرادته ـ سبحانه ـ عين علمه بالأصلح غير تامّ. وبذلك يظهر عدم تمامية ما ذهبوا إليه من كون الإرادة في الواجب ـ تعالى ـ نفس العلم بالاصلح مع أنّ الظاهر مغايرة الإرادة للعلم بالأصلح ، لأنّ الإرادة مقابل الكراهة ويعبّر عنها بالفارسية ب : « خواستن » ، ومعلوم بالضرورة أنّ هذا المعنى غير العلم بالأصلح بمعنى الظهور والانكشاف وإن كان مبدأهما ومنشأهما ذاتا واحدة هو الواجب ـ سبحانه ـ ؛ هذا.

وقيل : يمكن أن يوجّه كلام المحقّق الطوسي ـ أعني : الاستدلال المذكور ـ بحيث يكون تماما بأن يقال : إنّ مراده أنّ الإرادة الّتي قلنا أنّها مخصّصة للايجاد لو كان غير الداعي الّذي هو العلم بالنفع لكان غير الذات باعتبار أنّه علم بالنفع ، ولو كان غير الذات باعتبار أنّه علم بالنفع لكان غير الذات مطلقا ، لأنّ الذات من غير اعتبار كونه علما بالنفع لوجود حادث في وقت معيّن بدون ملاحظة أنّ بعض الأوقات اصلح للصدور نسبته ـ سبحانه ـ إلى جميع الأوقات والممكنات على السواء ـ كما ذكر في أدلّة عموم قدرته تعالى ـ ، والإرادة لا يكون نسبتها إلى الجميع على السواء ، فلا يكون عين الذات بدون الاعتبار المذكور ـ أي : اعتبار كونه علما بالنفع ـ ، بل يكون مغايرا له ؛ فاذا لم يكن عين الذات مع الاعتبار المذكور أيضا ـ أعني : اعتبار كونه علما بالنفع الّذي يسمّى بالداعي ـ كان مغايرا للذات مطلقا. وحينئذ نقول : إن كانت هذه الإرادة المغايرة للذات قديمة يلزم تعدّد القدماء ؛ وإن كانت حادثة يلزم التسلسل. والحاصل : إنّ المحقّق و

__________________

(١) راجع : المسألة الخامسة والعشرون من الفصل الخامس من المقصد الثاني ؛ كشف المراد ، ص ١٩٤.

٣٨١

المعتزلة قالوا : لا بدّ لترجيح الفاعل المختار سوى ذاته من أمر مرجّح لوجود الفعل على عدمه في نظره ، فهذا المرجّح ليس من طرف الفاعل بل لا بدّ من حصول اختلاف خارجي قطعا حتّى يختلف نسبة الفاعل إلى الأشياء باختلافه وملاحظته والتعلّق به من طرف الفاعل ، فاذا لم يكن كذلك لم يمكن اقدام المختار على الفعل عندهم ؛ ويسمون العلم بهذا المرجّح وملاحظته داعيا. وقالوا : هذا العلم هو مخصّص لتعلّق الايجاد بشيء دون شيء وفي وقت دون وقت باعتبار معلومه المختلف بحسب اختلاف نفسه ، ويسمون هذا المخصّص الكذائى بالارادة أيضا.

واستدلّ المحقّق على أنّ هذا العلم هو المخصّص الكذائي دون شيء آخر بانّا لو قطعنا النظر عن هذا العلم بالمعلومات المختلفة الّذي هو في الواجب ـ تعالى ـ عين الذات وكان المخصّص غيره وقد ذكرنا أنّه لا بدّ في المخصّص من اختلاف النسبة حتّى يصلح للتخصيص والذات الأحدي / ١٩٨ DA / من غير اعتبار علمه المختلف نسبته باعتبار اختلاف المعلومات لا يختلف نسبته بشيء من الاشياء قطعا ، فيلزم كونه أمرا خارجا مغايرا للذات ؛ فان كان قديما يلزم تعدّد القدماء ؛ وإن كان حادثا يلزم التسلسل. وعلى هذا لا يرد عليه ما أورد عليه من : أنّه لا دخل لكون الإرادة عين الذات أو غيره في التزام الفسادين ، بل انّما يلزمان من زيادة الإرادة ، فان كانت زائدة يلزم الفسادان وإلاّ فلا ؛ فمن لم يقل بزيادتها فلا فساد عليه سواء قال بانّها عين الداعي أو لا. ووجه عدم الورود انّك قد عرفت أنّ كونها غير الداعي حتّى بالاعتبار يستلزم كونها غير الذات مطلقا ، فيلزم الفسادان. وعلى ما ذكر فما ذكره المحقّق في التجريد بقوله : « وتخصيص بعض الممكنات بالايجاد في وقت يدلّ على إرادته »(١) لا يثبت منه سوى وجود مخصّص يقتضي تخصيص الايجاد بشيء دون شيء ووقت دون وقت ، وسمّاه بالارادة. واستدلّ على أنّها نفس العلم بالنفع ، ولم يثبت عنده شيء سوى المخصّص المذكور كميل وعزم حتّى يقال : إنّه غير الداعي أو عينه. والحاصل : إنّ ما ثبت عند المحقّق الطوسي أنّه لا بدّ من وجود أمر للتخصيص وسمّاه بالارادة ، واثبت أنّه هو الداعي بالدليل المذكور ، ولم يثبت

__________________

(١) راجع : المسألة الرابعة من الفصل الثاني من المقصد الثالث ؛ كشف المراد ، ص ٢٢٣.

٣٨٢

عنده أزيد من ذلك حتّى ينظر أنّه أيّ شيء هو ، ومن اثبت شيئا آخر زائدا على المخصّص المذكور ـ كميل وعزم وامثالهما وسمّاه بالارادة وقال : انّها زائدة على الداعي ـ فلا يضرّ المحقّق وامثاله ، لأنّ مدّعاه انّ المخصّص هو الداعي ـ لأنّ كلّ ما اثبته أحد هو الداعي ـ ، وقد ثبت بالدليل المذكور أنّ مناط التخصيص ومنشأه لا يمكن أن يكون سوى العلم المذكور ولم يقصد بالمخصّص سوى ما هو مناطه. ولو قال أحد : إنّه يحصل من هذا المناط شيء آخر سمّاه بالارادة ، فلا مضايقة معه ؛ إلاّ أنّه لم يثبت ذلك عند المحقّق ، بل ما ثبت عنده هو أنّه لا بدّ من وجود مخصّص والمخصّص ليس إلاّ العلم بالنفع ، ومعلوم أنّ / ١٩٥ MB / الإرادة أيضا مخصّصة ، فسمّى العلم بالنفع إرادة » ؛ انتهى.

