الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء ١١

الغدير في الكتاب والسنة والأدب0%

الغدير في الكتاب والسنة والأدب مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الإمامة
الصفحات: 402

الغدير في الكتاب والسنة والأدب

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: العلامة الشيخ الأميني
الناشر: دارالكتب الإسلامية
تصنيف: الصفحات: 402
المشاهدات: 5437
تحميل: 124


توضيحات:

الجزء 1 المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة المقدمة الجزء 2 الجزء 3 الجزء 4 الجزء 5 الجزء 6 الجزء 7 الجزء 8 الجزء 9 الجزء 10 الجزء 11
المقدمة
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 402 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 5437 / تحميل: 124
الحجم الحجم الحجم
الغدير في الكتاب والسنة والأدب

الغدير في الكتاب والسنة والأدب الجزء 11

مؤلف:
الناشر: دارالكتب الإسلامية
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

الجزء الحادي عشر

فيه بعد البحث عن جملة من مواقف معاوية المخزية

ومناقبه المختلقة، ومخاريق امّة اخرى، تراجم جمع من

أعلام الطائفة، ورجالات العلم، وصاغة القريض، وصيارفة الأدب،

تضمن فوائد تاريخيّة، وطرائف ادبيّة، وتحوي من الآثار

والمآثر نوادر هي الأوضاح والغرر في جبهة الدهر

١

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

حمداً لك يا إلهَ الخلق! و بكَ أستفتحُ وَ بِكَ أستنجحُ،

أنطقني بِالهُدى، و ألهِمني التَّقوَى، وَ وفِّقني لِلّتي هي

أزْكىَ، و استَعملني بِما هُوَ أرْضىَ، وَ اسلك بي الطَّريقة

المثلى، وَ سَيِّرني في أقربِ الطُّرق للوُفود إلَيك، و اجعلني

على وِلاَيتك وَ وِلايَةِ نَبيِّك نَبِيِّ الرَّحمَةِ و عترتِهِ

الطاهِرَةِ المـُطَهَّرةِ صَلواتُك عَليهِم أجمَعين أموتُ و أحيى،

و ما توفيقي إلّا بِكَ عَليك تَوكّلتُ.

الأمينى

٢

يتبع الجزء العاشر

مواقف معاوية

مع أبي محمّد الحسن السبطعليه‌السلام

إنَّ لابن آكلة الأكباد مع السبط المجتبى مواقف تقشعرُّ منها الجلود، وتقفّ منها الشعور، وتندى منها جبهة الإنسانيّة، ويلفظها الدين والحفاظ، وينبذها العدل و الإحسان، وينكرها كرم الاُرومة وطيب المحتد، ارتكبها معاوية مستسهلاً كلّ ذلك، مستهيناً بامر الدين والمروءة.

مَن هو الحسنعليه‌السلام ؟

لا أقلّ من أن يكون هو سلام الله عليه أوحديّاً من المسلمين، وأحد حملة القرآن، وممّن أسلم وجهه لله وهو محسن، يحمل بين أضالعه علوم الشريعة، ومغازي الكتاب والسنَّة، والملكات الفاضلة جمعاء، وهو القدوة والاُسوة في مكارم الأخلاق، ومعالم الإسلام المقدّس، فمن المحظور في الدين الحنيف النيل منه، والوقيعة فيه، وايذائه، ومحاربته، على ما جاء لهذا النوع من المسلمين من الحدود في شريعة الله، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

أضف إلى ذلك: انّه صحابيّ مبجّلٌ ليس في أعيان الصحابة بعد أبيه الطاهر من يماثله ويساجله، ودون مقامه الرفيع ما للصحابة عند القوم من العدالة والشأن الكبير، وأعظم فضائله: أنّه ليس بين لابتي العالم من يستحقّ الإمامة والاقتداء به واحتذاء مثاله يومئذ غيره، لفضله وقرابته. فهو أولى صحابيّ ثبت له ما أثبتوه لهم من الأحكام، فلا يجوز

٣

منافرته والصدّ عنه، والإعراض عن آرائه وأقواله، وارتكاب مخالفته، وما يجلب الأذى اليه من السبِّ له، والهتك لمقامه، واستصغار أمره.

زد عليه: أنّه سبط رسول الله وبضعته من كريمته سيّدة نساء العالمين، لحمه من لحمه، ودمه من دمه. فيجب على معتنقي تلك النبوَّة الخاتمة حفظ صاحب الرسالة فيه، والحصول على مرضاته، وهو لا يرضى إلّا بالحقِّ الصراح والدين الخالص.

وهوعليه‌السلام قبل هذه كلّها أحد أصحاب الكساء الّذين اذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا.

وهو أحد من أثنى عليهم الله بسورة هل أتى، الّذين يطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً.

وهو من ذوي قربى رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الّذين أوجب الله مودّتهم وجعلها أجر الرِّسالة.

وهو أحد مَن باهل بهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نصارى نجران كما جاء في الذكر الحكيم.

وهو أحد الثقلين اللّذين خلّفهما النبيّ الأعظمصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين امَّته ليقتدى بهم و قال: ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا أبدا.

وهو من أهل بيت مثلهم في الامَّة مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلّف عنها غرق.

وهو من الّذين أوجب الله الصَّلاة عليهم في الفرائض، ومن لم يُصلِّ عليهم لا صلاة له.

وهو أحد من خاطبهم النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بقوله: أنا حربٌ لمن حاربتم، وسلمٌ لمن سالمتم.

وهو أحد أهل خيمة خيّمها رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: معشر المسلمين! أنا سلمٌ لمن سالم أهل الخيمة، حربٌ لمن حاربهم، وليّ لمن والاهم، لا يحبّهم إلّا سعيد الجدّ طيّب المولد، ولا يبغضهم إلّا شقيّ الجدّ رديء الولادة.

٤

وهو أحد ريحانتي رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يشمّهما ويضمّهما إليه.

وهو وأخوه الطاهر سيّدا شباب اهل الجنَّة.

