القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام الجزء ١

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام0%

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام مؤلف:
الناشر: سليمان زاده
تصنيف: مكتبة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وأهل البيت عليهم السلام
الصفحات: 574

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة

مؤلف: آية الله العلّامة السيّد أحمد المستنبط رحمة الله عليه
الناشر: سليمان زاده
تصنيف: الصفحات: 574
المشاهدات: 5293
تحميل: 446

الجزء 1
بحث داخل الكتاب
  • البداية
  • السابق
  • 574 /
  • التالي
  • النهاية
  •  
  • تحميل HTML
  • تحميل Word
  • تحميل PDF
  • المشاهدات: 5293 / تحميل: 446
الحجم الحجم الحجم
القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام

القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام الجزء 1

مؤلف:
الناشر: سليمان زاده
العربية

هذا الكتاب نشر الكترونيا وأخرج فنيّا برعاية وإشراف شبكة الإمامين الحسنين (عليهما السلام) وتولَّى العمل عليه ضبطاً وتصحيحاً وترقيماً قسم اللجنة العلمية في الشبكة


تحميل الكتاب القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة عليهم السلام ، آية الله العلّامة السيّد أحمد المستنبط رحمة الله عليه ، شبكة الإمامين الحسنين عليهما السلام

ثمّ صارا إلى إبليس فشكواه وقالا له: قد أعيانا أمره، فامددنا بالمردة، فلا يزال يمدّهما [حتّى يمدّهما] بألف مارد، فيأتونه، فكلّما راموه ذكر الله وصلّى على محمّد وآله الطيّبين، لم يجدوا عليه طريقاً، وما منفذاً.

قالوا لإبليس: ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه وتغويه، فيقصده إبليس بجنوده.

فيقول الله تعالى للملائكة: «هذا إبليس قد قصد عبدي فلاناً، أو أمتي فلانة بجنوده، ألا فقاتلوهم» فيقاتلهم بإزاء كلّ شيطان رجيم منهم مائة ألف ملك، وهم على أفراس من نار، بأيديهم سيوف من نار، ورماح من نار، وقسيّ ونشاشيب(١) وسكاكين، وأسلحتهم من نار، فلا يزالون يخرجونهم ويقتلونهم بها، ويأسرون إبليس فيضعون عليه تلك الأسلحة، فيقول: «يا ربّ وعدك، قد أجّلتني إلى يوم الوقت المعلوم».

فيقول الله تعالى للملائكة: «وعدته أن لا أميته، ولم أعده أن لا اُسلّط عليه السلاح والعذاب والآلام، اشتفوا(٢) منه ضرباً بأسلحتكم، فإنّي لا اُميته».

فيثخنونه بالجراحات، ثمّ يدعونه فلا يزال سخين العين على نفسه وأولاده المقتولين، ولا يندمل شيء من جراحاته إلّا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم، فإن بقي هذا المؤمن على طاعة الله وذكره والصلاة على محمّد وآله، بقي على إبليس تلك الجراحات، وإن زال العبد عن ذلك، وانهمك(٣) في مخالفة الله عزّوجلّ ومعاصيه، اندملت جراحات إبليس.

ثمّ قوي على ذلك العبد حتّى يلجمه ويسرج على ظهره ويركبه، ثمّ ينزل عنه ويركب ظهره شيطاناً من شياطينه، ويقول لأصحابه: أما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا؟ ذلّ وانقاد لنا الآن حتّى صار يركبه هذا.

____________________

(١) النشاشيب: جمع نشاب: السهام.

(٢) تشفّى من عدوّه: إذا بلغ ما يذهب غيظه منه.

(٣) انهمك: جدّ ودوام.

٢١

ثمّ قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فإن أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه(١) وألم جراحاته، فداوموا على طاعة الله وذكره، والصلاة على محمّد وآله، وإن زلتم عن ذلك، كنتم اُسراء إبليس فيركب أقفيتكم بعض مردته.(٢)

أحببت أن أكتب من بحر فضائلهم قطرة، وأذكر منها ما تسعني الفرصة، وسمّيته كتاب «القطرة من بحار مناقب النبيّ والعترة ».

كيف يستوعب الكتاب سجاياه

وهل ينزح الركاء(٣) البحارا

وقال آخر:

قطره نیاورد صفت ز دریا لیکن

بر قدر خود کند حکایت دریا

ذرّه نیارد صفت ز خورشا لیکن

بر مثل خود کند روایت خورشا

ذرّه چه داند حدیث طلعت خورشید

پشّه چه داند رموز خلقت عنقاء

* * *

فلو نظر الندمان(٤) ختم انائها

لأسكرهم من دونها ذلك الختم

وكان تأليفي هذا الكتاب المستطاب في أيّام توطّني بأرض النجف الأشرف على مشرّفها آلاف والتحيّة والثناء، فكلّما وجد فيه من أشياء لطيفة وتحقيقات رشيقة، فهو من بركات تلك الحضرة المقدّسة وإفاضات حضرة سيدّنا أميرالمؤمنين صلوات الله وسلامه عليه، وأشكر الله وإيّاه لهذه المنحة العظيمة.

أقول:

شاها من ار بعرش رسانم سریر فضل

مملوک آن جنابم و محتاج این درم

____________________

(١) سخنة عينه: خلاف قرّة عينه.

(٢) تفسير المنسوب إلى الإمام العسكري عليه السلام: ٣٩٦.

(٣) الركوة: إناء صغير من جلد يشرب فيه الماء. جمعها: رِكاءُ.

(٤) النديم: المصاحب على الشراب المسامر.

٢٢

گر برکنم دل از تو و مهر از تو بگسلم

این معر بر که افکنم، این دل کجار برم

* * *

سفینه دلم از مدح شاه پر گهر است

گواه حال بدین علم عالم العلّام

* * *

تطوف ملوك الأرض حول جنابه

وتسعى لكم لحظي(١) بلثم(٢) ترابه

فكان كبيت الله بيت علا به

تزاحم تيجان الملوك ببابه

فيكثر عند الإستلام ازدحامها

أتاه ملوك الأرض طوعاً وأملتّ

مليكا سحاب الفضل منه تهلّلت

ومهما دنت زادت خضوعاً به علت

إذا ما رأته من بعيد ترجّلت

وإن هي لم تفعل ترجّل هامها(٣)

وحرّرت قبل الخوض فيه مقدّمات شريفة.