اقول : غير خفيّ بانّ الإرادة مغايرة بالمفهوم للعلم بالأصلح ، فانّ ما يفهم من الإرادة هو ما يعبر عنه بالفارسية ب : « خواستن » ، وما يفهم من العلم هو الانكشاف ، وتغاير هذين المعنيين بالاعتبار ممّا لا ريب فيه ، فانّه يمكن أن يتحقّق العلم بصلاح شيء من دون أن تحقّق إرادته ، فالعلم بالأصلح مقدّم على إرادته ؛ ولهذا يصحّ أن يقال : علم صلاحية وجود الأمر الفلاني ثمّ اراده. فكما أنّ جميع الصفات ـ من العلم والقدرة والحياة والبقاء ـ إذا اخذت بمعانيها الاضافية الاعتبارية متغايرة بالمفهوم ومغايرة للذات أيضا وليست متغايرة بحسب الحقيقة والمصداق وجميعها عين الذات بمعنى أنّه ليس لكلّ منها مبدأ عرضي خارجي قائم بالذات بل منشأ الجميع ومصحّحه ومناطه هو الذات فقط من دون افتقار إلى شيء آخر ، فكذلك الإرادة والعلم بالأصلح متغايران بالمفهوم متحدان بحسب الحقيقة والمصداق بمعنى أنّ منشأهما مجرّد الذات بذاته ؛ فالحكم باتحادهما إن كان المراد منه الاتحاد بحسب المفهوم والاعتبار فهو باطل ـ لما عرفت من أنّ مفهوم الإرادة غير مفهوم العلم بالأصلح ـ.

وأمّا ما استدلّ به القائل المذكور لاتحادهما من : أنّه لو كان غير الداعي ـ الّذي هو العلم بالنفع ـ لكان غير الذات باعتبار أنّه علم بالنفع ـ إلى آخره ـ ؛

ففيه : إنّه لا ريب في أنّ الإرادة بمعنى الصفة الاضافية مغايرة للذات باعتبار أنّه علم بالنفع ومغايرة للذات مطلقا أيضا ـ كباقي الصفات ـ ؛ وأمّا الإرادة الحقيقية ـ أي :

٣٨٣

ما هو المبدأ والمنشأ للارادة الاضافية ـ فلا ريب في كونها عين الذات ـ كباقى الصفات أيضا بمعانيها الحقيقية ـ. فما ذكره من أنّ الإرادة لو كانت زائدة على الذات مطلقا لزم قدمها أو التسلسل ؛

ففيه : إنّ الإرادة الحقيقية ـ أي : ما هو المبدأ والمنشأ ـ فهو عين العلم بالأصلح بمعناه الحقيقى وعين الذات مطلقا أيضا ، إلاّ أنّ جميع الصفات بمعانيها الحقيقية بعضها عين بعض وجميعها عين الذات أيضا. والإرادة بالمعنى الاضافية لا يوجب قدمها فسادا ، لأنّ قدم الأمر الاعتباري الاضافي لا يوجب قدم أمر خارجي كقدم سائر الصفات الاضافية في الذات باعتبار كونه منشئا لانكشاف علم حقيقي ، وباعتبار كونه منشئا للصدور واللاصدور قدرة حقيقية وباعتبار كونه مرجّحا لوجود العالم على عدمه إرادة حقيقية. ومن قال الإرادة نفس العلم بالأصلح يقول الذات باعتبار الذات بدون اعتبار كونه علما بالنفع وبالنظام الأعلى هو القدرة ، وباعتبار أنّه علم بالنظام الأعلى هو الإرادة / ١٩٨ DB / المرجّحة. وبذلك يندفع ما يقال : إنّه إذا كانت الإرادة المرجّحة لأحد طرفي المقدور عين الذات لم تكن القدرة عين الذات ، إذ المعتبر فيها تعلّقها بالطرفين على السواء.

وقد ظهر ممّا ذكرناه أنّ القول بأنّ الإرادة نفس العلم بالأصلح ـ كما هو مذهب المحقّق الطوسي ورؤساء المعتزلة ـ أو نفس العلم بالنظام الكلّي الجملي ـ كما نسب إلى الحكماء ـ ضعيف ، لأنّ الإرادة انّما هو بعد العلم. واثبات صفة اضافية هي الإرادة سوى العلم للواجب لا يوجب نقصا فيه ، وإلاّ لتأتّى ذلك في غيرها من الصفات أيضا. فمطلق العلم هو الانكشاف ، والعلم بالأصلح هو انكشاف هذا الأصلح ، والقدرة هو التمكّن من الفعل أو الترك بالنظر إلى الذات ، والمشية هو القصد أو الميل إلى الفعل أو الترك بحسب المصلحة أو المفسدة بحيث يحتملهما جميعا ، والاختيار هو ايثار أحد الطرفين وترجيحه والميل إليه بسبب المصلحة ، والإرادة تعلّق القصد بأحد الطرفين الّذين اختاره ومال إليه. فالمشية بعد تعيّن أحد الطرفين يصير اختيارا والاختيار بعد العزم والجزم يصير إرادة ، فالمختار من ينظر في أحد الطرفين ويميل إليه ، والمريد هو

٣٨٤

الناظر العازم إلى الطرف الّذي مال إليه ، فالاختيار متوسّط بين المشية والإرادة ، لأنّ الفاعل يشاء أوّلا ثمّ يرجّح أحد الطرفين ثمّ يعزم عليه ؛ فالمشية إذا عزمت تصير إرادة. وإلى هذا يشير ما روي عن أبي الحسن الرضا ـعليه‌السلام انّه قال : يا يونس تعلم ما المشية؟ ؛

قال : لا ؛

قال : هي الذكر الأوّل ؛ فتعلم ما الإرادة؟ ، / ١٩٦ MA /

قال : لا ؛

قال : هي العزيمة على ما يشاء(١) .

ثمّ إن منع إطلاق القصد على مشيته وإرادته ـ تعالى ـ فليعبّر عنهما بالرضا أو الابتهاج أو الحثّ أو ما يناسبها ممّا يعبر عنه بالفارسية ب : « خواستن ». على أنّ ما ذهب إليه الفلاسفة من امتناع تحقّق القصد أو الميل أو العزم أو ما يشابهها للواجب ـ سبحانه ـ دليلهم على ذلك إنّ الفاعل بالقصد يكون فعله لغرض البتة ، والفاعل بالغرض يكون مستكملا به أعمّ من أن يكون الغرض عائدا إلى ذاته أو إلى غيره ، لأنّ اتصال النفع إلى الغير إن كان لأجل قصد شوقي يوجب الاستكمال مع أنّه ـ سبحانه ـ منزّه عن الاستكمال ، بل هو الجواد الحقّ المطلق وهو الّذي تفيض منه الفوائد لا لشوق منه ولا بطلب قصدي لشيء يعود إليه ، إذ الجود هو افادة ما ينبغى لا لعوض ولا لاحسان ومدح وثناء ولا للتخلص عن المذمّة.