وهو حبيب رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يأمر بحبّه قائلاً: اللّهم انّي اُحبّه فاحبّه، واحبّ من يحبّه.

وهو أحد السبطين كان جدّهماصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يأخذهما على عاتقه ويقول: من أحبّهما فقد أحبَّني، ومن أبغضهما فقد أبغضني.

وهو أحد اللّذين أخذ رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بيدهما فقال: من أحبّني واحبَّ هذين وأباهما وامَّهما كان معي في درجتي يوم القيامة.

وهو أحد ابني رسول الله كان يقولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : الحسن والحسين ابناي من أحبَّهما أحبّني، ومن أحبّني أحبّه الله، ومن أحبّه الله أدخله الجنَّة، ومن أبغضهما أبغضني ومن أبغضني أبغضه الله، ومن أبغضه الله أدخله النار(١)

هذا هو الإمام الحسن المجتبىعليه‌السلام وامّا معاوية ابن آكلة الأكباد فهو صاحب تلك الصحيفة السوداء التي مرّت عليك في الجزء العاشر ص ١٧٨ وأمّا جنايات معاوية على ذلك الإمام المطهَّر فقد سارت بها الركبان، وحفظ التاريخ له منها صحائف مشوّهة المجلى، مسودَّة الهندام. فهو الذي باينه وحاربه وانتزع حقّه الثابت له بالنصّ والجدارة، وخان عهوده التي اعترف بها عندما تنازل الإمامعليه‌السلام له بالصلح حقناً لدماء شيعته، وحرساً على كرامة اهل بيته، وصوناً لشرفه الّذي هو شرف الدين، وما كان يرمق اليه معاوية ويعلمه الامامعليه‌السلام بعلمه الواسع من انَّ الطاغية ليس بالذي يقتله إن استحوذ عليه، لكنّه يستبقيه ليمنَّ بذلك عليه، ثمّ يطلق سراحه، و هو بين أنيابه ومخالبه، حق يقابل به ما سبق له ولأسلافه طواغيت قريش يوم الفتح، فملكهم رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أرقّاء له، ثمَّ منَّ عليهم وأطلقهم، فسمّوا الطلقاء وبقي ذلك سبّة عليهم إلى آخر الدهر، فراق داهية الأمويّين أن تكون تلك الشية ملصقة ببني هاشم سبّة عليهم، لكنّه أكدت آماله، وأخفقت ظنونه، وفشل ما ارتآه بهذا الصلح

____________________

١ - هذه الاحاديث تأتي باسانيدها ومصادرها في مسند المناقب ومرسلها انشاء الله.

٥

الذي كان من ولائده الإبقاء على شرف البيت الهاشمي، ودرأ العار عنهم، إلى نتايج مهمّة، كلّ منها كان يلزم الإمامعليه‌السلام بالصلح على كلّ حال، وإن كان معاوية هو الخائن المائن في عهوده ومواثيقه، والكائد الغادر بإلّه وذمّته، فعهد اليه ان لا يسبَّ أباه على منابر المسلمين، وقد سبّه وجعله سنّة متّبعة في الحواضر الإسلاميّة كلّها.

وعهد إليه أن لا يتعرّض بشيعة أبيه الطاهر بسوء، وقد قتّلهم تقتيلا، واستقرأهم في البلاد تحت كلِّ حجر ومدر، فطنّب عليهم الخوف في كلّ النواحي بحيث لو كان يقذف الشيعيّ باليهوديَّة لكان أسلم له من انتسابه إلى أبي تراب سلام الله عليه.

وعهد إليه أن لا يعهد إلى أحد بعده وكتب اليه سلام الله عليه: إن أنت أعرضت عمّا أنت فيه وبايعتني وفيت لك بما وعدت، وأجريت لك ما شرطت، وأكون في ذلك كما قال أعشى بني قيس:

وإن أحدٌ أسدى اليك أمانة

فأوف بها تدعى إذا متَّ وافيا

ولا تحسد المولى إذا كان ذا غنى

ولا تجفه إن كان في المال فانيا

ثمَّ الخلافة لك من بعدي، فأنت أولى الناس بها(١) ومع هذا عهد إلى جروه ذلك المستهتر الماجن بعد ما قتل الإمام السبط ليصفو له الجوّ.

ولّما تصالحا كتب به الحسن كتاباً لمعاوية صورته:

بِسْمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ

هذا ما صالح عليه الحسن بن علي رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان، صالحه على أن يسلّم اليه ولاية المسلمين، على أن يعمل فيها بكتاب الله تعالى وسنَّة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسيرة الخلفاء الراشدين المهديّين، وليس لمعاوية بن أبي سفيان أن يعهد إلى أحد من بعده عهداً، بل يكون الأمر من بعده شورى بين المسلمين، وعلى انّ الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله تعالى في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم، وعلى انَّ اصحاب عليّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم حيث كانوا، وعلى معاوية بن

____________________

١ - شرح ابن ابى الحديد ٤: ١٣.

٦

أبي سفيان بذلك عهد الله وميثاقه، وأن لا يبتغي للحسن بن عليّ ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من بيت رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم غائلة سرّاً وجهرا، ولا يخيف أحداً منهم في افق من الآفاق، اشهد عليه فلان ابن فلان وكفى بالله شهيدا(١) فلمّا استقرَّ له الأمر ودخل الكوفة وخطب أهلها فقال: يا أهل الكوفة! أتراني قاتلتكم على الصَّلاة والزَّكاة و الحجِّ؟ وقد علمت انَّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون، ولكنّني قاتلتكم لأتأمَّر عليكم وعلى رقابكم ( إلى أن قال ): وكلُّ شرط شرطته فتحت قدميَّ هاتين(٢)

وقال أبو اسحاق السبيعي: انَّ معاوية قال في خطبته بالنخيلة: ألا انَّ كلّ شيء أعطيته الحسن بن علي تحت قدميّ هاتين لا أفي به(٣) قال ابو اسحاق: وكان والله غدّارا(٤) .