____________________

(١) اللحظ: باطن العين.

(٢) لثم، لثماً: قبّله.

(٣) هام فلان: خرج على وجهه في الأرض.

٢٣

المقدّمة الاُولي

إنّ محبّة الداعية إلى الولاية الّتي هي البيعة الخاصّة الولويّة، والدعوة الباطنيّة والكليّة الإلهيّة على قسمين:

منها :موهوبيّ ، كما ورد في كتاب تحف العقول في باب وصايا الصادق عليه السلام لأبي جعفر مؤمن الطاق:

يابن النعمان، إنّ حبّنا أهل البيت ينزّله اللَّه من السماء من خزائن تحت العرش كخزائن الذهب والفضّة ولاينزّله إلّا بقدر، ولايعطيه إلّا خير الخلق، وإنّ له غمامة(١) كغمامة القطر، فإذا أراد اللَّه أن يخصّ به من أحبّ من خلقه، أذن لتلك الغمامة فتهطّلت كما تهطّلت (٢) السحاب، فتصيب الجنين في بطن اُمّه. (٣)

أو بدعاء الأجداد والآباء ، كما نقل عن والد المجلسي أنّه قال: - بعد الفراغ من التهجّد - عرضت لي حالة عرفت أنّي لا أسأل من اللَّه شيئاً إلّا استجاب لي، وإذاً بصوت «محمّد باقر في المهد» فقلت من غير مهلة: إلهي بحقّ محمّد وآل محمّد إجعل هذا الطفل مروّج دينك، وناشر أحكام سيّد رسلك، ووفّقه بتوفيقاتك الّتي لا نهاية لها.

وقد بلغ قدّس اللَّه نفسه الزكيّة مرتبة لو سمّي دين الشيعة بدين المجلسي لكان في محلّه،لأنّ رونقه منه، كتسمية الشيعة بالجعفري.

ونقل عن بحر العلوم قدس سره: أنّه كان يتمنّى أن تكون جميع تصانيفه في ديوان المجلسي رحمة الله، وتكون أحد كتبه الفارسيّة الّتي هي ترجمة متون الأخبار الشايعة كالقرآن المجيد في جميع الأقطار في ديوان عمله.(٤)

____________________

(١) الغمام: السحاب، مفرده غمامة.

(٢) الهَطْل: تتابع المطر.

(٣) تحف العقول: ٣١٠، عنه البحار: ٢٩٢/٧٨.

(٤) دار السلام: ٢٠٥/٢.

٢٤

أو بدعاء الإخوان الصلحاء وإبراهيم عليه السلام، كما في قوله تعالى:( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ ) (١) .

أو بما يلقى دفعة في القلوب بمشاهدتهم في اليقظة ، كما سمعنا مذاكرة من مشايخنا قدّس اللَّه أسرارهم كان لرجل من محبّي عليّ عليه السلام ابن أخ وهو مبغض له عليه السلام وكان يطلب منه أن يجعله من محبّيه، ومضى كذلك إلى أن اتّفق أنّ العمّ كان مع أميرالمؤمنين عليه السلام وهو مع صحبه ولمّا اجتازوا ولم يسلّموا على عليّ عليه السلام فانفعل العمّ من ذلك، فنظر عليّ عليه السلام إليه، فرجع وأكبّ على قدمي أمير المؤمنين عليه السلام وقال:كنت أبغض الناس عندي والآن أنت من أحبّ الناس لديّ.

أقول:

دوستان را کجا کنی محروم

تو که با دشمنان نظر داری

* * *

آنان که خاک را به نظر کیمیا کنند

آیا شود که گوشه چشمی به ما کنند

* * *

به ذرّه گر نظر لطف بوتراب کند

به آسمان رود و کار آفتاب کند

وقيل: إنّ المصرع الثاني منسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام.

وقال آخر:زهره شیر شود آب ز دل داری دل

وعلّمه أمير المؤمنين عليه السلام في الرؤيا المصرع الثاني، وقال:

اسدالله گر آید بهوا داری دل

وكما اتّفق لزهير بن القين مع الحسين عليه السلام أنّه كان يقول: لم يكن شيء أبغض إلينا أن ننازله في منزل، إلى أن نزلنا في منزل لم نجد بدّاً من أن ننازله فيه فبينا نحن جلوس، إذ أقبل رسول الحسين عليه السلام حتّى سلّم.

____________________

(١) إبراهيم: ٣٧.

٢٥

فقال: يا زهير بن القين، إنّ أبا عبداللَّه الحسين بن علي عليهما السلام بعثني إليك لتأتيه فطرح كلّ انسان منّا ما في يده، حتّى كأنّما على رؤوسنا الطير.

فقالت له إمرأته: أيبعث إليك ابن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ثمّ لاتأتيه؟ سبحان اللَّه! لو أتيته فسمعت من كلامه ثمّ انصرفت.

فأتاه زهير بن القين، فما لبث أن جاء مستبشراً قد أسفر(١) وجهه، فأمر بفسطاطه وثقله ومتاعه، فقدم وحمل إلى الحسين عليه السلام.

ثمّ قال لإمرأته(٢) : أنت طالق! إلحقي بأهلك، فإنّي لا اُحبّ أن يصيبك بسببي إلّاخيراً. (٣)

أو يلقى محبّتهم في القلوب بمشاهدتهم في المنام ، كما نقل شيخنا المتبحّر المحدّث النوري قدس سره عن شيخه الشيخ جعفر التستري قدس سره أنّه قال:

لمّا فرغت من تحصيل العلوم الدينيّة في المشهد الغروي، وآن أوان النشر ووجوب الإنذار، رجعت إلى وطني وقمت بأداء ما كان عليّ من إهداء الناس على تفاوت مراتبهم ولعدم تضلّعي بالآثار المتعلّقه بالمواعظ والمصائب، كنت مكتفياً بأخذ تفسير الصافي بيدي على المنبر، والقرائة منه في شهر رمضان والجمعات وروضة الشهداء للمولى حسين الكاشفي في أيّام عاشوراء، ولم أكن ممّن يمكنه الإنذار والإبكاء بما أودعته في صدري إلى أن مضى عليّ عام وقرب شهر محرّم الحرام، فقلت في نفسي ليلة:

إلى متى أكون صحفيّاً لا اُفارق الكتاب، فقمت أتفكّر في تدبير الاستغناء عنه والاستقلال في الخطاب وسرحت بريد فكري في أطراف هذا المقام، إلى أن سئمت منه، وأخذني المنام، فرأيت كأنّي بأرض كربلاء في أيّام نزول المواكب

____________________

(١) أي أشرق.