ولا ريب في أنّ هذا الايراد ـ أعني : لزوم تأتّي الغرض ـ يرد ظاهرا في صورة كون إرادته بنفس العلم بالأصلح ، وما يجاب به عنه هنا يمكن أن يجاب به في صورة كون إرادته القصد أو الميل أو امثالهما.

وسنشير إلى حقيقة الحال في ذلك.

ثمّ إنّ ما نسب إلى الحكماء من أنّ الإرادة عندهم نفس العلم بنظام الخير فالظاهر إنّه خلاف الواقع ، فانّ الظاهر من كلام الشيخ إنّ إرادته ـ سبحانه ـ عندهم ما يعبّر عنه

__________________

(١) راجع : بحار الأنوار ، ج ٥ ص ١١٧.

٣٨٥

بالفارسية ب : « خواستن » من الرضا أو الابتهاج أو الحبّ أو العشق أو امثال ذلك ، فانّه قال في رسالته لاثبات المبدأ الأوّل في بيان إرادته ـ تعالى ـ : « هذه الموجودات كلّها صادرة من ذاته ـ تعالى ـ ومن مقتضى ذاته ، فهي غير منافية له. ولانّه يعشق ذاته ، فهذه الاشياء كلّها مرادة لأجل ذاته ، فكونها مرادة له ليس لأجل غرض ، بل لأجل ذاته ـ لانّها مقتضى ذاته ـ. فليس يريد هذه الموجودات لانّها هي ، بل لأجل ذاته ولانّها مقتضى ذاته. مثلا لو كنت تعشق شيئا لكان جميع ما يصدر عنه معشوقا لك لأجل ذلك الشيء ، ونحن انّما نريد لأجل الشهوة واللذة لا لأجل ذات الشيء المراد ». ثمّ قال : « فنقول : هذه المعلومات صدرت عن مقتضى ذات واجب الوجود بذاته المعشوقة له مع علم منه بأنّه فاعلها وعاقلها ، وكلّ ما صدر عن شيء على هذه الصفة فهو غير مناف لذلك الفاعل وكلّ فعل يصدر عن فاعل وهو غير مناف له فهو مراده ، فاذن الاشياء كلّها مرادة للواجب ـ تعالى ـ وهو المراد الخالي عن الغرض ، لأنّ الغرض في رضاه بصدور تلك الأشياء عنه أنّه مقتضى ذاته المعشوقة ، فيكون رضاه بتلك الأشياء لأجل ذاته ، فيكون الغاية في فعله ذاته. ومثال هذا إذا أحببت شيئا لأجل انسان كان المحبوب بالحقيقة ذلك الانسان ، فكذلك المعشوق المطلق هو ذاته. ومثال الإرادة فينا : انّا نريد شيئا فنشتاقه ـ لانّا محتاجون إليه ـ ، وواجب الوجود يريده على الوجه الّذي ذكرناه ، ولكنه لا يشتاق إليه ـ لانّه غني عنه ـ. فالغرض لا يكون إلاّ مع الشوق ، فانّه يقال : لم طلبت هذا؟ ؛ فيقال : لأنّه اشتاقه ؛ وحيث لا يكون الشوق لا يكون / ١٩٩ DA / الغرض » ؛ انتهى.

وغير خفيّ بأنّ في هذا الكلام مواضع تدلّ على أنّ إرادته ـ سبحانه ـ ليست عين علمه بنظام الكلّ ، بل ارادته لشيء هو رضاه ـ تعالى ـ أو ابتهاجه به أوجبه له ـ أو غير ذلك ممّا يناسب امثال تلك الألفاظ ـ.

وقد ظهر ممّا قرّرناه أنّ الداعي للايجاد هو العلم بالأصلح وهو منشئا ومصحّح للارادة ، وهي غير الداعي بالاعتبار.

ثمّ إن قيل : لمّا كانت الإرادة ـ سواء كانت نفس الداعي أو غيرها ـ على ما اخترت عين الذات بمعنى أنّ الذات بذاته كانت منشئا لها كان المرجّح مجرّد الذات فلا يمكن صدور

٣٨٦

الطرف الآخر عنه ـ لأنّ مقتضى الذات ممتنع الانفكاك عنه ـ فلا يكون الذات قادرا حينئذ ـ إذ يعتبر في القدرة أن يكون تعلقها بالطرفين على السواء ـ ؛

قلنا : القدرة عند الحكماء هو التمكّن من فعل العالم مع العلم وإن وجب بالنظر إلى الذات ولم يمكن الترك ، والإرادة عندهم هو عين العلم بالنظام الكلّي ـ كما نسب إليهم في المشهور ـ أو غيره بالاعتبار كالرضا والابتهاج ومثلهما ـ على ما ظهر من كلام الشيخ ـ ، والقدرة عند المتكلّمين هو امكان الفعل والترك بالامكان الذاتي أو الوقوعى. وقد عرفت فيما سبق أنّ الاكثر نسب القول بالقدرة بمعنى امكان الفعل والترك بالنظر إلى الذات إلى الحكماء أيضا ، ولكنّه قد عرفت ما فيه. والإرادة عندهم ـ أي : عند المتكلّمين ـ إمّا العلم بالأصلح ـ كما اختاره العلاّمة الطوسي وبعض رؤساء المعتزلة ـ أو غيره ممّا يعبر عنه / ١٩٦ MB / بالفارسية ب : « خواستن » كالرضا والابتهاج ومثلهما ، فعلى الأوّل ـ أعني : على القول بكون القدرة هو التمكّن من ايجاد العالم وإن وجب بالنظر إلى الذات وكون الإرادة عين العلم بالنظام الأصلح ، كما ذهب إليه الحكماء ـ فلا يرد الشبهة المذكورة أصلا ، لأنّ القدرة بهذا المعنى لا ينافي الإرادة بهذا المعنى مطلقا ، فانّ حاصل هذا القول : إنّ ذات الواجب بذاته اقتضى تمثّل نظام الخير في ذاته وانكشافه لذاته ، واقتضى هذا التمثل والانكشاف صدوره عنه ـ سبحانه ـ ؛ فهذا الصدور مع العلم هو القدرة ، وهذا العلم هو الإرادة.

وعلى هذا لا يرد أيضا لزوم تأتّي الغرض في فعله ، ولا لزوم التفات العالي إلى السافل. وعلى الثاني ـ أعني : كون القدرة هو التمكّن من ايجاد العالم مع العلم وكون الإرادة ما يلزم من العلم بنظام الخير من الرضا أو الابتهاج وما شابههما ـ فالشبهة المذكورة أيضا غير واردة أصلا ، لأنّ الرضا والابتهاج بالفعل لا ينافي القدرة بمعنى التمكّن من الفعل مع وجوبه ، فانّ القدرة بهذا المعنى لا ينافي الوجوب ، فلا ينافي الإرادة الموجبة أيضا.