وكان الرجل ألدَّ خصماء ذلك السبط المفدّى، وقد خفر ذمّته، واستهان بأمره واستصغره، وهو الإمام العظيم، وقطع رحمه، وما راعى فيه جدَّه النّبي العظيم، ولا أباه الوصيَّ المقدَّم، ولا امّه الصدّيقة الطاهرة، ولا نفسه الكريمة التي اكتنفتها الفضائل والفواضل من شتّى نواحيها، ولم ينظر فيه ذمَّة الإسلام، ولا حرمة الصحابة، ولا مقتضى القرابة، ولا نصوص رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيه، ولعمر الحقِّ لو كان مأموراً بقطعه وبغضه ومباينته لما وسعه أن يأتي بأكثر ممّا جاء به، وناء بعبأه، وباء بإثمه، فقد قنت بلعنه في صلواته التي تلعن صاحبها قال ابو الفرج: حدَّثني أبو عبيد محمّد ابن أحمد قال: حدَّثني الفضل بن الحسن المصري قال: حدَّثني يحيى بن معين قال: حدَّثني أبو حفص اللبّان عن عبد الرّحمن بن شريك عن اسماعيل بن أبي خالد عن حبيب بن أبي ثابت قال: خطب معاوية بالكوفة حين دخلها والحسن والحسين جالسان تحت المنبر فذكر عليّاً فنال منه، ثمَّ نال من الحسن، فقام الحسين ليردّ عليه فأخذه الحسن بيده فأجلسه ثمَّ قام فقال: أيّها الذاكر عليّاً! أنا الحسن وأبي علي، وأنت معاوية و

____________________

١ - الصواعق لابن حجر ص ٨١.

٢ - راجع ما مر في الجزء العاشر ص ٣٢٩.

٣ - شرح ابن ابى الحديد ٤: ١٦.

٤ - راجع ما أسلفناه في الجزء العاشر ص ٢٦٢.

٧

أبوك صخر، وامّي فاطمة وامّك هند، وجدّي رسول الله وجدّك عتبة بن ربيعة، و جدّتي خديجة قتيلة، فلعن الله أخملنا ذكراً، وألأمنا حسباً، وشرّنا قديماً وحديثاً، وأقدمنا كفراً ونفاقاً. فقال طوائف من أهل المسجد: آمين. قال الفضل: قال يحيى بن معين: وأنا أقول: آمين. قال أبو الفرج: قال أبو عبيد قال الفضل: وأنا أقول: آمين، ويقول علي بن الحسين الاصفهاني: آمين. قلت: ويقول عبد الحميد بن ابي الحديد مصنف هذا الكتاب: آمين(١) قال الأميني: وأنا أقول: آمين.

وآخر ما نفض به كنانة غدر الرجل أن دسّ إليهعليه‌السلام السمَّ النقيع، فلقي ربَّه شهيداً مكموداً، وقد قطع السّم أحشاؤه.

قال ابن سعد في الطبقات: سمّه معاوية مراراً، لأنّه كان يقدم عليه الشام هو وأخوه الحسين.

وقال الواقدي: انّه سَقي سمّاً ثمَّ أفلت، ثمَّ سُقي فأفلت، ثمَّ كانت الآخرة توفي فيها، فلمّا حضرته الوفاة قال الطبيب وهو يختلف اليه: هذا رجلٌ قطع السمّ أمعائه، فقال الحسين: يا أبا محمّد! أخبرني من سقاك؟! قال: ولِمَ يا أخي؟ قال: أقتله والله قبل أن أدفنك، وإن لا أقدر عليه أو يكون بأرض أتكلّف الشخوص إليه. فقال: يا أخي! إنّما هذه الدنيا ليال فانية، دعه حتى ألتقي أنا وهو عند الله، وأبى أن يسميّه. وقد سمعت بعض من يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّاً(٢) .

وقال المسعودي: لمـّا سُقي السمّ فقام لحاجة الإنسان ثمَّ رجع فقال: لقد سقيت السمَّ عدَّة مرار فما سُقيت مثل هذه، لقد لفظت طائفة من كبدي فرأيتني اُقلّبه بعود في يدي، فقال له الحسين: يا أخي! من سقاك؟ قال: وما تريد بذلك؟ فإن كان الّذي أظنّه فالله حسيبه، وإن كان غيره فما اُحبُّ أن يؤخذ بي بريءٌ. فلم يلبث بعد ذلك إلا ثلاثاً حتى توفي رضي الله عنه. وذكر: أنَّ امرأته جعدة بنت أشعث بن قيس الكندي سقته السمَّ، وقد كان معاوية دسّ اليها انّك إن احتلت في قتل الحسن وجّهت اليكِ

____________________

١ - شرح ابن ابى الحديد ٤: ١٦.

٢ - تاريخ ابن كثير ٨: ٤٣.

٨

بمائة ألف درهم، وزوَّجتكِ يزيد فكان ذلك الّذي بعثها على سمّه، فلمّا مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وأرسل اليها: إنّا نحبُّ حياة يزيد ولولا ذلك لوفينا لكِ بتزويجه.

وذكر: انَّ الحسن قال عند موته: لقد حاقت شربته، وبلغ اُمنيّته، والله ما وفى بما وعد، ولا صدق فيما قال. وفي فعل جعدة يقول النجاشي الشاعر وكان من شيعة عليّ في شعر طويل:

جعدة بكيّه ولا تسأمي

بعد بكاء المعول الثاكلِ(١)

لم يسبل الستر على مثله

في الأرض من حافٍ ومن ناعلِ

كان إذا شبَّت له ناره

يرفعها بالسند الغاتلِ(٢)

كيما يراها بائسٌ مرملٌ

وفرد قوم ليس بالآهلِ

يغلي بنئ اللحم حتى إذا

أنضج لم يغل على آكلِ

أعني الذي أسلمنا هلكه

للزمن المستخرج الماحلِ(٣)

قال أبو الفرج الأصبهاني: كان الحسن شرط على معاوية في شروط الصلح: أن لا يعهد إلى أحد بالخلافة بعده، وأن تكون الخلافة له من بعده، وأراد معاوية البيعة لابنه يزيد، فلم يكن شيىء أثقل عليه من أمر الحسن بن علي وسعد بن أبي وقّاص فدسَّ اليهما سمّاً فماتا منه، أرسل إلى ابنة الأشعث انِّي مزوِّجك بيزيد ابني على أن تسمّ الحسن. وبعث إليها بمائة ألف درهم، فسوَّغها المال ولم يزوِّجها منه. مقاتل الطالبيّين ص ٢٩. وحكاه عنه ابن ابي الحديد في شرح النهج ٤: ١١، ١٧ من طرق مغيرة و أبي بكر بن حفص.