(٢) قال السيّد: وهي ديلم بنت عمرو.

(٣) إرشاد المفيد: ٢٤٦، اللهوف لابن طاووس: ٣٠، عنه البحار: ٣٧١/٤٤.

٢٦

الحسينيّة فيها، وخيمهم مضروبة، وعساكر الأعداء في تجاههم كما جاء في الرواية، فدخلت على فسطاط سيّد الأنام أبي عبداللَّه عليه السلام فسلّمت عليه، فقرّبني وأدناني وقال عليه السلام لحبيب بن مظاهر رضوان اللَّه عليه:

إنّ فلاناً - وأشار إليّ - ضيفنا، أمّا الماء فلا يوجد عندنا منه شيء، وإنّما يوجد عندنا دقيق وسمن، فقم واصنع له منهما طعاماً، وأحضره لديه، فقام وصنع منه شيئاً ووضعه أمامي، وكان معه ملعقة فأكلت منه لقيمات، وانتبهت وإذاً اُهتدي إلى دقائق وإشارات في المصائب ولطائف وكنايات في آثار الأطائب، ما لم يسبقني إليها أحد وأخذت تزداد كلّ يوم إلى أن أتى شهر الصيام، وبلغت في مقام الوعظ والبيان غاية المرام، ذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء.(١)

وكما عن السيّد العلّامة السّيد عبداللَّه شبّر النجفي(٢) - المشتهر في عصره بالمجلسيّ الثاني، صاحب كتاب جامع المعارف والأحكام في الأخبار الّذي هو شبه بحار الأنوار، وحكى عنه المحدّث النوري قدّس سرّهما - أنّه قال:

إنّ كثرة مؤلّفاتي من توجّه الإمام الهمام موسى بن جعفر عليهما السلام، فإنّي رأيته في المنام فأعطاني قلماً، وقال: «اُكتب»، فمن ذلك الوقت وفّقت لذلك فكلّ ما برز منّي فمن بركة هذا القلم.(٣)

____________________

(١) فوائد الرضويّة: ٦٧.

(٢) كان رحمة الله من مشاهير العلماء، متبحّراً في الفقه والتفسير والحديث والكلام، وفي ساير الفنون الاسلاميّة، ولد في النجف الأشرف سنة ١١٨٨، ونشأ بها نشأته الأولى، ثمّ انتقل إلى الكاظميّة، ومات في سنة ١٢٤٢، ومع أنّه لم يتجاوز عمره ٥٤ عاماً، صدر منه أكثر من سبعين مؤلّفاً بين موسوعة ورسالة.

اُنظر ترجمته في روضات الجنّات: ٤٦١/٤، معارف الرجال: ٨/٢، الكنى والألقاب: ٣٥٢/٢ ريحانة الأدب: ٢٩٦/٢، مقدّمة كتاب مصابيح الأنوار وحقّ اليقين.

(٣) دار السلام: ٢٥٠/٢.

٢٧

وقد يلقى محبّتهم في القلوب بمجرّد ذكر أسمائهم ، كما في حديث ذكر إسلام سلمان رضوان اللَّه عليه.(١)

أو بتحنيكة بماء الفرات ، كما ورد عن الصادق عليه السلام قال: الفرات من شيعة علي عليه السلام وما حنّك به أحد إلّا أحبّنا أهل البيت عليهم السلام.(٢)

أو من أهل بلاد مخصوصة ممدوحة ، كالكوفة(٣) وقم (٤) وآبة (٥) ، دون البلاد المذمومة، كما ورد في الخصال - بأسانيده المفصّلة - عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قالوا كلّهم: ثلاثة عشر صنفاً - وقال تميم: ستّة عشر صنفاً - من اُمّة جدّي لايحبّوننا ولايحبّبوننا إلى الناس، ويبغضوننا ولايتولّوننا، ويخذلوننا ويخذلون الناس عنّا، فهم أعداؤنا حقّاً، لهم نار جهنّم ولهم عذاب الحريق.

قال: قلت: بيّنهم لي يابن رسول اللَّه وقاك اللَّه شرّهم قال:

الزايد في خلقه ، فلاترى أحداً من الناس في خلقه زيادة إلّا وجدته لنا مناصباً، ولم تجده لنا موالياً.

والناقص الخلق من الرجال ، فلاترى للَّه خلقاً ناقصة الخلقة إلّا وجدت في قلبه علينا غلّاً.

____________________

(١) البحار: ٣٥٥/٢٢ ح٢، وفيه: أنا كنت رجلاً من أهل شيراز من أبناء الدهاقين، وكنت عزيزاً على والديّ، فبينا أنا سائر مع أبي في عيد لهم إذا أنا بصومعة، وإذا فيها رجل ينادي: أشهد أن لاإله إلّا اللَّه، وأنّ عيسى روح اللَّه وأنّ محمّداً حبيب اللَّه، فرصف حبّ محمّد صلى الله عليه وآله وسلم في لحمي ودمي....

(٢) كامل الزيارات: ١١١ ح ١٥، عنه البحار: ٢٣٠/١٠٠ ح ١٨.

(٣) كما في حديث عن الصادق عليه السلام قال: أما إنّه ليس من بلد من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة.

(٤) كما في حديث عن الصادق عليه السلام قال: إنّما سمّي قم لأنّ أهله يجتمعون مع قائم آل محمّد عليه السلام ويقومون معه ويستقيمون عليه وينصرونه.