نعم! ، يرد حينئذ كون فعله ـ تعالى ـ معلّلا بالغرض ، لأنّ الرضا والابتهاج بفعل يكون مشتملا على الغرض البتة إمّا عائدا إلى ذات الفاعل أو إلى غيره ، وعلى

٣٨٧

الصورتين يلزم الاستكمال ، ويلزم أيضا التفات العالي إلى السافل ؛ والحكماء لا يقولون به.

والجواب عنه هو ما ظهر من كلام الشيخ في العبارة المنقولة عنه ، وحاصل الجواب : أنّ الممكنات المعلولة له الصادرة عنه لمّا كانت من لوازم ذاته ورشحات فيضه فرضاه وابتهاجه بها انّما هو لأجل كونها لوازم ذاته لا لأجل انفسها حتّى يلزم استكماله بها ، فانّه لمّا علم ذاته الّذي هو أجلّ الأشياء بأجلّ علم يكون مبتهجا بذاته اشدّ الابتهاج ، ومن ابتهج بشيء ابتهج بجميع ما يصدر عن ذلك الشيء من اجل أنّه يصدر عن ذلك الشيء ؛ فالواجب ـ تعالى ـ لا يريد الأشياء لا لأجل ذواتها من حيث ذواتها ، بل لأجل أنّها صدرت من ذاته ـ تعالى ـ. فالغاية بهذا المعنى في الايجاد نفس ذاته ـ تعالى ـ ، وكلّ ما كان فاعليته لشيء على هذا السبيل يكون فاعلا وغاية معا لذلك الشيء. وما قالوا من أنّ العالي لا يلتفت إلى السافل ولا يريده في فعله وإلاّ لزم أن يكون مستكملا به ـ لكون وجوده أولى له من عدمه والعلّة لا يستكمل بالمعلول ـ ، لا ينافي ذلك ؛ إذ المراد من الإرادة والالتفات المنفيين عن العالي بالقياس إلى السافل هو ما يكون بالذات لا بالعرض ، فلو أحبّ واجب الوجود مفعوله وأراده لأجل كونه أثرا من آثار ذاته ورشحا من رشحات فيضه وجوده لا يلزم أن يكون وجوده له بهجة وخيرا ، بل بهجته انّما هي بما هو محبوب بالذات ـ وهو ذاته المتعالية الّتي كلّ جمال وكمال رشح وفيض من جماله وكماله ـ. فلا يلزم من حبه ـ تعالى ـ وإرادته له استكماله بغيره ، لأنّ المحبوب والمراد بالحقيقة نفس ذاته ، كما انّك إذا أحببت انسانا فتحبّ آثاره لكان المحبوب لك بالحقيقة ذلك الانسان. قال الشيخ في التعليقات : « ولو أنّ انسانا عرف الكمال الّذي هو حقيقة واجب الوجود ثمّ / ١٩٩ DB / كان ينظم الأمور الّتي بعده على مثاله حتّى كانت الأمور على غاية النظام لكان غرضه بالحقيقة واجب الوجود بذاته ـ الّذي هو الكمال ـ ، فان كان واجب الوجود بذاته هو الفاعل فهو أيضا الغاية والغرض »(١) ؛ انتهى.

قيل : ومن هاهنا يظهر حقيقة ما قيل : لو لا العشق ما يوجد سماء ولا أرض ولا بحر

__________________

(١) راجع : التعليقات ، ص ١٨.

٣٨٨

ولا برّ.

ثمّ إنّ الحكماء كما قالوا إنّ الواجب ـ تعالى ـ غاية بالمعنى المذكور قالوا إنّه ـ تعالى ـ غاية بمعنى أنّ جميع الأشياء في حركاتها وأفاعيلها طالبة للتشبه به ، ولكلّ منها عشق وشوق إليه اراديا كان أو طبيعيا ؛ ولذا حكم الإلهيون بسريان العشق والشعور في جميع الموجودات على تفاوت طبقاتهم ؛ وحكم الشيخ في التعليقات بأنّ القوى الأرضية كالنفوس الفلكية في أنّ الغاية في افاعيلها ما فوقها ـ إذ هي لا يحرّك المادّة ليحصل ما تحتها من المزاج وغيره وإن كانت هذه من التوابع اللازمة ـ ، بل الغاية لفعل كلّ منها تحصيل الكمال الّذي يتصوّر في حقّه واستكماله بما فوقه وتشبّهه به إلى أن تنتهي سلسلة الاستكمالات والتشبّهات إلى الغاية الأخيرة والكمال الاقصى ـ أعني : الواجب سبحانه ـ. ومن هنا يظهر سرّ كلامهم : لو لا عشق العالي لانطمس السافل.

فان قيل : كيف يكون ذات الواجب باعتبار علمه بنظام الخير غاية وغرضا له ـ تعالى ـ في الايجاد عند الحكماء مع أنّهم صرّحوا بأنّ العلّة الغائية ما يقتضي فاعلية الفاعل ، فيلزم أن يكون ذاته ـ تعالى ـ علّة لذاته! ؛

قلت : / ١٩٧ MA / أجابوا عنه : بأنّ المراد من الاقتضاء والاستلزام مطلق عدم الانفكاك سواء كان مع التغاير بين العلّة الغائية والفاعلية أم لا ، فاقتضاء العلّة الغائية هنا ـ أعني : ذاته تعالى ـ لفاعليته ـ سبحانه ـ بمعنى عدم انفكاك ذاته عن فاعليته وإن لم يتحقّق التغاير ولم يقم ضرورة ولا برهان على أنّ الفاعل المختار لشيء والغاية له يجب أن يكونا متغايرين في الحقيقة ، بل ربما يكونان متحدين في الحقيقة ، فانّ الفاعل هو ما يفيد الوجود والغاية هي ما يفاد لأجله الوجود ـ سواء كانت نفس الفاعل أو أعلى منه ـ. ولو كانت الغاية قائمة بذاتها وكانت بحيث يصدر عنها أمر لكانت فاعلا وغاية معا ، فذات الواجب علّة فاعلية من حيث إنّه يفيد وجودات الأشياء وعلّة غائية لها من حيث أنّ افادته وجودها لأجل ذاته من حيث علمه بنظام الخير.