وقال ابو الحسن المدائني: كانت وفاته في سنة ٤٩ وكان مريضاً أربعين يوماً وكان سنّه سبعاً وأربعين سنة، دسّ إليه معاوية سمّا على يد جعدة بنت الأشعث زوجة

____________________

١ - فى تاريخ ابن كثير: بكاء حق ليس بالباطل.

٢ - فى تاريخ ابن كثير: يرفعها بالنسب الماثل.

٣ - مروج الذهب ٢: ٥٠.

٩

الحسن، وقال لها: إن قتلتيه بالسمّ فلك مائة الف، و ازوّجك يزيد إبني. فلمّا مات وفى لها بالمال ولم يزوّجها من يزيد، وقال: أخشى أن تصنعي بابني ما صنعت بابن رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم [ شرح ابن ابي الحديد ٤: ٤ ].

وقال: كان الحصين بن المنذر الرقاشي يقول: والله ما وفى معاوية للحسن بشىء ممّا أعطاه، قتل حُجراً وأصحاب حُجر، وبايع لابنه يزيد، وسمَّ الحسن. شرح ابن ابي الحديد ٤: ٧.

وقال أبو عمر في الاستيعاب ١: ١٤١: قال قتادة وأبو بكر بن حفص: سُمّ الحسن بن عليّ، سمّته امرئته بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقالت طائفة: كان ذلك منها بتدسيس معاوية إليها وما بذل لها في ذلك وكان لها ضرائر فالله أعلم. ثمَّ ذكر صدر ما رواه المسعودي.

وقال سبط ابن الجوزي في التذكرة ص ١٢١: قال علماء السير منهم: ابن عبد البرّ سمّته زوجته جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي. وقال السُدي: دسّ اليها يزيد بن معاوية أن سمِّي الحسن وأتزوَّجك. فسمَّته فلمّا مات ارسلت إلى يزيد تسئله الوفاء بالوعد فقال: أنا والله ما أرضاك للحسن، أفنرضاك لأنفسنا؟ وقال الشعبي: إنّما دسّ اليها معاوية فقال: سمِّي الحسن وازوِّجكِ يزيد واعطيكِ مائة الف درهم، فلمّا مات الحسن بعثت إلى معاوية تطلب انجاز الوعد، فبعث إليها بالمال وقال: إنّي احبُّ يزيد، وأرجو حياته، ولولا ذلك لزوَّجتك إيّاه.

وقال الشعبي: ومصداق هذا القول: انَّ الحسن كان يقول عند موته وقد بلغه ما صنع معاوية: لقد عملت شربته وبلغت اُمنيَّته، والله لا يفي بما وعد، ولا يصدق فيما يقول. ثمَّ حكى عن طبقات ابن سعد: انَّ معاوية سمَّه مراراً كما مرّ.

وقال ابن عساكر في تاريخه ٤: ٢٢٩ يقال:: إنَّه سقي السمَّ مراراً كثيراً فافلت منه ثمَّ سقي المرَّة الأخيرة فلم يفلت منها. ويقال: إنَّ معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّاً فسقاه فأثّر فيه حتى كان يوضع تحته طست ويرفع نحواً من أربعين مرَّة.

وروى محمّد بن المرزبان: انَّ جعدة بنت الأشعث بن القيس كانت متزوّجة بالحسن فدسَّ

١٠

اليها يزيد أن سمّي الحسن وأنا أتزوَّجك ففعلت، فلمّا مات الحسن بعثت إلى يزيد تسأله الوفاء بالوعد فقال لها: إنّا والله لم نرضك للحسن فكيف نرضاك لأنفسنا؟ فقال كثير، ويروى انّه للنجاشي:

يا جعدة! ابكي ولا تسأمي

بكاء حقّ ليس بالباطلِ

لن تستري البيت على مثله

في الناس من حافٍ ولا ناعلِ

أعني الذي أسلمه أهله

للزمن المستخرج الماحلِ

كان إذا شبَّت له ناره

يرفعها بالنسب الماثلِ

كيما يراها بائسٌ مرملٌ

او وفد قوم ليس بالآهلِ

يغلي بنيء اللحم حتى إذا

أنضج لم يغل على آكلِ

وروى المزّي في تهذيب الكمال في أسماء الرجال عن امّ بكر بنت المسور قالت: سُقي الحسن مراراً وفي الآخرة مات فانّه كان يختلف كبده، فلمّا مات أقام نساء بني هاشم عليه النوح شهراً. وفيه عن عبد الله بن الحسن: قد سمعت من يقول: كان معاوية قد تلطّف لبعض خدمه أن يسقيه سمّا. وقال أبو عوانة عن مغيرة عن أمّ موسى: إنَّ جعدة بنت الأشعث سقت الحسن السمَّ فاشتكى منه أربعين يوماً.