(٥) كما في حديث عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: قلت: يا جبرئيل، ما هذه البقعة؟ قال: يقال لها «آبة» عرضت عليها رسالتك وولاية ذرّيّتك فقبلت، وإنّ اللَّه يخلق منها رجالاً يتولّونك ويتولّون ذرّيّتك فتبارك اللَّه عليها وعلى أهلها.

٢٨

والأعور باليمين للولادة ، فلاترى للَّه خلقاً ولد أعور اليمين إلّا كان لنا محارباً ولأعدائنا مسالماً.

والغربيب من الرجال ، فلاترى للَّه عزّوجلّ خلقاً غربيباً - وهو الّذي قد طال عمره فلم يبيّض شعره، وترى لحيته مثل حنك الغراب - إلّا كان علينا مؤلباً(١) ولأعدائنا مكاثراً.

والحلكوك (٢) من الرجال ، فلاترى منهم أحداً إلّا كان لنا شتّاماً، ولأعدائنا مدّاحاً.

والأقرع (٣) من الرجال ، فلاترى رجلاً به قرع إلّا وجدته همّازاً(٤) لمّازاً(٥) مشّاءً بالنميمة علينا.(٦)

[والمفصّص بالخضرة (٧) من الرجال ، فلاترى منهم أحداً - وهم كثيرون - إلّا وجدته يلقانا بوجه ويستدبرنا بآخر، يبتغي لنا الغوائل.

والمنبوذ (٨) من الرجال ، فلاتلقى منهم أحداً إلّا وجدته لنا عدوّاً مضلّاً مبيناً. (٩) ]

والأبرص (١٠) من الرجال ، فلاتلقى منهم أحداً إلّا وجدته يرصد لنا المراصد ويقعد لنا ولشيعتنا مقعداً ليضلّنا بزعمه عن سواء السبيل.

____________________

(١) أي يجمع الناس علينا بالعداوة والظلم.

(٢) الحلكوك: الشديد السواد.

(٣) الأقرع: الّذي ذهب شعر رأسه من آفة.

(٤) همّاز: العيّاب في الغيب.

(٥) لمّاز: العيّاب للنّاس في وجوههم.

(٦) في البحار بعد هذه زيادة، فراجع.

(٧) المفصّص بالخضرة: الّذي يكون عينه أزرق.

(٨) المنبوذ: ولد الزنا.

(٩) بين المعقوفين ليس في الأصل ولا في بعض النسخ. وقال شارح الخصال: لعلّ بدونه على رواية غير تميم ومعها على رواية تميم.

(١٠) البرص: بياض يقع في الجسد لعلّة.

٢٩

والمجذوم (١) ، وهم حصب(٢) جهنّم، هم لها واردون.

والمنكوح ، فلاترى منهم أحداً إلّا وجدته يتغنّى بهجائنا(٣) ، ويؤلب علينا. (٤)

وأهل مدينة تدعى سجستان ، هم لنا أهل عداوة ونصب، وهم شرّ الخلق والخليقة،عليهم من العذاب ما على فرعون وهامان وقارون.

وأهل مدينة تدعى الري ، هم أعداء اللَّه وأعداء رسوله وأهل بيته عليهم السلام، يرون حرب أهل بيت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم جهاداً، ومالهم مغنماً(٥) ، فلهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا والآخرة، ولهم عذاب مقيم.

وأهل مدينة تدعى الموصل ، هم شرّ من على وجه الأرض.

وأهل مدينة تسمّى الزوراء ، تبنى آخرالزمان يستشفون بدمائنا، ويتقرّبون ببغضنا، يوالون في عداوتنا، ويرون حربنا فرضاً، وقتالنا حتماً.

يا بنيّ، فاحذر هؤلاء ثمّ احذرهم، فإنّهم لايخلو إثنان منهم بأحد من أهلك إلّا همّوا بقتله - واللفظ للتميم من أوّل الحديث إلى آخره -.(٦)

أقول : وأمّا ذمّ البلاد المذكورة - الري والموصل وسجستان واصبهان كما في رواية(٧) لايكون فيهم خمس خصال، وعدّ منها حبّ آل البيت عليهم السلام - وغيرهم من ساير البلاد المذمومة، فبإعتبار أنّ أهلها كانوا كذلك في زمان صدور الرواية، أو باعتبار غلبة الفسق على العدل فيها، ولا كلّية لها حتّى ينتقض بوجود الصالح فيها،

ثمّ لايذهب عليك أنّ الصفات المأخوذة في غير العناوين المشار إليها في

____________________

(١) الجذام: علّة تتأكّل منها الأعضاء وتتساقط.

(٢) حصب: وقود.

(٣) الهجاء: السبّ وتعديد المعايب، خلاف المدح، ويكون بالشعر غالباً.

(٤) يؤلب علينا: يجمع الناس ويحرضّهم على عداوتنا.

(٥) المغنم: الغنيمة. ما يؤخذ من المحاربين في الحرب قهراً.

(٦) الخصال: ٥٠٦/٢ ح٤، عنه البحار: ٢٧٨/٥ ح٨.

(٧) راجع البحار: ٢٠١/٦٠ باب الممدوح من البلدان والمذموم منها.

٣٠

الخارج،كزيادة الخلقة ونقصانها ونحوهما، ممّا كانت طبيعيّة غير اختياريّة، كيف تكون داعية للبغض وعدم الحبّ، حتّى يقع مورداً للتكليف والذمّ؟

لأنّا نقول: إنّه سبحانه وتعالى لايصوّره إلّا بصورة اقتضاها إستعداده، وتستعقب مصالح عائدة إليه، أو إلى غيره، ولبعض أساتيدنا كلام في المقام ما هذا لفظه:

حيث كانت الماهيّات موجدة في العلم الأزلي، وطلبت بلسان حال استعدادها الدخول في دار الوجود، وكان الواهب الجواد فيّاضاً، بذاته غنيّاً، فيجب عليه إفاضة الوجود، وحيث أنّ الجود بمقدار قبول القابل، وعلى طبق حال السائل،كانت الإفاضة عدلاً وصواباً، إذ الشيء لاينافي مقتضاه.