فان قيل : الحكماء صرّحوا بانّ الغاية متقدّمة على الفعل بحسب المشيئة والتعقّل و

٣٨٩

متأخّرة عنه بحسب الوجود ، فلو كان الواجب ـ تعالى ـ فاعلا وغاية لجميع الأشياء لزم أن يكون متقدّما عليها ومتأخّرا عنها ، فيلزم أن يكون شيء واحد أوّل الأوائل وآخر الأواخر! ؛

قلت : قد اجابوا عن ذلك بأنّ تأخّر الغاية عن الفعل في الوجود انّما هو إذا كانت من الأمور الواقعة بحسب الكون دون الأمور المتعالية عنه الواقعة فوقها ، فانّهم قسّموا المعلول إلى مبدع وكائن وقالوا : الغاية في القسم الأوّل مقارنة ماهية ووجودا مع وجود المعلول وفي القسم الثاني متأخّرة وجودا عنه وإن تقدّمت بالماهية عليه. وأنت تعلم بانّ الحكم بمقارنة وجود الواجب لوجود معلولاته ظاهر الفساد ؛ ولذا قيل في الجواب عن الايراد المذكور : إنّ الحقّ إنّ الواجب ـ تعالى ـ أوّل الأوائل من جهة ذاته ووجوده وعلّيته الفاعلية والغائية لجميع ما سواه وآخر الأواخر من جهة كونه غاية بالمعنى الآخر ـ أعني : غاية قصد الأشياء وتشوّقها إليه وطلب التشبّه به والاستكمال إرادة وطبعا ـ ، لأنّه الخير المطلق والكمال الحقيقي. فمصحّح الاعتبار الأوّل ذاته بذاته ومصحّح الاعتبار الثاني صدور الأشياء عنه على وجه يلزمها عشق يقتضي حفظ كمالاته الأوّلية وشوق إلى تحصيل ما يفقد عنها من الكمالات الثانوية ليشبّه بمبدئها الحقّ بقدر الامكان.

فان قيل : الحكماء مصرّحون بأنّ افعال الله غير معلّلة بالأغراض ؛

قلت : انّهم يقولون : إنّ افعاله ـ تعالى ـ منزّهة عن غاية هي غير نفس ذاته ـ من كرامة أو محمدة أو لذّة أو ايصال نفع إلى الغير ـ ، لا عن غاية هي نفس ذاته ـ سبحانه ـ ، لأنّ الباعث لهم في ذلك هو لزوم الاستكمال ومعلوم أنّ كون ذاته غاية لفعله لا يوجب الاستكمال.

ثمّ الظاهر من كلام الحكماء إنّ كل فاعل لفعل ليس له غرض حقّ فيما دونه وقصد صادق لأجل معلوله ، لانّه لو كان للفاعل غرض وقصد في فعله لزم أن يكون مستكملا بهذا المقصود فيكون هذا المقصود أشرف من الفاعل وقصده مع كونه علّة فاعلية له ، وهو باطل. وما يتراءى من قصد بعض الفواعل في أفاعيلهم إلى ما هو

٣٩٠

دونهم ـ كقصد الطبيب في معالجة شخص حصول الصحّة له ـ فانّما هي فواعل / ٢٠٠ DA / بالعرض لا بالذات ، فانّ المبدأ بالذات لحصول الصحّة هو واهب الكمالات على الموادّ بعد استعدادها ، فالطبيب انّما هو يهيّئ المادّة والمفيد هو الواجب ـ سبحانه ـ.

ثمّ إن فرض أنّ الفاعل بالذات قصد في فعله ما هو احسن من ذاته ومن قصده فانّما هو على سبيل الغلط والجزاف.

فان قيل : لو لم يكن للواجب غرض في الممكنات وقصد إلى منافعها فكيف صدر منه وجود الممكنات على النحو المشاهد من غاية الاحكام والاتقان ونهاية ما يتصوّر من الحكم والمصالح ـ على ما يشهد به التأمّل في الآيات الآفاقية والأنفسية ـ؟! ؛

قلت : الحكماء يجيبون عن ذلك بأنّ الحكم والمصالح الّتي يشتمل عليها فعله ـ تعالى ـ وإن لم تكن مقصودة له ـ تعالى ـ لأجل المعلولات ولا لأجل ذاته حتّى تكون مقصودة له بالذات ويكون لفعله علّة غائية خارجة عن ذاته إلاّ أنّ ذاته ـ تعالى ـ لكونه منبع جميع الخيرات والكمالات وملزوما لكلّ ما يكون على افضل انحاء الوجود والاتقان لا يحصل الأشياء منه إلاّ على أتمّ ما ينبغي وأبلغ ما يتصوّر من الاتقان والاحكام ، فكلّ ما يصدر عنه يصدر على اقصى ما يتصوّر في حقّه من الحكم والمصالح والخيرية والكمال سواء كانت من المصالح الضرورية ـ كوجود العقل للانسان والنبيّ للأمّة ـ أو النسبية ـ كانبات الشعر على الحاجبين وتقعّر الأخمصين من القدمين ـ.

وجميع ما ذكر هنا / ١٩٧ MB / انّما هو مبنيّ على قواعد الحكمة لا على ما اعتقدناه. وامّا على المعنى الثالث ـ وهو كون القدرة عبارة عن صحّة الصدور واللاصدور بالامكان الذاتي أو الوقوعي وكون الإرادة نفس العلم بالأصلح أو ما يلزم منه من الرضا والابتهاج وأمثال ذلك ممّا يعبر عنه ب : « خواستن » ـ فالجواب عن الشبهة المذكورة : إنّ منشئية الذات بذاته لارادة طرف الوجود وترجيح وجود العالم على تركه انّما هو لكون طرف الوجود على نحو ما وجد أكمل وأشرف ووجوب صدور ما هو الأكمل الأشرف عنه ـ سبحانه ـ ، لاقتضاء الذات ذلك بحيث لا يتمكّن من الطرف الآخر ، بل لاقتضاء اكملية طرف الوجود ذلك وإن تمكّن الذات عن ايقاع كلّ من الطرفين.