وفي ( مرئاة العجائب وأحاسن الأخبار الغرائب )(١) قيل: كان سبب موت الحسن ابن عليّ من سمٍّ سمَّ به يقال: إنَّ زوجته جعدة بنت الأسود بن قيس الكندي سقته إيّاه، ويذكر والله أعلم بحقيقة امورهم: انّ معاوية دسّ اليها بذلك على أن يوجّه لها مائة الف درهم ويزوِّجها من ابنه يزيد، فلمّا مات الحسن وفى لها معاوية بالمال وقال: إنِّي اُحبّ حياة يزيد. وذكروا: انّ الحسن قال عند موته: لقد حاقت شربته والله لا وفاء لها بما وعد ولا صدق فيما قال. وفي سمّه يقول رجل من الشيعة:

تعرِّفكم لك من سلوة

تفرِّج عنك قليل الحزَنْ

بموت النبيِّ وقتل الوصيِّ

وقتل الحسين وسمّ الحسنْ

وقال الزمخشري في ( ربيع الأبرار ) في الباب الحادي والثمانين: جعل معاوية

____________________

١ - تأليف الشيخ أبى عبد الله محمد بن عمر زين الدين.

١١

لجعدة بنت الأشعث امرأة الحسن مائة الف درهم حتّى سمّته، ومكث شهرين وانَّه يرفع من تحته طستاً من دم وكان يقول: سُقيت السمَّ مراراً ما أصابني فيها ما أصابني في هذه المرَّة، لقد لفظت كبدي.

وفي ( حسن السريرة )(١) : لمـّا كان سنة سبع وأربعين من الهجرة دسَّ معاوية إلى جعدة بنت الأشعث بن قيس الكندي زوجة الحسن بن عليّ أن تسقي الحسن السمَّ ويوجّه لها مائة الف ويزوّجها من ابنه يزيد. ففعلت ذلك.

كان معاوية يرى أمر الإمام السبطعليه‌السلام حجر عثرة في سبيل امنيَّته الخبيثة بيعة يزيد، ويجد نفسه في خطر من ناحيتين: عهده إليهعليه‌السلام في الصلح معه بأن لا يعهد إلى أحد من جانب، وجدارة أبي محمّد الزكيّ ونداء الناس به من ناحية اُخرى، فنجّى نفسه عن هذه الورطة بسمِّ الإمامعليه‌السلام ، ولمـّا بلغه نعيه غدا مستبشراً، وأظهر الفرح والسرور وسجد وسجد من كان معه.

قال ابن قتيبة: لمـّا مرض الحسن بن عليّ مرضه الذي مات فيه، كتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت أن لا يمضي يومٌ بي يمرُّ إلّا يأتيني فيه خبره فأفعل. فلم يزل يكتب اليه بحاله حتّى توفي فكتب اليه بذلك، فلمّا أتاه الخبر أظهر فرحاً وسروراً حتّى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله ابن عبّاس وكان بالشام يومئذ فدخل على معاوية فلمّا جلس قال معاوية: يا ابن عبّاس هلك الحسن بن علي؟ فقال ابن عبّاس: نعم هلك، إنّا لله وإنّا إليه راجعون. ترجيعاً مكرّراً، وقد بلغني الّذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته، أما والله ما سدّ جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خيرٌ منك، ولئن اُصبنا به لقد اُصبنا بمن كان خيراً منه جدُّه رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثمَّ شهق ابن عبّاس وبكى. الحديث(٢) .

____________________

١ - ألفه الشيخ عبد القادر بن محمد بن الطبرى ابن بنت محب الدين الطبرى مؤلف الرياض النضرة.

٢ - الامامة والسياسة ١: ١٤٤.

١٢

وفي العقد الفريد ٢: ٢٩٨: لمـّا بلغ معاوية موت الحسن بن عليّ خرَّ ساجداً لِلَّه، ثمَّ أرسل إلى ابن عبّاس وكان معه في الشام فعزّاه، وهو مستبشرٌ. وقال له: ابن كم سنة مات أبو محمّد؟ فقال له: سنّه كان يُسمع في قريش فالعجب من أن يجهله مثلك قال: بلغني انّه ترك أطفالاً صغاراً، قال: كلُّ ما كان صغيراً يكبر، وإنَّ طفلنا لكهل وإنَّ صغيرنا لكبير، ثمَّ قال: مالي أراك يا معاوية! مستبشراً بموت الحسن بن عليّ؟ فوالله لا ينسأ في أجلك، ولا يسدّ حفرتك، وما أقلَّ بقائك وبقائنا بعده؟ وذكره الراغب في المحاضرات ٢: ٢٢٤.

وفي حياة الحيوان ١: ٥٨، وتاريخ الخميس ٢: ٢٩٤، وفي ط: ٣٢٨: قال ابن خلكان: لمـّا مرض الحسن كتب مروان بن الحكم إلى معاوية بذلك وكتب إليه معاوية: أن أقبل المطيَّ إليَّ بخبر الحسن، فلمّا بلغ معاوية موته سمع تكبيرة من الخضراء فكبّر أهل الشام لذلك التكبير فقالت فاختة بنت قريظة لمعاوية: أقرّ الله عينك، ما الذّي كبّرت لأجله؟ فقال: مات الحسن. فقالت: أعلى موت ابن فاطمة تكبّر؟ فقال: ما كبّرت شماتة بموته، ولكن استراح قلبي(١) . ودخل عليه ابن عبّاس فقال: يا ابن عبّاس! هل تدري ما حدث في أهل بيتك؟ قال: لا أدري ما حدث إلّا انّي أراك مستبشراً وقد بلغني تكبيرك، فقال: مات الحسن. فقال ابن عبّاس: رحم الله أبا محمّد. ثلاثاً، والله يا معاوية! لا تسدّ حفرته حفرتك، ولا يزيد عمره في عمرك، ولئن كنّا اُصبنا بالحسن فلقد اُصبنا بامام المتقين وخاتم النبيّين، فجبر الله تلك الصدعة وسكّن تلك العبرة، وكان الخلف علينا من بعده. اهـ

وكان ابن هند جذلاناً مستبشراً بموت الامام أمير المؤمنينعليه‌السلام قبل ولده الطاهر السبط، فبلغ الحسنعليه‌السلام وكتب اليه فيما كتب: قد بلغني انك شمتَّ بما لا يشمت به ذوو الحجى، وإنّما مثلك في ذلك كما قال الأوّل:

وقل للّذي يبقى خلاف الذي مضى

: تجهّز لاُخرى مثلها فكأن قدِ

____________________

١ - الى هاهنا ذكره الزمخشري ايضاً فى ( ربيع الابرار ) فى الباب الحادى والثمانين، و البدخشى فى ( نزل الابرار ).