أقول : الأحسن أن يقال إنّ القابليّات الفعليّة كلّها متسبّبة من عدم وقوع كمال متأخّر إختياريّ منه، فلا إشكال حينئذٍ فيما اُعطوا من الصور المذكورة المقتضية لبعض الآثار على حسب ما يختارون ويقبلون بعدها، مضافاً إلى أنّ هذا الاقتضاء قابل التخلّف عنها بموانع اختياريّة، وليس لها علّية حتّى يلزم الجبر.

وبعبارة اُخرى: لمّا علم اللَّه جلّ وعلا من أرواحهم أنّهم لايحبّون محمّداً وآله عليهم السلام ولايقرّوا في الميثاق بولايتهم، جعل صورهم كذلك وما طيب مولد أجسادهم.

ومنها: كسبيّ ، وطريق تحصيله باُمور:

الأوّل : التأمّل فيما هم عليه من الصفات الجميلة الّتي تهوي إليها النفوس من العلم والحلم والتقوى والكرم والزهد والعبادة والشجاعة والرأفة والقدرة، فإنّ الفطرة البشريّة لمجبولة بمحبّة كلّ شيء فيه جهة حسن، أو صفة كمال، ولو كان في الجماد أو فيمن يعاديه.

الثاني : التأمّل فيما أعطاهم اللَّه من النعم الغير المحصورة بتوسّطهم وسببهم دنيويّاً واُخرويّاً، موهوبيّاً أو كسبيّاً، ومن الأوّل روحانيّاً، كنفخ الروح، وما يتبعه من

٣١

القوى، أو جسمانيّاً كخلق البدن والقوى الصحّيّة، أو كسبيّاً كتخلية النفس عن الرذائل وتحليتها بالفضائل من الأخلاق السنيّة، وحصول الجاه والمال، ومن الاُخروي مغفرة ما فرط منه وتبوئته(١) في أعلا عليّين أبد الآبدين، ولكلّ منهما محمّد وأهل بيته عليهم السلام سبب.

أمّا الاُخروي الّذي هو الإيمان فظاهر.(٢)

وأمّا الدنيوي الّذي هو الوجود، فلأنّهم السبب، لأنّ الأرض وما فيها إنّما خلقت لأجلهم، كما ورد عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: لولا أنا وأنت يا علي، ما خلق اللَّه الخلق.(٣)

وسرّه أنّه تعالى جعل كلّ ما هو أشرف وأعلى سبباً كماليّاً، وعلّة غائية لما هو أخسّ، فخلق الأرض للنبات، والنبات للحيوان، والحيوان للإنسان كما قال سبحانه وتعالى مخاطباً للإنسان:( خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ) .(٤)

وآخر درجة الإنسان - الّذي هو غاية هذه الأكوان - هو الإنسان الكامل وخليفة اللَّه في الأرض، هو محمّد وأهل بيته من الأئمّة عليهم السلام ولذلك ورد عنهم عليهم السلام: «لو بقيت الأرض بغير امام لساخت»(٥) لأنّها إنّما خلقت لأجله، وكلّما خلق شيء لأجل شيء، فمتى لم يكن، لم يكن ذلك الشيء، فظهر أنّهم عليهم السلام أصل كلّ نعمة وسبب كلّ إحسان، وقد قال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: «جُبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها

____________________

(١) تبوّأ المكان، وبه: نزله وأقام به، وفي التنزيل العزيز:( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ ) الحشر:٩.

(٢) في حديث عن أبي ذرّ رحمة الله قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول: لولا أنا وعليّ ما عرف اللَّه، ولولا أنا وعليّ ما عُبد اللَّه، ولولا أنا وعليّ ما كان ثواب ولا عقاب. البحار: ٩٦/٤٠.

(٣) وكما ورد في حديث الكساء: إنّي ما خلقت سماءً مبنيّة، ولا أرضاً مدحيّة.... إلاّ لأجلكم.

(٤) البقره: ٢٩.

(٥) كمال الدين: بإسناده عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: لوبقيت الأرض يوماً بلا إمام منّا لساخت بأهلها، ولعذّبهم اللَّه بأشدّ عذابه... البحار: ٣٧/٢٣ح٦٤.

٣٢

وبغض من أساء إليها».(١)

ثمّ الرجوع إلى الكتاب والسنّة الدالّين على أنّهم سببها ووسائطها، ومصادرها ومواردها كما اُشير إلى ذلك في زيارة الحجّة عليه السلام: فما شيء منه إلّا وأنتم له السبب وإليه السبيل.(٢)

وروي الكراجكي قدس سره في كنز الفوائد: عن الصادق عليه السلام إنّ أبا حنيفة أكل معه عليه السلام فلمّا رفع الصادق عليه السلام يده عن أكله قال: «الحمد للَّه ربّ العالمين، اللّهمّ إنّ هذا منك ومن رسولك صلى الله عليه وآله وسلم».

فقال أبو حنيفة: يا أبا عبداللَّه أجعلت مع اللَّه شريكاً؟ فقال عليه السلام:ويلك إنّ اللَّه تعالى يقول:( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) (٣) وقال أيضاً( وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ ) .(٤)

فقال أبو حنيفة: لكأنّي ما قرأتهما من كتاب اللَّه ولا سمعتهما إلّا هذا الوقت.

فقال أبو عبداللَّه عليه السلام: بلى قد قرأتهما وسمعتهما، ولكنّ اللَّه تعالى أنزل فيك وفي أشباهك:( أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) (٥) وقال:( كَلَّا بَلْ رَانَ (٦) عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) (٧) .(٨)

ثمّ إنّك لاتفقد في كلّ آنٍ نعمة سابقة ببركتهم ودعائهم إليك، أو بليّة أرضيّة أو سماويّة وصرفت بتوجّههم عنك، فإنّ سهام حوادث الدهر ترمي متتالية، وشرور الأيّام تنزل متواترة، فأنت في كلّ حال مستعبد لهم بإحسان جديد، أو دفع شرّ

____________________

(١) تحف العقول: ٣٧، عنه البحار: ١٤٢/٧٧ ح ١٨.

(٢) البحار: ٣٧/٩٤ س٦.

(٣و٤) التوبه: ٥٩،٧٤.