٣٩١

والحاصل إنّ التصرف انّما هو في جانب المعلول بمعنى انّ المعلول هو الّذي يتعلّق به العلم بالأصلح ويصير مرادا وهذا انّما هو ايجاد الأشياء على نحو ما وجد ، فذاته ـ سبحانه ـ اقتضى مشية وإرادة هما عين ذاته ـ تعالى ـ بها يرجّح كلّ ما هو أكمل وأصلح بالنسبة إلى نظام الكلّ من طرفي الفعل ـ أعني : وجوده وعدمه ـ ، فاذا صار وجود زيد مثلا أصلح من عدمه اقتضى ذاته ـ تعالى ـ ترجيحه عليه لكونه خيرا وصلاحا لا لخصوصية كونه وجود زيد مثلا ، ولم يقتض عدمه لكونه شرّا ومقابلا لما هو أصلح لا لخصوصية كونه عدم زيد. وكذا إذا صار عدمه أصلح اقتضاه لذلك لا لشيء آخر ، فامتناع صدور عدمه الّذي هو مقابل الوجود حين ترجيح الوجود انّما هو بسبب عارض هو كونه خيرا لا لأمر ذاتي ، فلا ينافي الامكان الذاتي ولا الوقوعي أيضا لجواز صيرورة ما هو خير وصلاح في وقت شرا وفسادا في وقت آخر. ويظهر من هذا عدم كون شيء من المقدورات خيرا وصلاحا بالذات أو كونه شرا وفسادا بالذات ، بل كلّ ما هو خير فانّما هو خير بالنسبة إلى نظام الكلّ وكلّ ما هو شرّ فانّما هو شرّ كذلك ، وينحصر الخير بالذات في واجب الوجود بالذات والشرّ بالذات في ممتنع الوجود بالذات ؛ وانكشف أيضا انّ مشيته ـ تعالى ـ بالذات انّما هو لذاته فقط لا لشيء آخر. وإلى الجواب المذكور أشار المحقّق الطوسي في شرح رسالة العلم حيث قال بعد أن صرّح بأنّ صحّة الصدور واللاصدور هي المسمّى بالقدرة وهي لا تكفي في الصدور إلاّ بعد أن يترجّح أحد الجانبين على الآخر والترجيح انّما هو بالقصد الّذي يسمّى بالارادة أو بالداعي ، وعند القدرة والإرادة يجب الصدور وعند فقد أحدهما أو كليهما يمتنع الصدور.

فان قيل : إذا كان فاعلية الفاعل لفعل وعلمه بذلك نفس ذات الفاعل لم يمكن صدور مقابل ذلك الفعل عنه ، فلم يكن قادرا على ذلك الفعل إذا اعتبر في القدرة أن يكون تعلّقها بالطرفين سواء ؛

قلت : الملازمة ممنوعة ، فانّ صدور ذلك الفعل عنه بواسطة أنّه يستعدّ لصدوره عنه دون مقابله ـ لانّه أكمل من مقابله ـ لا بواسطة أنّ ذات الفاعل يستدعي خصوصية

٣٩٢

ذلك الفعل حتّى لو كان مقابله اكمل يصدر عنه ويكون فاعليته وعلمه بذلك عين / ٢٠٠ DB / ذاته ؛ فليتأمّل » انتهى.

قال بعض المشاهير : خلاصة كلام المحقّق إنّ الإرادة متعلّقة في الأزل بوجود الفعل فيما لا يزال من الأوقات المفروضة ، فيكون الإرادة والتعلّق الازليان موجبين بوجود الفعل في وقت معيّن ممّا لا يزال دون الأزل ضرورة أنّ القدرة تؤثّر على وفق الإرادة ويكون مرجّح تعلّق الإرادة بوجود الفعل في ذلك الوقت هو كونه أصلح على نحو ما قال الحكماء في نظام العالم وهذا هو بعينه ما قال الغزالي في جواب الخيام حيث سأل الخيام عنه من مخصّص ايجاد العالم في الآن الّذي اوجده وليس قبله زمان بعد أن سأل الغزالي عنه من مخصّص مقدار الفلك الأعلى ومخصّصات مناطق الافلاك ومخصّصات مقادير حركاتها ؛

واجاب الخيام عنه : بانّ تلك الامور من مقتضيات النظام الأعلى ؛

فقال الغزالي : وجود العالم في الآن الّذي اوجده فيه هو أيضا من مقتضيات النظام الاعلى ؛ انتهى.

والظاهر انّ مراد الخيام من الزمان في قوله : « وليس قبله زمان » هو الزمان الموجود الّذي يصلح كلّ جزء من اجزائه للتخصيص ، لا الاعمّ منه ومن الزمان الموهوم الّذي اجزائه كنفسه وهمية ولا يصلح شيء منها للتخصيص ويمكن وقوع الايجاد في كلّ جزء منه حتّى يرد أنّ عدم مطلق الزمان لا الموجود ولا الموهوم قبل آن الايجاد هو المخصّص لايجاد العالم في آن الايجاد ، لأنّ عدم وقت / ١٩٨ MA / أصلا قبله تعيّن الايجاد فيه ـ كما افاده المحقّق بقوله : « واختصّ الحدوث بوقت إذ لا وقت قبله »(١) ـ ؛ فلا معنى لجعل الخيام عدم الوقت موجبا لعدم المخصّص. فمراد المحقّق من الوقت مطلق الوقت الشامل للموجود الخارجي وللوهمي ومراد الخيام من الزمان هو الموجود الخارجي ، وغرضه إنّه إذا لم يتحقّق زمان خارجي يصلح اجزائه للتخصيص وتحقّق زمان وهمى لا يصلح اجزائه لذلك ، فما مخصّص الايجاد في الآن الوهمي الّذي وجد

__________________

(١) المسألة الرابعة من الفصل الثالث من المقصد الثاني ؛ كشف المراد ، ص ١٢٦.

٣٩٣

العالم فيه؟!.

وحينئذ فلا منافاة.

فان قلت : إذا كان المرجّح في طرف المعلولات بمعنى أنّ اصلحية وجودها على ما وجدت عليه منشئا لترجيح طرف الوجود من دون وجود مرجّح من طرف الفاعل ـ كما ذهب إليه المحقّق ورؤساء المعتزلة ـ يلزم كون أفعاله معلّلة بالاغراض ، لأنّ ايجاد الأشياء على النحو الواقع إن كان لأجل كونه أصلح من دون اقتضاء حتميّ من الذات له يلزم أن يكون الغاية في فعله هو كون الفعل حسنا لا لانّه محسن والمحسن يصدر عنه الحسن البتة ، ومعلوم إنّ هذه الغاية غاية زائدة على ذات الفاعل ـ إذ من يفعل فعلا لأجل كونه حسنا يفعل هذا الفعل ليكون محسنا أو ليحسن إلى غيره ـ ، وعلى التقديرين يلزم الاستكمال ؛

قلت : القائلون بهذا القول ـ أعني : المحقّق وأمثاله ـ لا يتحاشون عن اثبات غرض في فعله إذا لم يكن عائدا إلى ذاته ، فانّهم يقولون : إنّ اتقان هذه الموجودات وإحكامها واشتمالها على غرائب الحكم والمصالح وتضمّنها لعجائب البدائع والمنافع لا ينفكّ عن الاغراض والغايات الراجعة إلى الممكنات ، إلاّ أنّ الغايات إذا كانت عائدة إلى الغير لا يستلزم منه الاستكمال ، فانّ الفاعل يمكن أن يكون تامّا فوق التمام بحيث لا يتصوّر اكمل منه ومع ذلك يفعل فعلا يكون غايته ايصال النفع إلى الغير. ولا يوجب ذلك استكمالا فيه وإن كان هذا الايصال لأجل قصد شوقي ، لأنّ الاستكمال انّما يلزم لو كان لهذه الغاية ـ أعني : ايصال النفع إلى الغير ـ غاية اخرى راجعة إلى ذاته ـ كمحمدة أو التخلّص من مذمّة أو صيرورته أحسن أو اكمل ممّا كان ـ ؛ أمّا إذا لم يكن لهذه الغاية غاية اخرى بل غاية فعله كان مجرّد ايصال النفع إلى الغير ـ حتّى إذا قيل له : لم اخترت ايصال النفع إلى الغير وأيّ فائدة فيه بالنسبة إلى ذلك؟ ؛ فقال : لانّه ايصال النفع إلى الغير ولا يتفاوت به ذاتي وصفاتي ولا يحصل منه فائدة لي ؛