١٣

وإنّا ومن قد مات منّا لكالّذي

يروح فيمسي في المبيت ليقتدي

ولإرضاء معاوية منع ذلك الإمام الزكيّ عن أن يقوم أخوه الحسين السبط بانجاز وصيّته ويدفنه في حجرة أبيه الشريفة التي هي له، وهو أولى إنسان بالدفن فيها، قال ابن كثير في تاريخه ٨: ٤٤: فأبى مروان أن يدعه، ومروان يومئذ معزول يريد أن يرضي معاوية. وقال ابن عساكر ٤: ٢٢٦ قال ( مروان ): ما كنت لأدع ابن أبي تراب يدفن مع رسول الله، قد دفن عثمان بالبقيع، ومروان يومئذ معزولٌ يريد أن يرضي معاوية بذلك، فلم يزل عدوًّا لبني هاشم حتى مات.اهـ

هذه نماذج من جنايات معاوية على ريحانة الرَّسولصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولعلَّ فيما أنساه التاريخ أضعافها، وهل هناك مسائلٌ ابن حرب عمّا اقترفه السبط المجتبى سلام الله عليه من ذنب استحقَّ من جرّائه هذه النكبات والعظائم؟ وهل يسع ابن آكلة الأكباد أن يعدَّ منه شيئاً في الجواب؟ غير انّهعليه‌السلام كان سبط محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقد عطّل دين آباء الرجل الذي فارقه كرهاً ولم يعتنق الإسلام إلّا فرقا، وانّه شبل عليّ خليفة الله في أرضه بعد نبيّهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهو الّذي مسح أسلافه الوثنيين بالسيف، وأثكلت امّهات البيت الأمويّ بأجريتهم، ولمـّا ينقضي حزن معاوية على اولئك الطغمة حتى تشفّى بأنواع الأذى التي صبّها على الإمام المجتبى إلى أن اغتاله بالسمِّ النقيع، ولم يملك نفسه حتّى استبشر بموته، وسجد شكراً، وأنا لا أدري أللاته سجد أم لله سبحانه؟ وانّ لسان حاله كان ينشد ما تظاهر به مقول نغله يزيد:

قد قتلت القرم من ساداتهم

وعدلنا ميل بدر فاعتدلْ

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسلْ

لعبت هاشم بالملك فلا

خبرٌ جاء ولا وحيٌ نزلْ

وانّه بضعة الزهراء فاطمة الصدِّيقة حبيبة رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومنها نسله الّذين ملأوا الدنيا أوضاحاً وغرراً من الحسب الوضّاء، والشرف الباذخ، والدين الحنيف، كلُّ ذلك ورغبات معاوية على الضدِّ منها، وما تغنيه الآيات والنذر.

وفي الذكر الحكيم:( سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَکَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ

١٤

، وَ إِنْ يَرَوْا کُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَ إِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذٰلِکَ بِأَنَّهُمْ کَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَ کَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ‌ )

الأعراف: ١٤٦

١٥

معاوية

وشيعة أمير المؤمنين

عليّ بن ابيطالبعليه‌السلام

لم يبرح معاوية مستصغراً كلَّ كبيرة في توطيد سلطانه، مستسهلّا دونه كلّ صعب، فكان من الهيِّن عنده في ذلك كلّ بائقة، ومن ذلك دؤبه على سفك دماء الشيعة - شيعة الإمام الطاهر - في أقطار حكومته، وفي جميع مناطق نفوذه، واستباحة أموالهم وأعراضهم، وقطع اصولهم بقتل ذراريهم وأطفالهم، ولم يستثن النساء، وهم المعنيّون بثناء صاحب الرِّسالةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم عليهم السابقة أحاديثه في الجزء الثالث ص ٧٨ ط ٢.

وهب أنَّ هذا الثناء لم يصدر من مصدر النبوَّة، أو أنَّ روايته لم تبلغ ابن آكلة الأكباد، فهل هم خارجون عن ربقة الإسلام المحرِّم للنفوس والأموال والحرمات بكتابه وسنة نبيّه؟ وهل اقترفوا إثما لا يغفر أو عثروا عثرة لاُ تقال غير ولا يتهم لإمام أجمع المسلمون على خلافته وحثَّ النبيّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اُمَّته على اتِّباعه وولاءه إثر ما نزل في كتاب الله من ولايته؟ أو أنَّ ابن صخر حصل على حكم لم يعرفه المسلمون يعارض كلَّ تلكم الأحكام الواردة في الكتاب والسنَّة؟ أو انَّه لا يتحوّب بارتكاب الموبقات فيلغ في الدِّماء ولوغا؟!.

بعث بُسر بن أرطاة بعد تحكيم الحكمين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه يومئذ حيُّ، وبعث معه جيشاً آخر، وتوجّه برجل من عامر ضمّ اليه جيشاً آخر، ووجّه الضحّاك بن قيس الفهري في جيش آخر، وأمرهم أن يسيروا في البلاد فيقتلوا كلّ من وجدوه من شيعة عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام وأصحابه، وأن يغيروا على سائر أعماله، ويقتلوا أصحابه، ولا يكفّوا أيدهم عن النساء والصبيان. فمّر بُسر لذلك على وجهه حتّى انتهى إلى المدينة فقتل بها ناساً من أصحاب عليّعليه‌السلام وأهل هواه، وهدم بها دوراً، ومضى إلى مكّة فقتل نفراً من آل أبي لهب، ثمّ أتى السّراة فقتل مَن بها من أصحابه، وأتى نجران فقتل عبد الله بن عبد المدان الحارثي وابنه، وكانا من

١٦

أصهار بني العبّاس عامل عليّعليه‌السلام ، ثمَّ أتى اليمن وعليها عبيد الله بن العبّاس عامل عليّ بن أبي طالب وكان غائباً، وقيل: بل هرب لمـّا بلغه خبر بُسر فلم يصادفه بُسر ووجد ابنين له صبيَّين فأخذهما بُسر لعنه الله(١) وذبحهما بيده بمدية كانت معه، ثمَّ انكفأ راجعاً إلى معاوية.