(٥) محمّد صلى الله عليه وآله وسلم: ٢٤.

(٦) ران الشيء فلاناً: غلبه وغطّاه.

(٧) المطفّفين: ١٤.

(٨) كنزالفوائد: ٣٦/٢، عنه البحار: ٢١٦/١٠ ح ٢١٦، و٢٤٠/٤٧ ح ٢٥، و٣٨٤/٦٦ ح٥٢ والوسائل: ٤٨٢/١٦ ح٩.

٣٣

عتيد، فإن أدمنت(١) تذكّر ورود تلك النعم فيك، تجد عياناً أنّهم أحبّ من نفسك إليك.

الثالث : إتّباع أوامرهم، والعمل بمحبوباتهم، والتأسّي بسنّتهم، والتشبّه بهم في حركاتهم وسكناتهم، والإنتهاء عن مناهيهم، وهذا مسبّب غالباً عن بعض مراتب المحبّة، وسبب لحصول مرتبة اُخرى فيها، بل وردت في الأخبار الكثيرة: على أنّ ولايتهم لاتنال إلّا بالورع - كما سيأتي ذكرها(٢) - بناء على أنّ المراد بالولاية -بالفتح - وهي المحبّة، كما هو الظاهر، وبه صرّح الطريحي قدس سره في قوله عليه السلام: بني الإسلام على خمس وعدّ منها الولاية... الحديث. (٣)

وأمّا معرفة حقّهم، واعتقاد الإمامة فيهم، فذلك من أصول الدين لا من الفروع العمليّة.

المقدّمة الثانية:

في الآثار والعلائم الّتي بها يعرف المحبّ ويمتاز كما صرّحت بها عدّة من الأخبار.

منها : ما روى الصدوق قدس سره في كتاب الخصال عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: من رزقه اللَّه حبّ الأئمّة من أهل بيتي، فقد أصاب خير الدنيا والآخرة، فلايشكّنّ أحد أنّه في الجنّة، فإنّ في حبّ أهل بيتي عشرين خصلة، عشر منها في الدنيا، وعشر في الآخرة.

أمّا الّتي في الدنيا: فالزّهد، والحرص على العمل، والورع في الدين، والرغبة

____________________

(١) أدمنته: واظبته ولازمته.

(٢) ص: ٣٦.

(٣) مجمع البحرين: ١٩٨١/٣ مادّة ولي، البحار: ٣٢٩/٦٨ ح١، و٣٣٢ ح ٨، و٣٧٦ ح٢١.

٣٤

فى العبادة، والتوبة قبل الموت، والنشاط في قيام الليل، واليأس ممّا في أيدي الناس والحفظ لأمر اللَّه ونهيه عزّوجلّ، والتاسعة بغض الدنيا، والعاشرة السخاء.

وأمّا الّتي في الآخرة: فلاينشر له ديوان، ولاينصب له ميزان، ويعطى كتابه بيمينه ويكتب له برائة من النار، ويبيّض وجهه، ويكسى من حلل الجنّة، ويشفع في مائة من أهل بيته، وينظر اللَّه عزّوجلّ إليه بالرحمة، ويتوّج من تيجان الجنّة والعاشرة: يدخل الجنّة بغير حساب، فطوبى لمحبّي أهل بيتي.(١)

أقول : حبّ الدنيا على قسمين:

الأوّل : أن يحبّ الدنيا استقلالاً بنحو الموضوعيّة، وهو المراد من حبّ الدنيا المذموم في الرواية، يعني بما هي دنيا.

الثّاني : أن يحبّ الدنيا طريقاً لتحصيل الآخرة، ورضاء اللَّه جلّ وعلا، واستعمالها فيما أمره، وهو الممدوح منها، وبهذا يجمع بين الروايات الواردة في مدحها، والواردة في ذمّها.

ومنها : ما روى صاحب كتاب بشارة المصطفى: عن الحسن(٢) بن معتمر، عن عليّ عليه السلام أنّه قال - في خبر شريف -: يا حسن، من سرّه أن يعلم أمحبّ لنا هو أم مبغض، فليمتحن قلبه، فإن كان يحبّ وليّاً لنا، فليس بمبغض [لنا]، وإن كان يبغض وليّاً لنا، فليس بمحبّ لنا.(٣)

وفى هذا الكتاب أيضاً قال: حدّثنا إبراهيم عبدالحميد، عن زيد بن اُسامة الشحّام عن أبي عبداللَّه جعفر بن محمّد عليهما السلام أنّه قال:

____________________

(١) الخصال: ٥١٥/٢ ح١، عنه البحار: ٧٨/٢٧ ح ١٢.

(٢) هكذا، ولكن الصحيح كما في أمالي المفيد والطوسي: حنش، وفي البحار: حبيش، وكليهما متّحدان. اُنظر معجم رجال الحديث: ٢١٥/٤ و٢٣٠، و٣٠٦/٦.

(٣) بشارة المصطفى: ٤٦، أمالي الطوسي: ١١٣ ح ١٧٢، أمالي المفيد: ٣٣٤ ح٤، عنهما البحار:٥٣/٢٧ ح٦.

٣٥

إنّكم لن تنالوا ولايتنا إلّا بالورع، والإجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة وحسن الجوار، وحسن الخلق، والوفاء بالعهد، وصلة الرحم، وأعينونا بطول السجود. ولو أنّ قاتل عليّ عليه السلام ائتمنني على أمانة لأديّتها إليه.(١)

ومنها : ما في كتاب العلل: بإسناده إلى الحكم بن أبي ليلى قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم: لايؤمن عبد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه، وتكون عترتي(٢) أحبّ إليه من عترته، وتكون أهلي(٣) أحبّ إليه من أهله، وتكون ذاتي(٤) أحبّ إليه من ذاته.(٥)

ومنها : ما روي عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قوله تعالى:( مَّا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِّن قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ ) (٦) فيحبّ بهذا ويبغض بهذا، أمّا محبّنا فيُخْلص الحبّ لنا، كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه.