وان قيل له : لم كنت شائقا به؟

فقال : لكونه نفعا للغير وكونه مجرّد الصلاح والخير ـ لم يلزم منه الاستكمال أصلا. و

٣٩٤

لا استبعاد في أن يكون غاية فعل فاعل مجرّد ايصال النفع إلى الغير بحيث لا يكون له فيه غرض لذاته أصلا.

هذا غاية ما يمكن أن يقال من قبلهم.

وبما ذكر ظهر أنّه لا فرق بين مذهب الحكماء ومذهب المحقّق وأمثاله في حقيقة الإرادة ، إذ كلّ منهما قائل بانّ الإرادة هو العلم بالأصلح ـ أو ما يلزمه من الرضا والبهجة وامثالهما ممّا يعبّر عنه بالفارسية ب : « خواستن » ـ ، وانّما الفرق في أنّ / ٢٠١ DA / الحكيم يقول : إنّ هذا الأصلح هو مقتضى ذاته ولوازم فيضه وواجب الصدور عنه لا يمكن أن ينفكّ عنه ، وهذا الاقتضاء الذاتي هو المرجّح للصدور ؛ والمحقّق والمعتزلة يقولون : إنّه ليس واجب الصدور عنه بالنظر إلى ذاته ، بل وجوب الصدور انّما هو للأصلحية بحال الغير ، وهو المرجّح للصدور.

تتميم

اعلم! أنّ الظاهر من اخبار ائمّتنا الراشدين ـعليهم‌السلام ـ كون إرادة الله ـ سبحانه ـ حادثة ؛ كما روى عاصم بن حميد عن الصادق ـعليه‌السلام ـ قال : قلت له : لم يزل الله مريدا؟ ، فقال : إنّ المريد لا يكون إلاّ لمراد معه ، بل لم يزل الله عالما قادرا ثمّ أراد(١) . ومثله اخبار آخر.

وربما استدلّ على حدوثها بقوله ـ سبحانه ـ :( إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ) . وجه الاستدلال : إنّ قوله ـ سبحانه ـ : « إذا أراد شيئا ـ إلى آخره ـ » قضية شرطية لزومية وإلاّ جاز أن يتحقّق الإرادة بدون لفظ « كن » وبالعكس ، والثاني باطل بالبديهة ؛ والأوّل أيضا باطل للحصر المستفاد من كلمة « انّما » ، فثبت كونه قضية شرطية لزومية وإذا كانت شرطية لزومية يلزم عدم انفكاك قول « كن » عن إرادته ـ سبحانه ـ ، ولا ريب أنّ قول « كن » حادث ، فيكون الإرادة أيضا حادثة.

ولدلالة الاخبار والآية على حدوث / ١٩٨ MB / الإرادة ذهب بعض مشايخنا

__________________

(١) راجع : التوحيد ، ص ١٤٦.

٣٩٥

الامامية إلى أنّها من صفات الفعل ـ وهي ما يتّصف الواجب تعالى بها وبمقابلاتها ، فانّ الواجب يتصف بالارادة وبمقابلها كالكراهة ، وكذلك المشية ـ. والحقّ إنّ المراد من الإرادة في الاخبار والآية هو تعلّقها بالمراد ـ كما دلّ عليه قول الصادقعليه‌السلام : « إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه » ـ ، ولا ريب في حدوث تعلّقها. وأمّا نفس الإرادة وحقيقتها فلا ريب في كونها صفة ازلية ، كيف ولو كان نفس الإرادة حادثة فان كانت عين العلم بالاصلح لزم كونه ـ تعالى ـ فاقدا للصفة الكمالية في مرتبة ذاته! ، ولزم أيضا التغيّر والتجدّد في صفاته ـ سبحانه ـ! ، وكونه محلاّ للحوادث!.

فان قيل : على ما اخترتم من أنّ الإرادة غير العلم بالأصلح بل هي لازمة له فتكون موقوفة عليه توقّف المسبّب على السبب ـ لأنّ تحقّقها انّما هو بعد العلم بالأصلح ـ فتكون متأخرة عن العلم والتأخّر ينافي الازلية ـ لأنّ التقدّم والتأخر من لوازم الغيرية والتعدد المنافيين للازلية ـ ؛

قلنا : الصفات الأزلية باسرها منشأها مجرّد الذات وهي لازمة له غير منفكّة عنه في حاقّ مرتبته ، وسببية بعضها لبعض انّما هو بالاعتبار وهو لا ينافي الازلية ، كالعلم والحياة فانّ العلم يتوقّف على الحياة ، فلو كان مجرّد هذا التوقّف منافيا للازلية لما كان العلم صفة أزلية ؛ وهو باطل بالاتّفاق.

٣٩٦

الفصل الخامس :

في سمعه وبصره

بل ادراكه جميع المحسوسات

٣٩٧

( الفصل الخامس )

( في سمعه وبصره )

( بل ادراكه جميع المحسوسات )

اعلم! أنّ المعلوم بالضرورة من دين نبيّنا ـصلى‌الله‌عليه‌وآله ـ إنّه ـ تعالى ـ سميع بصير ، وقد نطق بذلك الكتاب والسنة بحيث لا يمكن انكاره ، وانعقد عليه اجماع الأمّة بحيث لم يخرج منه أحد.

وقد اختلفوا في المراد من السمع والبصر ، فذهب بعض أشياخنا الامامية ـ ومنهم العلاّمة الطوسي في شرح رسالة العلم ـ إلى انّهما نفس العلم بالمسموعات والمبصرات علما حضوريا جزئيا. وإليه ذهب الشيخ ابو الحسن الأشعري ، لكنّه قائل بكونهما زائدين على الذات. فهما عند المحقّق وشركائه من الامامية نفس الذات ، فالذات من حيث هو مدرك للمبصرات بذاته هو البصير ومن حيث هو مدرك للمسموعات بذاته هو السميع ؛ وعند الأشعري زائدتان على الذات ـ كما هو الأمر في سائر الصفات عندهم ـ ، إلاّ أنّهما غير زائدتين على العلم بل هما نفسه ، فالزيادة على الذات عند الأشعري لكون العلم زائدا كما أنّ العينية عند المحقّق لعينية العلم للذات.