وفعل مثل ذلك سائر من بعث به، فقصد العامريّ إلى الأنبار فقتل ابن حسّان البكري وقتل رجالاً ونساء من الشيعة قال أبو صادقة(٢) أغارت خيلٌ لمعاوية على الأنبار فقتلوا عاملاً لعليّعليه‌السلام يقال له: حسّان بن حسّان، وقتلوا رجالاً كثيراً ونساءً، فبلغ ذلك عليّ بن أبي طالب صلوات الله عليه فخرج حتّى أتى المنبر فرقيه فحمد الله وأثنى عليه وصلّى على النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال:

إنَّ الجهاد بابٌ من أبواب الجنّة، فمن تركه ألبسه الله ثوب الذلّة، وشمله البلاء، وريب بالصغار، وسيم الخسف، وقد قلت لكم: أغزوهم قبل أن يغزوكم فانَّه لم يغز قومُ قطُّ في عُقر دارهم إلّا ذلّوا.فتواكلتم وتخاذلتم وتركتم قولي ورائكم ظهريّا، حتّى شنَّت عليكم الغارات، هذا أخو عامر قد جاء الأنبار فقتل عاملها حسّان بن حسّان وقتل رجالاً كثيراً ونساءً، والله بلغني انّه كان يأتي المرأة المسلمة والاُخرى المعاهدة فينزع حجلها ورعاثها ثمّ ينصرفون موفورين لم يكلم أحدٌ منهم كلماً، فلو أنَّ امرءاً مسلماً مات دون هذا أسفاً لم يكن عليه ملوماً بل كان به جديرا. الحديث.

أصاب امّ حكيم بنت قارظ - زوجة عبيد الله - ولهٌ على ابنيها فكانت لا تعقل ولا تصغي إلّا إلى قول من أعلمها انَّهما قد قُتلا، ولا تزال تطوف في المواسم تنشد الناس ابنيها بهذه الأبيات:

يا من أحسّ بابنيَّ اللّذين هما

كالدرَّتين تشظّى عنهما الصدفُ

يا من أحسّ بابنيَّ اللّذين هما

سمعي وقلبي فقلبي اليوم مردهفُ

يا من أحسّ بابنيَّ اللّذين هما

مخّ العظام فمخّي اليوم مختطفُ

____________________

١ - كذا جاء فى غير موضع من لفظ الحديث.

٢ - أخرجه أبو الفرج مسنداً حذفنا إسناده روما للاختصار.

١٧

نُبّئت بُسراً وما صدَّقت ما زعموا

من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا

انحى على ودجي ابنيّ مرهفة

مشحوذة وكذاك الإفك يقترفُ

حتّى لقيت رجالاً من اُرومته

شمّ الاُنوف لهم في قومهم شرفُ

فالآن ألعن بُسراً حقّ لعنته

هذا لعمر أبي بُسر هو السَّرفُ

من دلَّ والهة حرّى مولّهة

على صبيّين ضلّا إذ غدا السّلفُ

قالوا: ولمـّا بلغ عليّ بن أبي طالبعليه‌السلام قتل بُسر الصبيّين جزع لذلك جزعاً شديدا، ودعا على بُسر لعنه الله فقال: اللّهم اسلبه دينه، ولا تخرجه من الدنيا حتّى تسلبه عقله. فأصابه ذلك وفقد عقله، وكان يهذي بالسيف ويطلبه فيؤتى بسيف من خشب ويجعل بين يديه زقّ منفوخ فلا يزال يضربه حتّى يسأم(١) .

صورة مفصَّلة

لقد أشنَّ الغارة معاوية على شيعة أمير المؤمنينعليه‌السلام سنة ٣٩ وفرّق جيوشه في أصقاع حكومتهعليه‌السلام واختار اُناسا ممَّن لا خَلاق لهم لقتل أولئك الأبرياء أينما كانوا وحيثما وُجدوا، فوجَّه النعمان بن بشير في ألف رجل إلى عين التمر.

ووجّه سفيان بن عوف في ستَّة آلاف وأمره أن يأتي ( هيت ) فيقطعها ثمَّ يأتي الأنبار والمدائن فيوقع بأهلها فأتى ( هيت ) ثمَّ أتى الأنبار وطمع في أصحاب عليّعليه‌السلام لقتلهم فقاتلهم فصبر أصحاب عليّ ثمَّ قُتل صاحبهم أشرس بن حسّان البكري وثلاثون رجلاً، واحتملوا ما في الأنبار من أموال أهلها ورجعوا إلى معاوية.

ووجّه عبد الله بن مسعدة بن حكمة الفزاري ( وكان أشدّ الناس على عليّ ) في ألف وسبعمائة إلى ثيماء، وأمره أن يصدق من مرَّ به من أهل البوادي ويقتل من امتنع، ففعل ذلك وبلغ مكّة والمدينة وفعل ذلك.

ووجّه الضحّاك بن قيس وأمره أن يمرّ بأسفل واقصة ويغير على كلّ من مرَّ به ممَّن هو في طاعة عليّعليه‌السلام من الأعراب، وأرسل ثلاثة آلاف رجل معه فسار الناس

____________________

١ - الاغاني ١٥: ٤٤ - ٤٧، تاريخ ابن عساكر ٣: ٢٢٣، الاستيعاب ١: ٦٥، النزاع والتخاصم ص ١٣، تهذيب التهذيب ١: ٤٣٥، ٤٣٦.

١٨

وأخذ الأموال، ومضى إلى الثعلبيَّة وقتل وأغار على مسلحة عليّ، وانتهى إلى القطقطانة، فلمّا بلغ عليّاً أرسل إليه حُجر بن عدي في أربعة آلاف فلحق الضّحاك بتدمر فقتل منهم تسعة عشر رجلاً، وقُتل من أصحابه رجلان، وحجز بينهما الليل فهرب الضحّاك وأصحابه ورجع حُجر ومَن معه.