من أراد أن يعلم حبّنا فليمتحن قلبه فإن شارك في حبّنا حبّ عدوّنا فليس منّا ولسنا منه، واللَّه عدوّه وجبرئيل وميكائيل، واللَّه عدوّ للكافرين.(٧)

فى الأمالي : عن ابن البرقي، بأسانيده عن هشام بن سالم، عن الصادق عليه السلام قال: من جالس لنا عائباً، أو مدح لنا والياً، أو واصل لنا قاطعاً، أو قطع لنا واصلاً، أو

____________________

(١) بشارة المصطفى: ٢٦٠.

(٢) العترة: ما تفرّعت منه الشُعَب، نسل الرجل. عترة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم لامحالة ولد فاطمة عليها السلام.

(٣) الأهل: الأقارب والعشيرة.

(٤) ذاتي: أي ما ينسب إليّ سوى ما ذكر. (البحار).

(٥) علل الشرايع: ١٤٠/١ ح٣، عنه البحار: ٨٦/٢٧ ح ٣٠، وص ١١٢ ح ٨٥ عن فردوس الأخبار وأخرجه في بشارة المصطفى: ٥٢ و١٦٨ (نحوه).

(٦) الأحزاب: ٤.

(٧) تأويل الآيات: ٤٤٧/٢ ح١، عنه البحار: ٣١٧/٢٤ ح ٢٣، وأورده في بشارة المصطفى: ٨٧ وأمالى الطوسي: ١٤٧/١ ح ٥٦، عنه البحار: ٨٣/٢٧ ح ٢٤ عن أميرالمؤمنين عليه السلام (نحوه)، والحديث طويل ذكره مختصراً.

٣٦

والى لنا عدوّاً، أو عادى لنا وليّاً، فقد كفر بالّذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم.(١)

وفي الإختصاص، وبصائر الدرجات : بإسناده عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا أميرالمؤمنين عليه السلام يوماً جالس في المسجد وأصحابه حوله، فأتاه رجل من شيعته فقال: يا أميرالمؤمنين، إنّ اللَّه يعلم أنّي اُدينه بحبّك في السرّ كما اُدينه بحبّك في العلانية، وأتولّاك في السرّ كما أتولّاك في العلانية.

فقال أميرالمؤمنين عليه السلام: صدقت، أما فاتّخذ للفقر جلباباً(٢) ، فإنّ الفقر أسرع إلى شيعتنا من السيل إلى قرار(٣) الوادي.

قال: فولّى الرجل، وهو يبكي فرحاً لقول أمير المؤمنين عليه السلام الحديث.(٤)

ومنها : ما في وصايا أبي جعفر الباقر عليه السلام لجابر الجعفي - وهي وصيّة جامعة نافعة -قال عليه السلام: واعلم بأ نّك لاتكون لنا وليّاً حتّى لو اجتمع عليك أهل مصرك وقالوا: إنّك رجل سوء لم يحزنك ذلك، ولو قالوا: إنّك رجلٌ صالح لم يسرّك ذلك ولكن أعرض نفسك على ما في كتاب اللَّه، فإن كنت سالكاً سبيله، زاهداً في تزهيده راغباًفى ترغيبه، خائفاً من تخويفه، فأثبت وأبشر، فإنّه لايضرّك ما قيل فيك، وإن كنت مبائناً للقرآن فما ذا الّذي يغرّك من نفسك؟

إنّ المؤمن معني(٥) بمجاهدة نفسه ليغلبها على هواها، فمرّة يقيم أَوَدَها(٦)

____________________

(١) أمالي الصدوق: ١١١ ح٧ المجلس الثالث عشر، عنه البحار: ٥٢/٢٧ ح٤، مشكاة الأنوار: ٨٤.

(٢) الجلباب: القميص، والثوب المشتمل على الجسد كلّه، كنّي عن الصبر، لأنّه يستر الفقر كما يستر الجلباب البدن.

(٣) القرار: المكان المنخفض يجتمع فيه الماء.

(٤) الإختصاص: ٣٠٥، بصائر الدرجات: ٣٩١ ح٣، عنها البحار: ٢٩٤/٤١ ح ١٧، و٤٣/٧٢ ح٥١، ومدينة المعاجز: ١٩٨/٢ ح ٥٠٣.

(٥) عني بالأمر، عنياً وعناية: إهتمّ وشغل به، فهو معنيّ به.

(٦) أوِدَ أَوَداً: أعوج. يقال: أقام أوَده: أي قوّم إعوجاجه.

٣٧

ويخالف هواها في محبّة اللَّه، ومرّة تصرعه(١) نفسه فيتّبع هواها فينعشه اللَّه(٢) فينتعش، ويقيل اللَّه عثرته فيتذكّر.(٣)

وعن جابر أيضاً قال: خدمت سيّد الأنام(٤) أبا جعفر عليه السلام ثمانية عشر سنة، فلمّا أردت الخروج ودّعته فقلت له: أفدني، فقال: بعد ثمانية عشر سنة يا جابر؟! قلت:نعم، إنّكم بحر لاينزف(٥) ولايبلغ قعره.

قال: يا جابر، بلّغ شيعتي عنّي السلام، وأعلمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين اللَّه عزّوجلّ، ولايتقرّب إليه إلّا بالطاعة له، يا جابر، من أطاع اللَّه وأحبّنا فهو وليّنا.(٦)

وفي الكافي: عن معلّى بن خنيس قال: سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن حقّ المؤمن فقال: سبعون حقّاً لا اُخبرك إلّا بسبعة، فإنّي عليك مشفق أخشى أن لاتحتمل(٧) فقلت:بلى إنشاء اللَّه.

فقال عليه السلام: لاتشبع ويجوع، ولاتكتسي ويعري، وتكون دليله، وقميصه الّذي يلبسه(٨) ، ولسانه الّذي يتكلّم به، وتحبّ له ما تحبّ لنفسك، وإن كانت لك جارية بعثتها لتمهّد فراشه وتسعى في حوائجه بالليل والنهار، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايتنا، وولايتنا بولاية اللَّه عزّوجلّ. (٩)

____________________

(١) صرعه، صرعاً: طرحه على الأرض.

(٢) نعشه: رفعه.

(٣) تحف العقول: ٢٨٤، عنه البحار ١٦٢/٧٨ ح١.

(٤) سيّدنا الإمام، خ.