وذهب الفلاسفة النافون لعلمه على الوجه الجزئي المخصوص المثبتون علمه ـ تعالى ـ بكلّ شيء على الوجه الكلّي إلى انّهما نفس العلم بالمسموعات والمبصرات على

٣٩٨

الوجه الكلّي ، فيكون الواجب عالما بالمسموعات والمبصرات علما حصوليا كلّيا مستفادا من الاسباب والعلل الكلّية كعلمه بسائر الأشياء.

وذهب اكثر المتكلّمين إلى انّهما صفتان زائدتان على العلم مغايرتان له ، وليس هذا مبنيا على اعتقادهم التجسّم أو مباشرة الأجسام ، بل على اعتقادهم / ٢٠١ DB / أنّ الاحساس في حقّه ـ سبحانه ـ يحصل بلا آلة ـ لبراءته عن القصور ـ ، فانّهم قالوا :

الاحتياج لنا إلى الآلة بسبب عجزنا وقصورنا وذات الباري ـ تعالى ـ لبراءته عن القصور يحصل له بلا آلة ما لا يحصل لنا إلاّ بها. فتلك الأشياء الّتي ندركها نحن بالحواسّ الظاهرة والباطنة وبتلك القوى الجسمانية يدركها الواجب أيضا بهذا الوجه الّذي ندركها لكن لا بالآلات المذكورة ، لغنائه ـ جلّ شأنه ـ عنها ، وفقرنا إليها انّما هو لأجل نقصاننا.

ثمّ إنّ القائلين بكونهما نفس العلم الحضوري الجزئى احتجّوا بانّ كونهما زائدين على نفس العلم بالمسموعات على الوجه الجزئى لا يتصوّر إلاّ بأن يكون ادراك المسموعات والمبصرات بالاحساس ـ إذ غير الاحساس في ادراك المبصرات والمسموعات على الوجه الجزئى ليس إلاّ العلم بهما على الوجه الشهودي الاشراقي ـ ، وحقيقة الاحساس لا يحصل إلاّ بتأثّر الحاسّة وهو في حقّه ـ سبحانه ـ محال ، وإذا كان هذا محالا فلا يبقى لادراكهما على الوجه الجزئي معنى آخر سوى العلم بهما على الوجه الحضوري الاشراقى. والحاصل : إنّ السمع والبصر إمّا مجرّد الاحساس ، أو العلم بالمحسوسات ؛ وقد علم أنّ مناط الجزئية امّا الاحساس ـ وهو لا يحصل إلاّ بتحقّق الآلة وتأثّر الحاسة ولا يتصوّر ذلك في الواجب ـ ، وإمّا الشهود الاشراقي ، فهو لا ينافي التجرّد عن الموادّ والآلات. وقد علم أنّه ـ تعالى ـ / ١٩٩ MA / عالم بجميع الجزئيات على جزئيتها وماديتها ومن جملتها المسموعات من الحروف والأصوات والمبصرات من الأجسام والأضواء والالوان ، فثبت منه أنّ الواجب ـ سبحانه ـ يعلم الاصوات والالوان علما حضوريا اشراقيا وينكشف لديه انكشافا شهوديا نوريا بنفس ذاته المقدّسة الّتي به يظهر ويتنور جميع الأشياء ، فذاته ـ تعالى ـ بهذا الاعتبار سمعه وبصره بلا تأويل. وأمّا عدم وصفه بالشام والذائق مع علمه بالمشمومات والمذوقات علما حضوريا شهوديا على الوجه الجزئي ـ

٣٩٩

كعلمه بالمبصرات والمسموعات من دون تفاوت ـ فلعدم ورود هذه الألفاظ في الشريعة النبوية لايهامه التجسّم والنقص. قال المحقّق الطوسي في شرح رسالة العلم : « ولمّا كان السمع والبصر ألطف الحواسّ واشدّها مناسبة للعقل عبّر بهما عن العلم ، ولأجل ذلك وصفوا الباري ـ تعالى ـ بالسميع والبصير دون الشامّ والذائق واللامس وعنوا بهما العلم بالمسموعات والمبصرات »(١) .

قيل : وإلى هذا المذهب ـ أي : كون السميع والبصير وسائر اخواتهما نفس العلم بمتعلّقاتها على الوجه الجزئى الحضوري ـ اشار المحقّق الطوسي في التجريد بقوله : « والنقل دلّ على اتصافه بالادراك والعقل على استحالة الآلات »(٢) ، لأنّ مراده من هذه العبارة أنّه ـ تعالى ـ متصف شرعا بالادراك ـ أي : ادراك المسموعات والمبصرات وسائر اخواتها ـ ، وإذا ثبت بالشرع أنّه ـ تعالى ـ متّصف بالادراك ثبت أنّه ـ تعالى ـ عالم بجميع المحسوسات وغيرها بذاته ، فكان بذاته عالما بالمسموعات والمبصرات وسائر اخواتهما بالوجه الّذي ندركه بالحواسّ ؛ فيكون مدركا لجميع المحسوسات بذاته من دون الاحتياج إلى الآلات ، لأنّ العقل يدلّ على استحالة الآلات وبالجملة المراد من الادراك هو نفس العلم بمتعلّقه الّذي هو المدرك باعتبار الوجود العيني. غاية ما في الباب أنّه ورد في الشريعة السميع والبصير بمعنى العلم بالمسموعات والمبصرات باعتبار وجودهما العيني ولم يرد فيها سائر اخواتهما بالمعنى المذكور.

ثمّ تخصيص الادراك الواقع في عبارة المحقّق بالسميع والبصير ـ كما ارتكبه الشارح الجديد(٣) ـ لا يناسب عموم عبارة المتن ، لأنّ الادراك أعمّ من السمع والبصر ؛ بل المناسب أن يقال : مراده إنّ السمع يدلّ على أنّه ـ تعالى ـ متصف بادراك جميع المحسوسات وهو نوع من العلم المطلق ، والعقل دلّ على استحالة الآلات ، فذاته ـ تعالى ـ مدرك جميع المحسوسات. فذاته ـ سبحانه ـ بذاته سميع بمعنى أنّه عالم بالمسموعات باعتبار

__________________

(١) راجع : رسالة شرح مسئلة العلم ، المسألة التاسعة ص ٣٧.

(٢) راجع : المسألة الخامسة من الفصل الثاني من المقصد الثالث ؛ كشف المراد ، ص ٢٢٤.

(٣) راجع : الشرح الجديد على التجريد ، ص ٣١٥.

٤٠٠