ووجّه عبد الرَّحمن بن قباث بن أشيم إلى بلاد الجزيرة وفيها شيب بن عامر جد الكرماني الذي كان بخراسان، فكتب إلى كميل بن زياد وهو بهيت يعلمه خبرهم، فقاتله كميل وهزمه وغلب على عسكره، وأكثر القتل في أهل الشام وأمر أن لا يُتبع مدبرٌ ولا يُجهز على جريح.

ووجّه الحرث بن نمر التنوخي إلى الجزيرة ليأتيه بمن كان في طاعة عليّ، فأخذ من اهل دارا سبعة نفر من بني تغلب فوقع هناك من المقتلة ما وقع.

ووجّه زهير بن مكحول العامري إلى السَّماوة، وأمره أن يأخذ صدقات الناس فبلغ ذلك عليّاً فبعث ثلاثة منهم جعفر بن عبد الله الأشجعي ليصدقوا مَن في طاعته من كلب وبكر، فوافوا زهيراً فاقتتلوا فانهزم أصحاب عليّ وقتل جعفر بن عبد الله.

وبعث سنة ٤٠ بُسر بن أرطاة في جيش فسار حتّى قدم المدينة وبها أبو أيّوب الأنصاري عامل عليّ عليها، فهرب أبو أيّوب فأتى عليّاً بالكوفة، ودخل بُسر المدينة ولم يُقاتله أحدٌ فصعد منبرها فنادى عليه: يا دينار! ويا نجار! ويا زريق!(١) شيخي شيخي عهدي به بالأمس فأين هو؟ يعني عثمان - ثمَّ قال: يا أهل المدينة! والله لولا ما عهد إليَّ معاوية ما تركت بها محتلماً إلّا قتلته. فأرسل إلى بني سلمة فقال: والله ما لكم عندي أمانُ حتى تأتوني بجابر بن عبد الله. فانطلق جابر إلى امّ سلمة زوج النبيِّصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال لها: ماذا ترين؟ انّ هذه بيعة ضلالة وقد خشيت أن اُقتل. قالت: أرى أن تبايع فانِّي قد أمرت ابني عمر بن أبي سلمة وختني عبد الله بن زمعة أن يبايعا، فأتاه جابر فبايعه، وهدم بُسر دوراً بالمدينة، ثمَّ سار إلى مكّة فخاف أبو موسى أن يقتله فهرب، وكتب أبو موسى إلى اليمن: إنَّ خيلاً مبعوثةٌ من عند معاوية تقتل الناس، تقتل

____________________

١ - هذه بطون من الانصار.

١٩

من أبى أن يقرّ بالحكومة. ثمّ مضى بُسر إلى اليمن وكان عليها عبيد الله بن عبّاس عاملّا لعليّ فهرب منه إلى عليّ بالكوفة، واستخلف عبد الله بن عبد المدان الحارثي فأتاه بُسر فقلته وقتل ابنه، ولقي بُسر ثقل عبيد الله بن عبّاس وفيه ابنان له صغيران فذبحهما وهما: عبد الرّحمن وقثم، وقال بعضٌ: إنّه وجدهما عند رجل من بني كنانه بالبادية فلمّا أراد قتلهما قال له الكناني: لِمَ تقتل هذين ولا ذنب لهما؟ فإن كنت قاتلهما فأقتلني معهما، قال: أفعل. فبدأ بالكناني فقتله ثمَّ قتلهما. فخرجت نسوةٌ من بني كنانة فقالت أمرأة منهنّ: يا هذا! قتلتَ الرِّجال، فعلامَ تقتل هذين؟ والله ما كانوا يقتلون في الجاهليّة والإسلام، والله يا بن أرطاة إنَّ سلطاناً لا يقوم إلّا بقتل الصبيّ الصغير، والشيخ الكبير، ونزع الرَّحمة، وعقوق الأرحام، لسلطان سوء، وقتل بُسر في مسيره ذلك جماعة من شيعة علىّ باليمن وبلغ عليّاً الخبر.

تاريخ الطبري ٦: ٧٧ - ٨١، كامل ابن الأثير ٣: ١٦٢ - ١٦٧، تاريخ ابن عساكر ٣: ٢٢٢، ٤٥٩، الإستيعاب ١: ٦٥، ٦٦، تاريخ ابن كثير ٧: ٣١٩ - ٣٢٢، وفاء الوفاء ١: ٣١.

وقال ابن عبد البرّ في الاستيعاب ١: ٦٥: كان يحيى بن معين يقول: كان بُسر بن أرطاة رجل سوء. قال أبو عمر: ذلك لاُمور عظام ركبها في الإسلام فيما نقل أهل الأخبار وأهل الحديث أيضاً منها: ذبحه ابني عبد الله بن العبّاس وهما صغيران بين يدي امّهما. وقال الدارقطني: لم تكن له استقامة بعد النبيّ عليه الصَّلاة والسَّلام وهو الذي قتل طفلين لعبيد الله بن العبّاس. وقال أبو عمرو الشيباني: لمـّا وجّه معاوية بن أبي سفيان بُسر بن أرطاة الفهري لقتل شيعة عليّ رضي الله عنه قام اليه معن أو عمرو بن يزيد السلمي وزياد بن الأشهب الجعدي فقال: يا أمير المؤمنين! نسألك بالله والرَّحم أن تجعل لبُسر على قيس سلطاناً فيقتل قيساً بما قتلت به بنو سليم من بني فهر وكنانة يوم دخل رسول اللهصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مكّة. فقال معاوية: يا بُسر لا إمرة لك على قيس فسار حتّى أتى المدينة فقتل ابني عبيد الله وفرَّ أهل المدينة ودخلوا الحرّة حرّة بني سليم. ( قال أبو عمرو ): وفي هذه الخرجة التي ذكر أبو عمرو الشيباني أغار بُسر بن أرطاة على همدان

٢٠