(٥) نزف: نفد وفني.

(٦) أمالي الطوسي: ٢٩٦ ح ٢٩ المجلس الحادي عشر، عنه البحار: ١٨٢/٧٨ ح ٨، وأورده الطبري رحمة الله في بشارة المصطفى: ١٨٩.

(٧) قال المجلسي قدس سره: أخشى أن لاتحتمل، أي لاتعمل بها، أو لاتقبلها حقّ القبول، فيدلّ على أنّ هذه من الآداب الّتي يعذر السامع بالجهل بها، والقائل في ترك القول إذا علم عدم عمل السامع بها....

(٨) أي تكون محرم أسراره ومختصّاً به غاية الإختصاص.

(٩) الكافي: ١٧٤/٢ ح ١٤عنه البحار: ٢٥٥/٧٤ ح ٥٢. وفيه زيادة على ما ذكر.

٣٨

وفى البلد الأمين : قال الصادق عليه السلام: ليس من شيعتنا من لم يصلّ صلاة الليل.(١)

وعنه عليه السلام: أبغض الخلق إلى اللَّه جيفة بالليل وبطّال بالنهار.(٢)

المقدّمة الثالثة

في أنّ الناس في تعرّف أحوال الأئمّة عليهم السلام على طرفي نقيض، فإنّ جماعة منهم أخذوا في طريق التفريط، وأنكروا كثيراً ممّا ورد في فضائلهم والحال أنّه لايعرف ذلك إلّا من طرقهم عليهم السلام مع الفهم السليم والإدراك المستقيم، فكم من قائل قول في ذلك كفّر غيره وكفّره غيره، وقليل من الناس اطّلعوا على دقائق علائق الإمامة وعرفوا حقائق أحوال الأئمّة على ما هو الحقّ الصحيح المأخوذ عنهم عليهم السلام، فأقاموا على النمرقة الوسطى الّتي لا عوج فيها، ولم يزالوا فيما زلّت فيه أقدام غيرهم، ولهذا كان أئمّتنا لايظهرون سرائر حالاتهم على كلّ أحدٍ، بل كانوا ينتجبون بعض كمّل الخواصّ لذكر نبذ من خصائصهم مشترطين عليهم سرّ ذلك عن السفلة والجهّال كما ورد عنهم عليهم السلام: إنّ أمرنا مستصعب لايحتمله إلّا ملك مقرّب، أو نبيّ مرسل، أو عبد مؤمن امتحن اللَّه قلبه للإيمان.(٣)

فمن أهل التفريط: من زعم أنّهم عليهم السلام لايعرفون كثيراً من الأحكام حتّى ينكت في قلوبهم.

ومنهم: من زعم أنّهم عليهم السلام يلجأون إلى الرأي والظنون، ومن أنكر تفضيلهم

____________________

(١) البلد الأمين: ٤٧ هامش، روضة الواعظين: ٣٢١، عنه البحار: ١٦٢/٨٧ ذ ح ٥٣، ورواه في الدعوات: ٢٧٢ ح ٧٧٨، المقنعة: ١٩ س ١٦، عنه الوسائل: ٢٨٠/٥ ح ١٠.

(٢) البحار: ١٥٨/٨٧ ح ٤٦، عن كتاب الغايات.

(٣) بصائر الدرجات: ٢٦ باب ١٢ في أئمّة آل محمّد عليهم السلام أنّ أمرهم صعب مستصعب، وفيه حديثين، ولهذا الباب تتمّة، وفيه ٩ أحاديث.

٣٩

على غير النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من سائر الأنبياء، وكذا الملائكة، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى:( وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ ) (١) .

قال شرف الدين النجفي قدس سره: روي عن الصادق عليه السلام قال: أي من شيعه عليّ عليه السلام لإبراهيم عليه السلام.(٢)

ويؤيّده ما رواه الشيخ محمّد بن الحسن - بالأسانيد المفصّلة - قال: سأل جابر ابن يزيد الجعفي الصادق عليه السلام عن تفسير هذه الآية فقال عليه السلام: إنّ اللَّه سبحانه لمّا خلق إبراهيم عليه السلام كشف له عن بصره فنظر فرأى نوراً إلى جنب العرش، فقال: إلهي ماهذا النور؟ فقيل له: هذا نور محمّد صلى الله عليه وآله وسلم صفوتي من خلقي.

ورأى نوراً إلى جنبه، فقال: إلهي وما هذا النور؟ فقيل له: هذا نور عليّ عليه السلام ناصر ديني. ورأى إلى جنبهما ثلاثة أنوار، فقال: إلهي وما هذه الأنوار؟ فقيل له: هذا نور فاطمة عليها السلام فطمت محبّيها من النار، ونور ولديها الحسن والحسين عليهما السلام. فقال: إلهي وأرى تسعة أنوار قد حفّوا(٣) بهم. قيل: يا إبراهيم، هؤلاء الأئمّة من ولد عليّ وفاطمة عليهما السلام.

فقال إبراهيم عليه السلام: إلهي بحقّ هؤلاء الخمسة إلاّ ما عرّفتني من التسعة. فقيل: يا إبراهيم، أوّلهم عليّ بن الحسين، وابنه محمّد، وابنه جعفر، وابنه موسى، وابنه عليّ وابنه محمّد، وابنه عليّ، وابنه الحسن، والحجّة القائم عليه السلام ابنه.

فقال إبراهيم: إلهي وسيّدي أرى أنواراً قد أحدقوا بهم ولايحصي عددهم إلّا أنت.قيل: يا إبراهيم، هؤلاء شيعتهم شيعة أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام.

فقال إبراهيم عليه السلام: وبما ذا تعرف شيعته؟ فقال: بصلاة إحدى وخمسين، والجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، والقنوت قبل الركوع، والتختّم باليمين، فعند ذلك قال إبراهيم: اللهمّ اجعلني من شيعة أميرالمؤمنين. قال: فأخبر اللَّه في كتابه،

____________________

(١) الصافّات: ٨٣.

(٢) تأويل الآيات: ٤٩٥/٢ ح٨.

(٣) أي أحاطوا. وفي البحار: قد أحدقوا بهم.

٤٠